اسلام صبحي

لقد شاع بين المسلمين في العقود الأخيرة توزيع الميراث والوالدين أو أحدهما علي قيد الحياة وهذا عبث في الشرع وباطل إنما التوريث لا يكون  الا بعد الموت الطبيعي للأب أو للأم//موسوعة المواريث وعلم الفرائض/ اسلام صبحي 3دفائق تلاوة من سورة هود /اخبط الرابط وافتح التلاوة https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

 موسوعة المواريث وعلم الفرائض

عقائد فاسدة

اسلام صبحي سورة هود https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

ج3. صفحة : 600 .الاغاني للاصبهاني

ج3. صفحة : 600 .الاغاني للاصبهاني  

 ج3. صفحة : 600 .

فللموت خيرمن حياة خسيسة                      تباعده طورا وطورا تقاربه الشعر لزبان بن سيار الفزاري، حدثني بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه. والغناء لإسحاق رمل بالوسطى.

أخبرنا محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنا يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق قال: أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا لا يسمع حرفا من الأغاني، فكان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع متسترا متشبها في أول أمره بالرشيد، فأقام كذلك أربع حجج، ثم ظهر إلى الندماء والمغنين. وكان حين أحب السماع سأل عني، فجرحت بحضرته، وقال الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة، قال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا إلا استعمله. فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني، لسوء رأيه الذي ظهر في، فأضر ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك? فإنا قد دعينا اليوم، فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك: لمن هذا، فإذا سألك انفتح لك ما تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، فقال: هات، فألقيت عليه لحني في شعري:

يا سرحة الماء قد سدت موارده                      أما إليك طريق غير مسـدود

لحائم حام حتـى لاحـيام لـه                      محلأ عن طريق الماء مطرود - الغناء لإسحاق رمل بالوسطى عنه وعن عمرو - قال: فمضى علويه، فلما استقر به المجلس، غناه بالشعر الذي أمرته، فما عدا المأمون أن يسمع الغناء حتى قال: ويحك يا علويه، لمن هذا? قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته من غير جرم، فقال: أإسحاق تعني. قال: نعم، قال: يحضر الساعة، فجاءني رسوله فصرت إليه. فلما دخلت عليه قال: ادن فدنوت، فرفع يديه مادهما، فانكببت عليه، واحتضنني بيديه، وأظهر من بري وإكرامي ما لو أظهره صديق مؤانس لصديقه لبره.

أخبرني محمد بن إبراهيم الجرجاني قريض قال: قال لي أحمد بن أبي العلاء: غنيت المعتضد يوما وهو أمير صوت إسحاق:

يا سرحة الماء قد سدت موارده                      أما إليك طريق غير مسـدود فطرب واستعاده مرارا، وقال: هذا والله الغناء الذي يخالط الروح ويمازج اللحم والدم.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو العبيس بن حفدون قال أخبرني أبي قال: لما غنى إسحاق في شعره هذا:

لأسماء رسم عفا باللوى أقام                      رهينا لطـول الـبـلـى

تعاوره الدهرفي صرفـه                      بكر الجديدين حتى عـفـا - الشعر لإسحاق من قصيدة مدح بها الرشيد، والغناء له ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لسليم قيل أول من رواية الهشامي، وذكر حبش أنه لإبراهيم بن المهدي- قال: فكان الناص يتهادونه كما يتهادون الطرفة والباكورة. وقال أبو العبيس حدثني ابن مخارق: أن الواثق بعث إلى أبيه مخارق لما صنع إسحاق هذا الصوت ليلقيه عليه، فصادفه عليلا - ولم يكن أحد يلقن عن إسحاق طرح الغناء كما يلقنه مخارق- فأعاد إليه الرسول ومعه محفة، وقال: لا بد أن يجيء على كل حال، فتحامل وصار إليه حتى أخذ الصوت عن إسحاق ورجع.

وذكر محمد بن الحسين الكاتب عن أبي حارثة الباهلي عن أخيه أبى معاوية: أن إسحاق كان يتحلى بالشجاعة والفروسية ويحب أن ينسب إليهما، ويركب الخيل ويتعلم بها آفة من الآفات المعترضة على العقول. وكان قد شهد بعض مشاهد الحروب فأصابه سهم فنكص على عقبيه، فقال أخوه طياب فيه:

وأنت تكلفت ما لا تـطـيق                      وقلت أنا الفارس الموصلي

فلما أصـابـتـك نـشـابة                      رجعت إلى سـنـك الأول أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق قال: قال حمزة الزيات القارىء، يا موصلي، إن لي فيك رأيا، أفترضى مع فهمك وأدبك ورأيك أن يكون عوضك من الآخرة فضل مطعم على مطعم.

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني أبو سعيد السكري قال أنشدني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي لعمه يقول لإسحاق:

أئن تغنيت للشـرب الـكـرام ألا                      رد الخليط جمال الحي فانفرقـوا

وقيل أحسنت فاستدعاك ذاك إلـى                      ما قلت ويحك لايذهب بك الخرق

وقيل أنت حسان الناس كـلـهـم                      وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا

 

صفحة : 601

 

 

فما بهذا تقوم الـنـادبـات ولا                      يثنى عليك إذا ماضمك الخرق قال يحيى بن علي: إن هذه الأبيات تروى لابن المنذر العروضي وللأصمعي.

ا قال مؤلف هذا الكتاب: كان إسحاق يأخذ عن الأصمعي ويكثر الرواية عنه، ثم فسد ما بينهما، فهجاه إسحاق وثلبه وكشف للرشيد معايبه، وأخبره بقلة شكره وبخله وضعة نفسه وأن الصنيعة لا تزكو عنده، ووصف له أبا عبيدة معمر بن المثنى بالثقة والصدق والسماحة والعلم، وفعل مثل ذلك للفضل بن الربيع واستعان به، ولم يزل حتى وضع مرتبة الأصمعي وأسقطه عندهم، وأنفذوا إلى أبي عبيدة من أقدمه.

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أنشدت الفضل بن الربيع أبياتا كان الأصمعي أنشدنيها في صفة فرس:

كأنه في الجل وهو سامي                      مشتمل جاء من الحمـام

يسور بين السرج واللجام                      سور القطامي إلى اليمام قال: ودخل الأصمعي فسمعني أنشدها، فقال: هات بقيتها، فقلت له: ألم تقل إنه لم يبق منها شيء. فقال: ما بقي منها إلا عيونها، ثم أنشد بعد هذه الأبيات ثلاثين بيتا منها، فغاظني فعله، فلما خرج عرفت الفضل بن الربيع قلة شكره لعارفة وبخله بما عنده، ووصفت له فضل أبي عبيدة معمر بن المثنى وعلمه ونزاهته وبذله لما عنده واشتماله على جميع علوم العرب، ورغبته فيه، حتى أنفذ إليه مالا جليلا واستقدمه فكنت سبب مجيئه به من البصرة.

أخبرني عمي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق قال: جاء عطاء الملك بجماعة من أهل البصرة إلى قريب أبي الأصمعي، وكان ندلا من الرجال، فوجده ملتفا في كسائه نائما في الشمس، فركضه برجله وصاح به: يا قريب، قم ويلك، فقال له: هل لقيت أحدا من أهل العلم قط أو من أهل اللغة أو من العرب أو من الفقهاء أو من المحدئين. قال: لا والله، قال: ولا سمعت شيئا ترويه لنا أو تنشدناه أو نكتبه عنك. قال: لا والله، فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعي، فاشهدوا لي عليه وعلى ما سمعتم منه، لا يقل لكم غدا أو بعده: حدثني أبي أو أنشدني أبي، ففضحه. قال الفضل: ثم مرض الأصمعي، وكان الحال بينه وبين إسحاق الموصلي انفرجت، فعاده أبو ربيعة، وكان يرغب في الأدب ويبر أهله، فقال له الأصمعي: أقرضني خمسة آلاف درهم، فقال: أفعل. فقال له أبو رببعة: فأي شيء تشتهي سوى هذا. فقال: أشتهي أن تهدي إلي فصا حسنا وسيفا قاطعا وبردا حسنا وسرجا محلى، ققال: أفعل، وبعث بذلك إليه لما عاد إلى منزله. وبلغ ذلك اسحاق فقال:

أليس من العجـائب أن قـردا                      أصيمع باهلـيا يسـتـطـيل

ويزعم أنه قـد كـان يفـتـي                      أباعمرو ويسألـه الـخـلـيل

إذا ما قال قال أبي عجـبـنـا                      لما يأتي بـه ولـمـا يقـول

وما إن كان يدري مـا دبـير                      أبوه إن سألت ومـا قـبـيل

وجلله عطاء المـلـك عـارا                      تزول الـراسـيات ولا يزول

نصحت أبا ربيعة فيه جهـدي                      وبعض النصح أحيانا ثـقـيل

فقل لأبي ربيعة إذ عصـانـي                      وجار به عن القصد السبـيل

لقد ضاعت برودك فاحتسبهـا                      وضاع الفص والسيف الصقيل

وسرج كان للـبـرذون زينـا                      له في إثره جزعا صـهـيل

وأما الخمسة الآلاف فاعـلـم                      بأنك غبنهـا لا تـسـتـقـيل

وأن قضاءها فتعز عـنـهـا                      سيأتي دونـه زمـن طـويل حدثني محمد بق مزيد قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كنت جالسا بين يدي الواثق وهو ولي عهد، إذ خرجت وصيفة من القصر كأنها خوط بان، أحسن من رأته عيني قط، تقدم عدة وصائف بأيديهن المذاب والمناديل ونحو ذلك، فنظرت إليها نظر دهش وهو يرمقني. فلما تبين إلحاح نظري قال: مالك يا أبا محمد قد انقطع كلامك وبانت الحيرة فيك، فتلجلجت، فقال لي: رمتك والله هذه الوصيفة فأصابت قلبك، فقلت: غير ملوم، فضحك ثم قال: أنشدني في هذا المعنى، فأنشدته قول المرار:

ألكني إليها عمرك الله يا فـتـى                      بآية ما قالت متـى هـو رائح

وآيه ما قالت لـهـن عـشـية                      وفي الستر حرات الوجوه ملائح

تخيرن أرماكن فارمـين رمـية                      أخا أسد إذ طرحته الـطـوارح

 

صفحة : 602

 

 

فلبسن مسلاس الوشاح كأنها                      مهاة لها طفل برمان راشح فقال له الواثق: أحسنت بحياتي وظرفت، اصنع فيها لحنا، فإن جاء كما نريد وأطربنا فالوصيفة لك فصنعت فيه لحنا وغنيته إياه، فاصطبح عليه وشرب بقية يومه وليلته حتى سكر، و لم يقترح علي غيره، وانصرفت بالجارية.

حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي عن إسحاق قال: دخلت على الواثق يوما وهو خاثر النفس، فأخذت عودا من الخزانة ووقفت بين يديه فغنيته:

من الظباء ظباء همها الـسـخـب                      ترعى القلوب وفي قلبي لها عشب

أهوى الظباء اللواتي لا قرون لهـا                      وحليها الدر والياقوت والـذهـب

لايغـتـربـن ولايسـكـن بـادية                      وليس يعرفن ماصـر ولاحـلـب

وفي الذين غدوا، نفسي الفداء لهـم                      شمس تبرقع أحيانا وتـنـتـقـب

ياحسن ماسرقت عيني وما انتهبـت                      والعين تسرق أحيانا وتنـتـهـب

إذا يد سرقت فالقطع يلـزمـهـا                      والقطع في سرق العينين لايجـب قال: فهش إلي ونشط ودعا بطعام خفيف وأكلنا واصطبح وأمر لي بمائة ألف درهم. و أخبرني به الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن علي بن الحسن عن إبراهيم بن محمد الكرخي عن إسحاق، فذكر مثله، وقال فيه: فأمر لي بعشرة آلاف درهم.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني عبيد الله بن عبدالله بن طاهر عن أخيه محمد قال: كان إسحاق الموصلي يدخل في مبطنة وطيلسان مثل زي الفقهاء على المأمون، فسأله إن يأذن له في دخول المقصورة يوم الجمعة بدراعة سوداء وطيلسان أسودة فتبسم المأمون وقال له: ولا كل هذا بمرة يا إسحاق، ولكن قد اشترينا منك هذه المسألة بمائة ألف درهم حتى لا تغتم، وأمر بحملها إليه فحملت.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني عبيد الله بن عبدالله قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أبي خالد الأسلمي: أنه ذكر إسحاق يوما وكان يفضله ويعالم شأنه ويقدمه في الشعر تقديما مفرطا، فقال: ما قولكم في رجل محدث تشبه بذي الرمة وقال على لسانه شعرا وغنى فيه ونسبه إليه، فلم يشكك أحد سمعه أنه له ولا فطن لما فعل أحد إلا من حصل شعر ذي الرمة كله ورواه، فسئل أبو خالد عن هذا الشعر فقال:

ومدرجة للريح تيهاء لم تـكـن                      ليجشمها زمـيلة غـير حـازم

يضل بها الساري وإن كان هاديا                      وتقطع أنفاس الرياح النـواسـم

تعسفت أفري جوزها بشـمـلة                      بعيدة مابين القرا والمـنـاسـم

كأن شرار المرو من نبذها بـه                      نجوم هوت أخرى الليالي العواتم حدثني عمي وأحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق قال: غنيت المأمون يوما هذين البيتين:

لأحسن من قرع المثانـي ورجـعـهـا                      تواتر صوت الثغر يقـرع بـالـثـغـر

وسكرالهوى أروى لعظمي ومفصـلـي                      من الشرب في الكاسات من عاتق الخمر فقال لي المأمون: ألا أخبرك بأطيب من ذلك وأحسن. الفراغ والشباب والجدة.

حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال: كان لإسحاق غلام يقال له فتح، يستقي الماء لأهل داره على بغلين من بغاله دائما، فقال إسحاق: قلت له يوما: أي شيء خبرك يا فتح? قال: خبري أنه ليس في هذه الدار أحد أشقى مني ومنك، قلت: وكيف ذلك? قال: أنت تطعم أهل الدار الخبز وأنا أسقيهم الماء، فاستظرفت قوله وضحكت منه، ثم قلت له: فأفي شيء تحب? قال: تعتقني وتهب لي البغلين أستقي عليهما، فقلت له: قد فعلت.

أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي قال حدثنا حماد بن إسحاق قال: كان لأبي. البصير الشاعر قيان، وكان يتكلم في الغناء بغير علم ولا صواب فيضحك منه، فقال أبي فيه:

سكت عن الغناء فما أماري                      بصيرا لا ولاغير البصير

مخافة أن أجنن فيه نفسـي                      كما قد جن فيه أبوالبصير أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

 

صفحة : 603

 

نهاني الرشيد أن أغني أحدا غيره، ثم استوهبني جعفر بن يحيى وسأله أن يأذن لي في أن أغنيه ففعل، واتفقنا يوما عند جعفر بن يحيى وعنده أخوه الفضل، والرشيد يومئذ يعقب علة قد عوفي منها وليس يشرب، فقال لي الفضل: انصرف إلي الليلة حتى أهب لك مائة ألف الدرهم، فقلت له: إن الرشيد قد نهاني ألا أغني إلا له أو لأخيك، وليس يخفى عليه خبري، وأنا متهم عنده بالميل إليكم، ولست أتعرض له ولا أعرضك، ولم أجبه. فلما نكبهم الرشيد قال: إيه يا إسحاق، تركتني بالرقة وجلست ببغداد تغني للفضل بن يحيى، فحلفت بحياته أني ما جالسته قط إلا على المذاكرة والحديث، وأنه ما سمعني قط أغني إلا عند أخيه جعفر، وحلفت بتربة المهدي أن يسأل عن هذا جميع من في الدار من نسائه، فسأل عنه فحدثنه بمثل ما ذكرته له، وعرف خبر المائة الألف الدرهم التي بذلها لي فرددتها عليه. فلما دخلت عليه ضحك إلي ثم قال: قد سألت عن أمرك فعرفت منه مثل ما عرفتني، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضا مما بذله لك الفضل.

حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون عن إسحاق أنه كان يقول: الإسناد قيد الحديث، فتحدث مرة بحديث لا إسناد له، فسئل عن إسناده، فقال: هذا من المرسلات عرفا.

حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون عن أبيه، وحدثني عمي عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك عن إسحاق قال: أنشدت الفضل بن يحيى قول أبي الحجناء نصيب مولى المهدي فيهم:

عند الملوك مضرة ومنـافـع                      وأرى البرامك لا تضر وتنفع

إن كان سر كان غيرهـم لـه                      أو كان خير فهو فيهم أجمـع

إن العروق إذا استسر بها الثرى                      أشر النبات بها وطاب المزرع

فإذا جهلت من امرىء أعراقه                      وقديمه فانظر إلى مايصـنـع قال فقال: كأنا والله لم نسمع هذا الشعر قط، قد كنا وصلناه بثلاثين ألف درهم، وإذا نجدد له الساعة صلة له ولك معه لحفظك الأبيات، فوصلنا بثلاثين ألف درهم.

وأخبرني الصولي قال حدثني الحسن بن يحيى الكاتب أبو الجماز قال: عتب المأمون على إسحاق في شيء، فكتب إليه رقعة وأوصلها إليه من يده، ففتحها المأمون فإذا فيها قوله:

لاشيء أعظم من جرمي سوى أملي                      لحسن عفوك عن ذنبي وعن زللي

فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظمـا                      فأنت أعظم من جزمي ومن أملي فضحك ثم قال: يا إسحاق، عذرك أعلى قدرا من جرمك، وما جال بفكري، ولا أخطرته بعد انقضائه على ذكري.

حدثني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: خرجنا مع الواثق إلى القاطول للصيد، ومعنا جماعة الجلساء والمغنين وفيهم عمرو بن بانة وعلويه ومخارق وعقيد، وقدم إسحاق في ذلك الوقت فأخرجه معه، فتصيد على القاطول ثم عاد فأكل وشرب أقداحا، ثم أمر بالبكور إلى الصبوح فباكرنا واصطبحنا. فغنى عمرو بن بانة لحن إبراهيم الموصلي:

بلوت أمور الناس طرا فأصبحت                      مذممة عندي براء من الحمـد

وأصبح عندي من وثقت بغيبـه                      بغيض الأيادي كل إحسانه نكـد - ولحنه خفيف رمل بالوسطى- فغناه على ما أخفه من إبراهيم بن المهمي وقد غيره. فقال الواثق لإسحاق: أتعرف هذا اللحن? فقال: نعم، هذا لحن أبي ولكنه مما زعم إبراهيم بن المهدي أنه جندره وأصلحه فأفسده ودمر عليه، فقال له: غنه أنت، فغناه فأتى به على حقيقته واستحسنه الواثق جدا، فغم ذلك عمرو بن بانة فقال لإسحاق: أفأنت مثل إبراهيم بن المهلي حتى تقول هذا فيه، قال: لا والله ما أنا مثله، أما على الحقيقة فأنا عبده وعبد أبيه، وليس هذا مما نحن فيه، وأما الغناء فما دخولك أنت بيننا فيه ما أحسنت قط أن تأخذ فضلا عن أن تغني، ولا قمت بأداء غناء فضلا عن أن تميز بين المحسنين، وإلا فغن أي صوت شئت مما أخذته عنه وعن غيره كائنا من كان، فإن لم أوضح لك ولمن حضر أنه لا يسلم لك صوت من نقصان أجزاء وفساد صنعية فدمى به رهن، فأساء عمرو الجواب وأغلظ في القول، فأمضه الواثق وشتمه وأمر بإقامته عن مجلسه فأقيم. فلما كان من الغد دخل إسحاق على الواثق فأنشده:

ومجلسى باكرته بـكـورا                      والطير ما فارقت الوكورا

 

صفحة : 604

 

 

والصبح لم يستنطق العصفورا                      على غديرلم يكن دعـثـورا

لم تر عيني مثـلـه غـديرا                      يجري حباب مائه مسجـورا

على حصى تخسبه كافـورا                      تسمع للمـاء بـه خـريرا

ينسج أعلى متنـه سـطـورا                      نسيم ريح قد ونت فـتـورا

حتى تخال متنـه حـصـيرا                      والشرب قد حفوا به حضورا

وأمروا الـسـاقـي أن يديرا                      كأسهم الأصغر والكـبـيرا

وأعملوا البم معـا والـزيرا                      وجاوبت عيدانـهـم زمـيرا

وقربوا المغني الـنـحـريرا                      مقدما في حذقه مشـهـورا

فهم يطـيرون بـه سـرورا                      ولا ترى في شربهم تقصيرا

ولا لصفو عيشهـم تـكـديرا                      ولا لخلق منـهـم نـظـيرا

إلأ رجيلا منـهـم سـكـيرا                      معربدا موضـحـا شـريرا

مدعيا للعلـم مـسـتـعـيرا                      يروم سعيا كاذبا مـغـرورا

وأن يكون عالمـا بـصـيرا                      مفضلا بعلمـه مـذكـورا

غمزته ولم يكـن صـبـورا                      فعاذ مئي هاربا مـذعـورا

بمعسر تحسبـهـم حـمـيرا                      أشد منهم حمـقـا كـثـيرا

لا ينطقون الدهـر إلا زورا                      حتى إذا كسرته تـكـسـيرا

كالليث لما ضغم الخـنـزيرا                      ولي انهزاما خاسئا مدحـورا

معترفا بـذلـه مـقـهـورا                      وكنت قدما ضيغما هصورا

معتليا لـقـزنـه عـقـورا                      وما أخاف الزمن العـثـورا

إذ كنت بالواثق مسـتـجـيرا                      قد عز من كان له نصـيرا

إمـام عـدل دبـر الأمـورا                      برأيه ولـم يرد مـشــيرا

ترى من الحق علـيه نـورا                      تقبل المهدي والمنـصـورا

وجده الأدنى تـقـى وخـيرا                      ورثه المعتصم الـتـدبـيرا

فأصبح الملـك بـه مـنـيرا                      وأصبح العدل به منـشـورا

قد أمن الناس به المحظـورا                      إذا علا المنبر والـسـريرا

رأيت بدرا طالعـا مـنـيرا                      بحرا ترى الغني والفـقـيرا

يرجون منـه نـائلا غـزيرا                      والله لا زلت لـه شـكـورا

لا جاحد النعمى ولا كفـورا                      وكنت بالشكـر لـه جـديرا حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون قال: سمعت إسحاق يقول: أنشدني الأصمعي قول الأعشى:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا                      أو تنزلون فإنا معشـر نـزل ثم قلت له: أي شيء تحفظ في هذا المعنى.- وكان مع بخله بالعلم لا يبخل بمثل هذا- فأنشدني لربيعة بن مقروم الضبي:

ولقد شهدت الخيل يوم طرادها                      بسليم أوظفة القوائم هـيكـل

فدعوا نزال فكنت أول نـازل                      وعلام أركبه إذا لـم أنـزل حدثني عمي قال حدثنا عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: اجتمعنا يوما إما قال في منزلي أو في منزل محمد بن الحارث بن بسخنر، ودخلنا ودخل إلينا إسحاق الموصلي وعندنا ملاحظ تغنينا وقد قامت الصلاة، فدخل إسحاق وهي غائبة فقال: فيم كنتم ومن عندكم? فأخبرناه بخبرها، فقال: لا تعرفوها من أنا فيخرجها التصنع لي والتحفظ مني عن طبعها، ولكن دعوها وهواها حتى ننتفع بها، وخرجت وهي لا تعرفه وجلست كما كانت أولا، وابتدأت وغنت - والصنعة لفليح بن أبي العوراء، ولحنه رمل. هكذا أخبرنا إسحاق أن الغناء لفليح-:

إني تعلقت ظبيا شادنا خرقا                      علقته شقوة مني وماعلقا قال: فطرب إسحاق وشرب حتى والى بين خمسة أقداح من نبيذ شديد كان بين يديه وهو يستعيدها، فأخذ إسحاق دواة وكتب:

سأشرب ما دامت تغـنـي مـلاحـظ                      وإن كان لي في الشيب عن ذاك واعظ

ملاحظ غنينـا بـعـيشـك ولـيكـن                      عليك لما استحفظته مـنـك حـافـظ

فأقسم ما غنى غـنـاءك مـحـسـن                      مجيد ولم يلفظ كـلـفـظـك لافـظ

وفي بعض هذا القول منـي مـسـاءة                      وغيظ شديد لـلـمـغـنـين غـائظ

 

صفحة : 605

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني إسحاق قال: قال لي الرشيد يوما: بأي شيء يتحدث الناس. قلت: يتحدثون بأنك تقبض على البرامكة وتولي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح بي: وما أنت وذاك ويلك، فأمسكت. فلما كان بعد أيام دعا بنا فكان أول شيء غنيته:

إذا نحن صدقـنـاك                      فضرعندك الصدق

طلبنا النفع بالـبـاط                      ل إذ لم ينفع الحـق

فلو قدم صبـا فـي                      هواه الصبر والرفق

لقدمت على النـاس                      ولكن الهـوى رزق في هذه الأبيات خفيف رمل بالوسطى ينسب إلى إسحاق وإلى ابن جامع، والصحيح أنه لإسحاق. وقيل: إن الشعر لأبي العتاهية. قال: فضحك الرشيد وقال لي: يا إسحاق، قد صرت حقودا.

أخبرني الحسم قال حدثنا يزيد بن محمد قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على المعتصم يوما بسر من رأى، فإذا الواثق بين يديه وعنده علويه ومخارق، فغناه مخارق صوتا فلم ينشط له، ثم غناه علويه فأطربه. فلما رأيت طربه لغناء علويه دون غناء مخارق اندفعت فغنيته لحني:

تجنبت ليلى أن يلج بك الهـوى                      وهيهات كان الحب قبل التجنب فأمر لي بألف دينار ولعلويه بخمسمائة دينار، ولم يأمر لمخارق بشيء.

 

تجنبت ليلى أن يلج بك الـهـوى                      وهيهات كان الحب قبل التجنـب

ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـك                      صدى أينما تذهب به الريح يذهب الشعر للمجنون. والغناء لإسحاق ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وغنى ابن جامع في هذين البيتين وبيتين آخرين أضافهما إليهما ليسا من هذا الشعر، هزجا بالبنصر. والبيتان المضافان:

برى اللحم عن أحناء عظمى ومنكبي                      هوى لسليمى في الفؤاد المـعـذب

وإني سـعـيد أن رأت لـك مـرة                      من الدهرعيني منزلا في بني أبـي أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: غنى علويه بين يدي الواثق يوما:

خليل لي سأهجره                      لذنب لست أذكره

ولكني سـأرعـاه                      وأكتمه وأستـره

وأظهرأنني راض                      وأسكت لا أخبره

لكي لايعلم الواشي                      بما عندي فأكسره - الشعر والغناء لإسحاق هزح بالوسطى- قال: فطرب الواثق طربا شديدا، واستحسن اللحن، وأمر لعلويه بألف دينارثم قال: أهذا اللحن لك? قال: لا يا أمير المؤمنين، هو هذا لهذا الهزبر يعني إسحاق- قال: وكان إسحاق حاضرأ- فضحك الواثق وقال: قد ظلمناه إذا، وأمر لإسحاق بثلاثين ألف درهم.

أخبرنا علي بن عبد العزيز الكاتب عن عبيد الله بن عبدالله بن خرداذبه عن أبيه قال: كان إسحاق عند الفتح بن الحجاج الكرخي وعلويه حاضر فغناه علويه:

علقتك ناشئا حـتـى                      رأيت الرأس مبيضا

على يسر وإعسـار                      وفيض نوالكم فيضا

ألا أحبب بأرض كن                      ت تحتلينها أرضـا

وأهلك حبذا مـاهـم                      وإن أبدوا لي البغضا الشعر لابن أذينة. والغناء لابن سريج قيل أول بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق. وفيه لإسحاق هزج خفيف، مطلق في مجرى البنصر، عن إسحاق أيضا. وفيه للأبجر قيل أول، ولإبراهيم الموصلي رمل، جميع ذلك عن الهشامي.

قال فغناه إياه في الئقيل، ثم غناه هزجا، فقال له الفتح، لمن الثقيل. فقال: لابن سريج، قال: فلمن الهزج. قال: لهذا الهزبر يعني إسحاق فقال له الفتح: ويلك يا إسحاق أتعارض ثقيل ابن سريج بهزجك? قال: فقبض إسحاق على لحيته ثم قال: على ذلك فوالله ما فاتني إلا بتحريكه الذقن.

أخبرني الحسن قال حدثني يزيد بن محمد قال حدثني إسحاق قال: دخلت يوما على المعتصم وعنده إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، واستدناني فدنوت منه، واستدناني فتوففت خوفا من أن أكون موازيا في المجلس لإسحاق بن إبراهيم، ففطن المعتصم فقال: إن إسحاق لكريم، وإنك لم تستنزل ما عند الكريم بمثل إكرامه. ثم تحدثنا وأفضت بنا المذاكرة إلى قول أبي خراش الهذلي:

حمدت إلهي بعـد عـروة إذ نـجـا                      خراش وبعض الشر أهون من بعض فأنشدها المعتصم إلى آخرها، وأنشد فيها:

 

صفحة : 606

 

 

ولم أدر من ألقـى عـلـيه رداءه                      سوى أنه قد حط عن ماجد محض والرواية  قد بز عن ماجد محض  ، فغلطت وأسأت الأدب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه رواية الكتاب وما اخذ عن المعلم، والصحيح بز عن ماجد محض، فقال لي: نعم صدقت، وغمزني بعينه، يحذرني من إسحاق وفطنت لخلطي قأمسكت، وعلمت أنه قد أشفق علي من بادرة تبدر من إسحاق لأنه كان لا يحتمل مثل هذا في الخلفاء من أحد حتى يعظم عقوبته ويطيل حبسه، كائنا من كان، فنبهني- رحمه الله- على ذلك حتى أمسكت وتنبهت.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال قال عبيد الله بن معاوية قال عمرو بن بانة: كنا عند المأمون، فقال: ما أقل الهزج في الغناء القديم، وقال إسحاق: ما كثره ثم غناه نحو ثلاثين صوتا في الهزج القديم. فقلت لأصحابي: هذا الذي تزعمون أنه قليل الرواية أخبرنا يحيى قال حدثنا أبي عن إسحاق قال: قال لي العباس بن جرير: قاتلك الله مذكر فطنة، ومؤنث طبيعة، ما أمكرك.

حدثنا يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق قال، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد عن إسحاق قال: فقال لي أفليت والله يا أبا محمد فقلت له: وما أفليت? رعيت فلاة لم يرعها أحد غيرك.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أخي أحمد بن علي عن عافية بن شبيب قال: قلت لزرزور بن سعيد: حدثني عن إسحاق كيف كان يصنع إذا حضر معكم عند الخليفة وهو منقطع ذاهب وحلوقكم ليس مثلها في الدنيا. فقال: كان والله لا يزال بحذقه ورفقه وتأنيه ولطفه حتى نصير معه أقل من التراب.

أخبرنا يحيى قال حدثني أبي قال حدثنا إسحاق قال: دخلت على الفضل بن الربيع فقال لي: يا إسحاق، كثر والله شيبك، فقلت: أنا وذاك أصلحك الله كما قال أخو ثقيف:

الشيب إن يظهر فـإن وراءه                      عمرا يكون خلاله متنفـس

لم ينتقص مني المشيب قلامة                      ولنحن حين بدا ألب وأكيس قال: هات يا غلام دواة وقرطاسا، اكتبهما لي لأتسلى بهما.

أخبرنا يحيى قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرني الحسن بن علي عن يزيد بن محمد بن عبد الملك عن إسحاق قال: قال الفضل بن يحيى لأبي: مالي لا أرى إسحاق، عرفني ما خبره? فقال: خير. ورأى في كلامه شيئا يشكك، فقال: أعليل هو? فقال: لا، ولكنه جاءك مرات فحجبه نافذ الخادم ولحقته جفوة، فقال له: فإن حجبه بعدها فلينكه. فجاءني أبي فقال لي: القه، فقد سأل عنك، وخبرني بما جرى. وجئت فجبت أيضا، وخرج الفضل ليركب، فوثبت إليه برقعة وقد كتبت فيها:

جعلت فداءك من كل سوء                      إلى حسن رأيك أشكو أناسا

يحولون بيني وبين السـلام                      فما إن أسلم إلا اختلاسـا

وأنفذت أمرك في نـافـذ                      فما زاده ذاك إلا شماسـا فلما قرأها ضحك حتى غلب، ثم قال: أو قد فعلتها يا فاسق? فقلت: لا وا الله يا سيدي، وإنما مزحت، فخجل نافذ خجلا شديدا، ولم يعد بعد ذلك لمساءتي.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن محمد بن عبدالله بن مالك قال حدثني إسحاق قال: ذكر المعتصم يوما بعض أصحابه وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم: يلعب بالنرد، وقال قوم: يغني. فبلغتني النوبة، فقال: قل يا إسحاق، قلت: إذا أقول وأصيب. قال: أتعلم الغيب? قلت: لا، ولكني أفهم ما يصنع وأقدر على معرفته، قال: فإن لم تصب. قلت: فإن أصبت? قال: لك حكمك، وإن لم تصب. قلت: لك دمي، قال: وجب، قلت: وجب قال: فقل، قلت: يتنفس، قال: فإن كان ميتا? قلت: تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات فيها أو قبلها فقد قمرتني، فقال: قد أنصفت، قلت: فالحكم، قال: احتكم ما شئت قلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين، قال: فإن رضاي لك، وقد أمرت لك بمائة ألف الدرهم، أترى مزيدا? فقلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين، قال: فإنها مائتا ألف درهم، أترى مزيدا? قلت: ما أحوجني إلى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فإنها ثلثمائة ألف، أترى مزيدا. قلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين قال: يا صفيق الوجه ما نزيدك على هذا شيئا أخبرنا يحيى قال حدثني أبو أيوب قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك قال حدثني إسحاق قال:

 

صفحة : 607

 

عمل محمد المخلوع سفينة فأعجب بها، وركب فيها يريد الأنبار. فلما أمعن وأنا مقبل على بعض أبواب السفينة صاحوا: إسحاق إسحاق، فوثبت فدنوت منه فقال لي: كيف ترى سفينتي? فقلت: حسنة يا أمير المؤمنين، عمرها الله ببقائك. فقام يريد الخلاء وقال لي: قل فيها أبياتا، فقلت: وخرج فقمت بالأبيات، فاشتهاها جدا وقال لي: أحسنت يا إسحاق، وحياتك لأهبن لك عشرة آلاف دينار قلت: متى يا أمير المؤمنين. إذا وسع الله عليك فضحك ودعا بها على المكان. ولم يذكر يحيى في خبره الأبيات.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنيت الواثق في شعر قلته وأنا عنده بسر من رأى وقد طال مقامي واشتقت إلى أهلي، وهو:

ياحبذا ريح الجـنـوب إذا بـدت                      في الصبح وهي ضعيفة الأنفاس

قد حملت برد الندى وتحمـلـت                      عبقا من الجثجاث والبسـبـاس فشرب عليه واستحسنه وقال لي: يا أبا محمد، لو قلت مكان ياحبذا ريح الجنوب  : يا حبذا ريح الشمال  ، ألم يكن أرق وأعذى وأصح للأجساد وأقل وخامة وأطيب للأنفس. فقلت: ما ذهب علي ما قاله، أمير المؤمنين، ولكن التفسير فيما بعده فقال: قل فقلت:

ماذا تهيج من الصبابة والهوى                      للصب بعد ذهوله والـياس فقال الواثق: إنما استطبت ما تجيء به الجنوب من نسيم أهل بغداد لا الجنوب، وإليهم اشتقت لا إليها، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين وقمت فقبلت يده، فضحك وقال: قد أذنت لك بعد ثلاثة أيام، فامض راشدا، وأمر لي بمائة ألف درهم. لحن إسحاق هذا من الثقيل الأول.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق قال: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى، كانت له فتوة وظرف وأدب وحسن غناء وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ من كل فن من الأدب والفتوة. فحضرت باب أمير المؤمنين الرشيد، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى فقال لي: ما الخبر? فقلت: أمير المؤمنين نائم? فقال: قف مكانك? ومضى إلى دار أمير المؤمنين فخرج إليه الحاجب فأعلمه أنه نائم. فخرج إلي وقال لي: قد نام أمير المؤمنين، فسر بنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقية يومنا وتغنيني وأغنيك ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا قلت نعم، فصرنا إلى منزله فطرحنا ثيابنا، ودعا بالطعام فطعمنا، وأمر بإخراج الجواري وقال: لتبرزن، فليس عندنا من تحتشمن منه. فلما وضع الشراب دعا بقميص حرير فلبسه ودعا بخلوق فتخلق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنيني وأغنيه، ثم دعا بالحاجب فتقدم إليه وأمره بألا يأذن لأحد من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنه مشغول، واحتاط في ذلك وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدم ثم قال: إن جاء عبد الملك فاذنوا له - يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته- ثم أخذنا في شأننا فوالله إنا لعلى حالة سارة عجيبة إذ رفع الستر، وإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب ولم يفرق بينه وبين الذي يأنس به جعفر بن يحيى. وكان عبد الملك بن صالح الهاشمي من جلالة القدر والتقشف وفي الامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان أمير المؤمنين قد اجتهد به أن يشرب معه أوعنده قدحا فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه. فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشق غيظا. وفهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا، حتى إذا صار إلى الزواق الذي نحن فيه نزع قلنسيته فرمى بها مع طيلسانه جانبا ثم قال: أطعمونا شيئا فدعا له جعفر بالطعام وهو منتفخ غضبا وغيظا فطعم، ثم دعا برطل فشربه، ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه فأخذ بعضادتي الباب ثم قال: اشركونا فيما أنتم فيه، فقال له جعفر: ادخل ثم دعا بقميص حرير وخلوق فلبس وتخلق، ثم دعا برطل ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع ليغنينا، فكان والله أحسننا جميعا غناء. فلما طابت نفس جعفر وسري عنه ما كان به التفت إليه فقال له: ارفع حوائجك

 

صفحة : 608

 

فقال: ليس هذا موضع حوائج، فقال: لثفعلن، ولم يزل يلح عليه حتى قال له: أمير المؤمنين علي واجد، فأحب أن تترضاه، قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، فقال: هذه كانت حاجتي، قال: ارفع حوائجك كما أقول لك، قال: علي دين فادح، قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها فاقبضها من منزلي الساعة، فإنه لم يمنعني من إعطائك إياها إلا أن قدرك يجل على أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل من مال أمير المؤمنين غدا فسل أيضا، قال: ابني، تكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسمه، قال: قد ولاه أإمير المؤمنين مصر وزوج ابنته الغالية ومهرها ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل أعني جعفرا. فلما أصبحت لم تكن لي همة إلا حضور دار الرشيد وإذا جعفربن يحيى قد بكر، ووجدت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظراؤه فد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك بن صالح وابنه فأدخلا على الرشيد فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدا عليك وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة ألاف ألف درهم، قآقبضها من جعفربن يحيى الساعة. ثم دعا بإبنه فقال: اشهدوا أني قد زوجته العالية بنت أمير المؤمنين وأمهرتها عنه ألفي ألف درهم من مالي ووليته مصر. قال: فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر، فقال: بكرت على أمير المؤمنين فحكيت له ما كان منا وما كنا فيه حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك وسر به، ثم قلت له: قد ضمنت له عنك يا أمير المؤمنين ضمانا فقال: ما هو. فأعلمته، قال: أوف له بضمانك، وأمر بإحضاره فكان ما رأيت.

أخبرني عمي قال حدثني فضل اليزيدي عن إسحاق قال: لما صنعت لحني في:

هل إلى نظرة إليك سبيل ألقيته على علويه، وجاءني رسول أبي بطبق فاكهة باكورة، فبعثت إليه: برك الله يا أبة ووصلك الساعة أبعث إليك بأحسن من هذه الباكورة، فقال: إني أظنه قد أتى بآبدة فلم يلبث أن دخل عليه علويه فغناه الصوت، فعجب منه وأعجب به، وقال: قد أخبرتكم أنه قد أتى بآبدة. ثم قال لولده: أنتم تلومونني على تفضيل إسحاق ومحبتي له، والله لو كان ابن غيري لأحببته لفضله فكيف وهو ابني، وستعلمون أنكم لا تعيشون إلا به. وقد ذكر أبو حاتم الباهلي عن أخية أبي معاوية بن سعيد بن سلم أن هذه القصة كانت لما صنع إسحاق لحنه في:

غيضن من عبراتهن وقلن لي وقد ذكرت ذلك مع أخبار هذا الصوت في موضعه.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال: سألت إسحاق عن إبراهيم بن المهدي، فقال: دعني منه، فليست له رواية ولادراية و لا حكاية.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني فضل اليزيدي عن إسحاق قال: كالنت هشيمة الخمارة جارتي، وكانت تخصني بأطيب الشراب وجيده فماتت فقلت أرثيها:

أضحت هشيمة في القبورمقيمة                      وخلت منازلها من الفـتـيان

كانت إذاهجرالمحب حبـيبـه                      دبت له في السـر والإعـلان

حتى يلين لـمـا تـريد قـياده                      ويصيرسيئه إلـى الإحـسـان أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: سألني إدريس بن أبي حفصة حاجة، فقضيتها له وزدت فيما سأل. فقال لي:

إذا الرجال جهلوا المكارمـا                      كان بها ابن الموصلي عالما

أبقاك ذو العرش بقاء دائمـا                      فقد جعلت للكرام خاتـمـا

إسحاق لو كنت لقيت حاتمـا                      كان نداه لنـداك خـادمـا قال حماد: وقال لي أبي: كان إدريس سخيا من بين آل أبي حفصة، فنزل به ضيف، فتنمرت امرأته عليه، فقال لها:

من شر أيامك اللاتي خلقت لها                      إذا فقدت ندى صوتي وزواري أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: كان علي بن هشام قد دعاني ودعا عبدالله بن محمد بن أبي عيينة، فتأخرت عنه حتى اصطبحنا شديدا، وتشاغلت عنه برجل من الأعراب كان يجيئني فأكتب عنه وكان فصيحا وكان عند علي بن هشام بعض من يعاديني، فسألوا ابن أبي عيينة أن يعاتبني بشعر ينسبني فيه إلى الخلف فكتب إلي:

يامليا بالوعد والخلف والمـط                      ل بطيئا عن دعوة الأصحاب

لهجا بالأعـراب إن لـدينـا                      بعض ماتشتهي من الأعراب

 

صفحة : 609

 

 

قد عرفنا الذي شغـلـت بـه                      نا وإن كان غير ما في الكتاب قال: فكتبت إلى الذي حمل ابن أبي عيينة على هذه الأبيات- قال حماد: وأظنه إبراهيم بن المهدي-:

قد فهمت الكتاب أصلـحـك                      الله وعندي عليه رد الجواب

ولعمري ماتنصفـون ولاكـا                      ن الذي جاء منكم في حسابي

لست آتيك فاعلمـن ولالـي                      فيك حظ من بعد هذا الكتاب قال حماد: قال أبي: وكتبت إلى علي بن هشام وقدأعتللت أياما فلم يأتني رسوله:

أناعليل منذ فارقتـنـي                      وأنت عمن غاب لاتسأل

ماهكذا كنت ولاهـكـذا                      فيما مضى كنت بناتفعل فلما وصلت إليه رقعتي ركب إلي وجاءني عائدا.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال: لما خرج إبي إلى البصرة خرجته الأولى وعاد، أنشدني في ذلك لنفسه:

ما كنت أعرف ما في البين من حزن                      حتى تنادوا بأن قد جيء بالسـفـن

قامت تودعني والعين تـغـلـبـهـا                      فجمجمت بعض ما قالت ولم تبـن

مالت علي تفدينـي وتـرشـفـنـي                      كما يميل نسيم الريح بالـغـصـن

وأعرضت ثم قالت وهـي بـاكـية                      يا ليت معرفتـي إياك لـم تـكـن

لما افترقنا على كره لفـرقـتـهـا                      أيقنت أني رهين الهـم والـحـزن أخبرني محمد بن مزيد قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أنشدني شداد بن عقبة لجميل:

قفي تسل عنك النفس بالخطة التي                      تطيلين تخويفي بهـا ووعـيدي

فقد طالما من غيرشكوى قبـيحة                      رضينا بحكم منـك غـيرسـديد قال: فأنشدت الزبير بن بكار هذين البيتين، فقال: لو لم أنصرف من العراق إلا بهما لرأيتهما غنما. وأنشدني شداد لجميل أيضا:

بثين سليني بعـض مـالـي                      فإنما يبين عند المال كل بخيل

فإني وتكراري الزيارة نحوكم                      لبين يدي هجر بثين طـويل قال أبي: فقلت لشداد: فهلا أزيدك فيهما. فقال: بلى، فقلت:

فيا ليت شعري هل تقولين بعدنا                      إذا نحن أزمعنا غدا لـرحـيل

ألا ليت أياما مضـين رواجـع                      وليت النوى قد ساعدت بجميل فقال شداد: أحسنت والله وإن هذا الشعر لضائع، فقلت: وكيف ذلك. قال: نفيته عن نفسك بتسميتك، جميلا فيه، ولم يلحق بجميل، فضاع بينكما جميعا.

حدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني إسحاق الموصلي قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وكان عبدالله بن طاهر عنده يومئذ، فوجه إلي فحضرت وحضر علويه ومخارق وغيرهما من المغنين فبيناهم على شرابهم وهم أسر ما كانوا، إذ وافاه رسول أمير المؤمنين فقال: أجب، فقال: السمع والطاعة، ودعا بثيابه فلبسها. ثم التفت إلى محمد بن راشد الخناق فقال له: قد بلغني أنك أحفظ الناس لما يدور في المجالس، فاحفظ لي كل صوت يمر وما يشربه كل إنسان، حتى إذا عدت أعدت علي الأصوات وشربت ما فاتني، فقال: نعم، أصلح الله الأمير. ومضى إلى المأمون، فأمره بالشخوص إلى بابك من غد، وتقدم إليه فيما يحتاج إليه ورجع من عنده. فلما دخل ووضع ثيابه قال: يا محمد، ما صنعت فيما تقدمت به إليك. قال: قد أحكمته أعزك الله، ثم أخبره بما شرب القوم وما-استحسنوه من الغناء بعده، فأمر أن يجمع له أكثر ما شربه واحد منهم في قدح، وأن يعاد عليه صوت صوت مما حفظه له حتى يستوفي ما فاته القوم به، ففعل ذلك وشرب حتى استوفى النبيذ والأصوات. ثم قال لي: يا أبا محمد، إني قد عملت في منصرفي من عند أمير المؤمنين أبياتا فاسمعها فقلت: هاتها أعز الله الأمير، فأنشدني:

ألا من لقلـب مـسـلـم لـلـنـوائب                      أحاطت به الأحزان من كل جـانـب

تبـين يوم الـبـين أن اعـتـزامــه                      على الصبر من بعض الظنون الكواذب

حرام على رامي فؤادي بـسـهـمـه                      دم صبه بين الـحـشـى والـتـرائب

أراق دما لـولا الـهـوى مـا أراقـه                      فهل بدمي من ثـائر أو مـطـالـب

 

صفحة : 610

 

قال: فقلت له: ما سمعت أحسن من هذا الشعر قط، فقال لي: فاصنع فيه، فصنعت فيه لحنا، وأحضرني وصيفة له، فألقيته عليها حتى أخذته، وقال: إنما أردت أن أتسلى به في طريقي وتذكرني به الجارية أمرك إذا غنته. فكان كلما ذكر أتاني بره، إلى أن قدم، عدة دفعات. لم أجد لإسحاق صنعة في هذا الشعر، والذي وجدت فيه لعبدالله بن طاهر خفيف رمل، ذكره ابنه عبيد الله عنه. ولمخارق لحن من الرمل. ولعمرو بن بانة هزج بالوسطى. ولمخارق والطاهرية خفيف ثقيل.

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبدالله محمد بن حمدون قال: سأل المتوكل عن إسحاق الموصلي، فعرف أنه قد كف وأنه في منزله ببغداد فكتب في إحضاره. فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير، وأعطاه مخدة، وقال له: بلغني أن المعتصم دفع إليك مخدة في أول يوم جلست بين يديه وهو خليفة، وقال: إنه لا يستجلب ما عند حر بمثل الكرامة، ثم سأله: هل أكل. فقال نعم، فأمر أن يسقى، فلما شرب أقداحا قال: هاتوا لأبي محمد عودا فجيء به، فاندفع يغني بصوت الشعر فيه والغناء له:

ماعلة الشيخ عيناه بأربـعة                      تغرورقان بدمع ثم تنسكب - قال أبو عبدالله: فوالله ما بقي غلام من الغلمان الوقوف على الحير إلا وجدته يرقص طربا وهو لا يعلم بما يفعل- فأمر له بمائة ألف درهم. ثم قال لي المتوكل: يابن حمدون، أتحسن أن تغنيني هذا الصوت? فقلت نعم، قال: غنه، فترنمت به، فقال إسحاق: من هذا الذي يحكيني. فقال: هذا ابن صديقك حمدون، فقال: وددت أنه لمحسن أن يحكيني، فقلت له: أنت عرضتني له يا أمير المؤمنين. ثم انحدر المتوكل إلى رقة بوصرا، وكان يستطيبها لكثرة تغريد الأطيار بها، فغنى إسحاق:

أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى                      على غصن غض الشباب من الرند

بكيت كما يبكي الحـزين صـبـابة                      وشوقا وتابعت الأنين إلـى نـجـد فضحك المتوكل وقال له: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لما غنيته بالصالحية:

طربت إلى الأصيبية الصغار                      وذكرني الهوى قرب المزار فكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف? قال: مائة ألف درهم فأمر له بمائة ألف درهم، وأذن له، بالانصراف إلى بغداد. وكان هذا آخر عهدنا به، لأن إسحاق توفي بعد ذلك بشهرين.

حدثني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على الواثق أستأذنه في الانحدار إلى بغداد فوجدته مصطبحا، فقال: بحياتي غن:

ألا إن أهل الدار قد ودعـوا الـدارا                      وإن كان أهل الدار في الحي أجوارا

وقد تركوا قلبي حـزينـا مـتـيمـا                      بذكرهم، لو يستطيع لـقـد طـارا فتطيرت من اقتراحه له وغنيته إياه، فشرب عليه مرارا، وأمر لي بثلاثين ألف درهم وأذن لي فانصرفت، ثم كان آخر عهدي به. الشعر لمطيع بن إياس. والغناء لإبراهيم الموصلي قيل أول بالوسطى عن عمرو.

حدثني الحسن بن علي قال حدثنا عبدالله بن أبي سعد قال حدثنا عبدالله بن الفرج قال حدثنا أحمد بن معاوية قال: كنت في بيتي وعلويه يغنيني:

أعرضن من شمط في الرأس لاح به                      فهن عنـه إذا أبـصـرنـه حـيد

قد كن يعهدن مني منظرا حـسـنـا                      وجمة حسرت عنها الـعـنـاقـيد فوردت علي رقعة من إسحاق الموصلي يستسقيني نبيذا فبعثت إليه بدن مع غلام لي، فلما توسط الغلام به الجسر زحم فكسر، فرجع الغلام إلى إسحاق فأخبره الخبر وسأله مسئلتي التجافي عنه، فكتب إلي:

يا أحمد بن معـاويه                      إني رميت بداهـيه

أشكو إليك فأشكنـي                      كسرالغلام الخابـيه

ياليتها سلمـت وكـا                      ن فداءها ابن الزانيه فبعثت إليه بأربعة أدنان، وأعتقت الغلام بشفاعته في أمره.

أخبرني جعفر بن قدامة ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي قال قال لي حمدون بن إسماعيل رحمه الله: لما صنع أبوك رحمه الله هذا الصوت:

قف بالديار التي عفا القـدم                      وغيرتهـا الأرواح والـديم

لما وققنا بها نـسـائلـهـا                      فاضت من القوم أعين سجم

ذكرالعيش مضى إذا ذكرت                      مافات منه فذكره سـقـم

وكل عيش دامت غضارتـه                      منقطع مرة ومـنـصـرم

 

صفحة : 611

 

- ولحنه قيل أول- اعجب به المعتصم والواثق جميعا، فقال له المعتصم: بحياتي اردده على مخارق وعلويه والجماعة ليأخذوه عنك، وانصحهم فيه، فإنهم إن أحسنوا فيه نسب إليك إحسانهم، وإن أساءوا بان فضلك عليهم، فرده عليهم أكثر من مائتي مرة، وكانوا يقصدون إلى منزله ويرده عليهم، ومات وما أخذوا منه علم الله إلا رسمه. الشعر والغناء لإسحاق، ولحنه ثقيل أول.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: خرجنا مع الرشيد يريد الرقة، فلما صرنا بالموضع الذي يقال له القائم نزلنا، وخرج يتصيد وخرجنا معه، فأبعد في طلب الصيد، ولاح لي دير فقصدته وقد تعبت، فأشرفت على صاحبه، فقال: هل لك في النزول بنا اليوم? فقلت: إي والله، وإني إلى ذلك لمحتاج، فنزل ففتح لي الباب وجلس يحدثني، وكان شيخا كبيرا وقد أدرك دولة بني أمية، فجعل يحدثني عمن نزل به من القوم ومواليهم وجيوشهم وعرض علي الطعام فأجبته، فقدم إلي طعاما من طعام الديارات نظيفا طيبا، فأكلت منه، وأتاني بشراب وريان طري فشربت منه، ووكل بي جارية تخدمني راهبة لم أر أحسن وجها منها ولا أشكل، فشربت حتى سكرت، ونمت وانتبهت عشاء، فقلت في ذلك:

بدير القائم الأقصى                      غزال شادن أحوى

برى حبي له جسمي                      ولايعلم ما ألـقـى

وأكتم حبه جهـدي                      ولا والله مايخفـى وركبت فلحقت بالمعسكر والرشيد قد جلس للشرب وطلبني فلم أوجد. وأخبرت بذلك، فغنيت في الأبيات ودخلت إليه، فقال لي: أين كنت? ويحك، فأخبرته بالخبر وغنيته الصوت، فطرب وشرب عليه حتى سكر، وأخر الرحيل في غد، ومضينا إلى الدير ونزله، فرأى الشيخ واستنطقه، ورأى الجارية التي كانت تخدمني بالأمس فدعا بطعام خفيف فأصاب منه، ودعا بالشراب، وأمر الجارية التي كانت بالأمس تخدمني أن تتولى خدمته وسقيه ففعلت، وشرب حتى طابت نفسه، ثم أمر للدير بألف دينار، وأمر باحتمال خراجه له سبع سنين، فرحلنا.

قال حماد: فحدثني أبي قال: فلما صرنا بتل عزاز من دابق خرجت أنا وأصحاب لي نتنزه في قرية من قراها، فأقمنا بها أياما، وطلبني الرشيد فلم يجدني. فلما رجعت أتيت الفضل بن الربيع فقال لي: أين كنت، طلبك أمير المؤمنين، فأخبرته بنزهتنا فغضب. وخفت من الرشيد أكثر مما لقيت من الفضل فقلت:

إن قلبي بـالـتـل تـل عـزاز                      عند ظبي من الظباء الجـوازي

شادن يسـكـن الـشـآم وفـيه                      مع ظرف العراق شكل الحجاز

يالقومي لبنت قـس أصـابـت                      منك صفو الهوى وليست تجازي

حلفت بالمسيح أن تنـجـزالـوع                      د وليست تـهـم بـالإنـجـاز وغنيت فيه، ثم دخلت على الرشيد وهو مغضب، فقال: أين كنت? طلبتك فلم أجدك، فاعتذرت إليه وأنشدته هذا الشعر وغنيته إياه، فتبسم وقال: عذر وأبيك وأي عذر وما زال يشرب عليه ويستعيدنيه ليلته جمعاء حتى انصرفنا مع طلوع الفجر. فلما وصلت إلى رحلي إذا برسول أمير المؤمنين قد أتانا يدعونا، فوافيت فدخلت، وإذا ابن جامع يتمرغ على دكان في الدار وهو سكران يتململ، فقال لي: يابن الموصلي، أتدري ما جاء بنا? فقلت: لا والله ما أدري، فقال: لكني والله أدري دراية صحيحة، جاءت بنا نضرانيتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله. وخرج الآذن فأذن لنا، فدخلنا. فلما رأيت الرشيد تبسمت، فقال لي: ما يضحكك? فأخبرته بقول ابن جامع، فقال: صدق، ما هو إلا أن فقدتكم فاشتقت إلى ما كنا فيه، فعودوا بنا، فعدنا فيه حتى انقضى مجلسنا وانصرفنا.

لحن إسحاق:

بدير القائم الأقصى خفيف ثقيل بالوسطى. وفيه للقاسم بن زرزور ثقيل أول. ولحنه في:

إن قلبي بالتل تل عزاز خفيف رمل.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثني حماد عن أبيه قال: دخلت على الرشيد يوما في عمامة قد كورتها على رأسي، فقال: ما هذه العمامة كأنك من الأنبار. فلما كان من غد. دعا بنا إليه، فأمهلت حتى دخل المغنون جميعا قبلي، ثم دخلت عليه في آخرهم، وقد شددت وسطي بمشدة حرير أحمر، ولبست لباسا مشتهرا، وأخذت بيدي صفاقتين وأقبلت أخطر وأضرب بالصفاقتين وأغني:

اسمع لصوت ملـيح                      من صعة الأنبـاري

صوت خفيف ظريف                      يطيرفـي الأوتـار

 

صفحة : 612

 

فبسط يده إلي حتى كاد يقوم، وجعل يقول: أحسنت وحياتي أحسنت أحسنت حتى جلست، ثم شرب عليه بقية يومه، ومااستعاد غيره، وأمر لي بعشرين ألف درهم. لحن إسحاق في هذا الشعر هزج.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: كنت عند الفضل بن الربيع، فغنى بعض من كان عنده:

كل شيء منك في عيني حسن                      ونصيبي منك هـم وحـزن

لاتظـنـي أنـه غـيرنـي                      قدم العهد ولاطول الـزمـن فقال لي: أتدري لمن هذا? فقلت: لبعض الطنبوريين، فقال: لا ولكنه لذلك الشيطان إسحاق. لحن إسحاق في هذين البيتين رمل بالوسطى من مجموع أغانيه.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: لما خرجنا مع الرشيد إلى طوس كنت معه أسايره، فاستسقيت ماء من منزل نزلناه يقال له سحنة فخرجت إلينا جارية كأنها ظبية، فسقتني ماء، فقلت هذا الشعر:

غزال يرتعي جنبـات واد                      بسحنة قد تمكن في فؤادي

سقاني شربة كانت شفـاء                      لعلة حائم حران صـادي وغنيته الرشيد، فقال لي: أتحب أن أزوجكها? فقلت: نعم والله يا سيدي، قال: فاخطبها والمهر علي وما يصلحها، فخطبتها، فأبى أهلها أن يخرجوها من بلدهم. لحن إسحاق في هذين البيتين ثقيل أول. وفيه لعلويه خفيف رمل.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال: قال لي أبي: ما اغتممت بشيء قط مثل ما اغتممت بصوت مليح صنعته في هذا الشعر.

 

كان لي قلب أعيش بـه                      فاكتوى بالنار فاحترقـا

أنا لم أرزق محبـتـهـا                      إنما للعبـد مـارزقـا

من يكن ماذاق طعم ردى                      ذاقه لاشك إن عشـقـا فإني صنعت فيه لحنا، وجعلت أردده في جناح لي سحرا، فأظن أن إنسانا من العامة مر بي فسمعه فأخذه، فبكرت من غد إلى المعتصم لأغنيه، فإذا أنا بسواط يسوط الناطف وهو يغني اللحن بعينه إلا أنه غناء فاسد. فعجبت وقلت: ترى من أين لهذا السواط هذا الصوت ولعلي إذ غنيته أن يكون قد مر بي هذا فسمعني أغنيه، وبقيت متحيرا، ثم قلث يا فتى، ممن سمعت هذا الصوت. فلم يجبني والتفت إلى شريكه، وقال: هذا يسألني ممن سمعته هذا غنائي، والله لو سمعه إسحاق الموصلي لخرىء في سراويله. فبادرت والله هاربا خوف أن يمر بي إنسان فيسمع ما جرى علي فأفتضح، وما علم الله أني نطقت بذلك الصوت بعدها.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال: كتب إبراهيم بن المهدي إلى أبي: أي شيء تصحيف:  لا يريح مثل الأسنة. فكتب إليه أبي: تصحيفه:  لا يرث جميل إلا بثينة فكتب إليه: وي منك.

أخبرنا جعفر قال حدثنا حماد عن أبيه قال: دخلت يوما على جعفر بن يحيى، فرأى شفتي تتحركان بشيء كنت أعمله، فقال: أتدعو أم تصنع ماذا? فقلت: بل أمدح، قال: قل، فقلت:

وكنت إذا إذن عليك جرى لنا                      تجلى لنا وجه أغر وسـيم

علانية محمـودة وسـريرة                      وفعل يسرالمعتفين كـريم فاحتبسني وأمر لي بمال جليل وكسوة، وقال: زد البيتين حسنا بأن تصنع فيهما لحنا، فصنعت لحنا من الثقيل الثاني، فلم يزل يشرب عليهما حتى سكر.

 

 

صفحة : 613

 

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه أنه حدثه قال: غدوت يوما وأنا ضجر من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها فخرجت وركبت بكرة، وعزمت على أن أطوف الصحراء وأتفرج فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة أو غيره فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت، ومضيت وطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي النهار فوقفت في الشارع المعروف بالمخرم في فناء ثخين الظل وجناح رحب على، الطريق لأستريح. فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها عليه جارية راكبة، تحتها منديل دبيقي وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قواما حسنا وطرفا فاترا وشمائل حسنة، فخرصت عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها. ثم لم ألبث أن جاء رجلان شابان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما فنزلا ونزلت معهما ودخلت، فظنا أن صاحب الدار دعاني وظن صاحب الدار أني معهما فجلسنا، وأتي بالطعام فأكلنا وبالشراب فوضع، وخرجت الجارية وفي يدها عود فغنت وشربنا، وقمت قومة، وسأل صاحب المنزل الرجلين عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته. وجئت فجلست، وغنت الجارية في لحن لي:

ذكرتك أن مرت بنـا أم شـادن                      أمام المطايا تشرئب وتسـنـح

من المؤلفات الرمل أدماء حرة                      شعاع الضحى في متنها يتوضح فأدته أداء صالحا وشربت. ثم غنت أصواتا شتى، وغنت في أضعافها من صنعتي:

الطلول الدوارس                      فارقتها الأوانس

أوحشت بعد أهلها                      فهي قفر بسابس فكان أمرها فيه أصلح منه في الأول. ثم غنت أصواتا من القديم والحديث، وغنت في أثنائها من صنعتي:

قل لمن صد عاتبا                      ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد                      ت وإن كنت لاعبا فكان أصلح ما غنته، فاستعذته منها لأصححه لها، فأقبل علي رجل من الرجلين وقال: ما رأيت طفيليا أصفق وجها منك لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت، وهذا غاية المثل طفيلي مقترح، فأطرقت ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني فلا يكف. ثم قاموا للصلاة وتأخرت قليلا، فأخذت عود الجارية، ثم شددت طبقته وأصلحته، إصلاحا محكما، وعدت إلى موضعي فصليت، وعادوا، ثم أخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت، ثم أخذت الجارية العود فجسته وأنكرت حاله وقالت: من مس عودي? قالوا: ما مسه أحد قالت: بلى، والله لقد مسه حاذق متقدم وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن من صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته قالت: فبالله خذه واضرب به، فأخذته وضربت به مبدأ صحيحا ظريفا عجيبا صعبا، فيه نقرات محركة، فما بقي أحد منهم إلا وثب أعلى قدميه، وجلس بين يدي، ثم قالوا: بالله يا سيدنا أتغني? فقلت: نعم، وأعرفكم نفسي، أنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني وأنتم تسمعونني ما أكره منذ اليوم لأني تملحت معكم، فوالله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث، فقال له صاحبه: من هذا حذرت عليك، فأخذ يعتذر، فقلت: والله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى يخرج، فأخذوا بيده فأخرجوه وعادوا. فبدأت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة? قلت: ما هي? قال: تقيم عندي شهرا، والجارية والحمار لك مع ما عليها من حلي، قلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين يوما لا يدري أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل موضع فلا يعرف لي خبرا. فلما كان بعد ثلاثين يوما أسلم إلي الجارية والحمار والخادم، فجئت بذلك إلى منزلي، وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رأني قال: إسحاق ويحك أين تكون? فأخبرته بخبري? فقال: علي بالرجل الساعة? فدللتهم على بيته فأحضر، فسأله المأمون عن القصة فأخبره، فقال له: أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها، وأمر له بمائة ألف درهم، وقال: لا تعاشرن ذلك المعربد النذل البتة وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال: احضرني الجارية، فأحضرتها فغنته، فقال لي: قد جعلت لها نوبة في كل يوم ثلاثاء تغنيني وراء الستارة مع الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم. فربحت والله بتلك الركبة وأربحت.

 

ذكرتك أن مرت بنا أم شادن                      أمام المطايا تشرئب وتسنح

 

صفحة : 614

 

 

من المؤلفات الرمل أدماء حرة                      شعاع الضحى في متنها يتوضح الشعر لذي الرمة. والغناء لإسحاق ثقيل أول بالسبابة والوسطى، عن ابن المكي. ومن أغاني إسحاق:

قل لمن صد عاتبا                      ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد                      ت وإن كنت لاعبا

الطلول الـدوارس                      فارقتها الأوانـس

أوحشت بعد أهلها                      فهي قفر بسابس الشعر لابن ياسين، شاعر مجهول قليل الشعر، كان صديقا لإسحاق. والغناء لإسحاق خفيف ثقيل. وهذا الصوت من أوابد إسحاق وبدائعه.

أخبرني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: كنت عند الواثق، فغنته شجى التي وهبها له إسحاق هذا الصوت، فقال لمخارق وعلويه: والله لو عاش معبد ما شق غبار إسحاق في هذا الصوت فقالا له: إنه لحسن يا أمير المؤمنين، فغضب وقال: ليس عندكما فيه إلا هذا ثم أقبل على أحمد بن المكي فقال: دعني من هذيه الأحمقين، أول بيت في هذا الصوت أربع كلمات: الطلول كلمة، و لا الدوارس كلمة، وفارقتها كلمة، و الأوانس كلمة، فانظر هل ترك إسحاق شيئا من الصنعة يتصرف فيه المغني لم يدخله في هذه الكلمات الأربع بدأ بها نشيدا، وتلاه بالبسيط، وجعل فيه صياحا، وإسجاحا، وترجيحا للنغم، واختلاسا فيها، وعمل هذا كله في أربع كلمات، فهل سمعت أحدا تقدم أو تأخر فعل مثل هذا أو قدر عليه? فقال: صدق أمير المؤمنين، فد لحق من قبله وسبق من بعده.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني إسحاق قال: لما خرجت مع الواثق إلى النجف درنا بالحيرة ومررنا بدياراتها، فرأيت دير مريم وحسن بنائه، فقلت:

نعم المحل لمن يسعى للـذتـه                      دير لمريم فوق الظهر معمور

ظل ظليل وماء غير ذي أسـن                      وقاصرات كأمثال الدمى حور فقال الواثق: لا نصطبح والله غدا إلا فيه، وأمر بأن يعد فيه ما يصلح من الليل، وباكرناه فاصطبحنا فيه على هذا الصوت، وأمر بمال ففرق على أهل ذلك الدير، وأمر لي بجائزة. لحن إسحاق في هذين البيتين ثاني ثقيل بالبنصر.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أخرج إلي عبدالله بن طاهر يوما بيتي شعر في رقعة وقال: هذان البيتان وجدتهما على بساط طبري أصبهبذي أهدى إلي من طبرستان، فأحب أن تغنيني فيهما، فقرأتهما فإذا هما:

لج بالعـين واكـف                      من هوى لايساعف

كلما كف غربـهـا                      هيجته المعـارف قال: فغنيت فيهما وغدوت بهما إليه، فأعجب بالصوت ووصلني بصلة سنية، وكان يشتهيه ويقترحه، وطرحته على جميع جواريه، وشاع خبر إعجابه به، فبينا المعتصم يوما جالس يعرض عليه فرش الربيع، إذ مر به بساط ديباج في نهاية الحسن عليه هذان البيتان ومعهما:

إنما الموت أن تفا                      رق من أنت آلف

لك حبان في الفؤا                      د تليد وطـارف فأمر بالبساط فحمل إلى عبدالله بن طاهر، وقال للرسول: قل له: إني قد عرفت شغفك بالغناء في هذا الشعر، فلما وقع هذا البساط أحببت أن أتم سرورك به. فشكر عبدالله ما تأذى إليه من هذه الرسالة وأعظم مقداره، وقال لي: والله يا أبا محمد لسروري بتمام الشعر أشد من سروري بكل شيء، فألحقهما في الغناء بالبيتين الأولين، فألحقتهما.

 

لج بالعـين واكـف                      من هوى لا يساعف

كلما كف غربـهـا                      هيجته المـعـازف

إنما الموت أن تفـا                      رق من أنت آلـف

لك حبان في الفـؤا                      د تلـيد وطـارف ولم أعرف من خبر شاعره غير ما ذكرته في هذا الخبر. والغناء لإسحاق هزج بالوسطى.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني عن ابن المكي عن أبيه قال: قلت لإسحاق يوما: يا أبا محمد، كم تكون صنعتك. فقال: ما بلغت مائتين قط.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق قال:

 

صفحة : 615

 

قال لي وكيل بن الحروني: قلت لأبيك إسحاق: يا أبا محمد، كم يكون غناؤك. قال: نحوا من أربعمائة صوت. قال: وقال له رجل بحضرتي: مالك لا تكثر الصنعة كما يكثر الناس. قال: لأني إنما أنقر في صخرة. ولإسحاق أخبار كثيرة قليلة الفائدة كثيرة الحشو، طرحتها لذلك، وله أخبار أخر حسن ذكرها في مواضع تليق بها فأخرتها واحتبستها عليها وفيما ذكرته هاهنا منها مقنع.

وتوفي إسحاق ببغداد في أول خلافة المتوكل. فأخبرني الصولي قال ذكر إبراهيم بن محمد الشاهيني: أن إسحاق كان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: قد اجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج، ولكنك تموت بضده، فأصابه ذرب في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين، فكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في شهر رمضان.

نعي إسحاق إلى المتوكل في وسط خلافته، فغمه وحزن عليه، وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته، ثم نعي إليه بعمه أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فقال: تكافأت الحالتان، وقام الفتح بوفاة أحمد وما كنت آمن وثبته علي مقام الفجيعة بإسحاق، فالحمد لله على ذلك.

حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني رجل من الكتاب من أهل قطربل قال حدثني أبي عن أبيه قال: رأيت فيما يرى النائم قائلا يقول لي:

مات الحسان ابن الحسا                      ن ومات إحسان الزمان فأصبحت من غد فركبت في بعض حوائجي، فتلقاني خبر وفاة إسحاق الموصلي.

وقال إدريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

سقي الله يابن الموصلي بوابل                      من الغيث قبرا أنت فيه مقيم

ذهبت فأوحشت الكرام فمايني                      بعبرته يبكي علـيك كـريم

إلى الله أشكو فقد إسحاق إنني                      وإن كنت شيخا بالعراق يتيم وقال محمد بن عمرو الجرجاني يرثيه:

على الحدث الشرقي عوجا فسلمـا                      ببغداد لما ضـن عـنـه عـوائده

وقولا له لو كان للـمـوت فـدية                      فداك من الموت الطريف وتالـده

أإسحاق لا تبعد وإن كان قد رمـى                      بك الموت وردا ليس يصدر وارده

إذا هزل اخضرت فنون حـديثـه                      ورقت حواشيه وطابت مشاهـده

إن جد كان القول جدا وأقسـمـت                      مخارجه ألا تـلـين مـعـاقـده

فبك على ابن الموصلي بـعـبـرة                      كما ارفض من نظم الجمان فرائده وققال مصعب بن عبد الله الزبيري يرثيه نسخت ذلك من كتاب جعفر بن قدامة، وذكر أن حماد بن إسحاق انشده إياها ونسخته أيضا من كتاب الحرمي بن أبي العلاء يذكر فيه عن الزبير عن عمه مصعب أنه أنشده لنفسه يرثثي إسحاق:

أتدري لمن تبكي العيون الـذوارف                      وينهل منها واكـف ثـم واكـف

نعم لامرئ لم يبق في الناس مثلـه                      مفيد لعلم أو صـديق مـلاطـف

تجهز إسحاق إلـى الـلـه غـاديا                      فلله ما ضمـت عـلـيه الـلائف

وما حمل النعش المزجى عـشـية                      إلى القبر إلا دامع العـين لاهـف

صدورهم مرضى علـيه عـمـيدة                      لها أزمة مـن ذكـره وزفـازف

ترى كل محزون تفيض جفـونـه                      دموعا على الخدين والوجه شاسف

جزيت جزاء المحسنين مضاعـفـا                      كما كان جدواك الندى المتضاعف

فكم لك فينا مـن خـلائق جـزلة                      سبقت بها منها حـديث وسـالـف

هي الشهد أو أحلى إلينـا حـلاوة                      من الشهد لم يمزج به الماء غارف

ذهبت وخليت الصـديق بـعـولة                      به أسف من حزنـه مـتـرادف

إذا خطرات الذكر عاودن قـلـبـه                      تتابع منهن الشـؤون الـنـوازف

حبيب إلى الإخوان يرزون مـالـه                      وآت لما يأتي امرؤ الصدق عارف

هو المن والسلوى لمن يسـتـفـيده                      وسم على من يشرب السم زاعف

بكت داره من بعـده وتـنـكـرت                      معالم من آفاقـهـا ومـعـارف

فما الدار بالدار التي كنت أعتـري                      وإني بها لولا افتقـاديك عـارف

 

صفحة : 616

 

 

هي الدار إلا أنها قد تخـشـعـت                      وأظلم منها جانب فهو كـاسـف

وبان الجمال والفعال كـلاهـمـا                      من الدار واستنت عليها العواصف

خلت داره من بعده فـكـأنـمـا                      بعاقبة لم يغن في الدار طـارف

وقد كان فيها للصديق مـعـرس                      وملتمس إن طاف بالدار طـائف

كرامة إخوان الصـفـاء وزلـفة                      لمن جاء تزجيه إليه الـرواجـف

صحابته الغر الكـرام ولـم يكـن                      ليصحبه السود اللئام المـقـارف

يؤول إليه كـل أبـلـج شـامـخ                      ملوك وأبناء الملوك الغـطـارف

فلقيت في يمنـى يديك صـحـيفة                      إذا نشرت يوم الحساب الصحائف

يسر الذي فيهـا إذا مـا بـدا لـه                      ويفتر منها ضاحكا وهو واقـف

بما كان ميمونا على كل صاحـب                      يعين على ما نـابـه ويكـانـف

سريع إلى إخـوانـه بـرضـائه                      وعن كل ماساء الأخلاء صارف

أرى الناس كالنسناس لم يبق منهـم                      خلافك إلاحـشـوة وزعـانـف أخبرنا يحيى بن علي قال: أنشدني أبو أيوب لأحمد بن إبراهيم يرثي إسحاق في قصيدة له:

لقد طاب الحمام غداة ألوى                      بنفس أبي محمد الحمـام

فلو قبل الفداء إذا فـدتـه                      ملوك كان يألفهـا كـرام

فلاتبعد فكل فتى سيثـوى                      عليه الترب يحثى والرجام قال وقال أيضا يرثيه:

لله أي فتى إلـى دار الـبـلـى                      حمل الرجال ضحى على الأعواد

كم من كريم ما تجف دمـوعـه                      من حاضر يبكي عـلـيه وبـاد

أمسى يؤبنه ويعرف فـضـلـه                      من كان يثلبه مـن الـحـسـاد

فسقتك يا بن الموصـلـي روائح                      تروى صداك بصوبهـا وغـواد وقد بقيت من أخبار إسحاق بقايا مثل أخباره مع بني هاشم، وأخباره مع إبراهيم بن المهدي وغيرها، فإنها كثيرة، ولها مواضع ذكرت فيها وحسن ذكرها هنالك، فأخرتها لذلك عن أخباره التي ذكرت هاهنا، حسبما شرطنا في أول الكتاب.

 

ألا قاتل الله اللوى مـن مـحـلة                      وقاتل دنيانا بـهـا كـيف ذلـت

غنينا زمانا باللوى ثم أصبـحـت                      عراص اللوى من أهلها قد تخلت عروضه من الطويل. الشعر للصمة القشيري، والغناء لإسحاق، ولحنه المختار ثقيل أول بالوسطى في مجراها.

 

الجزء السادس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أخبار الصمة القشيري

نسبه

هو الصمة بن عبدالله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة بن عامربن سلمة الخيربن قشيربن كعب بن ربيعة بن عامربن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

شاعر إسلامي بدوي مقل، من شعراء الدولة الاموية. ولجده قزة بن هبيرة صحبة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أحد وفود العرب الوافدين عليه صلى الله عليه وسلم واله.

وفد جده قرة على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم: أخبرني بخبره عبيد الله بن محمد الرازي. وعمي قالا حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي بكر الهذلي وابن دأب وغيرهما من الرواة قالوا: وفد قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخيربن قشيربن كعب بن ربيعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال له: يا رسول الله، إنا كنا نعبد الآلهة لا تنفعنا ولا تضرنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم،  نعم ذا عقلا  .

وقال ابن دأب: وكان من خبر الصمة أنه هوي امرأة من قومه ثم من بنات عمه دنية يقال لها العامرية بنت غطيف بن حبيب بن قرة بن هبيرة، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها، وخطبها عامر بن بشر بن أبي براء بن مالك بن ملاعب الأسنة بن جعفر بن كلاب، فزوجه إياها. وكان عامر قصيرا قبيحا، فقال الصمة بن عبدالله في ذلك:

فإن تنكحوها عامرا لاطلاعكم                      إليه يدهدهكم برجليه عامـر شبهه بالجعل الذي يدهده البعرة برجليه.

 

 

صفحة : 617

 

فال: فلما بنى بها زوجها، وجد الصمة بها وجدا شديدا وحزن عليها، فزوجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشي بن الطفيل بن قرة بن هبيرة، فأقام عليها مقاما يسيرأ، ثم رحل إلى الشأم غضبا على قومه، وخلف امرأته فيهم، وقال لها:

كليم التمرحتى تهرم النخل واضفري                      خطامك ماتدرين ما اليوم من أمس وقال فيها أيضا:

لعمري لئن كنتم على النأى والقلـى                      بكم مثل ما بي إنـكـم لـصـديق

إذا زفرات الحب صعدن في الحشى                      رددن ولم تنهـج لـهـن طـريق وقال فيها أيضا:

إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضكم                      أتتنا برياكم فطاب هبـوبـهـا

أتتنا بريح المسك خالط عنـبـرا                      وريح الخزامى باكرتها جنوبها وقال فيها أيضا:

هل تجزيني العامـرية مـوقـفـي                      على نسوة بين الحمى وغضى الجمر

مررن بأسباب الصبا فـذكـرنـهـا                      فأومأت إذ ما من جواب ولا نـكـر وقال ابن دأب: وأخبرني جماعة من بني قشير أن الصمة خرج في غزي من المسلمين إلى بلد الديلم فمات بطبرستان.

قال ابن دأب: وأنشدني جماعة من بني قشير للصمة:

ألا تسألان الله أن يسقي الحـمـى                      بلى فسقى الله الحمى والمطالـيا

وأسأل من لاقيت هل مطرالحمى                      فهل يسألن عني الحمى كيف حاليا الغناء في هذين البيتين لإسحاق، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وهو من مختار الأغاني ونادرها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع وعمي قالا حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال قال عبدالله بن محمد بن إسماعيل الجعفري حدثنا عبدالله بن إسحاق الجعفري عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال حدثني رجل من أهل طبرستان كبير السن قال: بينا أنا يوما أمشي. في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة والزعفران وغير ذلك من الأشجار، إذ أنا بإنسان في البستان مطروح عليه أهدام خلقان، فدنوت منه فإذا هو يتحرك ولا يتكلم، فأصغيت إليه فإذا هو يقول بصوت خفي:

تعز بصبـر لا وجـدك لا تـرى                      بشام الحمى أخرى الليالي الغوابر

كأن فؤادي من تذكره الحـمـى                      وأهل الحمى يهفو به ريش طائر قال: فما زال يردد هذين البيتين حتى فاضت نفسه، فسألت عنه فقيل لي: هذا الصمة بن عبدالله القشيري.

كان ابن الأعرابي يستحسن شعرا له: أخبرني عمي قال حدثنا الخراز أحمد بن الحارث قال: كان ابن الأعرابي يستحسن قول الصمة:

أما وجلال الله لو تذكـرينـنـي                      كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى والله ذكرا لـو أنـه                      يصب على صم الصفا لتصدعا غنى في هذين البيتين عبيد الله بن أبي غسان ثاني ثقيل بالوسطى. وفيهما لعريب خفيف رمل:

ولما رأيت البشر قـد حـال بـينـن                      وجالت بنات الشوق في الصدر نزعا

تلفث نحو الحي حتـى وجـدتـنـي                      وجعت من الإصغاء ليتا وأخـدعـا أخبرني أبو الطيب بن الوشاء قال: قال لي إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزدعي: لو حلف حالف أن أحسن أبيات قيلت في الجاهلية والإسلام في الغزل قول الصمة القشيري ما حنث:

حننت إلى ريا ونفسك بـاعـدت                      مزارك من ريا وشعباكما معـا

فما حسن أن تأتي الأمر طائعـا                      وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا

بكت عيني اليمنى فلما زجرتهـا                      عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

وأذكر أيام الحمى ثم أنـثـنـي                      على كبدي من خشية أن تصدعا

فليست عشيات الحمى برواجـع                      عليك ولكن خل عينيك تدمعـا غنت في هذين البيتين قرشية الزرقاء لحنا من الثقيل الأول عن الهشامي. وهذه الأبيات التي أولها  حننت إلى ريا تروى لقيس بن ذريح في أخباره وشعره بأسانيد قد ذكرت في مواضعها، ويروى بعضها للمجنون في أخباره، بأسانيد قد ذكرت أيضا في أخباره. والصحيح في البيتين الأولين أنهما لقيس بن ذريح وروايتهما له، آثبت، وقد تواترت الروايات بأنهما له من عدة طرق، والأخر مشكوك فيها أهي للمجنون أم للصمة.

 

 

صفحة : 618

 

أنشدنا محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم للصمة القشيري قال: وكان أبو حاتم يستجيدهما، وأنشدنيهما عمي عن الكراني عن أبي حاتم، وأنشدنيهما الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي حاتم:

إذا نأت لم تفارقنـي عـلاقـتـهـا                      وإن دنت فصدود العاتب الـزاري

فحـال عـينـي مـن يومـــيك                      واحدة تبكي لفرط صدود أونوى دار أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام قال حدثني أبي عن شعيب بن صخر عن بعض بني عقيل قال: مررت بالصمة بن عبدالله القشيري يوما وهو جالس وحده يبكي ويخاطب نفسه ويقول: لا والله ما صدقتك فيما قالت، فقلت: من تعني. ويحك أجننت قال: اعني التي أقول فيها:

أما وجلال الله لو تذكرينـنـي                      كذكريك ماكفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى والله ذكرا لـوأنـه                      يصب على صم الصفا لتصدعا أسلي نفسي عنها وأخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي.

أخبرني عمي قال حدثنا عبدالله بن أبي سعد قال حدثني مسعود بن عيسى بن إسماعيل العبدي عن موسى بن عبدالله التيمي قال.

خطب الصمة القشيري بنت عمه وكان لها محبا، فاشتط عليه عمه في المهر فسأل أباه أن يعاونه وكان كثير المال فلم يعنه بشيء فسأل عشيرته فأعطوه، فأتى بالإبل عمه، فقال: لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فاسأل أباك أن يبدلها لك فسأل ذلك أباه فأبى عليه، فلما رأى ذلك من فعلهما قطع عقلها وخلاها، فعاد كل بعير منها إلى ألافه. وتحمل الصفة راحلا. فقالت بنت عمه حين رأته يتحمل: تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة. ومضى من وجهه حتى لحق بالثغر فقال وقد طال مقامه واشتاقها وندم على فعله:

أتبكي على ريا ونفسك باعـدت                      مزارك من ريا وشعباكما معـا

فماحسن أن تأتي الأمرطـائعـا                      وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا وقد أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي: أن الصمة خطب ابنة عمه هذه إلى أبيها فقال له: لا أزوجكها إلا على كذا وكذا من الإبل، فذهب إلى أبيه فأعلمه بذلك وشكا إليه ما يجد بها فساق الإبل عنه إلى أخيه فلما جاء بها عدها عمه فوجدها تنقص بعيرا، فقال: لا آخذها إلا كاملة، فغضب أبوه وحلف لا يزيده على ما جاء به شيئا. ورجع إلى الصمة، فقال له: ما وراءك. فأخبره، فقال: تالله ما رأيت قط ألأم منكما جميعاة وإني لألأم منكما إن أقمت بينكما ثم ركب ناقته ورحل إلى ثغر من الثغور، فأقام به حتى مات. وقال في ذلك:

أمن ذكر دار بالرقاشين أصبـحـت                      بها عاصفات الصيف بدءأ ورجعـا

حننت إلى ريا ونفسـك بـاعـدت                      مزارك من ريا وشعباكما مـعـا

فما حسن أن تأتي الأمـر طـائعـا                      وتجزع أن داعي الصبابة أسمعـا

كأنك لم نـشـهـد وداع مـفـارق                      ولم ترشعبي صاحبين تقـطـعـا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتـهـا                      عن الجهل بعد الحلم أسبلتا مـعـا

تحمل أهلي من قـنـين وغـادروا                      به أهل ليلى حين جيد وأمـرعـا

ألا يا خليلـي الـلـذين تـواصـيا                      بلومي إلا أن أطـيع وأسـمـعـا

قفا إنه لا بد مـن رجـع نـظـرة                      يمانية شتى بها الـقـوم أو مـعـا

لمغتصب قد عزه الـقـوم أمـره                      حياء يكف الدمع أن يتـطـلـعـا

تبرض عينيه الصـبـابة كـلـمـا                      دنا الليل أو أوفى من الأرض ميفعا

فليست عشيات الحمـى بـرواجـع                      إليك ولكن خل عينـيك تـدمـعـا

قل لأسماء أنـجـزي الـمـيعـادا                      وانظري أن تـزودي مـنـك زادا

إن تكوني حللت ربعا مـن الـشـأ                      م وجـاورت حـمـيرا أومـرادا

أوتناءت بك النـوى فـلـقـد قـد                      ت فؤادي لـحـينـه فـانـقـادا

ذاك أني علقت منـك جـوى الـح                      ب ولـيدا فـزدت سـنـا فـزادا

 

صفحة : 619

 

الشعر لداود بن سلم. والغناء لدحمان، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالوسطى. وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية علي بن يحيى عن إسحاق منسوبا إلى المرقش، وطلبناه في أشعار المرقشين جميعا فلم نجده، وكنا نظنه من شاذ الروايات حتى وقع إلينا في شعر داود بن سلم، وفي خبر أنا ذاكره في أخبار داود. وإنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته، فما وقع من غلط فوجدناه أو وقفنا على صحته أثبتناه وأبطلنا ما فرط منا غيره، وما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارىء هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده ولا اخترعناه، وإنما حكيناه عن رواته واجتهدنا في الإصابة. وإن عرف صوابا مخالفا لما ذكرناه وأصلحه، فإن ذلك لا يضره ولا يخلو به من فضل وذكر جميل إن شاء الله.

 

أخبار داود بن سلم ونسبه

داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، ثم يقول بعض الرواة: إنه مولى آل أبي بكر، ويقول بعضهم: إنه مولى آل طلحة. وهو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، من ساكني المدينة، يقال له داود الآدم وداود الأرمك. وكان من أقبح الناس وجها.

وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يستثقله، فرآه ذات يوم يخطر خطرة منكرة فدعا به، وكان يتولى المدينة، فضربه ضربا مبرحا. وأظهر أنه إنما فعل ذلك به من أجل الخطرة التي تخايل فيها في مشيته. فقال بعض الشعراء في ذلك وأظنه ابن رهيمة:

ضرب العادل سعـد                      ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد                      من أميركل حاجـه أخبرني محمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: سألت محمد بن موسى بن طلحة عن داود بن سلم، هل هو مولاهم? فقال: كذلك يقول الناس، هو مولانا، أبوه رجل من النبط، وأمه بنت حوط مولى عمر بن عبيد الله بن معمر فانتسب إلى ولاء أمه. وفي ذلك يقول ويمدح ابن معمر:

وإذا دعا الجاني النصير لنصـره                      وأرتني الغرر النصيرة معمـر

متخازرين كـأن أسـد خـفـية                      بمقامها مستـبـسـلات تـزأر

متجاسرين بحمل كـل مـلـمة                      متجبرين على الذي يتـجـبـر

عسل الرضا فإذا أردت خصامهم                      خلط الشمام بفيك صاب مفقـر

لا يطبعون ولا ترى أخلاقـهـم                      إلا تطيب كما يطيب العنـبـر

رفعوا بناي بعتق حـؤط دتـية                      جدي وفضلهم الذي لا ينـكـر أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال: كان داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة، وكان يقال له: الآدم لشدة سواده، وكان من أبخل الناس فطرقه قوم وهو بالعقيق، فصاحوا به: العشاء والقرى يابن سفم، فقال لهم: لا عشاء لكم عندي ولا قرى، قالوا: فأين قولك في قصيدتك إذ تقول فيها:

يا دار هنل ألا حـييت مـن دار                      لم أمض منك لباناتي وأوطـاري

عودت فيها إذاما الضيف نبهـنـي                      عقرالعشار على يسري وإعساري قال: لستم من أولئك الذين عنيت.

قال: ودخل على السري بن عبدالله الهاشمي، وقد أصيب بابن له فوقف بين يديه ثم أنشده:

يا من على الأرض من عجم ومن عرب                      استرجعوا خاست الـدنـيا بـعـبـاس

فجعت من سبعة قد كـنـت آمـلـهـم                      من ضنء والدهم بـالـسـيد الـراس قال: وداود بن سلم الذي يقول:

قل لأسماء أنجزي المـيعـادا                      وانظري أن تزودي منك زادا

إن تكوني حللت ربعا من الشأ                      م وجاورت حميرا أومـرادا

أوتناءت بك النوى فلقـد قـد                      ت فؤادي لحينه فـانـقـادا

ذاك أني علقت منك جوى الح                      ب وليدا فزدت سنـا فـزادا قال أبو زيد: أنشدنيها أبو غسان محمد بن يحيى وإبراهيم بن المنذر لداود بن سلم.

 

يادار هند ألا حـييت مـن دار                      لم أقض منك لباناتي وأوطاري أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير قال أخبرني مصعب بن عثمان قال:

 

صفحة : 620

 

دعا الحسن بن زيد إسحاق بن إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي أيام كان بالمدينة إلى ولاية القضاء فأبى عليه فحبسه، فدعا مسرقين يسرقون له مغسلا في السجن، وجاء بنو طلحة فانسجنوا معه. وبلغ ذلك الحسن بن زيد، فأرسل إليه فأتي به، فقال: إنك تلاججت علي، وقد حلفت ألا أرسلك حتى تعمل لي، فأبرر يميني، ففعل، فأرسل الحسن معه جندا حتى جلس في المسجد مجلس القضاء والجند على رأسه، فجاءه داود بن سلم فوقف عليه فقال:

طلبوا الفقه والمروءة والحل                      وفيك أجتمعن يا إسـحـاق فقال: ادفعوه، فدفعوه، فنخي عنه فجلس ساعة ثم قام من مجلسه، فأعفاه الحسن بن زيد من القضاء فلما سار إلى منزله أرسل إلى داود بن سلم بخمسين دينارا، وقال للرسول: قل له: يقول لك مولاك: ما حملك على أن تمدحني بشيء أكرهه? استعن بهذه على أمرك.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محرز بن سعيد قال: بينما سعد بن إبراهيم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بين الناس إذ دخل عليه زيد بن إسماعيل بن عبدالله بن جعفر، ومعه داود بن سلم مولى التيميين، وعليهما ثياب ملونة يجرانها فأومأ أن يؤتى بهما، فأشار إلى زيد أن اجلس، فجلس بالقرب منه، وأومأ إلى الآخر أن يجلس حيث يجلس مثله، ثم قال لعون من أعوانه: ادع لي نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، فدعي له فجاء أحسن الناس سمتا وتشميرا ونقاء ثياب، فأشار إليه فجلس ثم أقبل على زيد فقال له: يابن أخي، تشبه بشيخك هذا وسمته وتشميره ونقاء وبه، ولا تعد إلى هذا اللبس، قم فانصرف.ثم أقبل على ابن سلم وكان قبيحا، فقال له: هذا ابن جعفر أحتمل هذا له، وأنت لأي شيء أحتمل هذا لك. أللؤم أصلك، أم لساجة وجهك، جرد يا غلام، فجرد فضربه أسواطا. فقال ابن رهيمة:

جلد العـادل سـعـد                      ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد                      من أمير كل حاجه أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون قال: فال لي أبي- وقد عزل سعد بن إبراهيم عن القضاء- يا بني تعجل بنا عسى أن نروح مع سعد بن إبراهيم، فإن القاضي إذا عزل لم يزل الناس ينالون منه، فخرجنا حتى جئنا دار سعد بن إبراهيم، فإذا صوت عال، فقال لي أي شيء هذا. أرى أنه قد أعجل علي، ودخلنا فإذا داود بن سلم يقول له: أطال الله بقاءك يا أبا إسحاق وفعل بك، وقد كان سعد جلد داود بن سلم أربعين سوطا، فأقبل علي سعد وعلى أبي، فقال: لم تر مثل أربعين سوطا في ظهر لئيم. قال: وفيه يقول الشاعر:

ضرب العادل سعـد                      ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد                      من أمير كل حاجه أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار قال حدثني أبو يحيى الزهري واسمه هارون بن عبدالله قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبيه قال: كان الحسن بن زيد قد عود داود بن سلم مولى بني تيم إذا جاءته غلة من الخانقين أن يصله. فلما مدح داود بن سلم جعفر بن سليمان، وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد شديد، أغضب ذلك الحسن، فقدم من حج أو عمرة، ودخل عليه داود مسلما، فقال له الحسن: أنت القائل في جعفر:

وكنا حديثا قبل تأمـير جـعـفـر                      وكان المنى في جعفر أن يؤمـرا

حوى المنـبـرين الـطـاهـرين                      كليهما إذا ماخطا عن منبرأم منبرا

كأن بني حواء صـفـوا أمـامـه                      فخبر من أنسابهـم فـتـخـيرا? فقال داود: نعم، جعلني الله فداءكم، فكنتم خيرة اختياره، وأنا الذي أقول:

لعمري لئن عاقبت أوجدت منعما                      بعفو عن الجاني وإن كان معذرا

لأنت بما قدمت أولـى بـمـدحة                      واكرم فرعا إن فخرت وعنصرا

هو الغرة الزهراء من فرع هاشم                      ويدعو عليا ذا المعالي وجعفـرا

وزيد الندى والسبط سبط محمـد                      وعمك بالطف الزكي المطهـرا

ومانال من ذا جعفرغيرمجـلـس                      إذا مانفاه العزل عنـه تـأخـرا

بحقكم نالوا ذراها فأصـبـحـوا                      يرون به عزاعليكم ومفـخـرا

 

صفحة : 621

 

قال: فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه حتى مات. قال أبو يحيى: يعني بقوله:  وإن كان معذرا أن جعفرا أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار، فذكر أن له عذرا في مدحه إياه بجزالة إعطائه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال: كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة، حيال ذي الحليفة نصف الليل جلوسا في القمر، وأبو السائب المخزومي معنا، وكان ذا فضل وكان مشغوفا بالسماع والغزل، وبين أيدينا طبق عليه فريك فنحن نصيب منه، والحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة، فأنشد الحسن قول داود بن سلم وجعل يمد به صوته ويطربه:

فعرسنا ببطن عـريتـنـات                      ليجمعنا وفاطمة المـسـير

أتنسى إذ تعرض وهـو بـاد                      مقلدها كما برق الصـبـير

ومن يطع الهوى يعرف هواه                      وقد ينبيك بالأمرالـخـبـير

على أني زفرت غداة هرشى                      فكاد يريبهم مني الـزفـير الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وأظنه هذا اللحن قال: فأخذ أبو السائب الطبق فوحش به إلى السماء، فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد فقال له: مالك. ويحك أجننت فقال له أبو السائب: أسألك بالله وبقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أعدت إنشاد هذا الصوت ومددته كما فعلت قال: فما ملك الحسن نفسه ضحكا، ورد الحسن الأبيات لأستحلافه إياه. قال ابن أبي الزناد: فلما خرج أبو السائب قال لي: يابن أبي الزناد، أما سمعت مده:

ومن يطع الهوى يعرف هواه فقلت نعم، قال: لو علمت أنه يقبل مالي لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات. أخبرني بخبره عبيد الله بن محمد الرازي وعمي قالا حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي بكر الهذلي.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: أرسلتني مولاتي فاطمة في حاجة، فمررت برحبة القضاء، فإذا بضبيعة العبسي خليفة جعفر بن سليمان يقضي بين الناس، فأرسل إلي فدعاني، وقد كنت رطلت شعري وربطت في أطرافه من ألوان العهن، فقال: ما هذا? فقلت شيء أتملح به فقال: يا حرسي قنعها بالسوط. قالت: فتناولت السوط بيدي وقلت: قاتلك الله ما أبين الفرق بينك وبين سعد بن إبراهيم سعد يجلد الناس في السماجة، وأنت تجلدهم في الملاحة، وقد قال الشاعر:

جلد العـادل سـعـد                      ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد                      من أمير كل حاجه قالت: فضحك حتى ضرب بيديه ورجليه، وقال: خل عنها. قالت: فكان يسوم بي، وكانت مولاتي تقول: لا أبيعها إلا أن تهوى ذلك، وأقول: لا أريد بأهلي بدلا إلى أن مررت يوما بالرحبة وهو في منظرة دار مروان ينظر فأرسل إلي فدعاني، فوجدته من وراء كلة وأنا لا أشعر به، وحازم وجرير جالسان، فقال لي حازم: الأمير يريدك، فقلت: لا أريد بأهلي بدلا وكشفت الكلة عن جعفر بن سليمان، فارتعت لذلك فقلت: آه فقال: مالك? فقلت:

سمعت بذكر الناس هندا فلم أزل                      أخا سقم حتى نظرت إلى هنـد قال: فأبصرت ماذا? ويحك فقلت:

فأبصرت هندا حرة غيرأنـهـا                      تصدى لقتل المسلمين على عمد قالت: فضحك حتى استلقى، وأرسل إلى مولاتي ليبتاعني، فقالت: لا والله لا أبيعها حتى تستبيعني، فقلت: والله لا أستبيعك أبدا.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا يونس بن عبدالله عن داود بن سلم قال: كنت يوما جالسا مع قثم بن العباس قبل أن يملكوا بفنائه، فمرت بنا جارية، فأعجب بها قثم وتمناها فلم يمكنه ثمنها. فلما ولي قثم اليمامة اشترى الجارية إنسان يقال له صالح. قال داود بن سلم: فكتبت إلى قثم:

ياصاحب العيس ثم راكبهـا                      أبلغ إذا ما لقـيتـه قـثـم

أن الغزال الذي أجازبـنـا                      معارضا إذ توسط الحرمـا

حوله صالح فصارمـع الإ                      نس وخلى الوحوش والسلما قال: فأرسل قثم في طلب الجارية ليشتريها، فوجدها قد ماتت.

 

 

صفحة : 622

 

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبدالله بن محمد بن موسى بن طلحة قال حدثني زهير بن حسن مولى آل الربيع بن يونس: أن داود بن سلم خرج إلى حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به حط غلمانه متاع داود وحلوا عن راحلته، فلما دخل عليه أنشأ يقول:

ولما دفـعـت لأبـوابـهـم                      ولاقيت حربا لقيت النجاحـا

وجدناه يحمده المـجـتـدون                      ويأبى على العسر إلا سماحا

ويغشون حتى يرى كلبـهـم                      يهاب الهرير وينسى النباحا قال: فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه في الخروج فأذن له وأعطاه ألف دينار. فلم يعنه أحد من غلمانه ولم يقوموا إليه، فظن أن حربا ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه، فقال له: سلهم لم فعلوا بك ذلك. قال: فسألهم، فقالوا: إننا نتزل من جاءنا ولا نرحل من خرج عنا. قال: فسمع الغاضري حديثه فأتاه فحدثه فقال: أنا يهودي إن لم يكن الذي قال الغلمان أحسن من شعرك.

وذكر محمد بن داود بن الجراح أن عمر بن شبة أنشده ابن عائشة لداود بن سلم، فقال: أحسن والله داود حيث يقول:

لججت من حبي في تقريبـه                      وعميت عيناي عن عيوبـه

كذاك صرف الدهرفي تقليبه                      لا يلبث الحبيب عن حبيبـه

أو يغفر الأعظم من ذنوبه قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن عبدالله بن شبيب لداود بن سلم قال:

وما ذر قرن الشمس إلا ذكرتها                      وأذكرها في وقت كل غروب

وأذكرها مـا بـين ذاك وهـذه                      وبالليل أحلامي وعند هبوبـي

وقد شفني شوقي وأبعدني الهوى                      وأعيا الذي بي طب كل طبيب

وأعجب أني لا أموت صـبـابة                      وماكمد من عاشق بـعـجـيب

وكل محب قد سلا غيرأنـنـي                      غريب الهوى، ياويح كل غريب

وكم لام فيها من أخ ذي نصيحة                      فقلت له اقصرفغيرمـصـيب

أتأمر إنسانا بـفـرقة قـلـبـه                      أتصلح أجسام بغـير قـلـوب أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: كان داود بن سلم منقطعا إلى قثم بن العباس، وفيه يقول:

عتقت من حلي ومن رحلتي                      يا ناق إن أدنيتني من قثـم

إنك إن أدنيت مـنـه غـدا                      حالفني اليسر ومات العدم

في وجهه بدر وفي كـفـه                      بحر وفي العرنين منه شمم

أصم عن قيل الخنا سمعـه                      وماعن الخيربه من صمـم

لم يدر ما لا وبلى قـد درى                      فعافها واعتاض منها نعـم قال أبو إسحاق إسماعيل بن يونس قال أبو زيد عمر بن شبة قال لي إسحاق: لنظم العمياء في هذه الأبيات صنعة عجيبة، وكانت تجسيدها ما شاءت إذا غنتها .

 

أخبار دحمان ونسبه

دحمان لقب لقب به، واسمه عبد الرحمن بن عمرو، مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. ويكنى أبا عمرو، ويقال له دحمان الأشقر. قال إسحاق: كان دحمان مع شهرته بالغناء رجلا صالحآ كثير الصلاة معدل الشهادة مدمنا للحج وكان كثيرا ما يقول: ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء.

قال إسحاق: وحدثني الزبيري أن دحمان شهد عند عبد العزيز بن المطلب بن عبدالله، بن حنطب المخزومي، وهو يلي القضاء لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق بشهادة، فأجازها وعدله، فقال له العراقي: إنه دحمان، قال: أعرفه، ولو لم أعرفه لسألت عنه، قال: إنه يغني ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأينا لا يتغنى اخرج إلى الرجل عن حقه. وفي دحمان يقول أعشى بني سليم:

إذا ما هـرج الـواد                      ي أو ثقل دحمـان

سمعت الشدو من هذا                      ومن هذا بـمـيزان

فهـذا سـيد الإنـس                      وهذا سيد الـجـان وفيه يقول أيضا:

كانوا فحولا فصاروا عند حلبتهم                      لما انبرى لهم دحمان خصيانـا

فأبلغوه عن الأعشى مقالـتـه                      أعشى سليم أبي عمرو سليمانا

قولوا يقول أبو عمرو لصحبته                      ياليت دحمان قبل الموت غنانا

 

صفحة : 623

 

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي أنه حدثه عن ابن جامع وزبير بن دحمان جميعا: أن دحمان كان معدلا مقبول الشهادة عند القضاة بالمدينة، وكان أبو سعيد مولى فائد أيضا ممن تقبل شهادته.

وكان دحمان من رواة معبد وغلمانه المتقدمين. قال: وكان معبد في أول أمره مقبول الشهادة، فلما حضر الوليد بن يزيد وعاشره على تلك الهنات وغنى له سقطت عدالته، لا لأن شيئا بان عليه من دخول في محظور، ولكن، لأنه اجتمع مع الوليد على ما كان يستعمله.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال قال إسحاق: كان دحمان يكنى أبا عمرو، مولى بني ليث، واسمه عبد الرحمن، وكان يخضب رأسه ولحيته بالحناء وهو من غلمان معبد. قال إسحاق: وكان أبي لا يضعه بحيث يضعه الناس، ويقول: لو كان عبدا ما اشتريته على الغناء بأربعمائة درهم. وأشبه الناس به في الغناء ابنه عبدالله، وكان يفضل الزبير ابنه تفضيلا شديدا على عبدالله أخيه وعلى دحمان أبيه، أخبرني يحيى عن أبي أيوب عن أحمد بن المكي عن عبدالله بن دحمان قال: رجع أبي من عند المهدي وفي حاصله مائة ألف دينار.

أخبرنا إسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة واحدة خمسين ألف دينار وذلك أنه غنى في شعر الأحوص:

قطوف المشي إذ تمشي                      ترى في مشيها خرقا فأعجبه وطرب، واستخفه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت، فقال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما ريان وغالب فأقطعه إياهما. فلما خرج التوقيع بذلك إلى أبي عبيد الله وعمر بن بزيع راجعا المهدي فيه وقالا: إن هاتين ضيعتان لم يملكهما قط إلا خليفة، وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية فلم يقطعوهما فقال: والله لا أرجع فيهما إلا بعد أن يرضى، فصولح عنهما على خمسين ألف دينار.

 

سرى ذا الهم بل طرقا                      فبت مسقدا قـلـقـا

كذاك الحب مـمـا يح                      دث التسهيد والأرقـا

قطوف المشي إذ تمشى                      ترى في مشيهاخرقـا

وتثقلها عـجـيزتـهـا                      إذا ولت لتنطـلـقـا الشعر للأخوص. والغناء لدحمان ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وذكر الهشامي أنه لابن سريج.

سئل عن ثمن ردائه فأجاب: أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال: مر دحمان المغني وعليه رداء جيد عدني، فقال له من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمرو? قال:

ما ضز جيراننا إذ انتجعوا.

ما ضر جيراننا إذ انتجعوا                      لو أنهم قبل بينهم ربـعـوا

أحموا على عاشق زيارتـه                      فهو بهجران بينهم قـطـع

وهو كأن الهيام خـالـطـه                      وما به غير حبـهـا ذرع

كأن لبنى صـبـير غـادية                      أو دمية زينت بها الـبـيع

الله بيني وبـين قـيمـهـا                      يفر عني بـهـا وأتـبـع أخبرني وكيع عن أبي أيوب المديني إجازة عن أبي محمد العامري الأويسي قال: كان دحمان جمالا يكري إلى المواضع ويتجر، وكانت له مروءة، فبينا هو ذات يوم قد أكرى جماله وأخذ، ماله إذ سمع رنة، فقام واتبع الصوت، فإذا جارية قد خرجت تبكي، فقال لها: أمملوكة أنت? قالت: نعم، فقال: لمن? فقالت: لامرأة من قريش، وسمتها له، فقال: أتبيعك? قالت: نعم، ودخلت إلى مولاتها فقالت: هذا إنسان يشتريني، فقالت: ائذني له، فدخل، فسامها حتى استقر أمر الثمن بينهما على مائتي دينار، فنقدها إياها وانصرف بالجارية. قال دحمان: فأقامت عندي مدة أطرح عليها ويطرح عليها معبد والأبجر ونظراؤهما من المغنين ثم خرجت بها بعد ذلك إلى الشأم وقد حذقت، وكنت لا أزال إذا نزلنا أنزل الأكرياء ناحية، وأنزل معتزلا بها ناحية في محمل وأطرح على المحمل من أعبية الجمالين، وأجلس أنا وهي تحت ظلها، فأخرج شيئا فنأكله، ونضع ركوة فيها لنا شراب، فنشرب ونتغنى حتى نرحل. ولم نزل كذلك حتى قربنا من الشأم. فبينا أنا ذات يوم نازل وأنا ألقي عليها لحني:

لو رد ذو شفق حمـام مـنـية                      لرددت عن عبد العزيز حماما

صلى عليك الله من مستـودع                      جاورت بوما في القبور وهاما

 

صفحة : 624

 

الشعر لكثير يرثي عبد العزيز بن مروان. وزعم بعض الرواة أن هذا الشعر ليس لكثير وأنه لعبد الصمد بن علي الهشامي يرثي ابنأ له. والغناء لدحمان، ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر.

فال: فرددته عليها حتى أخذته واندفعت تغنيه، فإذا أنا براكب قد طلع فسلم علينا فرددنا عليه السلام، فقال: أتأذنون لي أن أنزل تحت ظلكم هذا ساعة? قلنا نعم، فنزل، وعرضت عليه طعامنا وشرابنا فأجاب، فقدمنا إليه السفرة فأكل وشرب معنا، واستعاد الصوت مرارا. ثم قال للجارية: أتغنين لدحمان شيئا. قالت نعم. قال: فغنته أصواتأ من صنعتي، وغمزتها ألا تعرفه أني دحمان، فطرب وامتلأ سرورا وشرب أقداحا والجارية تغنيه حتى قرب وقت الرحيل، فأقبل علي وقال: أتبيعني هذه الجارية? فقلت نعم، قال: بكم? قلت كالعابث: بعشرة آلاف دينار، قال: قد أخذتها بها، فهلم دواة وقرطاسا، فجئته بذلك، فكتب: ادفع إلى حامل كتابي هذا حين تقرؤه عشرة آلاف دينار، واستوص به خيرأ وأعلمني بمكانه وختم الكتاب ودفعه إلي، ثم قال: أتدفع إلي الجارية أم تمضي بها معك حتى تقبض مالك. فقلت: بل أدفعها إليك، فحملها وقال: إذا جئت البخراء فسل عن فلان وادفع كتابي هذا إليه واقبض منه مالك، ثم انصرف بالجارية. قال: ومضيت، فلما وردت البخراء سألت عن اسم الرجل.، فدللت عليه، فإذا داره دار ملك، فدخلت عليه ودفعت إليه الكتاب، فقبله ووضعه على عينيه، ودعا بعشرة آلاف دينار فدفعها إلي، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين، وقال لي اجلس حتى أعلم أمير المؤمنين بك، فقلت له: حيث كنت فأنا عبدك وبين يديك، وقد كان أمر لي بأنزال وكان بخيلا، فاغتنمت ذلك فارتحلت، وقد كنت أصبت بجملين، وكانت عدة أجمالي خمسة عشر فصارت ثلاثة عشر. قال: وسأل عني الوليد، فلم يدر القهرمان أين يطلبني، فقال له الوليد: عدة جماله خمسة عشر جملا قأردده إلي، فلم أوجد، لأنه لم يكن في الرفقة من معه خمسة عشر جملا، ولم يعرف اسمي فيسأل عني. قال: وأقامت الجارية عنده شهرا لا يسأل عنها، ثم دعاها بعد أن استبرئت وأصلح من شأنها، فظل معها يومه، حتى إذا كان في آخر نهاره قال لها: غنيني لدحمان فغنت، وقال لها: زيديني فزادت.ثم قبلت عليه فقالت: يا أمير المؤمنين، أو ما سمعت غناء دحمان منه? قالا لا، قالت: بلى والله قال: أقول لك لا، فتقولين بلى والله فقالت: بلى والله لقد سمعته قال: وما ذاك. ويحك قالت: إن الرجل الذي اشتريتني منه هو دحمان، قال: أو ذلك هو. قالت: نعم، هو هو قال: فكيف لم أعلم? قالت: غمزني بألا أعلمك. فأمر فكتب إلى عامل المدينة بأن يحمل إليه دحمان، فحمل فلم يزل عنده أثيرا.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا ابن جامع قال: تذاكروا يوما كبر الأيور بحضرة بعض أمراء المدينة فأطالوا القول، ثم قال بعضهم: إنما يكون كبر أير، الرجل على قدر حر أمه، فالتفت الأمير إلى دحمان فقال: يا دحمان، كيف أيرك? فقال له: أيها الأمير، أنت لم ترد أن تعرف كبر أيري، وإنما أردت أن تعرف مقدار حر أمي. وكان دحمان طيبا ظريفا.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: أول ما عرف من ظرف دحمان أن رجلا مر به يوما، فقال له: أير حماري في حر أمك يا دحيم، فلم يفهم ما قاله، وفهمه رجل كان حاضرا معه فضحك، فقال: مم ضحكت? فلم يخبره، فقال له: أقسمت عليك إلا أخبرتني، قال: إنه شتمك فلا أحب استقبالك بما قاله لك، فقال: والله لتخبرني كائنا ما كان، فقال له: قال: كذا وكذا من حماري في حر أمك، فضحك ثم قال: أعجب والله وأغلظ علي من شتمه كنايتك عن أير حماره وتصريحك بحر أمي لا تكني.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني إسحاق الموصلي قال حدثنا عبدالله بن الربيع المديني قال حدثني الربعي المغني قال: قال لنا جعفر بن سليمان وهو أمير المدينة: اغدوا على قصري بالعقيق غدا وكنت أنا ودحمان وعطرد، فغدوت للموعد، فبدأت بمنزل دحمان وهو في جهينة، فإذا هو وعطرد قد اجتمعا على قدر يطبخانها، وإذا السماء بغش، فأذكرتهما الموعد، فقالا: أما ترى يومنا هذا ما أطيبه اجلس حتى نأكل من هذه القدر ونصيب

 

صفحة : 625

 

شيئا ونستمتع من هذا اليوم، فقال: ما كنت لأفعل مع ما تقدم الأمير به إلي، فقالا لي: كأنا بالأمير قد انحل عزمه، وأخذك المطر إلى أن تبلغ، ثم رجع إلينا مبتلا فتقرع الباب وتعود إلى ما سألناك حينئذ. قال: فلم ألتفت إلى قولهما ومضيت، وإذا جعفر مشرف من قصره والمضارب تضرب والقدور تنصب، فلما كنت بحيث يسمع.

 

وأستصحب الأصحاب حتى إذا ونوا                      وملوا من الإدلاج جئتكم وحـدي قال: وما ذاك. فأخبرته، فقال: يا غلام، هات مائتي دينار أو أربعمائة دينار الشك من إسحاق الموصلي فانثرها في حجر الربعي، اذهب الأن فلا تحل لها عقدة حتى تريهما إياها فقلت: وما في يدي من ذلك يأتيانك غدا فتلحقهما بي قال: ما كنت لأفعل، قلت: فلا أمضي حتى تحلف لي أنك لا تفعل، فحلف. فمضيت إليهما، فقرعت الباب فصاحا وقالا: ألم نقل لك إن هذه تكون حالك، فقلت: كلا فأريتهما الدنانير فقالا: إن الأمير لحي كريم، ونأتيه غدا فنعتذر إليه فيدعوه كرمه إلى أن يلحقنا بك، فقلت: كذبتكما أنفسكما، والله إني قد أحكمت الأمر ووكدت عليه الأيمان ألا يفعل، فقالا: لا وصلتك رحم.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن منصور بن أبي مزاحم قال أخبرني عبد العزيز بن الماجشون قال: صلينا يوما الصبح بالمدينة، فقال قوم: قد سال العقيق، فخرجنا من المسجد مبادرين إلى العقيق، فانتهينا إلى العرصة، فإذا من وراء الوادي قبالتنا دحمان المعي وابن جندب مع طلوع الشمس قد تماسكا بينهما صوتا وهو:

أسكن البدو ما سكنـت بـبـدو                      فإذا ما حضرت طاب الحضور وإذا أطيب صوت في الدنيا. قال: وكان أخي يكره السماع، فلما سمعه طرب طربا شديدا وتحرك وكان لغناء دحمان أشد استحسانا وحركة وارتياحا فقال لي: يا أخي، اسمع إلى غناء دحمان، والله لكأنه يسكب على الماء زيتا.

 

أؤحش الجنبذان فالدير منـهـا                      فقراها فالمنزل المحـظـور

أسكن البدو ما أقمـت بـبـدو                      فإذا ما حضرت طاب الحضور

أي عيش ألـذه لـسـت فـيه                      أوترى نعـمة بـه وسـرور الشعر لحسان بن ثابت. والغناء لابن مسجح رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن عبد الرحمن عن أبي عثمان البصري قال: قال دحمان: دخلت على الفضل بن يحيى ذات يوم، فلما جلسنا، قام وأومأ إلي فقمت، فأخذ بيدي ومضى بي إلى منظرة له على الطريق، ودعا بالطعام فأكلنا، ثم صرنا إلى الشراب، فبينا نحن كذلك إذ مرت بنا جارية سوداء حجازية تغني:

اهجريني أوصليني                      كيفما شئت فكوني

أنت والله تحـبـي                      ني وإن لم تخبريني فطرب وقال: أحسنت ادخلي فدخلت، فأمر بطعام فقدم إليها فأكلت، وسقاها أقداحا، وسألها عن مواليها فأخبرته، فبعث، فاشترها، فوجدها من أحسن الناس غناء وأطيبهم صوتا وأملحهم طبعا فغلبتنني عليه مدة وتناساني فكتبت إليه:

أخرجت السوداء ماكان في                      قلبك لي من شدة الـحـب

فإن يدم ذا منـك لادام لـي                      مت من الإعراض والكرب قال: فلما قرأ الرقعة ضحك، وبعث فدعاني ووصلني، وعاد إلى ما كان عليه من الأنس.

قال مؤلف هذا الكتاب: هكذا أخبرنا ابن المرزبان بهذا الخبر، وأظنه غلطا لأن دحمان لم يدرك خلافة الرشيد، وإنما أدركها ابناه زبير وعبدالله، فإما أن يكون الخبر لأحدهما أو يكون لدحمان مع غير الفضل بن يحيى.

 

وإني لآتي البيت مـا إن أحـبـه                      وأكثر هجر البيت وهو حبـيب

وأغضي على أشياء منكم تسوءني                      وأدعى إلى ماسركم فـأجـيب

وأحبس عنك النفس والنفس صبة                      بقربك والممشى إلـيك قـريب الشعر للأحوص. والغناء لدحمان ثقيل أول. وقد تقدمت أخبار الأحوص ودحمان فيما مضى من الكتاب.

 

حييا خـولة مــنـــي بـــالـــســـلام                      درة الـبـحـر ومـصـبـاح الـــظـــلام

لايكن وعدك برقا خلبا كاذبأ يلمع في عرض الغمام

واذكري الوعد الذي واعدتنا                      ليلة الـنـصـف مـن الـشـهـرالـحـــرام

 

صفحة : 626

 

الشعر لأعشى همدان. والغناء لأحمد النصبي، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وعروضه من الرمل. والخلب من البرق: الذي لا غيث معه ولا ينتفع بسحابه. وتضرب المثل به العرب لمن أخلف وعده، قال الشاعر:

لايكن وعدك برقا خـلـبـا                      إن خيرالبرق ما الغيث معه وعرض السحابة: الناحية منها.

 

أخبار أعشى دحمان ونسبه

اسمه عبد الرحمن بن عبدالله بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عبد الحر بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن نزار بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى أبا المصبح، شاعر فصيح، كوفي، من شعراء الدولة الأموية. وكان زوج أخت الشعبي الفقيه، والشعبي زوج أخته. وكان أحد الفقهاء القراء، ثم ترك ذلك وقال الشعر، وآخى أحمد النصبي بالعشيرية والبلدية، فكان إذا قال شعرا غنى فيه أحمد. وخرج مع ابن الأشعث، فأتي به الحجاج أسيرا في الأسرى، فقتله صبرا.

أخبرني بما أذكره من جملة أخباره الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن محمد بن معاوية الأسدي أنه أخذ أخباره هذه عن ابن كناسة عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية وعن غيرهم، من رواة الكوفيين. قال حدثنا عمر بن شبة وأبو هفان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عياش الهمداني. قال العنزي: وأخذت بعضها من رواية مسعود بن بشر عن الأصمعي. وما كان من غير رواية هؤلاء ذكرته مفردا.

أخبرني المهلبي أبو أحمد حبيب بن نصر وعلي بن صالح قالا حدثنا عمربن شبة وأبو هفان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عياش الهمداني قال: كان الشعبي عامر بن شراحيل زوج أخت أعشى همدان، وكان أعشى همدان زوج أخت الشعبي. فأتاه أعشى همدان يوما، وكان أحد القراء للقرآن، فقال له: إني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة وشعير، وقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت الشعيرة فقال: إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقراءته وقلت الشعر فكان كما قال: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن محمد بن معاوية الأسدي عن ابن كناسة، قال العنزي وحدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة والأصمعي قالا، رافق روايتهم الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: كان أعشى همدان أبو المصبح ممن أغزاه الحجاج بلد الديلم ونواحي دستبي، فأسر، فلم يزل أسيرا في، أيدي الديلم مدة.ثم إن بنتا للعلج الذي أسره هويته، وصارت إليه ليلا فمكنته من نفسها، فأصبح وقد واقعها ثماني مرات، فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم. فقال لها: هكذا نفعل كلنا فقالت له: بهذا العمل نصرتم، أفرأيت إن خلصتك، أتصطفيني لنفسك? فقال لها نعم، وعاهدها. فلما كان الليل حلت قيوده وأخذت به طرقا تعرفها حتى خلصته وهربت معه. فقال شاعر من أسرى المسلمين:

فمن كان يفديه من الأسر ماله                      فهمدان تفديها الغداة أيورها وقال الأعشى يذكر ما لحقه من أسر الديلم:

لمن الظعائن سيرهن ترجـف                      عوم السفين إذا تقاعس مجذف

مرت بذي خشب كأن حمولها                      نخل بيثرب طلعه متضعـف غنى في هذين البيتين أحمد النصبي، ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي. وفيهما لمحمد الزف خفيف رمل بالوسطى عن عمرو:

عولين ديباجا وفاخـر سـنـدس                      وبخز أكسية العراق تحـفـف

وغدت بهم يوم الفراق عرامـس                      فتل المرافق بالهـوادج دلـف

بان الخليط وفاتنـي بـرحـيلـه                      خود إذا ذكرت لقلبك يشـغـف

تجلو بمسواك الأراك منـظـمـا                      عذبا إذا ضحكت تهلل ينـطـف

وكأن ريقتها على علل الـكـرى                      عسل مصفى في القلال وقرقف

وكأنما نظرت بعـينـي ظـبـية                       تحنوعلى خشف لها وتعطـف

وإذا تنوء إلى القيام تـدافـعـت                      مثل النزيف ينوء ثم يضـعـف

ثقلت روادفها ومال بخصـرهـا                      كفل كما مال النقا المتقـصـف

ولها ذراعـا بـكـر رحـبـية                      ولها بنان بالخضاب مـطـرف

 

صفحة : 627

 

 

وعوارض مصـقـولة وتـرائب                      بيض وبطن كالسبيكة مخطـف

ولها بهاء في النسـاء وبـهـجة                      وبها تحل الشمس حين تشـرف

تلك التي كانت هواي وحاجـتـي                      لو أن دارا بالأحبة تـسـعـف

وإذا تصنك من الحوادث نـكـبة                      فاصبر فكل مصيبه ستكـشـف

ولئن بكيت من الفراق صـبـابة                      إن الكبير إذا بكـى لـيعـنـف

عجبا من الأيام كيف تصـرفـت                      والدار تدنـو مـرة وتـقـذف

أصبحت رهنا للعداة مـكـبـلا                      أمسي وأصبح في الأداهم أرسف

بين القليسم فالقـيول فـحـامـن                      فاللهزمين ومضجعي متكـنـف هذه أسماء مواضع من بلد الديلم تكنفته الهموم بها

فجبال ويمة ما تزال منـيفة                      يا ليت أن جبال ويمة تنسف ويمة وشلبة: ناحيتان من نواحي الري:

ولقد أراني قبل ذلـك نـاعـمـا                      جذلان آبـى أن أضـام وآنـف

واستنكرت ساقي الوثاق وساعدي                      وأنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف

ولقد تضر سني الحروب وإننـي                      ألفى بكل مخـافة أتـعـسـف

أتسربل الليل البهـيم وأسـتـري                      في الخبت إذ لا يسترون وأوجف

ما إن أزال مقنعـا أو حـاسـرا                      سلف الكتيبة والكـتـيبة وقـف

فأصابني قوم فكنت أصـيبـهـم                      فالآن أصبر للزمـان وأعـرف

إني لطلاب الترات مـطـلـب                      وبكل أسباب المـنـية أشـرف

باق على الحدثان غير مـكـذب                      لا كاسف بالي ولا مـتـأسـف

إن نلت لم أفرح بشيء نـلـتـه                      وإذا سبقت به فـلا أتـلـهـف

إني لأحمي في المضيق فوارسي                      وأكر خلف المستضاف وأعطف

وأشد إذ يكبو الجبان وأصطـلـي                      حر الأسنة والأسـنة تـرعـف

فلئن أصابتني الحروب فربـمـا                      أدعى إذا منع الرداف فـأردف

ولربما يروى بكـفـي لـهـذم                      ماض ومطرد الكعوب مثقـف

وأغيرغارات وأشهد مـشـهـدا                      قلب الجبان به يطير ويرجـف

وأرى مغانم لوأشاء حـويتـهـا                      فيصدني عنها غنى وتـعـفـف غنى في هذه الأبيات دحمان، ولحنه ثقيل أول بالبنصرعن الهشامي. قال الهشامي: فيها لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى، ووافقه في هذا ابن المكي قالوا جميعا: ثم ضرب البعث على جيش أهل الكوفة إلى مكران، فأخرجه الحجاج معهم، فخرج إليها وطال مقامه بها ومرض، فاجتواها وقال في ذلك- وأنشدني بعض هذه القصيدة اليزيدي عن سليمان بن أبي شيخ:

طلبت الصبا إذ علا المكـبـر                      وشاب القذال وما تـقـصـر

وبـان الـشـبـاب ولـذاتـه                      ومثلك في الجـهـل لايعـذر

وقال العواذل هل ينـتـهـي                      فيقدعه الشـيب أو يقـصـر

وفي أربـعـين تـوفـيتـهـا                      وعشر مضت لي مستبصـر

وموعـظة لامـرىء حـازم                      إذا كان يسمـع أو يبـصـر

فلاتأسفن على مـا مـضـى                      ولا يحـزنـنـك مـا يدبـر

فإن الحوادث تبلي الـفـتـى                      وإن الـزمـان بـه يعـثـر

فيومـا يسـاء بـمـا نـابـه                      ويوما يسـر فـيسـبـشـر

ومن كل ذلك يلقى الـفـتـى                      ويمنى له مـنـه مـا يقـدر

كأني لم أرتـحـل جـسـرة                      ولم أجفها بعد ما تـضـمـر

فأجشـمـهـا كـل ديمـومة                      ويعرفها البلـد الـمـقـفـر

ولم أشهد البأس يوم الـوغـى                      علي المفاضة والمـغـفـر

ولم أخرق الصف حتى تمـي                      ل دارعة القوم والـحـسـر

وتحـتـى جـرداء خـيفـانة                      من الخيل أو سابح مجـفـر

أطاعن بالرمح حتى الـلـبـا                      ن يجري به العلق الأحـمـر

وما كنت في الحرب إذ شمرت                      كمـن لا يذيب ولا يخـثــر

ولكنـنـي كـنـت ذا مـرة                      عطوفا إذا هتف المحـجـر

فإن أمس قد لاح في المشـي                      ب أم البنـين، فـقـد أذكـر

 

صفحة : 628

 

 

رخاء من العيش كنـا بـه                      إذالدهر خال لنا مصـحـر

وإذ أنا في عنفوان الشـبـا                      ب يعجبني اللهو والسمـر

أصيد الحسان ويصطدننـي                      وتعجبني الكاعب المعصر

وبيضاء مثل مهاة الكـثـب                      لاعيب فيهالمن ينظـحـر

كأن مـقـلـدهـا إذ بـدا                      به الدر والشذر والجوهـر

مقـلـد أدمـاء نـجــدية                      يعـن لـه شـادن أحـور

كأن جنى النحل والزنجبـي                      ل والفارسية إذ تعـصـر

يصب على برد أنـيابـهـا                      مخالطه المسك والعنـبـر

إذا انصرفت وتلوت بـهـا                      رقاق المجاسد والـمـئزر

وغض السوار وجال الوشاح                      على عكن خصرها مضمر

وضاق عن الساق خلخالهـا                      فكاد مخـمـهـا ينـمـر

فتور القيام رخـيم الـكـلا                      م يفزعها الصوت إذ تزجر

وتنمى إلى حسب شـامـخ                      فليست مجذب إذ تفـخـر

فتلك التي شفني حـبـهـا                      وحملني فـوق مـا أقـدر

فلا تعذلاني فـي حـبـهـا                      فإني بمـعـنـرة أجـدر ومن ها هنا رواية اليزيدي-:

وقولا لذي طرب عـاشـق:                      أشط المزار بمن تـذكـر?

بكوفية أصلهـا بـالـفـرا                      ت تبدو هنالك أو تحضـر

وأنت تسير إلـى مـكـران                      فقد شحط الورد والمصـدر

ولم تك من حاجتي مكـران                      ولا الغزو فيها ولا المتجـر

وخبرت عنها ولـم اتـهـا                      فما زلت من ذكرها أذعـر

بأن الكـثـير بـهـا جـائع                      وأن القليل بهـا مـقـتـر

وأن لحى الناس من حرهـا                      تطول فتجلم أو تـضـفـر

ويزعم من جاءها قبـلـنـا                      بأنا سنسهـم أو نـنـحـر

أعوذ بربي من الـمـخـزيا                      ت فيما أسر وما أجـهـر

وحدثت أن مالـنـا رجـعة                      سنين ومن بعدها أشـهـر

إلى ذاك ما شاب أبـنـاؤنـا                      وباد الأخلاء والمـعـشـر

وما كان بي من نشاط لهـا                      وإني لذو عـدة مـوسـر

ولكن بعثت لهـا كـارهـا                      وقيل انطلق كالذي يؤمـر

فكان النجاء ولم ألـتـفـت                      إليهم وشرهـم مـنـكـر

هو السيف جرد من غمـده                      فليس عن السيف مستأخـر

وكم من أخ لي مستـأنـس                      يظل به الدمع يستحـسـر

يودعني وانتحـت عـبـرة                      له كالـجـداول أو أغـزر

فلست بلاقيه من بـعـدهـا                      يد الدهر ما هبت الصرصر

وقد قيل إنـكـم عـابـرو                      ن بحرالها لم يكن يعـبـر

إلى السند والهند في أرضهم                      هم الجن لكنـهـم أنـكـر

وما رام غزوا لها قبـلـنـا                      أكابـر عـاد ولا حـمـير

ولا رام سابور غزوا لـهـا                      ولا الشيخ كسرى ولا قيصر

ومن دونها معـبـر واسـع                      وأجر عظيم لمـن يؤجـر وذكر محمد بن صالح بن النطاح أن هشام بن محمد الكلبي حدث عن أبيه: أن أعشى همدان كان مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي بالري ودستبي، وكان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة وفارسهم، فلما قدم خالد من مغزاه خرج جواريه يتلقينه وفيهن أم ولد له كانت رفيعة القدر عنده، فجعل الناس يمرون عليها إلى أن جاز بها الأعشى وهو على فرسه يميل يمينا ويسارا من النعاس فقالت أم ولد خالد بن عتاب لجواريها: إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها وعمها وأخيها، وهل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش. وسمعها الأعشى فقال: من هذه? فقال له بعض الناس: هذه جارية خالد فضحك وقال لها: إليك عني يا لكعاء ثم أنشأ يقول:

وما يدريك ما فرس جرور                      وما يدريك ما حمل السلاح

ومايدريك ماشـيخ كـبـير                      عداه الدهرعن سنن المراح

فأقسم لو ركبت الورد يوما                      وليلته إلى وضح الصبـاح

إذا لنظرت منك إلى مكـان                      كسحق البرد أو أثرالجراح

 

صفحة : 629

 

قال: فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى، فقالت: والله ما تكرم، ولقد اجترىء عليك فقال لها: وما ذاك? فأخبرته أنها مرت برجل في وجه الصبح، ووصفته له وأنه سبها، فقال: ذلك أعشى، همدان، فأي شيء قال لك. فأنشدته الأبيات. فبعث إلى الأعشى، فلما دخل عليه قال له: ما تقول. هذه زعمت أنك هجوتها، فقال: أساءت سمعا، إنما قلت:

مررت بنسوة متـعـطـرات                      كضوء الصبح أوبيض الأداحي

على شقرالبغال فصدن قلبـي                      بحسن الدل والحدق الـمـلاح

فقلت من الظباء فقلن سـرب                      بدالك من ظباء بـنـي رياح فقالت: لا والله، ما هكذا قال، وأعادت الأبيات فقال له خالد: أما إنها لولا أنها قد ولدت مني لوهبتها لك، ولكني أفتدي جنايتها بمثل ثمنها، فدفعه إليه وقال له: أقسمت عليك يا أبا المصبح ألآ تعيد في هذا المعنى شيئا بعد ما فرط منك.

وذكر هذا الخبر العنزي في روايته التي قدمت ذكرها، ولم يأت به على هذا الشرح.

وقال هو وابن النطاح جميعا: وكان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنيه إياه ويعده به: إن وليت عملا كان لك ما دون الناس جميعا، فمتى استعملت فخذ خاتمي واقض في أمور الناس كيف شئت. قال: فاستعمل خالد على أصبهان وصار معه الأعشى، فلما وصل إلى عمله جفاه وتناساه، ففارقه الأعشى ورجع إلى الكوفة وقال فيه:

تمنيني إمـارتـهـا تـمـيم                      وما أمي بأم بشـي تـمـيم

وكان أبوسليمـان أخـا لـي                      ولكن الشـراك مـن الأديم

أتينا أصبهان فهـزلـتـنـا                      وكنا قبل ذلك فـي نـعـيم

أتذكرنا ومـرة إذغـزونـا                      وأنت على بغيلك ذي الوشوم

ويركب رأسه في كل وحـل                      ويعثرفي الطريق المستقـيم

وليس عليك إلاطـيلـسـان                      نصيبـي وإلاسـحـق نـيم

فقد أصبحت في خـزوقـز                      تبختر ماترى لك من حمـيم

وتحسب أن تلقاهـا زمـانـا                      كذبت ورب مكة والحطـيم هذه رواية ابن النطاح، وزاد العنزي في روايته-:

وكانت أصبهان كخـير أرض                      لمغترب وصعـلـوك عـديم

ولكنا أتينـاهـا وفـيهـا ذوو                      لأضغان والحـقـد الـقـديم

فأنكرت الوجوه وأنكرتـنـي                      وجوه ماتخـبـرعـن كـريم

وكان سفاهة منـي وجـهـلا                      مسيري لا أسيرإلى حـمـيم

فلو كان ابن عتـاب كـريمـا                      سما لرواية الأمرالـجـسـيم

وكيف رجاء مـن غـلـبـت                      عليه تنائي الدار كالرحم العقيم قال ابن النطاح: فبعث إليه خالد: من مرة هذا الذي ادعيت أني وأنت غزونا معه على بغل ذي وشوم? ومتى كان ذلك. ومتى رأيت علي الطيلسان والنيم اللذين وصفتهما? فأرسل إليه: هذا كلام أردت وصفك بظاهره، فأما تفسيره، فإن مرة مرارة مرة ما غرست عندي من القبيح. والبغل المركب الذي ارتكبته مني لا يزال يعثر بك في كل وعث وجدد ووعر وسهل. وأما الطيلسان فما ألبسك إياه من العار والذم وإن شئت راجعت الجميل فراجعته لك، فقال: لا، بل أراجع الجميل وتراجعه فوصله بمال عظيم وترضاه. هكذا روى من قدمت ذكره.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: لما ولي خالد بن عتاب بن ورقاء أصبهان، خرج إليه أعشى همدان، وكان صديقه وجاره بالكوفة، فلم يجد عنده ما يحب، وأعطى خالد الناس عطايا فجعله في أقلها وفضل عليه آل عطارد، فبلغه عنه أنه ذمه فحبسه مدة ثم طلقه، فقال يهجوه:

وما كنت ممن ألجأته خصاصة                      إليك ولا ممن تغر المواعـد

ولكنها الأطماع وهـي مـذلة                      دنت بي وأنت النازح المتباعد

أتحبسني في غيرشيء وتـارة                      تلاحظني شزرا وأنفك عاقـد

فإنك لاكابني فزارة فاعلمـن                      خلقت ولم يشبههما لك والـد

ولامدرك ما قد خلا من نداهما                      أبوك ولاحوضيهما أنت وارد

وإنك لو ساميت آل عـطـارد                      لبذتك أعناق لهم وسـواعـد

 

صفحة : 630

 

 

ومأثرة عادية لن تـنـالـهـا                      وبيت رفيع لم تخنه القواعـد

وهل أنت إلا ثعلب في ديارهم                      تشل فتغسا أو يقـودك قـائد

أرى خالدا يختال مشيا كـأنـه                      من الكبرياء نفشل أو عطارد

وما كان يربوع شبيهـا لـدارم                      وما عدلت شمس النهارالفراقد قالوا: ولما خرج ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف حشد معه أهل الكوفة، فلم يبق من وجوههم وقرائهم أحد له نباهة إلا خرج معه لثقل وطأة الحجاج عليهم. فكان عامر الشعبي وأعشى همدان ممن خرج معه، وخرج، أحمد النضبي أبو اسامة الهمذاني المغني مع الأعشى لالفته إياه، وجعل الأعشى يقول الشعر في ابن الأشعث يمدحه، ولا يزال يحرض أهل الكوفة بأشعاره على القتال، وكان مما قاله في ابن الأشعث يمدحه:

يأبى الإله وعزة ابن مـحـمـد                      وجدود ملك قبـل آل ثـمـود

أن تأنسوا بمذممين، عروقـهـم                      في الناس إن نسبواعروق عبيد

كم من أب لك كان يعقد تاجـه                      بجبين أبلج مـقـول صـنـديد

وإذا سألت: المجد أين محـلـه                      فالمجد بين محمـد وسـعـيد

بين الأشج وبـين قـيس بـاذخ                      بخ بخ لوالـده ولـلـمـولـود

ماقضرت بك أن تنال مدى العلا                      أخلاق مكـرمة وإرث جـدود

قرم إذا سامى القروم ترى لـه                      أعراق مجد طـارف وتـلـيد

وإذا دعا لعظيمة حشـدت لـه                      همدان تحت لوائه المعـقـود

يمشون في حلق الحديد كأنهـم                      أشد الإباء سمعـن زأرأسـود

وإذا دعوت بال كندة أجفـلـوا                      بكهول صدق سـيد ومـسـود

وشباب مأسدة كأن سـيوفـهـم                      في كل ملحمة بروق رعـود

ما إن ترى قيسا يقارب قيسكـم                      في المكرمات ولاترى كسعـيد وقال حماد الراوية في خبره: كانت لأعشى همدان مع ابن الأشعث مواقف محمودة وبلاء حسن وآثار مشهورة، وكان الأعشى من أخواله، لأن أم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أم عمرو بنت سعيد بن قيس الهمداني. قال: فلما صار ابن الأشعث إلىسجستان جبى مالا كثيرا، فسأله أعشى همدان أن يعطيه منه زيادة على عطائه فمنعه، فقال الأعشى في ذلك:

هل تعرف الدار عفا رسمهـا                      بالحضر فالروضة من آمـد

دار لـخـود طـفـلة رودة                      بانت فأمسىحبها عـامـدي

بيضاء مثل الشمس رقـراقة                      تنسم عن فـي اشـر بـارد

لم يخط قلبي سهمها إذ رمت                      يا عجبا من سهمها القاصـد

يأيها القزم الهـجـان الـذي                      ينطش بطش الأسد الـلابـد

والفاعل الفعل الشريف الـذي                      ينمى إلى الغائب والشـاهـد

كم قد اسدي لك من مـدحـه                      تروى مع الصادر والـوارد

وكم أجبنا لـك مـن دعـوة                      فاعرف فما العارف كالجاحد

نحن حميناك وما تحـتـمـي                      في الروع من مثنى ولا واحد

يوم انتصرنا لك مـن عـابـد                      ويوم أنجينـاك مـن خـالـد

ووقعة الري التي نـلـتـهـا                      بجحفل من جمعنـا عـاقـد

وكم لقينـا لـك مـن واتـر                      يصرف نابي حنـق حـارد

ثم وطـئنـاه بـأقـدامـنـا                      وكان مثل الحية الـراصـد

إلى بلاء حسن قـد مـضـى                      وأنت في ذلك كـالـزاهـد

فاذكـر أيادينـا وآلاءنـــا                      بعوده من حلمـك الـراشـد

ويوم الأهواز فـلا تـنـسـه                      ليس النثا والقول بـالـبـائد

إنا لنرجوك كما نـزتـجـي                      صوب الغمام المبرق الراعد

فانفخ بكفيك ومـا ضـمـتـا                      وافعل فعال الشيد المـاجـد

ما لك لا تعطي وأنت امـرؤ                      مثر من الطارف والتـالـد

تجبي سجستان وما حولـهـا                      متكئا في عيشـك الـراغـد

لاترهـب الـدهـر وأيامـه                      وتجرد الأرض مع الجـارد

إن يك مكروه تهجـنـا لـه                      وأنت في المعروف كالراقد

 

صفحة : 631

 

 

ثم ترى أنا سـنـرضـى بـذا                      كلا ورب الراكع الـسـاجـد

وحـرمة الـبـيت وأسـتـاره                      ومن به من نـاسـك عـابـد

تلك لـكـم أمـنـية بـاطـل                      وغفوة مـن حـلـم الـراقـد

ما أنا إن هاجك من بـعـدهـا                      هيج بـآتـيك ولا كـابـــد

ولا إذا ناطـوك فـي حـلـقة                      بحامـل عـنـك ولا فـاقـد

فأعط ما أعـطـيتـه طـيبـا                      لا خير في المنكود والنـاكـد

نحن ولدنـاك فـلا تـجـفـن                      والله قـد وصـاك بـالـوالـد

إن تك من كندة فـي بـيتـهـا                      فإن أخوالـك هـن حـاشـد

شم العرانـين وأهـل الـنـدى                      ومنتهى الضـينـان والـرائد

كم فيهم من فـارس مـعـلـم                      وسائس لـلـجـيش أو قـائد

وراكب للـهـول يجـتـابـه                      مثل شهاب القبـس الـواقـد

أو ملأ يشفـى بـأحـلامـهـم                      من سفه الجاهـل والـمـارد

لم يجعل اللـه بـأحـسـابـنـا                      نقصا وما الناقـص كـالـزائد

ورب خال لك، فـي قـومـه                      فرع طويل الباع والـسـاعـد

يحتضرالبـأس ومـايبـتـغـى                      سوى إسار البطل الـنـاجـد

والطعن بالراية مستـمـكـنـا                      في الصف في العادية الناهـد

فارتح لأخـوالـك واذكـرهـم                      وارحمهم للسـلـف الـعـائد

فإن أخـوالـك لـم يبـرحـوا                      يربون بالرفد علـى الـرافـد

لم يبخلوا يوما ولـم يجـبـنـوا                      في السلف الغافي ي ولا القاعد

ورب خال لـك فـي قـومـه                      حمال أثـقـال لـهـا واجـد

معترف للـرزء فـي مـالـه                      والحق للـسـائل والـعـامـد وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي، وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي، وذكره العنزي عن أصحابه، قالوا جميعا: خرج أعشى همدان إلى الشأم في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظا فجاء إلى النعمان بن بشير وهوعامل على حمص، فشكا إليه حاله، فكلم له النعمان بن بشير اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن ولسانها، واستماحهم له، فقالوا: نعم، يعطيه كل رجل منا دينارين من عطائه، فقال: لا، بل أعطوه دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجلا، فقالوا: أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كل رجل من عطائه، ففعل النعمان وكانوا عشرين ألفا فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:

ولم أر للحاجات عند التماسهـا                      كنعمان نعمان الندى ابن بشير

إذا قال أوفى ما يقول ولم يكن                      كمدل إلى الأقوام حبل غرور

متى أكفرالنعمان لم ألف شاكرا                      وماخيرمن لايقتدي بشـكـور

فلولا أخو الأنصار كنت كنازل                      ثوى ماثوى لم ينقلب بنـقـير وقال الهيثم بن عدي في خبره: حاصر المهلب بن أبي صفرة نصيبين، وفيها أبو قارب يزيد بن أبي صخرومعه الخشبية فقال المهلب: يأيها الناس، لا يهولنكم هؤلاء القوم فإنما هم العبيد بأيديها العصي. فحمل عليهم المهلب وأصحابه فلقوهم بالعصي فهزموهم حتى أزالوهم عن موقفهم. فدس المهلب رجلا من عبد القيس إلى يزيد بن أبي صخر ليغتاله، وجعل له على ذلك جعلا سنيا قال الهيثم: بلغني أنه أعطاه مائتي ألف درهم قبل أن يمضي ووعده بمثلها إذا عاد فاندس له العبدي فاغتاله فقتله وقتل بعده. ققال أعشى همدان في ذلك:

يسمون أصحاب العصي وما أرى                      مع القوم إلا المشرفية من عصا

ألا أيها الليث الذي جـاء حـاذرا                      وألقى بنا جرمى الخيام وعرصا

أتحسب غزو الشأم يوما وحربـه                      كبيض ينظمن الجمان المفصصا

وسيرك بالأهواز إذ أنـت امـن                      وشربك ألبان الخلايا المقرصـا

فأقسمت لاتجبي لك الدهردرهما                      نصيبون حتى تبتلى وتمحـصـا

ولا أنت من أثوابها الخضرلابس                      ولكن خشبانا شدادا ومشقـصـا

فكم رد من ذي حاجة لاينالـهـا                      جديع العتيك رده الله أبـرصـا

 

صفحة : 632

 

 

وشيد بنيانا وظاهـر كـسـوة                      وطال جديع بعد ما كان أوقصا تصغير جدع جديع بالدال غير معجمة. والأبيات التي كان فيها الغناء المذكور معه خبر الأعشى في هذا الكتاب يقولها في زوجة له من هفدان يقال لها جزلة، هكذا رواه الكوفيون، وهو الصحيح. وذكر الأصمعي أنها خولة، هكذا رواه في شعر الأعشى.

فذكر العنزي في أخبار الأعشى المتقدم إسنادها: أنها كانت عند الأعشى امرأة من قومه يقال لها أم الجلال، فطالت مدتها معه وأبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة وقال الأصمعي: خولة فقالت له: لا، حتى تطلق أم الجلال فطلقها وقال في ذلك:

تقــــادم ودك أم الـــــــجـــــــلال                      فطـاشـت نـبـالـك عـنـد الـنـــضـــال

وطال لزومك لي حقبة فرثت قوى الحبل بعد الوصال

وكان الفؤاد بهامعجبا                      فقـدأصـبـح الـيوم عـــن ذاك ســـالـــي

صحـا لا مـــســـيئا ولا ظـــالـــمـــا                      ولـكـن سـلاســـوة فـــي جـــمـــال

ورضـت خـلائفـــنـــا كـــلـــهـــا                      ورضـنـا خـلائقـــكـــم كـــل حـــال

فأكـييتـنـا فـــي الـــذي بـــينـــنـــا                      تسـومـينـنـي كــل أمـــرعـــضـــال

وقـدتـأمـرين بـقــطـــع الـــصـــديق                      وكـان الـصـديق لـنـا غـــير قـــالـــي

وإتـيان مـا قـد تـــجـــنـــبـــتـــه                      ولـيدا ولـمـت عـــلـــيه رجـــالـــي

أفـالــيوم أركـــبـــه بـــعـــد مـــا                      علا الـشـيب مـنـي صـمــيم الـــقـــذال

لعـمـرأبـيك لـقــد خـــلـــتـــنـــي                      ضعـيف الـقـوى أوشـديد الـــمـــحـــال

هلـمـي اسـألـي نـائلا فـــانـــظـــري                      أأحـرمـك الـخـيرعـنـــد الـــســـؤال

ألـم تـعـلـمـي أنـــنـــي مـــغـــرق                      نمـانـي إلـى الـمـجـد عـمـي وخـالـــي

وأنـــي إذا ســـاءنـــي مـــنـــــزل                      عزمـت فـأوشـكـت مـنـه ارتـحــالـــي

فبـعـض الـعـتـاب، فـلاتـهــلـــكـــي                      فلا لـــك فـــي ذاك خـــير ولالـــــي

فلـمـا بـدا لـي مـنـــهـــا الـــبـــذا                      ء صـبـحـتـهـا بـثـــلاث عـــجـــال

ثلاثـا خـرجـن جــمـــيعـــا بـــهـــا                      فخـلـــينـــهـــا ذات بـــيت ومـــال

إلـى أهـلـهـا غـــير مـــخـــلـــوعة                      ومـامـسـهـاعـنـدنـامـــن نـــكـــال

فأمـسـت تـحـن حـنــين الـــلـــقـــا                      ح مـن جـزع إثــر مـــن لايبـــالـــي

فحـنـي حـنـينـك واســـتـــيقـــنـــي                      بأنـا اطـرحـنــاك ذات الـــشـــمـــال

وأن لا رجـــوع فـــلا تـــكـــذبـــي                      ن مـا حـنـت الـنـيب إثـر الـفـــصـــال

ولا تـحـسـبــينـــي بـــأنـــي نـــدم                      ت كـلا وخـالـقــنـــا ذي الـــجـــلال فقالت له أم الجلال: بئس والله بعل الحرة وقرين الزوجة المسلمة أنت ويحك أعددت طول الصحبة والحرمة ذنبا تسبني وتهجوني به ثم دعت عليه أن يبغضه الله إلى زوجته التي اختارها، وفارقته. فلما انتقلت إلى أ أهلها وصارت جزلة إليه، ودخل بها لم يحظ عندها، ففركته وتنكرت له واشتد شغفه بها ثم خرج مع ابن الأشعث فقال فيها:

حييا جزلة مـنـي بـالـسـلام                      درة البحر ومصباح الـظـلام

لا تصـدي بـعـد ود ثـابـت                      واسمعي يا أم عيسى من كلامي

إن تدومي لي فـوصـلـي دائم                      أو تهمي لي بهجر أو صـرام

أو تكوني مثـل بـرق خـلـب                      خادع يلمع في عرض الغمـام

أو كتخييل سـراب مـغـرض                      بفلاة أو طروق في الـمـنـام

فاعلمي إن كنت لما تعـلـمـي                      ومتى ما تفعلي ذاك تـلامـي

بعد ما كـان الـذي كـان فـلا                      تتبعي الإحسان إلا بالـتـمـام

لا تناسيئ كل ما أعطـيتـنـي                      من عهود ومواثـيق عـظـام

واذكري الوعد الذي واعدتـنـي                      ليلة النصف من الشهر الحـرام

فلئن بدلـت أو خـسـت بـنـا                      وتجرأت عـلـى أم صـمـام أم صمام: الغدر والحنث:

لا تبالين إذا من بـعـدهـا                      أبدا ترك صـلاة أو صـيام

راجعي الوصل وردي نظرة                      لا تلجي في طمـاح وأثـام

وإذا أنكرت مـنـي شـيمة                      ولقد ينكر مـا لـيس بـذام

فاذكريها لي أزل عنهـا ولا                      تسفحي عينيك بالدمع السجام

وأرى حبلك رثـا خـلـقـا                      وحبالي جددا غـير رمـام

 

صفحة : 633

 

 

عجبت جـزلة مـنـي أن رأت                      لمتي حفت بشيب كـالـثـغـام

ورأت جسمـي عـلاه كـبـرة                      وصروف الدهر قد أبلت عظامي

وصليت الحرب حتـى تـركـت                      جسدي نضوا كأشلاء الـلـجـام

وهي بيضاءعلى مـنـكـبـهـا                      قطط جـعـد ومـيال سـخـام

وإذا تضحـك تـبـدي حـبـبـا                      كرضاب المسك في الراح المدام

كملت مـا بـين قـرن فـإلـى                      موضع الخلخال منها والـخـدام

فأراها اليوم لـي قـد أحـدثـت                      خلقا لـيس عـلـى الـعـهـد أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي: أنه أتى البصرة أيام ابن الزبير، فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة وفاخروا بينهم، إلى أن قال قائل من أهل البصرة: وهل أهل الكوفة إلا خولنا? استنقذناهم من عبيدهم -يعني الخوارج-. قال الشعبي: فهجس في صدري أن تمثلت قول أعشى همدان:

أفخرتم أن قتلتم أعـبـدا                      وهزمتم مرة آل عـزل

نحن سقناهم إليكم عنـوة                      وجمعنا أمركم بعد فشـل

فإذا فاخرتمونا فاذكـروا                      مافعلنا بكم يوم الجـمـل

بين شيخ خاضب عثنونـه                      وفتى أبيض وضاح رفل

جاءنا يرفل في سـابـغة                      فذبحناه ضحى ذبح الحمل

وعفونا فنسيتم عـفـونـا                      وكفرتم نحمة الله الأجـل قال: فضحك الأحنف، ثم قال: يأهل البصرة، قد فخر عليكم الشعبي وصدق وانتصف، فأحسنوا مجالسته.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا الرياشي عن أبي محلم عن الخليل بن عبد الحميد عن أبيه قال: بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعمي إلى الري فلقيه الخوارج بجلولاء، فقتلوا جيشه وهزموه وأبادوا عسكره، وكان معه أعشى همدان، فقال في ذلك:

أمرت خثعم على غـير خـير                      ثم أوصاهم الأمـير بـسـير

أين ماكنتم تعـيفـون لـلـنـا                      س وما تزجرون من كل طير

ضلت الطيرعنكم بـجـلـولا                      ءوغرتكم أمانـي الـزبـير

قدرما أتيح لي من فلسـطـي                      ن على فالج ثـقـال وعـير

خثعمي مغصص جزجـمـان                      ي محل غزامع ابن نـمـير أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال: سألت الأصمعي عن أعشى همدان فقال: هو من الفحول وهو إسلامي كثير الشعر ثم قال لي: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:

من دعا لي غزيلي                      أربح الله تجارته نم قال: سبحان الله أمثل هذا يجوز على الأعشى? أن يجزم اسم الله عز وجل ويرفع تجارته وهو نصب.

ثم قال لي خلف الأحمر: والله لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين ظن أن هذا يقبل منه وأن له من المحل مثل أن يجوز مثل هذا. قال ثم قال: ومع ذلك أيضا إن قوله: من دعا لي غزيلي لا يجوز، إنما هو: من دعا لغزيلي، ومن دعا لبعير ضال.

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: أملق أعشى همدان فأتى خالد بن عتاب بن وزقاء فأنشده:

رأيت ثناء الناس بالقول طـيبـا                      عليك وقالوا ماجد وابن ماجـد

بني الحارث السامين للمجد، إنكم                      بنيتم بنـاء ذكـره غـيربـائد

هنيئا لما أعطاكم الله واعلمـوا                      بأني ساطري خالدا في القصائد فأن يك عتاب مضى لسبيله فما مات من يبقى له مثل خالد فأمر له بخمسة آلاف درهم.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربري ودخل عليه: أنشدني يا سابق شيئا من شعرك تذكرني به فقال: أو خيرا من شعري? فقال: هات قال قال أعشى همدان:

وبينما المرء أمسى ناعما جـذلا                      في أهله معجبا بالعيش ذا أنـق

غرا، أتيح له من حينه عـرض                      فما تلبث حتى مات كالصـعـق

ثمت أضحى ضحى من غب ثالثة                      مقنعا غير ذي روح ولا رمـق

 

صفحة : 634

 

 

يبكى عليه وأدنوه لمظـلـمة                      تغلى جوانبها بالترب والفلق

فماتزود مما كان يجمـعـه                      إلاحنوطا وماواراه من خرق

وغيرنفحة أعواد تشـب لـه                      وقل ذلك من زاد لمنطلـق قال: فبكى عمر حتى أخضل لحيته.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: سأل أعشى همدان شجرة بن سليمان العبسي حاجة فرده عنها، فقال يهجوه:

لقد كنت خياطا فأصبحت فارسـا                      تعد إذا عد الفوارس من مضـر

فإن كنت قد أنكرت هذا فقل كذا                      وبين لي الجرح الذي كان قد دثر

وإصبعك الوسطى عليه شـهـيدة                      وما ذاك إلا وخزها الثوب بالإبر قال وكان يقال: إن شجرة كان خياطا، وقد كان ولي للحجاج بعض أعمال السواد. فلما قدم على الحجاج فال له: يا شجرة، ارني إصبعك أنظز إليها قال: أصلح الله الأمير، وما تصنع بها? قال: أنظر إلى صفة الأعشى ة فخجل شجرة. فقال الحجاج لحاجبه: مر المعطي أن يعطى الأعشى من عطاء شجرة كذا وكذا. يا شجرة، إذا أتاك امرؤ ذو حسب ولسان فاشتر عرضك منه.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي عن جماعة قال المبرد: أحسب أن أحدهم مؤرج بن عمرو السدوسي قالوا: لما اتي الحجاج بن يوسف الثقفي بأعشى همدان أسيرا، قال: الحمد لله الذي أمكن منك، ألست القائل:

لما سفؤنا للكفور الـفـتـان                      بالسيد الغطريف عبد الرحمن

سار بجمع كالقطا من قحطان                      ومن معد قد أتى ابن عدنـان

أمكن ربي من ثقيف هفـدان                      يوما إلى الليل يسلي ما كان

إن ثقيفا منهـم الـكـذابـان                      كذابها الماضي وكذاب ثـان أو لست القائل:

يابن الأشـج قـريع كـن                      دة لا أبالي فيك عـتـبـا

أنت الرئيس ابـن الـرئي                      س وأنت أعلى الناس كعبا

نبـئت حـجـاج بـن يو                      سف خرمن زلق فتـبـا

فانهض فـديت لـعـلـه                      يجلوبك الرحمن كـربـا

وابعث عطية في الـخـيو                      ل يكبهن عـلـيه كـبـا كلا يا عدو الله، بل عبد الرحمن بن الأشعث هو الذي خر من زلق فتب، وحار وانكب، وما لقي ما أحب ورفع بها صوته واربد وجهه واهتز منكباه، فلم يبق أحد في المجلس إلا أهمته نفسه وأرتعدت فرائصه. فقال له الأعشى بل أنا القائل أيها الأمير:

أبى الـلـه إلا أن يتـمـم نـوره                      ويطفىء نار الفاسقين فتـخـمـدا

وينزل ذلا بـالـعـراق وأهـلـه                      كما نقضوا العهد الوثيق المؤكـدا

ومالبث الحجاج أن سـل سـيفـه                      علينا فولى جمـعـنـا وتـبـددا

وما زاحف الـحـجـاج إلارأيتـه                      حساما ملقى للحـروب مـعـودا

فكيف رأيت الله فرق جمـعـهـم                      ومزقهم عرض البـلاد وشـردا

بمانكثوامـن بـيعة بـعـد بـيعة                      إذاضمنوها اليوم خاسوا بهـاغـدا

وما أحدثوامن بـدعة وعـظـيمة                      من القول لم تصعد إلى الله مصعدا

ولما دلفنـا لابـن يوسـف ضـلة                      وأبرق منا العارضـان وأرعـدا

قطعنا إليه الخـنـدقـين وإنـمـا                      قطعناوأفضينا إلى الموت مرصدا

فصادمنا الحجاج دون صفـوفـنـا                      كفاحا ولم يضرب لذلك مـوعـدا

بجند أمير المـؤمـنـين وخـيلـه                      وسلطانه أمسى مـعـانـا مـؤيدا

ليهنىءأمير المؤمنـين ظـهـوره                      على أمة كانوابـغـاة وحـسـدا

وجدنا بـنـي مـروان خـيرأئمة                      وأعظم هذا الخلق حلما وسـؤددا

وخيرقـريش فـي قـريش أرومة                      وأكرمهم إلا النـبـي مـحـمـدا

إذا ما تدبرنـا عـواقـب أمـرنـا                      وجدنا أمير المؤمنين الـمـسـددا

سيغلب قومأ غالبوا اللـه جـهـرة                      وإن كايدوه كـان أقـوى وأكـيدا

 

صفحة : 635

 

 

كذاك يضل الله من كان قـلـبـه                      ضعيفا ومن والى النفاق وألحـدا

فقد تركوا الأموال والأهل خلفهـم                      وبيضا عليهن الجـلابـيب خـردا

ينادينهم مسـتـعـبـرات إلـيهـم                      ويذرين دمعا في الخدود وإثـمـدا

وإلاتناولـهـن مـنـك بـرحـمة                      يكن سبايا والـبـعـولة أعـبـدا

تعطف أمير المؤمنـين عـلـيهـم                      فقد تركوا أمرالسفـاهة والـردى

لعلهم أن يحـدثـوا الـعـام تـوبة                      وتعرف نصحا مـنـهـم وتـوددا

لقد شمت يابن الأشعث العام مصرنا                      فظلوا وما لاقوا من الطيرأسعـدا

كما شاء الله الـنـجـير وأهـلـه                      بجدك من قد كان أشقى وأنـكـدا فقال من حضر من أهل الشام: قد أحسن أيها الأمير، فخل سبيله فقال: أتظنون أنه أراد المدح لا والله لكنه قال هذا أسفا لغلبتكم إياه وأراد به أن يحرض أصحابه. ثم أقبل عليه فقال له: أظننت يا عدو الله أنك تخدعني بهذا الشعر وتنفلت من يدي حتى تنجو ألست القائل ويحك.

 

وإذاسألت: المجد أين محله                      فالمجد بين محمد وسعيد

بين الأغروبين قيس باذخ                      بخ بخ لوالده وللمـولـود والله لا تبخبخ بعدها أبدا. أو لست القائل:

وأصابني قوم وكنت أصيبهـم                      فاليوم أصبر للزمان وأعرف كذبت والله، ما كنت صبورا ولا عروفا. ثم قلت بعده:

وإذاتصبك من الحوادث نكبة                      فاصبرفكل غيابة ستكشف أما والله لتكونن نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبدا يا حرسي، اضرب عنقه فضرب عنقه.

وذكر مؤرج السدوسي أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجاج في تلك الحروب، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه، ونزع درعه فوضعها فوق السرج، ثم جلس عليها فأحدث والناس يرونه، ثم أقبل عليهم فقال لهم: لعلكم أنكرتم ما صنعت قالوا: أو ليس هذا موضع نكير. قال: لا، كلكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفا وفرقا، ولكنكم سترتموه وأظهرته ة فحمي القوم وقاتلوا أشد قتال يومهم إلى الليل، وشاعت فيهم الجراح والقتلى، وانهزم أهل الشأم يومئذ، ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب ة وجاء مدد من أهل الشأم، فباكروهم القتال وهم مستريحون فكانت الهزيمة وقتل ابن الأشعث. وقد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة اليشكري أنه فعلها في هذه الوقعة، وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني في أخبار أبي كلدة ، وقد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من، هذا الكتاب.

النصبي هو صاحب الأنصاب. وأول من غنى بها وعنه أخذ النصب في الغناء هو أحمد بن اسامة الهمداني، من رهط الأعشى الأدنين. ولم أجد نسبه متصلا فأذكره. وكان يغني بالطنبور في الإسلام. وكان، فيما يقال، ينادم عبيد الله بن زياد سرا ويغنيه. وله صنعة كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطنبوريين ولا كثير ممن يغني بالعود.

وذكره جحظة في كتاب الطتبوريين فأتى من ذكره بشيء ليس من جنس أخباره ولا زمانه، وثلبه فيما ذكره.

وكان مذهبه عفا الله عنا وعنه في هذا الكتاب أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدرعليه، وكان يجب عليه ضد هذا، لأن من أنتسب إلى صناعة، ثم ذكر متقدمي أهلها، كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم وظريف قصصهم ومليح ما عرفه منهم لا أن يثلبهم بما لا يعلم وما يعلم. فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النصبي، وبه صدر كتابه فقال: أحمد النصبي أول من غنى الأنصاب على الطنبور وأظهرها وسيرها ولم يخدم خليفة ولا كان له شعر ولا أدب.

وحذثني جماعة من الكوفيين أنه لم يكن بالكوفة أبخل منه مع يساره، وأنه كان يفرض الناس بالربا، وأنه اغتص في دعوة دعي إليها بفالوذجة حارة فبلعها فجمعت أحشاءه فمات. وهذا كله باطل. أما الغناء فله منه صنعة في الثقيل الأول وخفيف الثقيل والثقيل الثاني، ليس لكثير أحد مثلها. منها الصوت الفي تقذم ذكرهوهو قوله: حييا خولة مني بالسلام ومنها:

سلبت الجواري حفيهن فلـم تـدع                      لسورا ولا طوقا على النحر مذهبا وهو من الثقيل الثاني، والشعر للعديل بن الفرخ ، وقد ذكرت ذلك في أخباره.

ومنها:

يأيها القلب المطيع الهـوى                      أنى اعتراك الطرب النازخ

 

صفحة : 636

 

وهو أيضا من الثقيل الثاني، وأصوات كثيرة نالمحرة تدل على تقدمه.

وأما ما وصفه من بخله وقرضه للناس بالربا وموته من فالوذجة حارة أكلها، فلا أدري من من الكوفيين حدثه بهذا الحديث، ليس يخلو من أن يكون كاذبا، أو نحل هو هذه الحكاية ووضعها هنا، لأن أحمد النصبي خرج مع أعشى همدان وكان قرابته وإلفه في عسكر ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل. روى ذلك الثقات من أهل الكوفة والعلم بأخبار الناس، وذلك يذكر في جملة أخباره.

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، وذكره العنزي في أخبار أعشى همدان المذكورة عنه عن رجاله المسفين قال: كان أحمد النصبي مواخيا لأعشى همدان مواصلا له، فأكثر غنائه في أشعاره مثل صنعته في شعره:

حييا خولة مني بالسلام

ولمن الظعائن سيرهن ترجف

ويأيها القلب المطيع الهوى وهذه الأصوات قلائد صنعته وغرر أغانيه. قال: وكان سبب قوله الشعر في سليم بن صالح بن سعد بن جابر العنبري وكان منزل سليم ساباط المدائن- أن أعشى همدان وأحمد النضبي خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليم فأحسن قراهما وأمر لدوابهما بعلوفة وقضيم، وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى منزله ففعلا، فعرض عليهما الشراب فأنعما به وطلباه فوضعه بين أيديهما وجلسا يشربان ة فقال أحمد النصبي للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرا تمدحه به حتى أغني فيه فقال الأعشى يمدحه:

يأيها القلب المطيع الهـوى                      أنى اعتراك الطرب النازح

تذكر جملا فـإذا مـا نـأت                      طار شعاعا قلبك الطامـح

هلا تناهيت وكنـت امـرأ                      يزجرك المرشد والناصـح

ما لك لا تترك جهل الصبـا                      وقد علاك الشمط الواضـح

فصار من ينهاك عن حبهـا                      لم تـر إلا أنـه كـاشـح

يا جمل ما حبي لـكـم زائل                      عني ولا عن كبدي نـازح

حملت ودا لكم خـالـصـا                      جدا إذا ما هزل الـمـازح

ثم لقد طـال طـلابـيكـم                      أسعى وخير العمل الناجـح

إني توسمت امرأ مـاجـدا                      يصدق في مدحته المـادح

ذؤابة العنبر فـاخـتـرتـه                      والمرء قهد ينعشه الصالـح

أبلج بهلـولا وظـنـي بـه                      أن ثنـائي عـنـده رابـح

سليم ما أنت بـنـكـس ولا                      ذمـك لـي غـاد ولا رائح

أعطيت ودي وثنائي مـعـا                      وخلة مـيزانـهـا راجـح

أرعاك بالغيب وأهوى لك ال                      مرشد وجيبي فاعلمن ناصح

إني لمن سالمت سلم ومـن                      عاديت أمسي وله نـاطـح

في الرأس منه وعلى أنفـه                      من نقماتـي مـيسـم لائح

نعم فتى الـحـي إذا لـيلة                      لم يور فيها زنده الـقـادح

وراح بالشول إلى أهلـهـا                      مغبرة أذقانـهـا كـالـح

وهـبـت الـريح شـامـية                      فانجحر القابس والـنـابـح

قد علم الحي إذا أمـحـلـوا                      أنك رفـاد لـهـم مـانـح

في الليلة القالي قراها التـي                      لا عابق فيها ولا صـابـح

فالضيف معروف له حقـه                      له على أبوابـكـم فـاتـح

والخيل قد تعلم يوم الوغـى                      أنك من جمرتهـانـاضـح قال: فغنى أحمد النصبي في بعض هذه الأبيات، وجارية لسليم في السطح، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها وقالت: إني سمعت من أضيافك شعرا ما سمعت أحسن منه فخرج معها مولاها فاستمع حتى فهم ثم نزل فدخل عليهما، فقال لأحمد: لمن هذا الشعر والغناء? ومن أنتما. فقال: الشعر لهذا، وهو أبو المصبح أعشى همدان، والغناء لي، وأنا أحمد النصبي الهمداني فانكب على رأس أعشى همدان فقبله وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما أن تفارقاني ولم أعرفكما، ولم أعلم خبركما، واحتبسهما شهرا ثم حملهما على فرسين، وقال: خلفا عندي

 

صفحة : 637

 

ما كان من دوابكما، وإرجعا من مغزاكما إلي. فمضيا إلى مغزاهما، فأقاما حينا ثم انصرفا، فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبا قال: وما هو. فال: أرى فوق قصر سليم ثعلبا، قال: لئن كنت صادقا فما بقي في القرية أحد. فدخلا القرية، فوجدا سليما وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم وانتقل باقيهم. هكذا ذكر إسحاق، وذكر غيره: أن الحجاج طالب سليما بمال عظيم، فلم يخرج منه حتى باع كل ما يملكه، وخربت قريته وتفرق أهلها ثم باعه الحجاج عبدا، فاشتراه بعض أشراف أهل الكوفة، إما أسماء بن خارجة وإما بعض نظرائه، فأعتقه.

 

يأيها القلب المطيع الهـوى                      أنى اعتراك الطرب النازح

تذكرجملا فـإذا مـا نـأت                      طارشعاعا قلبك الطامـح

أعطيت ودي وثنائي مـعـا                      وخلة ميزانـهـا راجـح

إني تخيرت امـرأمـاجـدا                      يصدق في مدحته المـادح

سليم ما أنت بـنـكـس ولا                      ذمـك لـي غـاد ولارائح

نعم فتى الـحـي إذا لـيلة                      لم يورفيها زنده الـقـادح

وراح بالشول إلى أهلـهـا                      مغبرة أذقانـهـا كـالـح

وهـئت الـريح شـآمـية                      فانجحرالقابسى والنـابـح الشعر لأعشى همدان. والغناء لأحمد النصبي، ولحنه ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولسنان الكاتب لحنأ اخر.

 

تنكر من سعدى وأقفر من هند                      مقامهما بين الرغامين فالفرد

محل لسعدى طالما سكنت بـه                      فأوحش ممن كان يسكنه بعدي الشعر لحفاد الراوية. والغناء لعبادل، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه خفيف ثقيل أول بالوسطى، ذكر الهشافي أنه للهذلي، وذكر عمرو بن بانة أنه لعبادل بن عطية.

هو حماد بن ميسرة، فيما ذكره الهيثم بن عدي، وكان صاحبه وراويته وأعلم الناس به، وزعم أنه مولى بني شيبان. وذكر المدائني والقحذمي أنه حماد بن سابور، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها. وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيوه، فيفد عليهم وينادمهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ويجزلون صلته.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي وعمي إسماعيل العتكي قالوا حدثنا الرياشي قال: قال الأصمعي: كان حماد أعلم الناس إذا نصح. قال وقلت لحماد: ممن أنتم. قال: كان أبي من سبى سلمان بن ربيعة، فطرحتنا سلمان لبني شيبان، فولاؤنا لهم. قال: وكان أبوه يسمى ميسرة، ويكنى أبا ليلى. قال العتكي في خبره: قال الرياشي: وكذلك ذكر الهيثم بن عدي في أمر حماد.

أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي والهيثم بن عدي ولقيط قالوا: قال الوليد بن يزيد لحماد الراوية: بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية. فقال: بأني أروي لكل شاعر، تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لاكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم منه من المحدث فقال: إن هذا لعلم وأبيك كثير فكم مقدار ما تحفظ من الشعر? قال: كثيرا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام  قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد. فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفى عليه فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم.

أخبرني يحيى بن علي المنجم قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق الموصلي عن مروان بن أبي حفصة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن مروان بن أبي حفصة قال:

 

صفحة : 638

 

دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده، كلما أنشد شاعر شعرا، وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كدا وكذا من شعر فلان، حضى أتى على أكثر، الشعر، فقلت: من هذا. فقالوا: حماد الراوية. فلما وقفت بين يدي الوليد أنشده قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحنة لحانة فأقبل الشيخ علي وقال: يابن أخي، إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامها، فهل تروي من أشعار العرب شيئا. فذهب عني الشعر كله إلا شعر ابن مقبل، فقلت له: نعم، شعر ابن مقبل قال: أنشد، فأنشدته قوله:

سل الدار من جنبي حبر فواهـب                      إذا مارأى هضب القليب المضيح ثم جزت فقال لي: قف فوقفت فقال لي: ماذا يقول? فلم أدر ما يقول فقال لي حماد: يابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب. يقال: تراءى الموضعان إذا تقابلا.

حدثني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: قلت لحماد الراوية يوما: ألق علي ما شئت من الشعر أفسره لك، فضحك وقال لي: ما معنى قول ابن مزا حم الثمالي:

تخوف السير منها تامكا قـردا                      كما تخوف عود النبعة السفن. فلم أدر ما أقول، فقال: تخوف: تنقص. قال الله عز وجل:  أو يأخذهم على تخوف  أي على تتفص.

قال الهيثم: ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حماد.

كذب الفرزدق في شعر نسبه لنفسه فأقر: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني الكراني محمد بن سعد عن النضر بن عمرو عن الوليد بن هشام عن أبيه قال: أنشدني الفرزدق وحماد الراوية حاضر:

وكنت كذئب السوء لما رأى دما                      بصاحبه يوما أحال على الـدم ففال له حماد: آنت تقوله. قال: نعم، قال: ليس الأمر كذلك، هذا لرجل من أهل اليمن قال: ومن يعلم هذا غيرك أفأردت أن أتركه وقد نحلنيه الناس ورووه لي لأنك تعلمه وحدك ويجهله الناس جميعا غيرك.

حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني الفضل قال حدثني ابن النطاح فال حدثني أبو عمرو الشيباني قال: ما سألت أبا عمرو بن العلاء قط عن حماد الراوية إلا قدمه على نفسه، ولا سألت حمادا عن أبي عمرو إلا قدمه على نفسه.

حدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبدالله بن مسلم، وذكر عبدالله بن مسلم عن الثقفي عن إبراهيم بن عمر والعامري قالا: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، وحماد الراوية، يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندفة جميعا.

أخبرني الحسن بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه فال: دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد، إنك لمسرف مبتذل لحر المتاع، فقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري أقل ثمنا منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع به? فقال له يحيى: ما أحسن ظنك به ومن أين له مثل هذه. إنما هي وديعة أو عارية، فقال له مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس قال له يحيى: وعلى عظيم أمانته فما أجهل من يخرج مثل هذه من داره ويأمن عليها غيره قال مطيع: ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال، وإلا فمن يخرج هذه من بيته فقال لهما حماد: قوما عني يابني الزانيتين واخرجا من منزلي، فشر منكما من يدخلكما بيته.

حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن عبيد وأبو عصيدة قال حدثني محمد بن عبد الرحمن العبدي عن حميد بن محمد الكوفي عن إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن أنس، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الرواية، وخبر حماد بن إسحاق أتم واللفظ له.

 

 

صفحة : 639

 

قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرا. فلما لم أسمع أحدا يذكرني سنة أمنت فخرجت فصليت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل فإذا شرطيان قد وقفا علي فقالا لي: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أصير معكما إليه. فقالا: ما إلى ذلك من سبيل. فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه فرد علي السلام، ورمى إلي كتابا فيه:  بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فاذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروع ولا متعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريأ يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق  . فأخذت الخمسمائة الدينار، ونظرت فإذا جمل مرحول، فوضعت رجلي في الغرز وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام، وهو في مجلس مفروش بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب خز حمر وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلبه بيده فتفوح روائحه، فسلمت فرد علي، واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله، وإذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما، في أذني كل واحدة منهما حفقتان من ذهب فيهما لؤلؤلتان تتوقدان فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك? فقلت بخير يا أمير المؤمنين قال: أتدري فيم بعثت إليك. قلت: لا قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قاله قلت: وما هو? فقال:

فدعوا بالصبوح يوما فجاءت                      قينة في يمينـهـا إبـريق قلت: هذا يقوله عدي بن زيد في قصيدة له قال: فأنشدنيها، فأنشدته:

بكر العاذلون في وضح الصـب                      ح يقولون لي ألا تـسـتـفـيق

ويلومون فيك يابنة عـبـد الـل                      ه والقلب عنـدكـم مـوهـوق

لست أدري إذ أكثروا العذل عندي                      أعـدو يلـومـنـي أوصـديق

زانهاحسنـهـاوفـرع عـمـيم                      واثيث صلت الـجـبـين أنـيق

وثنـايا مـفـلـجـات عـذاب                      لاقصـار تـرى ولاهـن روق

فدعوا بالصبوح يوما فـجـاءت                      قينة فـي يمـينـهـا إبــريق

قدمته على عقـار كـعـين ال                      ديك صفى سلافهـا الـراووق

مرة قبل مـزجـهـافـإذا مـا                      مزجت لذ طعمهـا مـن يذوق

وطفت فوقها فقـاقـيع كـالـد                      رصغار يثيرها الـتـصـفـيق

ثم كان المـزاج مـاء سـمـاء                      غير ما آجـن ولا مـطـروق قال: فطرب، ثم قال: أحسنت والله يا حماد، يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. وقال: أعد، فأعدت، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. فقلت: إن سقتني الثالثة افتضحت، فقال: سل حوائجك، فقلت كائنة ما كانت? قال: نعم قلت: إحدى الجاريتين فقال لي: هما جميعا لك بما عليهما وما لهما، ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتنني شربة سقطت معها، فلم أعقل حتى أصبحت فإذا بالجاريتين عند رأسي، وإذا عدة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال لي أحدهم: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هفه فانتفع بها، فأخذتها والجاريتين وانصرفت. هذا لفظ حماد عن أبيه. ولم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئا، ولكنه ذكر أنه طرب لإنشالده، ووهب له الجاريتين لما طلب إحداهما، وأنزله في دار، ثم نقله من غد إلى منزل أعده له، فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكل ما يحتاج إليه، وأنه أقام عنده مدة فوصل إليه مائة ألف درهم، وهذا هو الصحيح لأن هشاما لم يكن يشرب ولا يسقي أحد بحضرته مسكرا، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه.

في أبيات عدي المذكورة في هذا الخبر غناء نسبته:

 

صفحة : 640

 

 

بكر العاذلون في وضح الصب                      ح يقولون مـا لـه لا يفـيق

ويلومون فيك يابنة عبـد الـل                      ه والقلب عندكم مـوهـوق

ثم نادوا إلى الصبوح فقامـت                      قينة في يمـينـهـا إبـريق

قدمته على عقار كعـين الـد                      يك صفى سلافها الـراووق في البيتين الأولين لحن من الثقيل الأول مختلف في صانعه، نسبه يحيى بن المكي إلى معبد، ونسبه الهشامي إلى حنين. وفي الثالث وهو-ثم نادوا-والرابع لعبدالله بن العباس الربيعي رمل، وفيهما خفيف رمل ينسب إلى مالك وخفيف ثقيل، ذكر حبش أنه لحنين.

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الأصمعي قال: قال حماد الراوية: كتب الوليد بن يزيد وهو خليفة إلى يوسف بن عمر: احمل إلي حمادا الراوية على ما أحب من دواب البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم معونة له، فلما أتاه الكتاب وأنا عنده نبذه إلي، فقلت: السمع والطاعة، فقال: يا دكين بن شجرة، أعطه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف مودعا، فقال: يا حماد، أنا بالموضع الذي قد عرفت من أمير المؤمنين، ولست مستغنيا عن ثنائك، فقلت: أصلح الله الأمير: إن العوان لا تعلم الخمرة. فخرجت حتى أتيت الوليد بن يزيد وهو بالبخراء، فاستأذنت فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهد وعليه ثوبان: إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا، وإذا عنده معبد ومالك وأبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: أنشدني: أمن المنون وريبها تتوجع فأنشدته إياها حتى أتيت على آخرها. فقال لساقيه: اسقه يا سبرة أكؤسا، فسقاني ثلاث أكؤس خدرت ما بين الذؤابة والنعل. ثم قال: يا معبد غنني:

ألاهل جاءك الأظعا                      ن إذ جاوزن مطلحا فغناه. ثم قال: غنني:

أتنسى إذ تودعنا سليمـى                      بفرع بشامة، سقي البشام فغنى. ثم قال: غنني:

جلا أمية عنا كـل مـظـلـمة                      سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا فغناه. ثم قال: اسقني يا غلام بزب فرعون، فأتاه بقدح معوج فيه طول فسقاه به عشرين قدحا. ثم أتاه. الحاجب فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب فقال: أدخله، فدخل غلام شاب لم أر أحسن منه وجها في رجله فدع، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:

وهي إذ ذاك عليها مئزر                      ولها بيت جوار من لعب فغناه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:

طرق الخيال فمرحبا                      ألفا برؤية زينـبـا فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تتركنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي، فقال: والله يا أبا عباد ما جهلت قدرك ولا سنك، ولكن هذا الغلام طرحني على مثل الطياجن من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام. فإذا هو ابن عائشة.

حدثني الحسن بن محمد المادراني الكاتب قال حدثني الرياشي عن العتبي، وأخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي- وليس خبره بتمام هذا- قال: طلب المنصور حمادا الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، وسئل عنه إخوانه فعرفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة وهو عريان يشرب نبيذا من إجانة وعلى سوأته رأس دستجة، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالة أرفع ولا حالة أوضع من تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفان بن همام بن نضلة يرثي أباه فأنشده:

خليل عوجا إنـهـا حـاجة لـنـا                      على قبر همام سقتـه الـرواعـد

على قبرمن يرجى نداه ويبتـغـى                      جداه إذا لم يحـمـد الأرض رائد

كريم النثا حلو الشـمـائل بـينـه                      وبين المزجى نفنف مـتـبـاعـد

إذا نازع القوم الأحاديث لـم يكـن                      عييا ولاثقلا علـى مـن يقـاعـد

صبورعلى العلات يصبح بطـنـه                      خميصا وآتيه على الزاد حـامـد

وضعنا الفتى كل الفتى في حفـيرة                      بحرين قد راحت عليه الـعـوائد

صريعا كنصل السيف تضرب حوله                      ترائبهن المـعـولات الـفـواقـد قال: فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته، ثم قال: هكذا كان أخي أبو العباس رضي الله عنه.

 

 

صفحة : 641

 

أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس ويحبه، وكان منقطعا إليه وله معه منزلة حسنة، فذكر له حمادا الراوية، وكان صديقه، وكان مطرحا مجفوا في أيامهم، فقال: ائتنا به لنراه. فأتى مطيع حمادا فأخبره بذلك وأمره بالمسير معه إليه فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية ومالي عند هؤلاء خير، فأبى مطيع إلا الذهاب إليه، فاستعار حماد سوادا وسيفا ثم أتاه، ثم مضى به مطيع إلى جعفر. فلما دخل عليه سلم عليه سلاما حسنا وأثنى عليه وذكر فضله فرد عليه وأمره بالجلوس فجلس. فقال جعفر: أنشدني فقال: لمن أيها الأمير. ألشاعر بعينه أم لمن حضر? قال: بل أنشدني لجرير. قال حماد: فسلخ والله شعر جرير كله من قلبي إلا قوله:

بان الخليط برامتين فودعوا                      أو كلما اعتزموا لبين تجزع فاندفعت فأنشدته إياه، حتى انتهيت إلى قوله:

وتقول بوزع قد دببت على العصا                      هلا هزئت بغـيرنـا يابـوزع قال حماد: فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته ة فقال: بوزع، أي شيء هو? فقلت: اسم امرأة فقال: إمرأة اسمها بوزع هو بريء من الله ورسوله ونفي من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان تركتني والله يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع يا غلمان قفاه فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا ثم قال: جروا برجله: فجروا برجلي حتى أخرجت من بين يديه مسحوبا، فتخرق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شرا عظيما مما جرى علي وكان أغلظ من ذلك كله وأشد بلاء إغرامي ثمن السواد وجفن السيف فلما انصرفت أتاني مطيع، يتوجع لي فقلت له: ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيرا وأن حظي قد مضى مع بني أمية.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: بلغني أن رجلا تحدث في مجلس حماد الراوية فقال: بلغني أن المأبون له رحم كرحم المرأة- قال: وكان الرجل يرمى بهذا الداء- فقال حماد لغلامه: اكتب هذا الخبر عن الشيخ، فإن خير العلم ما حمل عن أهله.

قال: وكتب حماد الراوية إلى بعض الأشراف الرؤساء قال:

إن لي حاجة فرأيك فـيهـا                      لك نفسي فدى من الأوصاب

وهي ليست مما يبلغهاغـي                      ري ولا يستطيعها في كتاب

غير أني أقولها حين ألـقـا                      ك رويدأ ألسرها في حجاب فكتب إليه الرجل: اكتب إلي بحاجتك ولا تشهرني بشعرك فكتب إليه حماد:

إنني عاشق لجـبـتـك الـدك                      ناء عشقا قد حال دون الشراب

فاكسنيها فدتك نفسي وأهـلـي                      أتباهى بها على الأصـحـاب

ولـك الـلـه والأمـانة أن أج                      علها عمرها أمـير ثـيابـي فبعث إليه بها. وقد رويت هذه القصة لمطيع بن إياس.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو يعقوب الخزيمي قال: كنت في مجلس فيه حماد عجرد وحماد الرواية ومعنا غلام أمرد، فنظر إليه حماد الراوية نظرا شديدا وقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة على أن أدب على هذا الغلام فقلت: شأنك به ثم نمنا، فلم أشعر بشيء إلا وحماد ينيكني، وإذا أنا قد غلطت ونمت في موضع الغلام، فكرهت أن أتكلم فينتبه الناس فأفتضح وأبطل عليه ما أراد، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني، فقال: قد عرفت الآن، فيكون ماذا وفديناه بذبح عظيم.

قال: وما برح علم الله وأنا أعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل.

قال إسحاق: وأهدى حماد إلى صديق له غلاما وكتب إليه: قد بعثت إليك غلاما تتعلم عليه كظم الغيظ.

قال: واستهدى من صديق له نبيذا فأهدى إليه دسيتجة نبيذ. فكتب إليه: لو عرفت في العدد أقل من واحد، وفي الألوان شرا من السواد، لأهديته إلي.

قال: وسمع مغنية تغني:

عاد قلبي من الطويلة عاد فقال: وثمود، فإن الله عز وجل لم يفرق بينهما. والشعر:

عاد قلبي من الطويلة عيد أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثني أبو عثمان اللاحقي، وأخبرني به محمد بن مزيد عن حماد عن أبية عن محمد بن سلام عن بشر بن المفضل بن لاحق قال:

 

صفحة : 642

 

جاء رجل إلى حماد الراوية فأنشده شعرا وقال: أنا قلته فقال له أنت لا تقول مثل هذا، هذا ليس لك، وإن كنت صادقا فاهجني. فذهب ثم عاد إليه فقال له: قد قلت فيك:

سيعلم حماد إذا مـا هـجـوتـه                      أأنتحل الأشعارأم أنـا شـاعـر

ألم ترحمـادا تـقـدم بـطـنـه                      وأخر عنه ماتـجـن الـمـآزر

فليس براء خصيتيه ولـو جـثـا                      لركبته، ما دام للزيت عـاصـر

فياليته أمسـى قـعـيدة بـيتـه                      له بعل صدق كومه مـتـواتـر

فحماد نعم العرس للمرء يبتغي ان                      كاح وبئس المرء فيمن يفاخـر فقال حماد: حسبنا، عافاك الله، هذا المقدار وحسبك قد علمنا أنك شاعر وأنك قائل الشعر الأول وأجود منه، وأحب أن تكتم هذا الشعر ولا تذيعه فتفضحني فقال له: قد كنت غنيا عن هذا. وانصرف الرجل وجعل حماد يقول: أسمعتم أعجب مما جررت على نفسي من البلاء.

حدثني الأسدي أبو الحسن قال حدثنا الرياشي قال حدثنا أبو عبدالله الفهمي قال: عاب حماد الراوية شعرا لأبي الغول فقال يهجوه:

نعم الفتى لوكان يعـرف ربـه                      ويقيم وقت صلاتـه حـمـاد

هدلت مشافره الدنان فـأنـفـه                      مثل القدوم يسنـهـا الـحـداد

وابيض من شرب المدامة وجهه                      فبياضه يوم الحـسـاب سـواد

لايعجـبـنـك بـزه وثـيابـه                      إن اليهود ترى لـهـا أجـلاد

حماد يا ضبعا تجر جعـارهـا                      أخنى لها بالقـريتـين جـراد

سبعا يلاعبها ابنها وبـنـاتـهـا                      ولهامن الخرق الكبـاروسـاد قال معنى قوله:

أخنى لها بالقريتين جراد هو مثل قول العرب للضبع: خامري أم عامر، أبشري بجراد عظال وكمر رجال? فإن الضبع تجيء إلى القتيل وقد استلقى على قفاه، وانتفخ غرموله فكان كالمنعظ، فتحتك به وتحيض من الشهوة، فيثب عليها الذئب حينئذ فتلد منه السمع، وهو دابة، لا يولد له مثل البغل. وفي مثل هذا المعنى يقول الشنفري الأزدي.

 

تضحك الضبع لقتلى هذيل                      وترى الذئب لها يستهـل تضحك: تحيض.

وقال ابن النطاخ: كان حماد الراوية في أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك، وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن أبيه عن جده عن حماد الراوية قال: دخلت على المهدي فقال: أنشدني أحسن أبيات قيلت في السكر، ولك عشرة آلاف وخلعتان كسوة الشتاء والصيف، فأنشدته قول الأخطل:

ترى الزجاج ولم يطمث يطيف بـه                      كأنه من دم الأجواف مختـضـب

حتى إذا افتض ماء المزن عذرتهـا                      راح الزجاج وفي ألوانه صـهـب

تنزو إذا شجها بالمـاء مـازجـهـا                      نزوالجنادب في رمضاء تلتـهـب

راحوا وهم يحسبون الأرض في فلك                      إن صرعوا وقت الراحات والركب فقال لي: أحسنت وأمر لي بما شرطه ووعدني به فأخذته.

حدثني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثني صالح بن سليمان قال: قدم حماد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرقة، فأنشده حماد شعرا مدحه به فقال بلال لذي الرقة: كيف ترى هذا الشعر? قال: جيدا وليس له قال: فمن يقوله. قال: لا أثري إلا أنه لم يقله فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له: إن لي إليك حاجة قال: هي مقضية قال: أنت قلت ذلك الشعر. قال: لا قال: فمن يقوله. قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري ة قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك. قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.

قال صالح: وأنشد حماد الراوية بلال بن أبي بردة ذات يوم قصيدة قالها ونحلها الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري يقول فيها:

جمعت من عامرفيها ومن جشم                      ومن تميم ومن حاء ومن حام

مستحقبات رواياها جحافلـهـا                      يسموبها أشعري طرفه سامي

 

صفحة : 643

 

فقال له بلال: قد علمت أن هذا شيء قلته أنت ونسبته إلى الحطيئة، وإلا فهل كان يجوز أن يمدح الحطيئة أبا مرسى بشيء لا أعرفه أنا ولا أرويه ولكن دعها تذهب في الناس وسيرها حتى تشتهر، ووصله.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال سمعت أحمد بن الحارث الخراز يقول سمعت ابن الأعرابي يقول سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا. فقيل له: وكيف ذلك. أيخطىء في روايته أم يلحن? قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الافاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك.

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي فال حدثني السعيدي الراوية وأبو إياد المؤدب- وكان مؤدبي ثم أدب المعتصم بعد ذلك وقد تعالت سنه- وحدثني بنحو من ذلك عبدالله بن مالك وسعيد بن سلم وحدثني به ابن غزالة أيضا، اتفقوا عليه: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيسا باذ، وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب، وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعا وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال يا معشر من حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف عرهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل، فسمألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:

دع ذا وعد القول في هرم ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه? فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرا فعدل محنه إلى مدح هرم وقال دع ذا، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال دع ذا، أي دع ما أنث فيه من الفكر وعد القول في هرم، فأمسك عنه. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال فكيف قال? فأنشده:

لمن الديار بقـنة الـحـجـر                      أقوين مذ حجج ومـذ دهـر

قفربمندفع الـنـحـائت مـن                      ضفوى أولات الضال والسدر

دع ذا وعد القول فـي هـرم                      خيرالكهول وسيد الحـضـر قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه. قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقر له حينئذ أنه قائلها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه.

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال حدثنا الأصمعي قال: قال حماد الراوية: أرسل إلي أمير الكوفة فقال لي: قد أتاني كتاب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرني بحملك. فجملت فقدمت عليه وهو في الصيد، فلما رجع أذن لي، فدخلت عليه وهو في بيت منجد بالأرمني أرضه وحيطانه، فقال لي: أنت حماد الراوية? فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك، قال: فما بلغ من روايتك. قلت: أروي سبعمائة قصيدة أول كل واحدة منها: بانت سعاد، فقال: إنها لرواية ثم دعا بشراب فأتته جارية بكأس وإبريق فصبت في الكأس ثم مزجته حتى رأيت له حبابا قال: أنشدني في مثل هذه فقلت: يا أمير المؤمنين، هي كما قال عدي بن زيد:

بكر العاذلون في وضح الصب                      يقولون لي ألا تـسـتـفـيق

ثم ثاروا إلى الصبوح فقامـت                      قينة في يمـينـهـا إبـريق

قدمته على سلاف كـريح ال                      مسك صفى سلافها الراووق

 

صفحة : 644

 

 

فترى فوقها فقاقيع كـالـيا                      قوت يجري خلالها التصفيق قال: فشربها ولم يزل يستعيدني الأبيات ويشرب عليها حتى سكر ثم قام فتناول مرفقة من تلك المرافق فجعلها على رأسه ونادى: من يشتري لحوم البقر. ثم قال لي: يا حماد، دونك ما في البيت فهو لك فكان أول مال تأثلته.

حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها. وكان فيه حمق.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني المسور العنزي- وكان من رواة العرب وكان أسن من سماك بن حرب عن حمادأ قال: دخلت على زياد فقال لي: أنشدني فقلت: من شعر من أيها الأمير. قال: من شعر الأعشى ة فأنشدته:

بكرت سمية غدوة أجمالها قال: فما أتممت القصيدة حتى تبينت الغضب في وجهه، وقال الحاجب للناس: ارتفعوا، فقاموا ثم لم أعد والله إليه. قال حماد: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة اسم أم له أو ابنة أو أخت أو زوجة.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: فال الوليد بن يزيد لحماد الراوية: لم سميت الراوية. وما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم. فقال له: يا أمير المؤمنين، إن كلام العرب يجري على ثمانية وعشرين حرفا، أنا أنشدك على كل حرف منها مائة قصيدة ة فقال: إن هذا لحفظ هات، فاندفع ينشد حتى مل الوليد، ثم استخلف على الاستماع منه خليفة حتى وفاه ما قال فأحسن الوليد صلته وصرفه.

أخبرني الحرفي بن أبي العلاء قال حدثني الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال حماد الراوية: أرسل الوليد بن يزيد إليئ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه قريش وثقيف، فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بلي، فأنشدته منها ما استحسنه ثم قال: أنشدني في الشراب- وعنده وجوه من أهل الشام- فأنشدته:

اصبح القوم قهوة                      في أباريق تحتذى

من كميت مـدامة                      حبذا تلك حـبـذا

يترك الأذن شربها                      أرجوانا بها خـذا فقال: أعدها، فأعدتها فقال لخدمه: خذوا آذان القوم، فأتينا بالشراب فسقينا حتى ما درينا متى نقلنا قال: ثم حملنا وطرحنا في دار الضيفان، فما أيقظنا إلا حر الشمس. وجعل شيخ من أهل الشأم يشتمني ويقول: فعل الله بك وفعل، أنت الذي صنعت بنا هذا.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ قال حدثني أبو عبيدة قال حدثني يحيى بن صبيرة بن الطرماح بن حكيم عن أبيه عن جده الطرماح قال: أنشدت حفادا الراوية في مسجد الكوفة - وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي:

بان الخليط بسحرة فتبددوا وهي ستون بيتا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد ثم أقبل علي فقال: أهذه لك? قلت: نعم? قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتا زادها فيها في وقته فقلت له: ويحك إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد قال: قد والله قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة وإلا فعلي وعلي فقلت: لله على حجة حافيا راجلا إن جالستك بعد هذا أبدا فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: لله علي بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي فقلت: أنت رجل ماجن والكلام معك ضائع ثم انصرفت. قال دماذ: وكان أبو عبيدة والأصمعي ينشدان بيتي الطرماح في هذه القصيدة وهما:

مجتاب حلة برجد لسـراتـه                      قددا وأخلف ما سواه البرجد

يبدو وتضمره البلاد كـأنـه                      سيف على شرف يسل ويغمد وكانا يقولان: هذا أشعر الناس في هذين البيتين.

عبادل بن عطية مولى قريش، مكي، مغن مخس متقدم من الطبقة الثانية التي منها يونس الكاتب وسياط ودحمان. وكان حسن الوجه، نظيف الثياب ظريفا، ولم يفارق الحجاز ولا وفد إلى ملوك بني أمية كما وفد غيره من طبقته ومن هو فوقها. ويقال إنه كان مقبول الشهادة.

 

 

صفحة : 645

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثنا حماد عن ابن أبي جناح قال: كان عبادل بن عطية سريا نبيلا نظيفا ساكن الطرف حسن العشرة، وكان يعاشر مشيخة قريش وجلة أحداثها، فإذا أرادوا الغناء منه غنى فأحسن وأطرب. وكانت له صنعة كثيرة.

منها:

تقول يا عمتا كفي جوانـبـه                      ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر ومنها:

أمن حذرالبين ماترقـد                      ودمعك يجري فمايجمد ومنها:

إني استحيتك أن أفوه بحاجتي                      فإذا قرأت صحيفتي فتفهـم ومنها:

قولا لنائل ما تقضين في رجل                      يهوى هواك وما جنبته اجتنبا ومنها:

علام ترين اليوم قتلي لديكم                      حلالا بلا ذنب وقتلي محرم قال: وكانوا يقولون له: ألا تكثر الصنعة? فيقول: بأبي أنتم، إنما أنحته من صخر، ومن أكثر أرذل.

 

أمن حذر البين ما تـرقـد                      ودمعك يجري فما يجمـد

دعاني إلى الحين فاقتادنـي                      فؤاد إلى شقوتي يعـمـد

فلو أن قلبي صحا وارعوى                      لكان له عنكم مـقـعـد

يبيد الزمان وحبـي لـكـم                      يزيد خبـالا ومـاينـفـد الغناء لعبادل ثقيل أول بالسبابة والوسطى عن ابن المكي. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل.

ومنها:

ليست نعم منك للعافين مسجلة                      من التخلق لكن شيمة خلـق

يكاد بابك من علم بصاحـبـه                      من دون بوابه للناس يندلـق لإسحاق في هذين البيتين لحن من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو. وذكر يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق أن الشعر لطريح. وذكر يعقوب بن السكيت أنه لابن هزمة. والغناء في اللحن المختار لشهية مولاة العبلات خفيف رمل بالبنصر في مجراها. فمن روى هذه الأبيات لابن هزمة ذكر أنها من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد بن سلمان بن عبد الملك ومن ذكر أنها لطريح ذكر أنها من قصيدة له يمدح بها الوليد بن يزيد. والصحيح من القولين أن البيت الأول من البيتين لطريح والثاني لابن هرمة. فبيت طريح من قصيدته التي مدح بها الوليد بن يزيد وهي طويلة، يقول في تشبيبها:

تقول والعيس قد شدت بأرحلهـا                      ألحق أنك منا اليوم منطـلـق?

قلت نعم فاكظمي قالت وما جلدي                      ولا أظن اجتماعا حين نفـتـرق

فقلت إن أحي لا أطول بعادكـم                      وكيف والقلب رهن عندكم غلق

فارقتها لا فؤادي من تذكـرهـا                      سالي الهموم ولا حبلي لها خلق

فاضت على إثرهم عيناك دمعهما                      كما تتابع يجري اللؤلؤ النـسـق

فاستبق عينك لا يودي البكاء بهـا                      واكفف بوادر دمع منك تستبـق

ليس الشؤون وإن جادت ببـاقـية                      ولا الجفون على هذا ولا الحدق لإسحاق في هذين البيتين لحن من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو يقول فيها في مدح الوليد:

ومانعم منك للعافـين مـسـجـلة                      من التخلق لكـن شـيمة خـلـق

ساهمت فيهاولافاختصصت بـهـا                      وطارقوم بل اوالذم فانطـلـقـوا

قوم هم شرف الدنـيا وسـوددهـا                      صفوعلى الناس لم يخلط بهم رنق

إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا                      أو عاقدوا ضمنوا أو حدثوا صدقوا وأما قصيدة إبراهيم بن هرمة التي فيها هذا الشعر فنذكر خبرها، ثم نذكر موضع الغناء وما قبله وما بعده منها.

ومن أبي أحمد رحمه الله سمعنا ذلك أجمع. ولكنه حكى عن إسحاق في الأصوات المختارة ما قاله إسحاق. ولعله لم يتفقد ذلك، أو لعل أحد الشاعرين أغار على هذا البيت فانتحله وسرقه من قائله.

أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن رجل من أهل البصرة، وحدثني به وكيع قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد عن أبيه عن رجل من أهل البصرة- وخبره أتم- قال: قال العباس بن الوليد بن عبد الملك- وكان بخيلا لا يحب أن يعطي أحدا شيئا- ما بال الشعرأء تمدح أهل بيتي أجمع ولا تمدحني. فبلغ ذلك ابن هرمة، وكان قد مدحه فلم يثبه، فقال يعرض به ويمدح عبد الواحد بن سليمان:

 

صفحة : 646

 

 

ومعجب بمديح الشعر يمنـعـه                      من المديح ثواب المدح والشفق

يا آبى المدح من قول يحـبـره                      ذو نيقة في حواشي شعره أنق

إنك والمدح كالعذراء يعجبهـا                      مس الرجال ويثني قلبها الفرق

لكن بمدين من مفضى سويمرة                      من لايذم ولا يشنا له خـلـق

أهل المدائح تأتيه فتـمـدحـه                      والمادجون إذا قالوا له صدقوا - يعني عبد الواحد بن سليمان-:

لا يستقر ولا تخفى عـلامـتـه                      إذا القنا شال في أطرافها الحرق

في يوم لامال عند المرءينفـعـه                      إلا السنان وإلا الرمح والـدرق

يطعن بالرمح أحيانا ويضربـهـم                      بالسيف ثم يدانيهم فـيعـتـنـق وهذا البيت سرقه ابن هرمة من زهير ومن مهلهل جميعا، فإنهما سبقا إليه. قال مهلهل وهو أقدمهما:

أنبضوا معجس القسي وأبرق                      نا كما توعد الفحول الفحولا يعنى أنهم لما أخذوا القسي ليرموهم من بعيد انتضوا سيوفهم ليخالطوهم ويكافحوهم بها.

وقال زهير- وهو أشرح من الأول-:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا                      ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا فما ترك في المعنى فضلا لغيره.

رجع إلى شعر ابن هرمة:

يكاد بابك من جود ومن كرم                      من دون بوابه للناس يندلق ويروى: إذا أطاف به الجادون. و لا العافون أيضا. ويروى:ينبلق:

إني لأطوي رجـالا أن أزورهـم                      وفيهم عكر الأنـعـام والـورق

طي الثياب التي لو كشفت وجدت                      فيها المعاوز في التفتيش والخرق

وأترك الثوب يوما وهو ذو سـعة                      وألبس الثوب وهو الضيق الخلق

إكرام نفسي وأني لايوافـقـنـي                      ولو ظمئت فحمت المشرب الرنق قال هارون بن الزيات في خبره: فلما قال ابن هرمة هذه القصيدة أنشدها عبد الواحد بن سليمان وهو إذ ذاك أمير الحجاز فأمر له بثلثمائة دينار وخلعة موشية من ثيابه، وحمله على فرس وأعطاه ثلاثين لفحة ومائة شاة، وسأله عما يكفيه في كل سنة ويكفي عياله من البر والتمر، فأخبره به، فأمر له بذلك أجمع لسنة، وقال له: هذا لك علي ما دمت ودمت في الدنيا، واقتصعه لنفسه وأنس به، وقال له: لست بمحوجك إلى غيري أبدا. فلما عزل عبد الواحد بن سليمان عن المدينة، تصدى للوالي مكانه وامتدحه. ولم يلبث أن ولي عبد الواحد بعد ذلك وبلغه الخبر، فأمر ان يحجب عنه ابن هرمة وطرور وجفاه، حتى تحمل عليه بعبد الله بن الحسن بن الحسن، فاستوهبه منه فعاد له إلى ما أحبه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي، وأخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن أحمد بن يحيى ثعلب عن الرياشي وخبره أتم قال الرياشي حدثني أبو سلمة الغفاري قال قال ابن ربيح راوية ابن هرمة قال حدثني ابن هرمة قال: أول من رفعني في الشعر عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فأخذ علي ألا أمدح أحدا غيره، وكان واليا على المدينة، وكان لا يدع بري وصلتي والقيام بمؤونتي. فلم ينشب أن عزل وولي غيره مكانه، وكان الوالي من بني الحارث بن كعب. فدعتني نفسي إلى مدحه طمعا أن يهب لي كما كان عبد الواحد يهب لي، فمدحته فلم يصنع بي ما ظننت. ثم قدم عبد الواحد المدينة، فأخبر أني مدحت الذي عزل به، فأمر بي فحجبت عنه، ورمت الدخول عليه فمنعت، فلم أدع بالمدينة وجها ولا رجلا له نباهة وقدر من قريش إلا سألته أن يشفع لي في أن يعيدني إلى منزلتي عنده، فيأبى ذلك فلا يفعله. فلما أعوزتني الحيل أتيت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

 

صفحة : 647

 

- صلوات الله عليه وعليهم- فقلت: يابن رسول الله، إن هذا الرجل قد كان يكرمني وأخذ علي ألا أمدح غيره، فأعطيته بذلك عهدا، ثم دعاني الشره والكد إلى أن مدحت الوالي بعده. وقصصت عليه قصتي وسألته أن يشفع لي، فركب معي. فأخبرني الواقف على رأس عبد الواحد أن عبد الله بن حسن لما دخل إليه قام عبد الواحد فعانقه وأجلسه إلى جنبه، ئم قال: أحاجة غدت بك أصلحك الله? قال نعم قال: كل حاجة لك مقضية إلا ابن هرمة فقال له: إن رأيت ألا تستثني في حاجتي فافعل قال: قد فعلت قال: فحاجتي ابن هرمة قال: قد رضيت عنه وأعدته إلى منزلته قال: فتأذن له أن ينشدك قال: تعفيني من هذه قال: أسألك أن تفعل قال ائتوا به فدخلت عليه وأنشدته قولي فيه:

وجدنا غالبا كانت جناحـا                      وكان أبوك قادمة الجناح قال فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع رزه ثم وثب مغضبا، وتجوزت في الإنشاد ثم لحقته فقلت له: جزاك الله خيرا يابن رسول الله فقال: ولكن لا جزاك الله خيرا يا ماص بظر أمه، أتقول لابن مروان:

وكان أبوك قادمة الجناح بحضرتي وأنا ابن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وابن علي بن أبي طالب- عليه السلام- فقلت: جعلني الله فداك، إني قلت قولا أخدعه به طلبا لدنياه، ووالله ما قست بكم أحدا قط. أفلم تسمعني قد قلت فيها:

وبعض القول يذهب بالرياح فضحك عبد الله وقال: قاتلك الله، ما أظرفك.

وهذه القصيدة الحائية التي مدح بها عبد الواحد من فاخر الشعر ونادر الكلام ومن جيد شعر ابن هرمة خاصة، أولها:

صرمت حبائلا من حب سلمـى                      لهند ما عمدت لمـسـتـراح

فإنك إن ئقم لا تـلـق هـنـدا                      وإن ترحل فقلبك غير صاحي

يظل نهاره يهـفـي بـهـنـد                      ويأرق ليله حتى الـصـبـاح

أعبد الواحد المـحـمـود إنـي                      أغص حذار سخطك بالقـراح

فشلت راحتاي وجال مـهـري                      فألقاني بمشتـجـر الـرمـاح

وأقعدني الزمان فبت صـفـرا                      من المال المعزب والـمـراح

إذا فخمت غيرك فـي ثـنـائي                      ونصحي في المغيبة وامتداحي

كأن قصائدي لك فاصطنعـنـي                      كرائم قد عضلن عن النـكـاح

فإن أك قد هفوت إلـى أمـير                      فعن غير التطوع والسـمـاح

ولكق سقطة عيبـت عـلـينـا                      وبعض القول يذهب في الرياح

لعمرك إننـي وبـنـي عـدي                      ومن يهوى رشادي أو صلاحي

إذا لم ترض عني أو تصلـنـي                      لفي حين أعالـجـه مـتـاح

وإنك إن حططت إليك رحلـي                      بغربي الشـراة لـذو ارتـياح

هششت لحاجة ووعدت أخـرى                      ولم تبخل بناجـزة الـسـراح

وجدنا غالبا خلقـت جـنـاحـا                      وكان أبوك قادمة الـجـنـاح

إذا جعل البخيل البخل تـرسـا                      وكان سلاحه دون الـسـلاح

فإن سلاحك المعروف حـتـى                      تفوز بعرض ذي شيم صحـاح أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثني إبراهيم بن إسحاق العمري قالى حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال: قلت لابن هرمة: أتمدح عبد الواحد بن سليمان بشعر ما مدحت به غيره فتقول فيه هذا البيت:

وجدنا غالبا كانت جناحـا                      وكان أبوك قادمة الجناح ثم تقول فيها:

أعبد الواحد الميمـون إنـي                      أغص حذار سخطك بالقراح

 

صفحة : 648

 

فبأي شيء استوجب ذلك منك. فقال: إني أخبرك بالقصة لتعذرني: أصابتني أزمة بالمدينة، فاستنهضتني بنت عمي للخروج، فقلت لها: ويحك إنه ليس عندي ما يقل جناحي فقالت: أنا أنهضك بما أمكنني، وكانت عندي ناب لي فنهضت عليها نهجد النوام ونؤذي السمار، وليس من منزل أنزله إلا قال الناس: ابن هرمة حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد في جوف الليل، فجلست فيه أنتظره إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذن ثم صلى ركعتين، وتأملته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه وسلمت عليه فقال لي: أبو إسحاق أهلا ومرحبا، فقلت لبيك، بأبي أنت وأمي وحياك الله بالسلام وقربك من رضوانه فقال: أما آن لك أن تزورنا فقد طال العهد واشتد الشوق، فما وراءك. قلت: لا تسلني بأبي حأ أنت وأمي فإن الدهر قد أخنى علي فما وجدت مستغاثا غيرك، فقال: لا ترع فقد وردت على ما تحب إن شاء الله. فوالله إني لأخاطبه فإذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشطان ، فسلموا عليه، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشيء دوني ودون أخويه فمضى إلى البيت ثم رجع، فجلس إليه فكلمه بشيء دوني ثم ولى، فلم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط يحمل عبئا من الثياب حتى ضرب به بين يدي، ثم همس إليه ثانية فعاد، وإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يدي. فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق، فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقم صدعك، فخذ هذا وارجع إلى عيالك، فوالله ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا، ودفع إلي ألف دينار، وقال لي: قم فارحل فأغث من وراءك فقمت إلى الباب، فلما نظرت إلى ناقتي ضقت فقال لي: تعال، ما أرى هذه مبلغتك، يا غلام، قدم له جملي فلانا. فوالله لقد كنت بالجمل أشد سرورا مني بكل ما نلته فهل تلومني أن أغص حذار سخط هذا بالقراح ووالله ما أنشدته ليلتئذ بيتا واحدا.

أخبرني محى بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني محمد بن عمر الخرجاني قال حدثني عثمان بن حفص الثقفي قال حدثني محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين- صلى الله عليه- قال: دخلت مع أبي على المنصور بالمدينة وهو جالس في دار مروان، فلما اجتمع الناس قام ابن هرمة فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، شاعرك وصنيعتك إن رأيت أن تأذن لي في الإنشادة قال هات، فأنشده قوله:

سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل على

له لحظات عن حفافى سريره                      اذا كرها فـيهـا عـقـاب ونـائل

فأم الـذي آمـنـت آمـنة الــردى                      وأم الذي خوفت بالثـكـل ثـاكـل فقال له المنصور: أما لقد رأيتك فى هذه الدار قائما بين يدي عد الواحد بن سليمان تنشده قولك

وجدنا غالبا كانت جناحـا                      وكان أبوك قادمة الجناح قال: فقطع بابن هرمه حتى ما قدر على الاعتذار فقال له المنصور: أنت رجل شاعر طالب خير، وكل ذلك يقول الشاعر، وقد أمر لك أمير المؤمنين بثلثمائة دينار. فقام إليه الحسن بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن ابن هرمة رجل منفاق متلاف لا يليق شيئا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر له بها يجرى عليه منها ما يكفيه ويكفي عياله ويكتب بذلك إلى صاحب الجاري أن يجريها عليهم فعل فقال: افعلوا ذلك به. قال: وإنما فعل به الحسن لن زيد هذا لأنه كان مغضبا عليه لقوله يمدح عبد الله بن حسن:

ماغيرت وجهه أم مهجنـه                      إذا القتام تغشى أوجه الهجن حدثني يحيى بن علي بن يحيى، وأخبرنا ابن أبي الأزهر وجحظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال يحيى بن علي في خبره عن الفضل بن يحيى، ولم يقله الآخران: دخل ابن هرمة على المنصور وقال: يا أمير المؤمنين، إني قد مدحتك مديحا لم يمدح أحد أحدا بمثله وما عسىأن تقول في بعد قول كعب الأشقري في الملهب:

براك الله حين براك بحرا                      وفجر منك أنهارا غزارا فقال له: قد قلت أحسن من هذا، قال: هات، فانشده قوله:

له لحظات عن حفافي سريره                      إذا كرها فيها عقاب ونـائل

 

صفحة : 649

 

قال: فأمر له بأربعةآلاف درهم. فقال له المهدي: يا أمير المؤمنين، قد تكلف في سفره إليك نحوهاة فقال له المنصور: يا بني، إني قد وهبت له ما هو أعظم من ذلك، وهبت له نفسه، أليس هو القائل لعبد الواحد بن سليمان:

إذا قيل من خيرمن يرتجـى                      لمعتر فهر ومحتـاجـهـا

ومن يعجل الخيل يوم الوغى                      بإلجامها قبل إسـراجـهـا

أشارت نساء بنى غـالـب                      إليك به قبـل أزواجـهـا وهذه القصيدة من فاخر شعر ابن هرمة، وأولها:

أجارتنا روحي نـغـمة                      على هائم النفس مهتاجها

ولاخير في ود مستكـره                      ولاحاجة دون إنضاجهـا يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان:

كأن قتودي على خاضب                      زفوف العشيات هداجها

إلى ملك لا إلى سـوقة                      كسته الملوك ذر اتاجها

تحل الوفود بـأبـوابـه                      فتلقى الغنى قبل إرتاجها

بقراع أبواب دور الملـو                      ك عند التحية ولاجهـا

إلى دار ذي حسب ماجد                      حمول المغارم فراجهـا

ركود الجفان غداة الصبا                      ويوم الشمال وإرهاجها

وقفت بمدحيه عند الجما                      ر انشده بين حجاجـهـا أخبرني محمد بن جعفرالنحوي صهر المبرد قال حدثني أبو إسحاق طلحة بن عبد الله الطلحي قال حدثني محمد بن سليمان بن المنصور قال: وجه المنصور رسولا قاصدا إلى ابن هرمة ودفع إليه ألف دينار وخلعة، ووصفه له وقال: امض إليه فإنك تراه جالسا في موضع كذا من المسجد، فانتسب له إلى بني أمية أو مواليهم، وسله أن ينشدك قصيدته الحائية التي يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان:

وجدنا غالبا كانت جناحـا                      وكان أبوك قادمة الجناح فإذا أنشدكها فأخرجه من المسجد واضرب عنقه وجئني برأسه وإن أنشدك قصيدته اللامية التي يمدحني بها فادفع إليه الألف الدينار والخلعة، وما أراه ينشدك غيرها ولا يعترف بالحائية. قال: فأتاه الرسول فوجده كما قال المنصور، فجلس إليه واستنشده قصيدته في عبد الواحدة فقال: ما قلت هذه القصيدة قط ولا أعرفها وإنما نحلها إياي من يعادني، ولكن إن شئت أنشدتك أحسن منها قال: قد شئت فهات فأنشده:

سرى ثوبه عنك الضبا المتخايل حتى أتى على آخرها ثم قال له: هات ما أمرك أمير المؤمنين بدفعه إلي فقال: أي شيء تقول يا هذا وأي شيء دفع إلي فقال: دغ ذا عنك، فوالله ما بعثك إلا أمير المؤمنين ومعك مال وكسوة إلي، وأمرك أن تسألني عن هذه القصيدة فإن أنشدتك إياها ضربت عنقي وحملت رأسي إليه، وإن أنشدتك هذه اللامية دفعت إلى ما حملك إياه فضحك الرسول ثم قال: صدقت لعمري ودفع إليه الألف الدينار والخلعة. فما سمعنا بشيء أعجب من حديثهما.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عمي عن جدي قال: لما أنشد ابن هرمة المنصور قصيدته اللامية التي مدحه بها أمر له بألف درهم فكلمه فيه المهدي واستقلها فقال يا بني، لو رأيت هذا بحيث رأيته وهو واقف بين يدي عبد الواحد بن سليمان ينشده:

وجدنا غالبا كانت جناحـا                      وكان أبوك قادمة الجناح لاستكثرت له ما استقللته، ولرأيت أن حياته بعد ذلك القول ربح كثير. والله إني يا بني ما هممت له منذ يومئذ بخير فذكرت قوله إلا زال ما عرض بقلبي إلى ضده حتى أهم بقتله ثم أعفو عنه. فأمسك المهدي.

ومما يغني فيه من مدائح ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان قوله من قصيدة أنا ذاكرها بعد فراغي من ذكر الأبيات، على أن المغنين قد خلطوا مع أبياته أبياتا لغيره:

ولما أن دنا منـا ارتـحـال                      وقرب ناجيات السير كـوم

تحاسر واضحات اللون زهر                      على ديباج أوجهها النعـيم

أتين مودعات والـمـطـايا                      لدى أكوارها خوض هجوم

فكم من حرة بين المنـقـى                      إلى أحد إلى ما حـاز ريم ويروى:

فكم بين الأقارع فالمنفى وهو أجود.

 

إلى الجماء من خد أسيل                      نقي اللون ليس به كلوم

كأني من تذكر ما ألاقي                      إذا ما أظلم الليل البهيم

 

صفحة : 650

 

 

سليم مل منه أقـربـوه                      وأسلمه المداوي والحميم ذكر الزبير بن بكار أن هذا الشعر كله لأبي المنهال نفيلة الأشجعي. قال : وسمعت بعض أصحابنا يقول: إنه لمعمر بن العنبر الهذلي. والصحيح من القول، أن بعض هذه الأبيات لابن هرمة من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد بن سليمان مخفوضة الميم، ولماغني فيها وفي أبيات نفيلة وخلط فيه ما أوجب خفض القافية غير إلى ما أوجب رفعها. فأما ما لابن هرمة فيها فهو من قصيدته التي أولها:

أجارتنا بذي نـفـر أقـيمـي                      فما أبكى على الدهر الذمـيم

أقيمي وجه عامك ثم سـيري                      بل اواهي الجوار ولا مـلـيم

فكم بين الأقارع فالمـنـقـى                      إلى أحد إلـى أكـنـاف ريم

إلى الجماء مـن خـد أسـيل                      نقي اللون ليس بذي كـلـوم

ومن عين مكحـلة الأمـاقـي                      بلا كحل ومن كشح هضـيم

أرقت وغاب عني مـن يلـوم                      ولكن لم أنم أنا لـلـهـمـوم

أرقت وشفني وجع بـقـلـب                      ي لزينب أو أميمة أو رعـوم

أقاسي ليلة كالحـول حـتـى                      تبدى الصح منقطع الـبـريم

كأن الصبح أبلق في حجـول                      يشسب ويتقي ضرب الشكـيم

رأيت الشيب قد نزلت علـينـا                      روائعه بحجة مـسـتـقـيم

إذا ناكرته نـاكـرت مـنـه                      خصومة لا ألد ولا ظـلـوم

وودعني الشباب فصرت منـه                      كراض بالصغيرمن العظـيم

فدع ما لايرد عـلـيك شـيئا                      من الجارات أو دمن الرسوم

وقل قولا تطبق مفـصـلـيه                      بمدحه صاحب الرأي الصروم

لعبد الواحد الفلج المـعـلـى                      علاخلق النفورة والخصـوم

دعته المكرمات فـنـاولـتـه                      خطام المجد في سن الفطـيم وهي طويلة. فمن الأبيات التي فيها الغناء أربعة أبيات لابن هرمة قد مضت في هذه القصيدة وإنها غيرت حتى صارت مرفوعة، فاتفقت الأبيات وغني فيها. وأما أبيات نفيلة فما بقي من الصوت المذكور بعد أبيات ابن هرمة له. ويتلو ذلك من أبيات نفيلة قوله:

يضيء دجى الظلام إذا تبدى                      كضوء الفجر منظره وسيم

وقائلة ومثـنـية عـلـينـا                      تقول وما لها فينا حـمـيم

وأخرى لبها معنا ولـكـن                      تصبر وهي واجمة كظوم

تعد لنا الليالي تحتـصـيهـا                      متى هوحائن منـه قـدوم

متى تر غفلة الواشين عنها                      تجد بدموعها العين السجوم والغناء في هذه الأبيات المذكورة المختلط فيها شعر ابن هرمة ونفيلة لمعبد، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن عمرو ويونس. وفيها لحن من الثقيل الثاني ينسب إلى الوابصي. وفيها خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى ابن سريج.

وهذا الوابصي هو الصلت بن العاصي بن وابصة بن خالد بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم.

كان تنصر ولحق ببلاد الروم، لأن عمر بن عبد العزيز فيما ذكر حده في الخمر، وهو أمير الحجاز، فغضب فلحق ببلاد الروم وتنصر هناك، ومات هنالك نصرانيا.

رآه رسول عمر بن عبد العزيز الذي ذهب إلى الروم لفك الأسرى: فأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن عبد العزيز قال أخبرني ابن العلاء أظنه أبا عمرو أو أخاه عن جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم، وقد جمعت الروايتين، قال اليزيدي في خبره: إن إسماعيل حدث: أن عمر بن عبد العزيز بعث في الفداء. وقال عمر بن شبة: إن إسماعيل حدث قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فأتاه البريد الذي جاء من القسطنطينية فحدثه قال: بينا أنا أجول في القسطنطينية إذ سمعت رجلا يغني بلسان فصيح وصوت شج:

فكم من حرة بين المنقى                      إلى احد إلى جنبات ريم

 

صفحة : 651

 

فسمعت غناء لم أسمع قط أحسن منه. فلما سمعت الغناء وحسنه، لم أدر أهو كذلك حسن، أم لغربته وغربة العربية في ذلك الموضع. فدنوت من الصوت، فلما قربت منه إذا هو في غرفة، فنزلت عن بغلتي فأوثقتها ثم صعدت إليه فقمت على باب الغرفة، فإذا رجل متسلق على قفاه يغني هذين البيتين لا يزيد عليهما وهو واضع إحدى رجليه على الأخرى، فإذا فرغ بكى فيبكي ما شاء الله ثم يعيد الغناء. ففعل ذلك مرارا فقلت: السلام عليكم فوثب ورد السلام فقلت: أبشر فقد فك الله أسرك، أنا بريد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى، هذا الطاغية في فداء الأسارى. ثم سألته: من أنت. فقال: أنا الوابصي، أخذت فعذبت حتى دخلت في دينهم فقلت له: أنت والله أحب من أفتديه إلى أمير المؤمنين وإلي إن لم تكن دخلت في الكفر، فقال: قد والله دخلت فيه فقلت: أنشدك الله إلا أسلمت، فقال: أأسلم وهذان ابناي وقد تزوجت امرأة منهم وهذان ابناها، وإذا دخلت المدينة قيل لي يا نصراني وقيل مثل ذلك لولدي وأمهما، لا والله لا أفعل. فقلت له: قد كنت قارئا للقرآن فما بقي معك منه? قال: لا شيء إلا هذه الآية  ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين  . قال: فعاودته وقلت له: إنك لا تعير بهذا فقال: وكيف بعبادة الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير. فقلت: سبحان الله أما تقرأ:  إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  فجعل يعيد علي قوله: فكيف بما فعلت ولم يجبني إلى الرجوع. قال: فرفع عمر يده وقال: اللهم لا تمتني حتى تمكنني منه. قال: فوالله ما زلت راجيا لإجابة دعوة عمر فيه. قال جويرية في حديثه: وقد رأيت أخا الوابصي بالمدينة.

وقال يعقوب بن السكيت في هذا الخبر. أخبرني ابن الأزرق عن رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه قال: نزلنا في ظل حصن من الحصون التي للروم، فإذا أنا بقائل يقول من فوق الحصن:

فكم بين الأقارع فالمنقى إلى                      أحـد إلـى مـيقـات ريم

إلى الزوراء من ثغر نقـي                      عوارضه ومن دل رخـيم

ومن عين مكحلة الأماقـي                      بلا كحل ومن كشح هضيم وهو ينشد بلسان فصيح ويبكي، فناديته: أيها المنشد، فأشرف فتى كأحسن الناس. فقلت: من الرجل وما قصتك? فقال: أنا رجل من الغزاة من العرب نزلت مكانك هذا، فأشرفت علي جارية كأحسن الناس فعشقتها. فكلمتها فقالت: إن دخلت في ديني لم أخالفك فغلب علي الشيطان فدخلت في دينها، فأنا كما ترى. فقلت: أكنت تقرأ القران? فقال: إي والله لقد حفظته. قلت: فما تحفظ منه اليوم. قال: لا شيء إلا قوله عز وجل:  ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين  . قلت: فهل لك أن نعطيهم فداءك وتخرج. قال: ففكر ساعة ثم قال: انطلق صحبك الله.

بعفر ما ورد في شعر ابن هرمة من الأخبار: ومما ورد في الأخبار من شعر ابن هرمة:

في حاضر لجب بالليل سامـره                      فيه الصواهل والرايات والعكر

وخرد كالمها حور مدامعـهـا                      كأنها بين كثبان النقا الـبـقـر الشعر لابن هرمة. والغناء في اللحن المختار لحنين، ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. قال إسحاق: وفيه لأبي همهمة لحن من الثقيل الأول أيضا. وأبو همهمة هذا مغن أسود من أهل المدينة، ليس بمشهور ولا ممن نادم الخلفاء ولا وجدت له خبرا فأذكره.

 

بزينت ألمم قبل أن يرحل الركب                      وقل إن تملينا فما ملك القلـب

وقل في تجنيها لك الذنب: إنمـا                      عتابك من عاتبت فيماله عتـب الشعر لنصيب. والغناء في اللحن المختار لكردم بن معبد، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد لحن آخر من خفيف الثقيل عن يونس والهشامي ودنانير. وفيه لإبراهيم لحن آخر من الثقيل الأول ذكره الهشامي.

وقد تقدم من أخبار نصيب ما فيه كفاية، وإنما تأخر منها ما له موضع يصلح إفراده فيه، مثل أخبار هذا الصوت.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمي الفضل عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن ابن كناسة قال: قال نصيب: ما توهمت أني أحسن أن أقول الشعر حتى قلت:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب

 

صفحة : 652

 

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال أخبرني ابن الربيح قال: مر بنا جميل ونحن بضرية ، فاجتمعنا إليه فسمعته يقول: لأن أكون سبقت الأسود إلى قوله:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب أحب إلي من كذا وكذا- لشيء قاله عظيم.

أخبرلي الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني سعيد بن عمرو عن حبيب بن شوذب الأسدي قال: مر بنا جرير بن الخطفي ونحن بضرية، فاجتمعنا إليه فسمعته يقول: لأن أكون سبقت العبد إلى هذا البيت أحب إلي من كذا وكذا يعني قوله:

بزينب ألمم قيل أن يرحل الركب أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال: اجتمع الكميت بن زيد ونصيب في الحمام، فقال له الكميت: أنشدني قولك:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب فقال: والله ما أحفظها، فقال الكميت: لكني أحفظها، أفأنشدك إياها. قال نعم، فأقبل الكميت ينشده وهو أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر ابن أبي الحويرث عن مولاة لهم، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن مولاة لهم قالت: إنا لبمنى إذ نظرت إلى أبنية مضروبة وأثاث وأمتعة، فلم أدر لمن هي، حتى أنيخ بعير، فنزل عنه أسود وسوداء . فألقيا أنفسهما على بعض المتاع، ومر راكب يتغنى غناء الركبان

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب فرأيت السوداء تخبط الأسود وتقول له: شهرتني وأذعت في الناس ذكري، فإذا هو نصيب وزوجته. قال إسحاق في خبره: وكان الذي اجتاز بهم وتغنى ابن سريج.

كان ابن سريج يغني لنسوة في شعره فلم يشأ أن يتعرف بهن: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال محمد بن كناسة عن أبيه قال: قال، نصب: والله إني لأسير على راحلتي إذا أدركت نسوة ذوات جمال يتناشدن قولي:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وإذا معهن ابن سريج، فقلن له: يا أبا يحيى، غننا في هذا الشعر، فغناهن فأحسن، فقلن: وددنا والله يا أبا يحيى أن نصيبا معنا فيتم سرورنا، فحركت بعيري لأتعرف بهن وأنشدهن ، فالتفتت إحداهن إلي فقالت حين رأتني: والله لقد زعموا أن نصيبا يشبه هذا الأسود لا جرم، فقلت: والله لا أتعرف بهن سائر اليوم، ومضيت وتركتهن. قال: وكان الذي تغنى به ابن سريج من شعري:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب                      وقل إن تملينا فما ملك القـلـب

وقل إن تنل بالحب منـك مـودة                      فما مثل مالقيت من حبكم حـب

وقل في تجنيها لك الذنب إنـمـا                      عتابك من عاتبت فيماله عتـب

فمن شاء رام الوصل أوقال ظالما                      لذي وده ذنب وليس لـه ذنـب أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إبراهيم بن عبدالله السعدي عن جدته جمال بنت عون عن جدها قال: قلت للنصيب: أنشدني يا أبا محجن من شعرك شيئا، فقال: أيه تريد. قلت: ما شئت قال: لا أنشدك أو تقترح ما تريد فقلت: قولك:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب قال: فتبسم وقال: هذا شعر قلته وأنا غلام، ثم أنشدني القصيدة. قال الزبير: وهي أجود ما قال.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهبلي قالا حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي عن أيوب بن شاس، ونسخت هذا الخبر من كتاب أحمد بن الحارث الرازعن المدائني عن أبي بكر الهذلي عن أيوب بن شاس وروايته أتم من رواية عمر بن شبة قال أيوب: حدثني عبدالله بن سعيد: أن النصيب دخل على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال له: هيه يا أسود:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب                      وقل إن تملينا فما ملك القلـب أأنت الذي تشهر النساء وتقول فيهن فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد تركت ذلك وتبت من قول الشعر، وكان قد نسك، فأثنى عليه القوم وقالوا فيه قولا جميلا فقال له: أما إذ أثنى عليك القوم فسل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، لي، بنيات سويداوات أرغب بهن عن السودان ويرغب عنهن البيضان، فإن رأيت أن تفرض لهن فافعل، ففعل.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبدالله بن شبيب عن محمد بن المؤمل بن طالوت عن أبيه عن عثمان بن الضحاك الحزامي قال:

 

صفحة : 653

 

خرجت على بعير لي أريد الحج، فنزلت في فناء خيمة بالأبواء، فإذا جارية قد خرجت من الخيمة ففتحت الباب بيديها فآستلهاني حسنها، فتمثلت قول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب                      وقل إن تملينا فما ملك القلـب فقالت الجارية: أتعرف قائل هذا الشعر. قلت: نعم، ذاك نصيب، قالت: أفتعرف زينب هذه. قلت: لا قالت: فأنا والله زينبه، وهو اليوم الذي وعدني فيه الزيارة، ولعلك لا ترحل حتى تراه. فوقفت ساعة فإذا أنا براكب قد طلع فجاء حتى أناخ قريبا منها، ثم نزل فسلم عليها وسلمت عليه فقلت: عاشقان التقيا ولا بد أن يكون لهما حاجة، فقمت إلى راحلتي فشددت عليها? فقال: على رسلك، أنا معك? فلبث ساعة ثم رحل ورحلت معه? فقال لي: كأنك قلت في نفسك كذا وكذا قلت: قد كان ذاك فقال لا، ورب الكعبة البنية المستورة ما جلست معها مجلسا قط هو أقرب من هذا.

حدثني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبو ربيعة: لو لم تكن هذه القصيدة:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب لنصيب، شغر من كانت تشبه. فقلت: شعر امرىء القيس، لأنها جزلة الكلام جيدة. قال: سبحان الله قلت: ما شأنك. فقال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت، فعجبت من اتفاقكما.

قال هارون وحدثني حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص الثقفي عن رجل سماه قال: أتاني منقذ الهلالي ليلة وضرب علي الباب، فقلت: من هذا. فقال: منقذ الهلالي، فخرجت فزعا، فقلت: فيم السرى أي ما جاء بك تسري إلي ليلا في هذه الساعة? قال: خير، أتاني أهلي بدجاجة مشوية بين رغيفين، فتغذيت بها معهم، ثم أتيت بقنينة نبيذ قد التقى طرفاها، فشربت وذكزت قول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب فأنشدتها فأطربتني، وفكرت في إنسان يفهم حسن ذلك ويعرف فضله فلم أجد غيرك فأتيتك. فقلت: ما جاء بك إلا هذا. قال: لا، وانصرف.

قال حماد: معنى قوله: التقى طرفاها، أي قد صفت وراقت فأسفلها وأعلاها سواء في الصفاء.

ومما يغنى فيه من قصيدة نصيب البائية المذكورة قوله:

خليلي من كعب ألما هديتـمـا                      بزينب لايفقدكما أبدا كـعـب

من اليوم زوراها فإن ركابنـا                      غداة غد عنها وعن أهلها نكب الغناء لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة.

 

صوت من المائة المختارة

على رواية جحظة عن أصحابه

النشر مسك والوجوه دنـا                      نير وأطراف الأكف عنم

والدار وحش والرسوم كما                      رقش في ظهرالأديم قلم

لست كأقوام خـلائقـهـم                      نث أحاديث وهتك حـرم نث الحديث: إشاعته. والعنم: شجر أحمر، وقيل: بل هو دود أحمر كالأساريع يكون في البقل في أيام الربيع. والأديم: الجلد. وجلد كل شيء أديمه. ورقش: زين الشعر لمرقش الأكبر، والغناء لابن عائشة هزج بالبنصر في مجراها.

 

أخبار المرقش الأكبر ونسبه

المرقش لقب غلب عليه بقوله:

الدار وحش والرسوم كما                      رقش في ظهر الأديم قلم  عوف بن مالك المعروف بالبرك

وهو أحد من قال شعرا فلقب به. واسمه فيما ذكر أبو عمرو الشيباني عمرو. وقال غيره: عوف بن سعدبن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الحصن بن عكابة بن صعب بن علي بن بكربن وائل. وهو أحد المتيمين. كان يهوى ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك بن ضبيعة، وكان المرقش الأصغر ابن أخي المرقش الأكبر. واسمه فيما ذكر أبو عمروربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك. وقال غيره: هو عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك. وهو أيضا أحد المتيمين، كان يهوى فاطمة بنت المنذر الملك ويتشبب بها. وكان للمرقشين جميعا موقع في بكر بن وائل وحروبها مع بني تغلب، وبأس وشجاعة ونجدة وتقدم في المشاهد ونكاية في العدو وحسن أثر. كان عوف بن مالك بن ضبيعة عم المرقش الأكبر من فرسان بكر بن وائل. وهو القائل يوم قضة: يا لبكر بن وائل، أفي كل يوم فرارا ومحلوفي لا يمر بي رجل من بكر بن وائل منهزما إلا ضربته بسيفي. وبرك يقاتل فسمي البرك يومئذ.

عمر بن مالك وأسره لمهلهل:

 

صفحة : 654

 

وكان أخوه عمرو بن مالك أيضا من فرسان بكر، وهو الذي أسر مهلهلا، التقيا في خيلين من غير مزاحفة في، بعض الغارات بين بكر وتغلب، في موضع يقال له نقا الرمل، فانهزمت خيل مهلهل وأدركه عمرو بن مالك فأسره فانطلق به إلى قومه، وهم في نواحي هجر، فأحسن إساره. ومر عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر، وكان صديقا لمهلهل يشتري منه الخمر، فأهدى إليه وهو أسير زق خمرة فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكرا وشربوا عند مهلهل في بيته وقد أفرد له عمرو بيتا يكون فيه فلما أخذ فيهم الشراب لغنى مهلهل فيما كان يقوله من الشعر وينوح به على كليب، فسمع ذلك عمرو بن مالك فقال: إنه لريان، والله لا يشرب ماء حتى يرد ربيب يعني جملا كان لعمرو بن مالك، وكان يتناول الدهاس من أجواف هجر فيرعى فيها غبا بعد عشر في حمارة القيظ فطلبت ركبان بني مالك ربيبا وهم حراص على ألا يقتل مهلهل، فلم يقدروا على البعير حتى مات مهلهل عطشا. ونحر عمرو بن مالك يومئذ نابا فأسرج جلدها على مهلهل وأخرج رأسه. وكانت بنت خال مهلهل امرأته بنت المحلل أحد بني لغلب قد أرادت أن تأتيه وهو أسيرة فقال يذكرها:

ظبية ما ابنة المحلل شنبا                      ء لعوب لذيذة في العناق فلفا بلغها ما هو فيه لم تأته حتى مات. فكان هبنقة القيسي أحد بني قيس بن ثعلبة واسمه يزيد بن ثروان يقول وكان محمقا وهو الذي تضرب به العرب المثل في الحمق: لا? يكون لي جمل أبدا إلا سميته ربيبا يعني أن ربيبا كان مباركا لقتله مهلهلا. ذكر ذلك أجمع ابن الكلبي وغيره من الرواة. والقصيدة الميمية التي فيها الغناء المذكورة بذكر أخبار المرقش يقولها في مرثية ابن عم له. وفيها يقول:

بل هل شجتك الظعن باكرة                      كأنها النخيل من ملـهـم قال أبو عمرو ووافقه المفضل الضبي: وكان من خبر المرقش الأكبر أنه عشق ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك، وهو البرك، عشقها وهو غلام فخطبها إلى أبيها، فقال: لا أزوجك حتى تعرف بالبأس وهذا قبل أن تخرج ربيعة من أرض اليمن وكان يعده فيها المواعيد. ثم انطلق مرقش إلى ملك من الملوك فكان عنده زمانا ومدحه فأجازه. وأصاب عوفا زمان شديدث فأتاه رجل من مراد أحد بني غطيف ، فأرغبه في المال فزوجه أسماء على مائة من الإبل، ثم تنحى عن بني سعد بن مالك.

ورجع مرقش، فقال إخوته: لا تخبروه إلا أنها ماتت، فذبحوا كبشا وأكلوا لحمه ودفنوا عظامه ولفوها في ملحفة ثم قبروها. فلما قدم مرقش عليهم أخبروه أنها ماتت، وأتوا به موضع القبرة فنظر إليه وصار بعد ذلك يعتاده ويزوره. فبينا هو ذات يوم مضطجع وقد تغطى بثوبه وابنا أخيه يلعبان بكعبين لهما إذ اختصما في كعب، فقال أحدهما: هدا كعبي أعطانيه أبي من الكبش الدي دفنوه وقالوا إذا جاء مرقش أخبرناه أنه قبر أسماء. فكشف مرقش، عن رأسه ودعا الغلام وكان قد ضني ضنا شديدا فسأله عن الحديث فأخبره به وبتزويج المرادي أسماء فدعا مرقش وليدة له ولها زوج من غفيلة كان عسيفا لمرقش، فأمرها بأن تدعو له زوجها فدعته، وكانت له رواحل فأمره بإحضارها ليطلب المرادي عليها، فأحضره إياها، فركبها ومضى في طلبه، فمرض في الطريق حتى ما يحمل إلا معروضا. وإنهما نزلا كهفا بأسفل نجران، وهي أرض مراد، ومع الغفلي امرأته وليدة مرقش فسمع مرقش زوج الوليدة يقول لها: اتركيه فقد هلك سقما وهلكنا معه ضرا وجوعا. فجعلت الوليدة تبكي من ذلك، فقال لها زوجها: أطيعيني، وإلا فإني تاركك وذاهب. قال: وكان مرقش يكتب، وكان أبوه دفعه وأخاه حرملة وكانا أحب ولده إليه إلى نصراني من أهل الحيرة فعلمهما الخط. فلما سمع مرقش قول الغفلي للوليدة كتب مرقش على مؤخرة الرحل هذه الأبيات:

يا صاحبي تلبـثـا لا تـعـجـلا                      إن الرواح رهين ألا تـفـعـلا

فلعل لبـثـكـمـا يفـرط سـيئا                      أو يسبق الإسراع سيبا مـقـبـلا

ياراكبا إما عرضت فـبـلـغـن                      آنس بن سعد إن لقيت وحرمـلا

للـه دركـمـا ودرأبـيكـمــا                      إن أفلت العبدان حتـى يقـتـلا

من مبلغ الأقـوام أن مـرقـشـا                      أضحى على الأصحاب عبئا مثقلا

وكأنما ترد السـبـاع بـشـلـوه                      إذ غاب جمع بني ضبيعة منهـلا

 

صفحة : 655

 

قال: فانطلق الغفلي وامرأته حتى رجعا إلى أهلهما، فقالا: مات المرقش. ونظر حرملة إلى الرحل وجعل يقلبه فقرأ الأبيات، فدعاهما وخوفهما وأمرهما بأن يصدقاه ففعلا، فقتلهما. وقد كانا وصفا له الموضع، فركب في طلب المرقش حتى أتى المكان، فسأل عن خبره فعرف أن مرقشا كان في الكهف ولم يزل فيه حتى إذا هو بغنم تنزو على الغار الذي هو فيه وأقبل راعيها إليها. فلما بصر به قال له: من أنت وما شأنك. فقال له مرقش: أنا رجل من مراد، وقال للراعي : من أنت? قال: راعي فلان، وإذا هو راعي زوج أسماء. فقال له مرقش: أتستطيع أن تكلم أسماء امرأة صاحبك? قال: لا، ولا أدنو منها، ولكن تأتيني جاريتها كل ليلة فأحلب لها عنزا فتأتيها بلبنها.

فقال له: خذ خاتمي هذا، فإذا حلبت فألقه في اللبن، فإنها ستعرفه، وإنك مصيب به خيرا لم يصبه راع قط إن أنت فعلت ذلك. فأخذ الراعي الخاتم. ولما راحت الجارية بالقدح وحلب لها العنز طرح الخاتم فيه، فانطلقت الجارية به وتركته بين يديها. فلما سكنت الرغوة أخذته فشربته، وكذلك كانت تصنع، فقرع الخاتم ثنيتها، فأخذته واستضاءت بالنار فعرفته، فقالت للجارية: ما هذا الخاتم. قالت: ما لي به علم، فأرسلتها إلى مولاها وهو في شرف بنجران، فأقبل فزعا فقال لها: لم دعوتني? قالت له: ادع عبدك راعي غنمك فدعاه، فقالت: سله أين وجد هذا الخاتم قال: وجدته مع رجل في كهف خبان .قال: ويقال كهف جبار فقال: اطرحه في اللبن الذي تشربه أسماء فإنك مصيب به خيرا، وما أخبرني من هو، ولقد تركته بآخر رمق. فقال لها زوجها: وما هذا الخاتم? قالت: خاتم مرقش، فأعجل الساعة في طلبه. فركب فرسه وحملها على فرس آخر وسارا حتى طرقاه من فاحتملاه إلى أهلهما، فمات عند أسماء. وقال قبل أن يموت:

سرى ليلا خيال من سليمـى                      فأرقني وأصحابي هجـود

فبت أديرأمري كـل حـال                      وأذكر أهلها وهـم بـعـيد

على أن قد سما طرفي لنار                      يشب لها بذي الأرطى وقود

حواليها مها بيض التراقـي                      وآرام وغـزلان رقــود

نواعم لاتعالج بـؤس عـيش                      أوانس لاتـروح ولاتـرود

يرحن معا بطاء المشيء بدا                      عليهن المجاسد والـبـرود

سكن ببلدة وسكنت أخـرى                      وقطعت المواثق والعهـود

فما بالي أفي ويخان عهـدي                      ومابالي أصـاد ولا أصـيد

ورب أسـيلة الـخـــدين                      بكير منعمة لها فرع وجيد

وذو أشر شتيت النبت عذب                      نقي اللـون بـراق بـرود

لهوت بها زمانا في شبابـي                      وزارتها النجائب والقصـيد

أناس كلما أخلقـت وصـلا                      عناني منهم وصـل جـديد ثم مات عند أسماء، فدفن في أرض مراد.

وقال غير أبي عمرو والمفضل: أتى رجل من مراد يقال له قرن الغزال، وكان موسرا، فخطب أسماء وخطبها المرقش وكان مملقا، فزوجها أبوها من المرادي سراة فظهر على ذلك مرقش فقال: لئن ظفرت به لأقتلنه. فلما أراد أن يهتديها خاف أهلها عليها وعلى بعلها من مرقش، فتربصوا بها حتى عزب مرقش في إبله، وبنى المرادي بأسماء واحتملها إلى بلده. فلما رجع مرقش إلى الحي رأى غلاما يتعرق عظما، فقال له: يا غلام، ما حدث بعدي في الحي. وأوجس في صدره خيفة لما كان، فقال الغلام: اهتدى المراثي امرأته أسماء بنت عوف. فرجع المرقش إلى حيه فلبس لأمته وركب فرسه الأغر، واتبع آثار القوم يريد قثل المرادي. فلما طلع لهم قالوا للمرادي: هذا مرقش، وإن لقيك فنفسك دون نفسه. وقالوا لأسماء: إنه سيمر عليك، فأطلعي رأسك إليه واسفري، فإنه لا يرميك ولا يضرك، ويلهو، بحديثك عن طلب بعلك، حتى يلحقه إخوته فيردوه. وقالوا للمرادي: تقدم فتقدم. وجاءهم مرقش. فلما حاذاهم أطلعت أسماء من خدرها ونادته، فغض من فرسه وسار بقربها، حتى أدركه أخواه أنس وحرملة فعذلاه ورداه عن القوم. ومضى بها المرادي فألحقها بحيه. وضني مرقش لفراق أسماء. فقال في ذلك:

أمن آل أسماء الرسوم الدوارس                      تخطط فيها الطير قفر بسابس وهي قصيدة طويلة. وقال في أسماء أيضا:

أغالبك القلب اللجوج صـبـابة                      وشوقا إلى أسماء أم أنست غالبه

 

صفحة : 656

 

 

يهيم ولايعيا بأسـمـاء قـلـبـه                      كذاك الهوى إمراره وعواقبـه

أيلحى امرؤ في حب أسماءقد نأى                      بغمز من الواشين وازور جانبه

وأسماء هم النفس إن كنت عالما                      وبادى أحاديث الفؤاد وغـائبـه

إذا ذكرتها النفس ظلت كأنـنـي                      يزعزعني قفقاف ورد وصالبـه كان مع المجالد بن ريان في غارته على بني تغلب وقال شعرا: وقال أبو عمرو: وقع المجالد بن ريان ببني تغلب بجمران فنكى فيهم وأصاب مالا وأسرى، وكان معه المرقش الأكبر، فقال المرقش في ذلك:

أتتني لسسان بني عـامـر                      فجلى أحاديثها عن بصـر

بأن بني الوخم ساروا معـا                      بجيش كضوء نجوم السحر

بكل خبوب السسرى نهـدة                      وكل كميت طـوال أغـر

فما شعرالحي حـتـى رأوا                      بريق القوانس فوق الغرر

فأقبلنهـم ثـم أدبـرنـهـم                      وأصدرنهم قبل حين الصدر

فيا رب شلو تخطر فـنـه                      كريم لدى مزحف أو مكر

وكائن بجمران من مزعف                      ومن رجل وجهه قد عفـر

????وأما المرقش الأصغر

فهو على ما ذكر أبو عمروربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة. والمرقش الأكبر عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد. قال أبو عمرو: والمرقش الأصغر أشعر المرقشين وأطولهما عمرا. وهو الذي عشق فاطمة بنت الممنذر، وكانت لها وليدة يقال لها بنت عجلان، وكان لها قصر بكاظمة، وعليه حرس. وكان الحرس يجرون كل ليلة حوله الثياب فلا يطؤه أحد إلا بنت عجلان. وكان لبنت عجلان في كل ليلة رجل من أهل الماء يبيت عندها. فقال عمرو بن جناب بن مالك لمرقش: إن بنت عجلان تأخذ كل عشية رجلا ممن يعجبها فيبيت معها.

 

 

صفحة : 657

 

وكان مرقش ترعية لا يفارق إبله، فأقام بالماء وترك إبله ظمأى، وكان من أجمل الناس وجها وأحسنهم شعرا. وكانت فاطمة بنت المنذر تقعد فوق القصر فتنظر إلى الناس. فجاء مرقش فبات عند ابنة عجلان، حتى إذا كان من الغد تجردت عند مولاتها. فقالت لها: ما هذا بفخذيك،وإذا نكت كأنها التين وكآثار السياط من شدة حفزه إياها عند الجماعق الت: آثار رجل بات معي الليلة. وقد كانت فاطمة قالت لها: لقد رأيت رجلا جميلا راح نحونا بالعشية لم أره قبل ذلك، قالت: فإنه فتى قعد عن إبله وكان يرعاها، وهو الفتى الجميل الذي رأيته، وهو الذي بات، معي فأثر في هذه الآثار. قالت لها فاطمة: فإذا كان غد وأتاك فقدمي له مجمرا ومريه أن يجلس عليه وأعطيه سواكا، فإن استاك به أورده فلا خير فيه، وإن قعد على المجمر أورده فلا خير فيه. فأتته بالمجمر فقالت له: اقعد عليه، فأبى وقال: أدنيه مني، فدخن لحيته وجمته وأبى أن يقعد عليه، وأخذ السواك فقطع رأسه واستاك به. فأتت ابنة عجلان فاطمة فأخبرتها بما صنع، فازدادت به عجبا وقالت: ائتيني به. فتعلقت به كما كانت تتعلق، فمضى معها وانصرف أصحابه. فقال القوم حين انصرفوا: لشد ما علقت بنت عجلان المرقش وكان الحرس ينثرون التراب حول قبة فاطمه بنت المنذر ويجرون عليه ثوبا حين تمسي ويحرسونها فلا يدخل عليها إلا ابنة عجلان، فإذا كان الغد بعث الملك بالقافة فينظرون أثر من دخل إليها ويعودون فيقولون له: لم نر إلا أثر بنت عجلان. فلما كانت تلك الليلة حملت بنت عجلان مرقشا على ظهرها وحزمته إلى بطنها بثوب، وأدخلته إليها فبات معها. فلما أصبح بعث الملك بالقافة فنظروا وعادوا إليه فقالوا: نظرنا أثر بنت عجلان وهي مثقلة. فلبث بذلك حينا يدخل إليها. فكان عمرو بن جناب بن عوف بن مالك يرى ما يفعل ولا يعرف مذهبه. فقال له: ألم تكن عاهدتني عهدا لا تكتمني شيئا ولا أكتمك ولا نتكاذب. فأخبره مرقش الخبر فقال له: لا أرضى عنك ولا أكلمك أبدا أو تدخلني عليها، وحلف على ذلك. فانطلق المرقش إلى المكان الذي كان يواعد فيه بنت عجلان فأجلسه فيه وانصرف وأخبره كيف يصنع، وكانا متشابهين غير أن عمرو بن جناب كان أشعر، فأتته بنت عجلان فاحتملته وأدخلته إليها وصنع ما أمره به مرقش. فلما أراد مباشرتها وجدت شعر فخذيه فاستنكرته، وإذا هو يرعد، فدفعته بقدمها في صدره وقالت: قبح الله سرا عند المعيدي. ودعت بنت عجلان فذهبت به، وانطلق إلى موضع صاحبه. فلما رآه قد أسرع الكرة ولم يلبث، إلا قليلا، علم أنه قد افتضح، فعض على إصبعه فقطعها. ثم انطلق إلى أهله وترك المال الذي كان فيه يعني الإبل التي كان مقيما فيها حياء مما صنع. وقال مرقش في ذلك:

ألا يا اسلمى لا صرم لي اليوم فاطما                      ولا أبدا مـا دام وصـلـك دائمـا

رمتك ابنة البكري عن فرع ضـالة                      وهن بنا خوص يخلـن نـعـائمـا

تراءت لنـا يوم الـرحـيل بـوارد                      وعذب الثنايا لم يكن متـراكـمـا

سقاه حباب المزن في مـتـكـلـل                      من الشمس رواه ربابا سواجـمـا

أرنك بذات الضال منها معاصـمـا                      وخدا أسيلا كـالـوذيلة نـاعـمـا

صحا قلبه عنها عـلـى أن ذكـرة                      إذا خطرت دارت به الأرض قائما

تبصر خليلي هل ترى من ظعانـن                      خرجن سراعا واقتعدن المفـائمـا

تحملن من جو الوريعة بـعـد مـا                      تعالى النهار وانتجعن الصـرائمـا

تحلين ياقـوتـا وشـذرا وصـيغة                      جزعـا ظـفـاريا ودرا تـوائمـا

سلكن القرى والجزع تحدى جمالهـا                      ووركن قوا واجتزن عن المخارما

ألا حبـذا وجـه تـريك بـياضـه                      ومنسدلات كالمثانـي فـواحـمـا

وإني لأستحيي فـطـيمة جـائعـا                      خميصا وأستحيي فطيمة طاعـمـا

وإني لأستحييك والخـرق بـينـنـا                      مخافة أن تلقى أخا لي صـارمـا

وإني وإن كلت قلوصـي لـراجـم                      بها وبنفسي يا فطيم المـراجـمـا

ألايا اسلمى بالكوكب الطلق فاطمـا                      وإن لم يكن صرف النوى متلائمـا

 

صفحة : 658

 

 

ألايا اسلمى ثم اعلمي أن حاجتي                      إليك فردي من نوالك فاطـمـا

أفاطم لو أن النـسـاء بـبـلـدة                      وأنت بأخرى لابتغيتك هـائمـا

متى مايشأ ذوالود يصرم خليلـه                      ويغضب عليه لامحالة ظالـمـا

وآلى جناب حلفة فـأطـعـتـه                      فنفسك ول اللوم إن كنت نادمـا

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمـره                      ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

ألم ترأن المـرء يجـذم كـفـه                      ويجشم من لوم الصديق المجاشما

أمن حلم أصبحت تنكت واجـمـا                      وقد تعترى الأحلام من كان نائما

??من المائة المختارة

 

إذا قلت تسلو النفس أو تنتهي المنى                      أبى القلـب إلا حـب أم حـكـيم

منعمة صفـراء حـلـو دلالـهـا                      أبيت بها بـعـد الـهـدوء أهـيم

قطوف الخطا مخطوطة المتن زانها                      مع الحسن خلق في الجمال عمـيم الشعر مختلف في قائله، فمن الرواة من يرويه لصالح بن عبدالله العبشمي، ومنهم من يرويه لقطري بن الفجاءة المازني، ومنهم من يرويه لعبيدة بن هلال اليشكري. والغناء لسياط، وله فيه لحنان: أحدهما، وهو المختار، ثقيل أول بالوسطى، والآخر خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. ولبعض الشراة قصيدة في هذا الوزن وعلى هذه القافية، وفيها ذكر لأم حكيم هذه أيضا، تنسب إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة، ويختلف في قائلها كالاختلاف في قائل هذه. وفيها أيضا غناء وهو في هذه الأبيات. منها:

لعمرك إني في الحياة لـزاهـد                      وفي العيش ما لم ألق أم حكـيم

ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت                      طعان فتى في الحرب غير ذميم ذكر المبرد أن الشعر لقطري بن الفجاءة، وذكر الهيثم بن عدي أنه لعمرو القنا، وذكر وهب بن جرير أنه لحبيب بن سهم التميمي، وذكر أبو مخنف أنه لعبيدة بن هلال اليشكري، وذكر خالد بن خداش أنه لعمرو القنا أيضا. والغناء لمعبد ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس.

??خبر الوقعة التي قيل فيها هذا الشعر

وهي وقعة دولاب وشيء من أخبار هؤلاء وأنسابهم وخبر أم حكيم هذه.

وقعة دولاب وشيء من أخبار الشراة: هذان الشعران قيلا في وقعة دولاب، وهي قرية من عمل الأهواز، بينها وبين الأهواز نحو من أربعة فراسخ، كانت بها حرب بين الإزارقة وبين مسلم بن عبيس بن كريز خليفة عبدالله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، وذلك في أيام ابن الزبير. أخبرني بخبر هذه الحرب أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة عن المدائني، وأخبرني بها عبيد الله بن محمد الرازي عن الخراز عن المدائنيئ، وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش: أن نافع بن الأزرق، لما تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم في أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز وأعمالها لا يعترض الناس، وقد كان متشككا في ذلك. فقالت له امرأته: إن كنت قد كفرت بعد إيمانك وشككت فيه، فدع نحلتك ودعوتك، وإن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإيمان فاقتل الكفار حيث لقيتهم وأثخن في النساء والصبيان كما قال نوح:  لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا  . فقبل قولها واستعرض الناس وبسط سيفه، فقتل الرجال والنساء والولدان، وجعل يقول: إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم. وإذا وطيء بلدا فعل مثل هذا به إلى

 

صفحة : 659

 

أن يجيبه أهله جميعا ويدخلوا ملته، فيرفع السيف ويضع الجباية فيجبي الخراج. فعظم أمره واشتدت شوكته وفشا عفاله في السواد. فارتاع لذلك أهل البصرة ومشوا إلى الأحنف بن قيس فشكوا إليه أمرهم وقالوا له: ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان، وسيرتهم كما ترى، فقال لهم الأحنف: إن سيرتهم في مصر كم إن ظفروا به مثل سيرتهم في سوادكم، فخذوا في جهاد عدوكم. وحرضهم الأحنف، فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل في السلاح. فأتاه عبدالله بن الحارث بن نوفل، وسأله أن يؤمر عليهم أميرا، فاختار لهم مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة، وكان فارسا شجاعا دينا، فأمره عليهم وشيعه. فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس وقال: إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا وفضة، وإني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم. فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض، ومن أحب الحياة فليرجع. فرجع نفز يسير ومضى الباقون معه، فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع بن الأزرق، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح وعقرت الخيل وكثرت الجراح والقتلى، وتضاربوا بالسيوف والعمدة فقتل في المعركة ابن عبيس وهو على أهل البصرة، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس وستين، وقتل نافع بن الأزرق يومئذ أيضا، فعجب الناس من ذلك، وأن الفريقين تصابروا حتى قتل منهم خلق كثير، وقتل رئيسا العسكرين، والشراة يومئذ ستمائة رجل، فكانت الحدة يومئذ وبأس الشراة واقعا ببني تميم وبني سدوس. وأتى ابن عبيس وهو يجود بنفسه فاستخلف على الناس الربيع بن عمرو الغداني، وكان يقال له الأجذم، كانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سمرة. واستخلف نافع بن الأزرق عبيد الله بن بشير بن الماحوز أحد بني سليط بن يربع. فكان رئيسا المسلمين والخوارج جميعامن بني يربوع، رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع، ورئيس الشراة من بني سليط بن يربوع، فاتصلت الحرب بينهم عشرين يوما. قال المدائني في خبره: وادعى قتل نافع بن الأزرق رجل من باهلة يقال له سلامة. وتحدث بعد ذلك قال: كنت لما قتلته على برذون ورد فإذا أنا برجل ينادي، وأنا واقف في خمس بني تميم، فإذا به يعرض علي المبارزة فتغافلت عنه، وجعل يطلبني وأنا أنتقل من خمس إلى خمس وليس يزايلني، فصرت إلى رحلي ثم رجعت فدعاني إلى المبارزة، فلما كثر خرجت إليه، فاختلفنا ضربتين فضربته فصرعته، ونزلت فأخذت رأسه وسلبته، فإذا امرأة قد رأتني حين قتلت نافعا، فخرجت لتثأر به. قالوا: فلما قتل فافع وابن عبيس وولي الجيش إلى ربيع بن عمرو لم يزل يقاتل الشراة نيفا وعشرين يوما، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه: إني مقتول لا محالة، قالوا: وكيف ذلك? قال: إني رأيت البارحة كأن يدي التي أصيبت بكابل انحطت من السماء فاشتشلتني. فلما كان الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم فقتل يومئذ قال: استشلاه: أخذه إليه. يقال: استشلاه واشتلاه قال: فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس ثم أجمعوا على الحجاج بن باب الحميري. وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله بيومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله، تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت، ثم تضاربوا بالسيوف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة، وحتى كان الرجل منهم يضرب الرجل فلا يغني شيئا من الإعياء، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالأفواه. فلما تدافع القوم الراية وأبوها واتفقوا على الحجاج بن باب امتنع من أخذها. فقال له كريب بن عبد الرحمن: خذها فإنها مكرمة، فقال: إنها لراية مشئومة، ما أخذها أحد إلا قتل. فقال له كريب: يا أعور تقارعت العرب على أمرها ثم صيروها إليك فتأبى خوف القتل، خذ اللواء ويحك، فإن حضر أجلك قتلت إن كانت معك أو لم تكن. فأخذ اللواء وناهضهم،

 

صفحة : 660

 

فاقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس والخوارج أقوى عدة بالدروع والجواشن. وجعل الحجاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشراة ويطعن فيهم ويقتل حتى يظن أنه قد قتل، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر دما، ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كل قوم في ناحية. ثم التقى الحجاج بن باب وعمران ين الحارث الراسبي ، فاختلفا ضربتين كل واحد منهما قتل صاحبه، وجال الناس بينهما جولة ثم تحاجزوا، وأصبح أهل البصرة وقد هرب عامتهم، وولوا حارثة بن بدر الغداني أمرهم ليس بهم طرق ولا بالخوارج. فقالت امرأة من الشراة وهي أم عمران قاتل الحجاج بن باب وقتيله ترثي ابنها عمران:

أللـه أيد عـمـرانـا وطـهـره                      وكان عمران يدعو الله في السحر

يدعوه سرا وإعـلانـا لـيرزقـه                      شهادة بـيدي مـلـحـادة غـدر

ولى صحابته عن حر مـلـحـمة                      وشد عمران كالضرغامة الذكـر قال: فلما عقدوا لحارثة بن بدر الرياسة وسلموا إليه الراية نادى فيهم بأن يثبتوا، فإذا فتح الله عليهم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، فندب الناس فالتقوا وليس بأحد منهم طرق، وقد فشت فيهم الجراحات فلهم أنين، وما تطأ الخيل إلا على القتلى. فبينما هم كذلك إذ أقبل من اليمامة جمع من الشراة يقول المكثر إنهم مائتان والمقلل إنهم أربعون، فاجتمعوا وهم يريحون مع أصحابهم واجتمعوا كبكبة واحدة، فحملوا على المسلمين. فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم وقال:

كرنبوا ودولـبـوا                      وحيث شئتم فاذهبوا وقال:

أير الحمار فريضة لعبيدكـم                      والخصيتان فريضة الأعراب وتتابع الناس على أثره منهزمين، وتبعتهم الخوارج، فالقوا أنفسهم في دجيل فغرق منهم خلق كثير وسلمت بقيتهم. وكان ممن غرق دغفل بن حنظلة أحد بني عمرو بن شيبان. ولحقت قطعة من الشراة خيل عبد القيس فأكبوا عليهم، فعطفت عليهم خيل من بني تميم فعاونوهم وقاتلوا السراة حتى كشفوهم وانصرفوا إلى أصحابهم. وعبرت بقية الناس، فصار حارثة ومن معه بنهر تيري والسراة بالأهواز، فأقاموا ثلاثة أيام. وكان على الأزد يومئذ قبيصة بن أبي صفرة أخو المهلب، وهو جد هزارمرد . قال: وغرق يومئذ من الأزد عدد كثير. فقال شاعر الأزراقة:

يرى من جاء ينظرمن دجيل                      شيوخ الأزد طافية لحاهـا وقال شاعر آخر منهم:

شمت ابن بدر، والحوادث جمة،                      والظالمون بنافع بـن الأزرق

والموت حتم لامحـالة واقـع                      من لايصبحه نهـارا يطـرق

فلئن أمير المؤمنـين أصـابـه                      ريب المنون فمن تصبه يغلق قال قطري بن الفجاءة، فيما ذكر المبرد، وقال المدائني في خبره: إن صالح بن عبدالله العبشمي قائل ذلك، وقال خالد بن خداش: بل قائلها عمرو القنا، قال وهب بن جرير عن أبيه فيما حدثني به أحمد بن الجعد الوشاء عن أحمد بن أبي خيثمة عن أبيه عن وهب بن جرير عن أبيه: إن حبيب بن سهم قائلها:

لعمرك إتي في الحياة لـزاهـد                      وفي العيش ما لم ألق أم حكيم

من الخفرات البيض لم أرمثلها                      شفاء لذي بـث ولالـسـقـيم

لعمرك إني يوم ألطم وجهـهـا                      على نائبات الدهرغيرحـلـيم

ولوشهدتني يوم دولاب أبصرت                      طعان فتى في الحرب غير لئيم

غداة طفت علماء بكربـن وائل                      وألافها من حـمـير وسـلـيم

ومال الحجازيون نحو بلادهـم                      وعجنا صدورالخيل نحو تمـيم

وكان لعبد القيس أول جـدهـا                      وولت شيوخ الأزدفهي تعـوم

فلم أريوما كان كثرمقـعـصـا                      يمج دما مـن فـائظ وكـلـيم

وضاربة خدا كريماعلى فـتـى                      أغر نجيب الأمـهـات كـريم

أصيب بدولاب ولم تك موطنـا                      له أرض دولاب وديرحـمـيم

فلو شهدتنا يوم ذاك وخـيلـنـا                      تبيح من الكفـاركـل حـريم

رأت فتية باعوا الإله نفوسهـم                      بجنات عدن عـنـده ونـعـيم حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا خلاد الأرقط قال:

 

صفحة : 661

 

كان الشراة والمسلمون يتواقفون ويتساءلون بينهم عن أمر الدين وغير ذلك على أمان وسكون فلا يهيج بعضهم بعضا. فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكري وأبو حزابة التميمي وهما في الحرب، فقال عبيدة: يا أبا حزابة، إني سائلك عن أشياء، أفتصدقني في الجواب عنها? قال: نعم، إن تضمنت لي مثل ذلك، قال: قد فعلت. قال: سل عما بدا لك. قال: ما تقول في أئمتكم. قال: يبيحون الدم الحرام والمال الحرام والفرج الحرام. قال: ويحك فكيف فعلهم في المال? قال: يخبونه من غير حقه، وينفقونه في غير حقه. قال: فكيف فعلهم في اليتيم. قال: يظلمونه ماله، ويمنعونه حقه، وينيكون أمه. قال: ويلك يا أبا حزابة أفمثل هؤلاء تتبع.قال: قد أجبت، فاسمع سؤالي ودع عنك عتابي على رأيي، قال: قل. قال: أي الخمر أطيب: أخمر السهل أم خمر الجبل. قال: ويلك أتسأل مثلي عن هذا? قال: قد أوجبت على نفسك أن تجيب، قال: أما إذ أبيت فإن خمر الجبل أقوى وأسكر، وخمر السهل أحسن وأسلس. قال أبو حزابة: فأي الزواني أفره: أزواني رامهرمز أم زواني أرجان ? قال: ويلك إن مثلي لا يسأل عن مثل هذا قال: لا بد من الجواب أو تغدر، فقال: أما إذ أبيت فزواني رامهرمز أرق أبشارا، وزواني أزجان أحسن أبدانا. قال: فأي الرجلين أشعر: أجرير أم الفرزدق. قال: عليك وعليهما لعنة الله، أيهما الذي يقول:

وطوى الطراد مع القياد بطونها                      طي التجار بحضرموت برودا قال: جرير، قال: فهو أشعرهما. قال: وكان الناس قد تجاذبوا في أمر جرير والفرزدق حتى تواثبوا وصاروا إلى المهلب محكمين له في ذلك، فقال: أردتم أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيمتضغاني، كنت لأحكم بينهما، ولكني أدلكم على من يحكم بينهما ثم يهون عليه سبابهما، عليكم بالشراة فسلوهم إذا تواقفتم. فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك فأجابه بهذا الجواب.

أخبرني أحمد بن جعفر جخظة قال حدثني ميمون بن هارون قال: حدثت أن امرأة من الخوارج كانت مع قطري بن الفجاءة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها وأحسنهم بدينهم تمسكا، وخطبها جماعة منهم فردتهم ولم تجب إلى ذلك? فأخبرني من شهدها أنها كانت تحمل على الناس وترتجز:

أحمل رأسا قد سئمت حمله                      وقد مللت دفنه وغسـلـه

ألا فتى يحمل عني ثقله قال: وهم يفدونها بالآباء والأمهات، فما رأيت قبلها ولا بعدها مثلها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عمي قال: كان عبيدة بن هلال إذا تكاف الناس ناداهم: ليخرج إلي بعضكم، فيخرج إليه فتيان من العسكر، فيقول لهم: أيما أحب إليكم: أقرأ عليكم القرآن أو أنشدكم الشعر? فيقولون له: أما القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك، فأنشدنا، فيقول لهم: يا فسقة، والله قد علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن، ثم لا يزال ينشدهم ويستنشدهم حتى يملوا ثم يفترقون.

 

أخبار سياط ونسبه

سياط لقب غلب عليه، واسمه عبدالله بن وهب، ويكنى أبا وهب، مكي مولى خزاعة. وكان مقدما في الغناء رواية وصنعة، ومقدما في الضرب معدودا في الضراب. وهو أستاذ ابن جامع وإبراهيم الموصلي، وعنه أخذا ونقلا ونقل نظراؤهما الغناء القديم، وأخذه هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أم ابن جامع. وفيه يقول بعضر الشعراء:

ماسمعت الغناء إلا شجانـي                      من سياط وزاد في وسواسي

غنني ياسياط قد ذهب اللـي                      ل غناء يطيرمنه نعـاسـي

ما أبالي إذاسمعـت غـنـاء                      لسياط مافاتني للـرؤاسـي والرؤاسي الذي عناه هو عباس بن منقار، وهو من بني رؤاس. وفيه يقول محمد بن أبان الضبي:

إذا واخيت عـبـاسـا                      فكن منه على وجـل

فتى لايقبل الـعـذر                      ولايرغب في الوصل

وما إن يتغنـى مـن                      يواخيه من النـبـل قال حماد بن إسحاق: لقب سياط هذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يتغنى:

كأن مزاحف الحيات فيه                      قبيل الصبح آثار السياط وأخبرني محمد بن خلف قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه، وأخبرني به عبدالله بن عباس بن الفضل بن الربيع الربيعي عن وسواسة الموصلي ولم أسمع أنا هذا الخبر من وسواسةعن حماد عن أبيه، قالا :

 

صفحة : 662

 

غنى إبراهيم الموصلي يوما صوتا لسياط، فقال له ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت? قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك شيئا يأكله، لسياط. قال: وقال المهدي يوما وهو يشرب لسلام الأبرش : جئني بسياط وعقاب وحبال، فارتاع كل من حضر وظن جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم أو ببعضهم، فجاءه بسياط المغني وعقاب المدني وكان الذي يوقع عليه وحبال الزامر. فجعل الجلساء يشتمونهم والمهدي يضحك.

أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو أيوب المدني قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: مر سياط على أبي ريحانة المدني في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه ثوب رقيق رث، فوثب إليه أبو ريحانة وقال: بأبي أنت يا أبا وهب، غنني صوتك في شعر ابن جندب:

فؤادي رهين في هواك ومهجتي                      تذوب وأجفاني عليك هـمـول فغناه إياه، فشق قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد بردا وجهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك ما غناك من شق قميصك فقال له يابن أخي، إن الشعر الحسن من المغني الحسن في الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمام محمى. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال الله جل وعز:  فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين  .

فقال: بل أنا من الذين قال تبارك وتعالى:  الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  . وقد أخبرني بهذا الخبر علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه فذكر قريبا من هذا، ولفظ أبي أيوب وخبره أتم.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، المعروف بابن أبي اليسع، قالحدثنا عمر بن شبة: أن سياطا مر بأبي ريحانة المدني، فقال له: بحق القبر ومن غنني بلحنك في شعر ابن جندب:

لكل حمام أنـت بـاك إذا بـكـى                      ودمعك منهل وقلـبـك يخـفـق

مخافة بعد بعد قـرب وهـجـرة                      تكون ولما تأت والقلب مشـفـق

ولي مهجة ترفض من خوف عتبها                      وقلب بنارالحب يصلى ويحـرق

أظل خليعا بين أهلـي مـتـيمـا                      وقلبي لما يرجوه منها مـعـلـق فغناه إياه، فلما استوفاه ضرب بيده على قميصه فشقه حتى خرج منه وغشي عليه. فقال له رجل لما أفاق: يا أبا ريحانة، ما أغنى عنك الغناء، ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.

أخبرني إسماعيل قال حدثني عمر بن شبة قال: مرت جارية بأبي ريحانة يوما على ظهرها قربة وهي تغني وتقول:

وأبكى فلا ليلى بكت من صبابة                      إلي ولا ليلى لذي الود تبـذل

وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنبـا                      وإن أذنبت كنت الذي أتنصـل فقام إليها فقال: يا سيدتي أعيدي فقالت: مولاتي تنتظرني والقربة على ظهري، فقال: أنا أحملها عنك، فدفعتها إليه فحملها، وغنته الصوت، فطرب فرمى بالقربة فشقها. فقالت له الجارية: أمن حقي أن أغنيك وتشق قربتي فقال لها: لا عليك، تعالي معي إلى السوق، فجاءت معه فباع ملحفته واشترى لها بثمنها قربة جديدة. فقال له رجل: يا أبا ريحانة، أنت والله كما قال الله عز وجل:  فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين  ، فقال: بل أنا كما قال الله عز وجل:  الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  .

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصلي: بلغني أن أبا ريحانة المدني كان جالسا في يوم شديد البرد وعليه قميص خلق رقيق، فمر به سياط المغني فوثب إليه وأخذ بلجامه وقال له: يا سيدي، بحق القبر ومن فيه غنني صوت ابن جندب، فغناه :

فؤادي رهين في هواك ومهجتي                      تذوب وأجفاني عليك هـمـول فشق قميصه حتى خرج منه وبقي عاريا وغشي عليه، واجتمع الناس حوله وسياط واقف متعجب مما فعل. ثم أفاق وقام إليه، فرحمه سياط وقال له: مالك يا مشئوم? أي شيء تريد. قال: غنني بالله عليك:

ودع أمامة حان منك رحيل                      إن الوداع لمن تحب قلـيل

مثل القضيب تمايلت أعطافه                      فالريح تجذب متنه فيمـيل

إن كان شأنكم الدلال فإنـه                      حسن دلالك يا أميم جمـيل فغناه إياه، فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه ووقع صريعا. ومضى سياط، وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له: ويحك خرقت قميصك وليس لك غيره فقال: دعوني، فإن الغناء الحسن من المغني المطرب أدفأ للمقرور من حمام المهدي إذا أوقد سبعة أيام. قال: ووجه له سياط بقميص وجبة وسراويل وعمامة.

 

 

صفحة : 663

 

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبو أيوب المدني قال حدثني محمد بن عبدالله الخزاعي وحماد بن إسحاق جميعا عن إسحاق قال: كان سياط أستاذ أبي وأستاذ ابن جامع ومن كان في ذلك العصر. فاعتل علة، فجاءه أبي وابن جامع يعودانه.

فقال له أبي: أغزز علي بعلتك أبا وهب، ولو كانت مما يفتدى لفديتك منها. قال: كيف كنت لكم? قلنا: نعم الأستاذ والسيد. قال: قد غنيت لنفسي ستين صوتا فأحب ألا تغيروها ولا تنتحلوها. فقال له أبي: أفعل ذلك يا أبا وهب، ولكن أي ذلك كرهت: أن يكون في غنائك فضل فأقصر عنه فيعرف فضلك عليم فيه، أو أن يكون فيه نقص فأحسنه فينسب إحساني إليك ويأخذه الناس عني لك? قال، :لقد استعفيت سن غير مكروه. قال الخزاعي فيب خبره: ثم قال لي إسحاق: كان سياط خزاعيا، وكان له زامر يقال له حبال، وضارب يقال له عقاب. قال حماد قال أبي: أدركت أربعة كانوا أحسن الناس غناء، سياط أحدهم. قال: وكان موته في أول أيام موسى الهادي.

أخبرني يحيى قال حدثنا أبو أيوب عن مصعب قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت، فقال له: ألك حاجة. فقال: نعم، لا تزد في غنائي شيئا ولا تنقص منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال حدثني محمد بن حديد أخو النضر بن حديد: أن إخوانا لسياط دعوه، فأقام عندهم وبات ، فأصبحوا فوجدوه ميتا في منزلهم، فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه، إنا دعونا ابنك لنكرمه ونسر به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك فاحتكمي ما شئت، ونشدناك الله ألا تعرضينا للسلطان أو تدعي فيه علينا ما لم نفعله. فقالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأة. قال: فجاءت معنا فحملته إلى منزلها فأصلحت أمره ودفنته. وقد ذكرت هذه القصة بعينها في وفاة نبيه المغني، وخبره في ذلك يذكر مع أخباره إن شاء الله تعالى.

أخبرنا يحيى بن عليئ وعيسى بن الحسين الزيات واللفظ له، قالا حدثنا أبو أيوب قال حدثنا أحمد بن المكي قال: غنيت إبراهيم بن المهدي لسياط:

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوي فاستحسنه جدا، وقال لي: ممن أخذته? قلت: من جارية أبيك قرشية الزباء، فقال: أشعرت أنه كان لأبي ثلاث جوار محسنات كلهن تسمى قرشية، منهن قرشية الزباء وقرشية السوداء وقرشية البيضاء، وكانت الزباء أحسنهن غناء يعني التي أخذت منها هذا الصوت، قال: وكنت أسمعها كثيرا تقول: قد سمعت المغنين وأخذت عنهم وتفقدت أغانيهم، فما رأيت فيهم مثل سياط قط. هذه الحكاية من رواية عيسى بن الحسين خاصة.

نسبة هذا الصوت

 

ضاف قلبى الهوى فأكثر سهوي                      وجوى الحب مفظع غير حلو

لو علا بعض ما علاني ثبـيرا                      ظل ضعفا ثبير من ذاك يهوي

من يكن من هوى الغواني خليا                      يا ثقاتي فإننـي غـير خـلـو الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق.

 

من المائة المختارة

 

يا أم عمرو لقد طالـبـت ودكـم                      جهدي وأعذرت فيه كل إعـذار

حتى سقمت، وقد أصبحت سالمة،                      مما أعالج من هـم وتـذكـار لم يسم قائل هذا الشعر. والغناء للرطاب. والرطاب مدني قليل الصنعة ليس بمشهور. وقيل له الرطاب لأنه كان يبيع الرطب بالمدينة. ولحنه المختار هزج بالوسطى.

 

تصدع الأنس الجمـيع                      أمسى فقلبي به صدوع

في إثرهم وجفون عيني                      مخضلة كلها دمـوع لم يسم لنا قائل هذا الشعر ولا عرفناه. والغناء لدكين بن يزيد الكوفي. ولحنه المختار من خفيف الثقيل بالوسطى، وهكذا ذكر إسحاق في الألحان المتخارة للواثق. وذكر هذا الصوت في مجرد شجا فنسبه إلى دكين، وجنسه في الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر أيضا فيه لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر، فزعم أنه ينسب إلى معبد وإلى الغريض. وفيه بيتان آخران وهما:

فالقلب إن سيم عنك صبرا                      كلف ماليس يستـطـيع

عاص لمن لام في هواكم                      وهو لكم سامع مطـيع

من المائة المختارة

 

يأيها الـرجـل الـذي                      قد زان منطقه البيان

لاتعتبن على الـزمـا                      ن فليس يعتبك الزمان

 

صفحة : 664

 

الشعر لعبدالله بن هارون العروضي. والغناء لنبيه المغني، ولحنه المختار ثقيل أول بالبنصر.

فأما عبدالله بن هارون فما أعلم أنه وقع إلي له خبر إلا ما شهر من حاله في نفسه. وهو عبدالله بن هارون بن السميدع، مولى قريش، من أهل البصرة. وأخذ العروض من الخليل ابن أحمد، فكان مقدما فيه. وانقطع إلى آل سليمان بن علي وأدب أولادهم، وكان يمدحهم كثيرا، فأكثر شعره فيهم. وهو مقل جدا. وكان يقول أوزانا من العروض غريبة في شعره، ثم أخذ ذلك عنه ونحا نحوه فيه رزين العروضي فأتى فيه ببدائع جمة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس. فأما عبدالله بن هارون فما عرفت له خبرا ولا وقع إلي من أمره شيء غير ما ذكرته.

 

ذكر نبيه وأخباره

نسبه وأصله وشعره وسبب تعلمه الغناء: زعم ابن خرداذبه أنه رجل من بني تميم صليبة، وأن أصله من الكوفة، وأنه كان في أول أمره شاعرا لا يغني، ويقول شعرا صالحا. فهوي قينة ببغداد فتعلم الغناء من أجلها وجعله سببا للدخول عليها، ولم يزل يتزيد حتى جاد غناؤه وصنع فأحسن واشتهر، ودون غناؤه وعد في المحسنين. فمما قاله في هذه الجارية وغنى فيه قوله:

يا رب إني ما جفوت وقد جفت                      فإليك أشـكـو ذاك يا ربـاه

مولاة سوء ماترق لعـبـدهـا                      نعم الغلام وبئست الـمـولاه

يارب إن كانت حياتي هـكـذا                      ضرراعلي فمـا أريد حـياه الغناء لنبيه ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. ومن الناس من ينسب الشعر والغناء إلى علية بنت المهدي.

أخبرفي إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال: قلت لمخارق، وقد غنى هذا الصوت يوما:

متى لجمع القلب الذكي وصارما                      وأنفا حميا تجتنبك المـظـالـم فسألته لمن هو، فقال: هذا لنبيه التميمي، وكان له أخوان يقال لهما منبه ونبهان، وكان ينزل شهار سوج الهيثم في محرب الريحان. قال أبو زيد: وسمعت مخارقا يحدث إسحاق بن إبراهيم قال سمعت أباك إبراهيم بن ميمون يقول، وقد ذكر نبيها: إن عاش هذا الغلام ذهب خبرنا . قال: وكنت قد غنيته صوتا أخذته عنه، وهو:

شكوت إلى قلبي الفراق فقال لي                      من الآن فايأس لا أغرك بالصبر

إذا صد من أهوى وأسلمني العزا                      ففرقة من أهوى أحرمن الجمر أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني ابن أبي سعد عن محمد بن عبدالله بن مالك قال حدثني علي بن المفضل قال: اصطبحنا يوما أنا ونبيه عند عبيد الله بن أبي غسان، فغنانا نبيه لحنه:

يأيها الرجـل الـذي                      قد زان منطقه البيان فما سمعت أحسن منه، وكان صوتنا عليه بقية يومنا. ثم أردنا الانصراف، فسألنا عبيد الله أن نبيت عنده ونصطبح من غد فأجبناه. وقال لنبيه: أي شيء تشتهي أن يصلح لك? قال: تشتري لي غزالا فتطعمني كبده كبابا، ونجعل سائر ما آكله من لحمه كما تحب، فقال: أفعل. فلما أصبحنا جاءه بغزال فأصلحه كما أحب. فلما استوفى أكله استلقى لينام، فحركناه فإذا هو ميت، فجزعنا من ذلك. وبعث عبيد الله إلى أمه فجاءت فأخبرها بخبره. فلما رأته استرجعت ثم قالت: لا بأس عليكم هو رابع أربعة ولدتهم كانت هذه ميتتهم جميعا وميتة أبيهم من قبلهم، فسكنا إلى ذلك. وغسل في دار عبيد الله وأصلح شأنه وصلي عليه، ومضينا به إلى مقابرهم فدفن هناك.

 

وففت على ربع لسعدى وعبرتي                      ترقرق في العينين ثم تـسـيل

أسائل ربعا قد تعفت رسـومـه                      عليه لأصنـاف الـرياح ذيول لم يسم لنا قائل هذا الشعر. والغناء لسليم هزج خفيف بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

 

أخبار سليم

انقطع إلى إبراهيم المصلي، وهو أمر د فأحبه وعلمه: هو سليم بن سلام الكوفي، ويكنى أبا عبدالله. وكان حسن الوجه حسن الصوت. وقد انقطع وهو أمرد إلى إبراهيم الموصلي، فمال إليه وتعشقه، فعلمه وناصحه، فبرع وكثرت روايته، وصنع فأجاد. وكان إسحاق يهجوه ويطعن عليه. واتفق له اتفاق سيء: كان يخدم الرشيد فيتفق مع ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح ابن العوراء وحكم الوادي فيكون بالإضافة إليهم كالساقط. وكان من أبخل الناس، فلما مات خلف جملة عظيمة وافرة من المال، فقبضها السلطان عنه.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه:

 

صفحة : 665

 

أن إسحاق قال في سليم:

سليم بن لسلام على برد خلقه                      أحرغناء من حسين بن محرز وأخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق، وأخبرنا يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق: أن الرشيد قال لبرصوما الزامر وكانت فيه لكنة ما تقول في ابن جامع. قال: زق من أسل، يريد من عسل.

قال: فإبراهيم. قال: بستان فيه فاكهة وريحان وشوك. قال: فيزيد حوراء. قال: ما أبيد أسنانه يريد ما أبيض. قال: فحسين بن محرز. قال: ما أهسن خظامه، يريد ما أحسن خضابه. قال: فسليم بن سلام? قال: ما أنظف ثيابه.

قال إسماعيل بن يونس في خبره عن عمر بن شبة عن إسحاق: وغنى سليم يوما وبرصوما يزمر عليه بين يلي الرشيد، فقصر سليم في موضع صيحة، فأخرج برصوما الناي من فيه ثم صاح به وقال له: يا أبا عبدالله، صيهة أشد من هذا، صيهة أشد من هذا، فضحك الرشيد حتى استلقى. قال: وما أذكر أني ضحكت قط أكثر من ذلك اليوم.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال محمد بن الحسن بن مصعب: إنما أخر سليما عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي صنعته هزج، وله من ذلك ماليس لأحد منهم. قال: ثم قال محمد: غنى سليم يوما بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج ولاء، أولها:

مت على من غبت عنه أسفا والثاني:

أسرفت في الإعراض والهجر والثالث:

أصبح قلبي به ندوب فأطربه وأمر له بثلاثين ألف درهم، وقال له: لو كنت الحكم الوادي ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك. يعني أن الحكم كان منفردا بالهزج.

 

مت على من غبت عنه أسفا                      لست منه بمصيب خلـفـا

لن ترى قـرة عـين أبـدا                      أوترى نحوهم منصـرفـا

قلت لماشفني وجدي بـهـم                      حسبي الله لمابي وكـفـى

بين الدمع لمن أبصـرنـي                      ماتضمنـت إذا مـا ذرفـا الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لسليم، وله فيه لحنان، أحدهما في الأول والثاني هزج بالوسطى، والآخر في الثالث والرابع خفيف رمل بالبنصر مطلق. وفيهما لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو.

ومنها:

أسرفت في الإعراض والهجـر                      وجزت حد التـيه والـكـبـر

الهجر والإعراض من ذي الهوى                      سلم ذي الغـدر إلـى الـغـدر

مالي وللهجران حسبـي الـذي                      مر على رأسي من الـهـجـر

ودون ما جربت فيمـا مـضـى                      ما عرف الخير مـن الـشـر الغناء لسيلم هزج بالبنصر.

 

أصبح قلبي به نـدوب                      أندبه الشادن الربـيب

تماديا منه في التصابي                      وقدعلا رأسي المشيب

أظنني ذائقا حمـامـي                      وأن إلمامـه قـريب

إذا فؤاد شجـاه حـب                      فقلما ينفع الطـبـيب الشعر لأبي نواس. والغناء لسليم، وله فيه لحنان: خفيف رمل بالبنصر عن إسحاق، وهزج بالوسطى عن الهشامي. وزعمت بذل أن الهزج لها.

أخبرني عفي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: كان سليم بن سلام كوفيا، وكان أبوه من أصحاب أبي مسلم صاحب الدولة ودعاته وثقاته، فكان يكاتب أهل العراق على يلى. وكان سليم حسن الصوت جهيره، وكان بخيلا.

قال أحمد بن أبي طاهر وحدثني أبو الحواجب الأنصاري، واسمه محمد، قال: قال لي سليم يوما: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه ووافياني مع الظهر، فجئناه مع الظهر، فأخرج إلينا ثلاثين جارية محسنة ونبيذا، ولم يطعمنا شيئا، ولم نكن كلنا شيئا. فغمر موسى غلامه فذهب فاشترى لنا خبزا وبيضا، فأدخله إلى الكنيف وجلسنا نأكل، فدخل علينا، فلما رآنا نأكل غضب وخاصمنا وقال: أهكذا يفعل الناس تأكلون ولا تطعمونني وجلس معنا في الكنيف يأكل كما يأكل واحد منا حتى فني الخبز والبيض.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثني أبي قال:

 

صفحة : 666

 

كان سليم بن سلام صديقي وكان كثيرا ما يغشاني. فجاءني يوما وأعلمني الغلام بمجيئه، فأمرت بإدخاله، فدخل وقال: قد جئتك في حاجة، فقلت: مقضية. فقال: إن المهرجان بعد غد، وقد أمرنا بحضور مجلس الخليفة، وأريد أن أغنيه لحنا أصنعه في شعر لم يعرفه هو ولا من بحضرته، فقل أبياتا أغني فيها ملاحاة فقلت: على أن تقيم عندي وتصنع بحضرتي اللحن، قال: أفعل. فردوا دابته وأقام عندي، وقلت:

أتيتك عائذا بك مـن                      ك لما ضاقت الحيل

وصيرني هواك وبي                      لحيني يضرب المثل

فإن سلمت لكم نفسي                      فما لاقيتـه جـلـل

وإن قتل الهوى رجلا                      فإني ذلك الـرجـل فغنى فيه وشربنا يومئذ عليه، وغنانا عدة أصوات من غنائه، فما رأيته مذ عرفته كان أنشط منه يومئذ.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن الجراح قال حدثني عبد الله بن محمد اليزيدي قال حدثني أخي محمد قال: سمعت أبي يقول: ما سرقت من الشعر قط إلا معنيين: قال مسلم بن الوليد:

ذاك ظبي تحير الحسن في الأر                      كن منه وجال كـل مـكـان

عرضت دونه الحجال فـمـايل                      قاك ألا في النوم أو في الأماني فاستعرت معناه فقلت:

يا بعيد الدار موصو                      لا بقلبي ولسلنـي

ربما باعدك الـده                      ر فأدنتك الأماني الغناء في هذين البيتين لسليم هزج بالبنصر عن الهشامي.

قال: وقال مسلم أيضا:

متى ماتسمعي بقتيل أرض                      فإني ذلك الرجل القتـيل ويروى: أصيب فإنني ذاك القتيل فقلت:

أتيتك عائذا بك مـن                      ك لما ضاقت الحيل

وصيرني هواك وبي                      لحيني يضرب المثل

فإن سلمت لكم نفسي                      فما لاقيتـه جـلـل

وإن قتل الهوى رجلا                      فإني ذلك الـرجـل وجدت في كتاب علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون بن إسماعيل، ولم أسمعه من أحد: أن إبراهيم بن المهدي سأل جماعة من إخوانه أن يصطبحوا عنده قال حمدون: وكنت فيه، وكان فيمن دعا مخارق، فسار إليه وهو سكران لا فضل فيه لطعام ولا لشراب، فاغتم لذلك إبراهيم وعاتبه على ما صنع? فقال: لا والله أيها الأمير، ما كان آفتي إلا سليم بن سلام فإنه مر بي فدخل علي فغناني صوتا له صنعه قريبا فشربت عليه إلى السحر حتى لم يبق في فضل وأخذته. فقال له إبراهيم: فغنناه إملالا، فغناه:

إذا كنت ندماني فبـاكـر مـدامة                      معتقة زفت إلى غـير خـاطـب

إذاعتقت في دنها العام أقـبـلـت                      تردى رداء الحسن في عين شارب الغناء لسليم خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصرقال فبعث إبراهيم إلى سليم فأحضره، فغناه إياه وطرحه على جواريه وأمر له بجائزة، وشربنا عليه بقية يومنا حتى صرنا في حالة مخارق وصار في مثل أحوالنا.

 

من المائة المختارة

 

عتق الفؤاد من الـصـبـا                      ومن السفاهة والـعـلاق

وحططت رحلي عن قلـو                      ص الحب في قلص عتاق

ورفعت فضـل إزاري ال                      مجرورعن قدمي وساقي

وكففت غرب النفس حـت                      ى ما تتوق إلى مـتـاق لم يقع إلينا قائل هذا الشعر. والغناء لابن عباد الكاتب ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل، وقيل: إنه لغيره، بل قيل: إنه لعمرو.

 

أخبار ابن عباد

نسبه وكنيته وصاعته

هو محمد بن عباد، مولى بني مخزوم، وقيل: إنه مولى بني جمح، ويكنى أبا جعفر. مكي، من كبراء المغنين من الطبقة الثاينة منهم. وقد ذكره يونس الكاتب فيمن أخذ عنه الغناء، متقن الصنعة كثيرها. وكان أبوه من كتاب الديوان بمكة، فلذلك قيل ابن عباد الكاتب.

أخبرني إسماعيل بن يونس فال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفحص الثقفي عن أبي خالد الكناني عن ابن عباد الكاتب قال:

 

صفحة : 667

 

والله إني لأمشي بأعلى مكة في الشعب ، إذ أنا بمالك على حمار له ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهم قالوا له: هذا ابن عباد، فمال إلي فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد. قلت: نعم، قال: مل معي هاهنا، ففعلت? فأدخلني شعب ابن عامر ثم أدخلني دهليز ابن عامر وقال: غنني، فقلت: أغنيك هكذا وأنت مالك، وقد كان يبلغني أنه يثلب أهل مكة ويتعصب عليهم فقال: بالله إلا غنيتني صوتا من صنعتك. فاندفعت فغنيته:

ألاياصاحبـي قـفـا قـلـيلا                      على زبع تقادم بـالـمـنـيف

فأمست دارهم شحطت وبانـت                      وأضحى القلب يخفق ذا وجيف وما غنيته إياه إلا على احتشام. فلما فرغت نظر إلي وقال لي: قد والله أحسنت ولكن حلقك كأنه حلق زانية. فقلت: أما إذ أفلت منك بهذا فقد أفلت. وهذا اللحن من صدور غناء ابن عباد. ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

وفاته ببغداد: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى وعيسى بن الحسين قالا حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني جماعة من أهل العلم: أن ابن عباد الكاتب توفني ببغداد في الدولة العباسية ودفن بباب حرب. وقال أبو أيوب: أظنه فيمن قدم من مغني الحجار على المهدي.

من المائة المختارة:

ياطلـلا غـيره بـعـدي                      صوب ربيع صادق الرعد

أراك بعدالأنس ذا وحـشة                      لست كما كنت على العهد

مالي أبكي طللا كـلـمـا                      ساءلته عي عـن الـرد

كان به ذوغـنـج أهـيف                      أحورمطبوع على الصـد لم يسم أبو أحمد قائل هذا الشعر. والغناء ليحيى المكي، ولحنه المختار من الهزج بالوسطى.

 

أخبار يحيى المكي ونسبه

اسمه وكنيته وكتمانه ولاءه لبني أمية لخدمته الخلفاء من بني العباس: هو يحيى بن مرزوق، مولى بني أمية، وكان يكتم ذلك لخدمته الخلفاء من بني العباس خوفا من أن يجتنبوه ويحتشموه، فإذا سئل عن ولائه انتمى إلى قريش ولم يذكر البطن الذي ولاؤه لهم ، واستعفى من سأله عن ذلك. ويكنى يحيى أبا عثمان. وذكر ابن خزداذبة أنه مولى خزاعة. وليس قوله مما يحصل، لأنه لا يعتمد فيه على رواية ولا دراية.

أخبرني عبدالله بن الزبيع أبو بكر الربيعي صديقنا رحمه الله قال حدثني وسواسة بن الموصلي وقد لقيت وسواسة هذا، وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم وكان معلما، ولم أسمع هذا منه فكتبته وأشياء أخر عن أبي بكر رحمه الله قال حدثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبي: سألت يحيى المكي عن ولائه، فانتمى إلى قريش فاستزدته في الشرح فسألني أن أعفيه.

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ويحيى بن علي بن يحيى قالا حدثنا أبو أيوب المديني قال: كان يحيى المكي يكنى أبا عثمان، وهو مولى بني أمية، وكان يكتم ذلك ويقول: أنا مولى قريش.

ولما قال أعشى بني سليم يمدح دحمان:

كانوا فحولا فصاروا عند حلبتهم                      لما انبرى لهم دحمان خصيانـا

فأبلغوه عن الأعشى مقالـتـه                      أعشى سليم أبي عمرو سليمانا

قولوا يقول أبوعمرو لصحبتـه                      ياليت دحمان قبل الموت غنانا قال أبان بن عبد الحميد اللاحقي، ويقال إن ابنه حمدان بن أبان قالها. والأشبه عندي أنها لأبان، وما أظن ابنه أدرك يحيى:

يا مق يفضمل دحمانا ويمـدحـه                      على المغنين طرا قلت بهتـانـا

لوكنت جالست يحيى أوسمعت بـه                      لم تمتدح أبدا ماعشت إنـسـانـا

ولم تقل سفها في منية عرضـت                      ياليت دحمان قبل الموت غنـانـا

لقدعجبت لدحـمـان ومـادحـه                      لاكان مادح دحـمـان ولاكـانـا

ماكان كابن صغيرالعين إذ جـريا                      بل قام في غاية المجرى وما دانى

بذ الجياد أبو بـكـر وصـيرهـا                      من بعد ما قرحت جذعا وثنـيانـا يعني بأبي بكر ابن صغير العين، وهو من معني مكة. وله أخبار تذكر في موضعها إن شاء الله تعالى.

منزلته في الغناء.

 

 

صفحة : 668

 

وعمر يحيى المكي مائة وعشرين سنة، وأصاب بالغناء ما لم يصبه أحد من نظرائه، ومات وهو صحيح السمع والبصر والعقل. وكان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهدي في أول خلافته، فخرج أكثرهم وبقي، يحيى بالعراق هو وولده يخدمون الخلفاء إلى أن انقرضوا. وكان آخرهم محمد بن أحمد بن يحيى المكي، وكان يغني مرتجلا، ويحضر مجلس المعتمد مع المغنين فيوقع بقضيب على دواة. ولقيه جماعة من أصحابنا، وأخذ عنه جماعة ممن أدركنا من عجائز المغنيات، منهم قمرية العمرية، وكانت أم ولد عمرو بن بانة. وممن أدركه من أصحابنا جحظة، وكتبنا عنه عن ابن المكي هذا حكايات حسنة من أخبار أهله. وكان ابن جامع وإبراهيم الموصلي وفليح يفزعون إليه في الغناء القديم ويأخذونه عنه، ويعايي بعضهم بعضا بما يأخذه منه ويغرب به على أصحابه، فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوا منها ووفروا نصيبه. وله صنعة عجيبة نادرة متقدمة. وله كتاب في الأغاني ونسبها وأخبارها أو أجناسها، كبير جليل مشهور، إلا أنه كان كالمطرح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته. والعمل على كتاب ابنه أحمد، فإنه صحح كثيرا مما أفسده أبوه، وأزال ما عرفه من تخاليط أبيه، وحقق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. وهو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.

أخبرني عبدالله بن الربيع قال حدثني وسواسة بن الموصلي قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال: عمل جدي كتابا في الأغاني وأهداه إلى عبدالله بن طاهر، وهو يومئذ شاب حديث السن، فاستحسنه وسر به، ثم عرضه على إسحاق فعرفه عوارا كثيرا في نسبه، لأن جدي كان لا يصحح لأحد نسبه صوت البتة، وينسب صنعته إلى المتقدمين، وينحل بعضهم صنعة بعض ضنا بذلك على غيره، فسقط من عين عبدالله وبقي في خزانته، ثم وقع إلى محمد بن عبدالله، فدعا أبي، وكان إليه محسنا وعليه مفضلا، فعرضه عليه، فقال له: إن في هذه النسب تخليطا كثيرا، خلطها أبي لضنه بهذا الشأن على الناس، ولكني أعمل لك كتابا أصحح هذا وغيره فيه. فعمل له لحد كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت وأهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم. وصحح له الكتاب الأول أيضا فهو في أيدي الناس. قال وسواسة: وحدثني حماد أن أباه إسحاق كان يقدم يحيى المكي تقديما كثيرا ويفضله ويناضل أباه وابن جامع فيه، ويقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه أحا منكم من أحد أمرين: إما أن يكون محقا فيه، كما يقول، فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته وقد نحله المتقدمين، كما تقولون، فهو أفضل له، وأوضح لتقدمه عليكم. قال: وكان أبي يقول: لولا ما أفسد به يحيى المكي نفسه من تخليطه في رواية الغناء على المتقدمين وإضافته إليهم ما ليس لهم وقلة ثباته على ما يحكيه من ذلك، لما تقدمه أحد. وقال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، ولا يزال يصنع الصوت بعد الصوت يتشبه فيه بالغريض مرة وبمعبد أخرى وبابن سريج وابن محرز، ويجتهد في إحكامه وإتقانه حتى يشتبه على سامعه، فإذا حضر مجالس الخلفاء غناه على ما أحدث فيه، من ذلك، فيأتي بأحسن صنعة وأتقنها، وليس أحد يعرفها، فيسأل عن ذلك فيقول: أخذته عن فلان وأخذه فلان عن يونس أو عن نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشك في قوله، ولا يثبت لمباراته أحد، ولا يقوم لمعارضته ولا يفي بها، حتى نشأ إسحاق فضبط الغناء وأخذه من مظانه ودونه، وكشف عوار يحيى في منحولاته وبينها للناس.

أظهر إسحاق غلطه فأرسل له هدايا وعاتبه: أخبرني عمي قال سمعت عبيد الله بن عبدالله بن طاهر يذكر عن أحمد بن سعيد المالكي وكان مغنيا منقطعا إلى طاهر وولده وكان من القواد قال: حضرت يحيى المكي يوما وقد غنى صوتا فسئل عنه فقال: هذا لمالك ولم يحفظ أحمد بن سعيد الصوت ثم غنى لحنا لمالك فسئل عن صانعه فقال: هذا لي، فقال له إسحاق: قلت ماذا? فديتك، وتضاحك به. فسئل عن صانعه فأخبر به، ثم غنى الصوت. فخجل يحيى حتى أمسك عنه، ثم غنى بعد ساعة في الثقيل الأول، واللحن:

إن الخليط أجد فاحتمـلا                      وأراد غيظك بالذي فعلا

فظللت تأمل قرب أوبتهم                      والنفس مما تأمل الأملا

 

صفحة : 669

 

فسئل عنه فنسبه إلى الغريض. فقال له إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض ولا طريقته في الغناء، ولو شئت لأخذت مالك وتركت للغريض ماله ولم تتعب. فاستحيا يحيى ولم ينتفع بنفسه بقية يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف كثيرة وبر واسع، وكتب إليه يعاتبه ويستكف شره ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني، ولأنت إلى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني، فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت أولى وما تختار. فعرف إسحاق صدق يحيى، فكتب إليه يعتذر، ورد الألطاف التي حملها إليه، وحلف لا يعارضه بعدها، وشرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد، فوفى له بها، وأخذ منه كل ما أراد من غناء المتقدمين. وكان إذا حز به أمر في شيء منها فزع إليه فأفاده وعاونه ونصحه، وما عاود إسحاق معارضته بعد ذلك. وحذره يحيى، فكان إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلط فيما يسأل عنه. قال: وكان يحيى إذا صار إليه إسحاق بطلب منه شيئا أعطاه إياه وأفاده وناصحه، ويقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما الله يعلم أني كنت أبخل به عليك فضلا عن غيرك. فيأخذه أحمد عن أبيه مع إسحاق. قال: وكان إسحاق بعد ذلك يتعصب ليحيى تعصبا شديدا، ويصفه ويقدمه ويعترف برياسته، وكذلك كان في وصف أحمد ابنه وتقريظه.

قال أحمد بن سعيد: والاختلاف الواقع في كتب الأغاني إلى الآن من بقايا تخليط يحيى. قال أحمد بن سعيد: وكانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم.يقاربه فيها أحد، والباقي متوسط. وذكر بعض أصحاب أحمد بن يحيى المكي عنه أنه سئل عن صنعة أبيه فقال: الذي صح عندي منها ألف وثلثمائة صوت، منها مائة وسبعون صوتا غلب فيها على الناس جميعا من تقدم منهم ومن تأخر، فلم يقم له فيها أحد.

وقال حماد بن إسحاق قال لي أبي: كان يحيى المكي يسأل عن الصوت، وهو يعلم لمن هو، فينسبه إلى غير صانعه، فيحمل ذلك عنه كذلك، ثم يسأله آخرون فينسبه غير تلك النسبة، حتى طال ذلك وكثر منه وقل تحفظه، فظهر عواره، ولولا ذلك لما قاومه أحد.

وقال أحمد بن سعيد المالكي في خبره: فال إسحاق يوما للرشيد، قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكي: أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء. قال نعم. قال: أعطني أي شعر شئت حتى أصنع فيه، واسألني بحضرة يحيى عن نسبته فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، واسأل يحيى عنه إذا غنيته، فإنه لا يمتنع من أن يدعي معرفته. فأعطاه شعرا فصنع فيه لحنا وغناه الرشيد: ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبته بين يديه. فلما حضر يحيى غناه إسحاق فسأله الرشيد: لمن هذا اللحن. فقال له إسحاق: لغناديس? المديني. فأقبل الرشيد على يحيى فقال له: أكنت لقيت غناديس المديني? قال: نعم، لقيته وأخذت عنه صوتين، ثم غنى صوتا وقال: هذا أحدهما. فلما خرج يحيى حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا وعتق جواريه: أن الله ما خلق أحدا اسمه غناديس، ولا سمع في المغنين ولا غيرهم، وأنه وضع ذلك الاسم في وقته ذلك لينكشف أمره.

حدثني أحمد بن جعفر جخظة قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل قال: غنى جدي يوما بين يدي الرشيد:

هل هيجتك مغاني الحي والدور                      فاشتقت إن الغريب الدار معذور

وهل يحل بنا إذ عيشـنـا أنـق                      بيض أوانس أمثال الدمى حـور والصنعة له خفيف ثقيل فسار إليه إسحاق وسأله أن يعيده إياه، فقال: نعم، حبا وكرامة لك يابن أخي، ولو غيرك يروم ذلك لبعد عليه، وأعاده حتى أخذه إسحاق. فلما انصرف بعث إلى جدي بتخت ثياب وخاتم ياقوت نفيس.

حذثني جحظة قال حدثني القاسم بن زززور عن أبيه عن مولاه علي بن المارقي قال:

 

صفحة : 670

 

قال لي إبراهيم بن المهدي: ويلك يا مارقي، إن يحيى المكي غنى البارحة بحضرة أمير المؤمنين صوتا فيه ذكر زينب، وقد كان النبيذ أخذ مني فأنسيت شعره، فى استعدته إياه فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك علي سبق . فقال لي المارقي وأنا يومئذ غلامه، اذهب إليه فقل له إني أسأله أن يكون اليوم عندي، فمضيت إليه فجئته به. فلما تغدرا وضع النبيذ، فقال له المارقي: إني كنت سمعتك تغني صوتا فيه زينب وأنا أحب أن آخذه منك وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقه من الاستقصاء، فلا يخرج عنه إلا بحذر، ولا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض. قال لي جحظة في هذا الفصل: هذا فديتك، فعل يحيى مع ما أفاده من المال، ومع كرم من عاشره وخدمه من الخلفاء مثل الرشيد والبرامكة وسائر الناس، لا يلام ولا يعاب، ونحن مع هؤلاء السفل إن جئناهم نكارمهم تغافلوا عنا، وإن أعطونا النزر اليسير منوا به علينا وعابونا، فمن يلومي أن، أشتمهم. فقلت: ما عليك لوم. قال: فقال له يحيى: وأي شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت. قال: ما تريد، قال: هذه الزربية الأرمينية، كم تقعد عليها، أما ان لك أن تملها. قال: بلى، وهي لك. قال: وهذه الظباء الحرمية، وأنا مكي لا أنت، وأنا أولى بها، قال: هي لك، وأمر بحملها معه. فلما حصلت له، قال المارقي: يا غلام، هات العود، قال يحيى: والميزان والدراهم، وكان لا يغني أو يأخذ خمسين درهما، فأعطاه إياهاة فألقى عليه قوله:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب                      وقل إن تملينا فما ملك القلـب ولحنه لكردم ثقيل أول، فلم يشك المارقي أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم وأدرك حاجته. فبكر إلى إبراهيم وقد أخذ الصوت، فقال له: قد جئتك بالحاجة. فدعا بالعود فغناه إياه، فقال له: لا والله ما هو هذا، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما. فلما دخل إليه وأكلا وشربا قال له يحيى: قد واليت بين دعواتك لي، ولم تكن برا ولا وصولا، فما هذا? قال: لا شيء والله إلا محبتي للأخذ عنك والاقتباس منك، فقال: سرك الله، فمه. قال: تذكرت الصوت الذي سألتك إياه فإذا ليس هو الذي ألقيت علي. قال: فتريد ماذا. قال: تذكر الصوت. قال: أفعل، ثم اندفع فغناه:

ألمم بزينب إن البين قـد أفـدا                      قل الثواء لئن كان الرحيل غدا والغناء لمعبد ثقيل أول فقال له: نعم، فديتك يا أبا عثمان، هذا هو، ألقه علي، قال: العوض قال: ما، شئت. قال: هذا المطرف الأسود قال: هو لك. فأخذه وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له، وبكر إلى إبراهيم? فقال له: ما وراءك? قال: قد قضيت الحاجة، فدعا له بعود فغناه، فقال: خدعك والله، ليسر هذا هو، فعاود الاحتيال عليه، وكل ما تعطيه إياه ففي ذمتي. فلما كان اليوم الثالث بعث بي إليه، فدعوته وفعلنا مثل فعلنا بالأمس. فقال له يحيى: فمالك أيضا. قال له: يا أبا عثمان، ليس هذا الصوت هو الذي أردت، فقال له: لست أعلم ما في نفسك فأذكره، وإنما علي أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب البتة إلا أحضرتها? فقال: هات على اسم الله، قال: اذكر العوض، قلت: ما شئت، قال: هذه الدراعة الوشي التي عليك، قال: فخذها والخمسين الدرهم، فأحضرها. فالقى عليه والغناء لمعبد ثقيل أول:

لزينب طيف تعتريني طوارقـه                      هدوءا إذا النجم ارجحنت لواحقه فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم فقال له حاجبه: هو متشاغل، فقال: قل له: قد جئتك بحاجتك. فدخل فأعلمه، فقال: يدخل فيغنيه في الدار وهو قائم، فإن كان هو وإلا فليخرج، ففعل? فقال:

ودنياك التي أمسيت فيهـا                      مزايلة الشقيق عن الشقيق ومما قاله في مرثية أهله وذكر الموت وغني فيه - وإنما نذكر منها ما فيه غناء لأنها طويلة:

مالك وضاح دائم الـغـزل                      ألست تخشى تقارب الأجل

صل لذي العرش واتخذ قدما                      تنجيك يوم العثار والزلـل

يا موت ما إن تزال معترضا                      لا مل دون منتهى الأمـل

لو كان من فر منك منفلتـا                      إذا لأسرعت رحلة الجمـل

لكن كفيك نال طولـهـمـا                      ما كل عنه نجـائب الإبـل

 

صفحة : 671

 

 

تنال كفـاك كـل مـسـهـلة                      وخوت بحر ومعقل الوعـل

لولا حذاري من الحتوف فقـد                      أصبحت من خوفها على وجل

لكنت للقلب في الهوى تبـعـا                      إن هواه ربائب الـحـجـل

حرمية تسكن الحجـاز لـهـا                      شيخ غيور يعتل بالـعـلـل

علق قلبي ربيب بـيت مـلـو                      ك ذات قرطين وعثة الكفـل

تفتر عن منطق تـضـن بـه                      يجري رضابا كذائب العسـل أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني سليمان بن أبي أيوب عن مصعب قال: قال وضاح اليمن في حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، وشاهدها بالحجاز قبل أن يشتريها يزيد وتصير إليه، وسمع غناءها فأعجب بها إعجابا شديدا:

يا من لـقـلـب لا يطـي                      ع الزاجـرين ولا يفـيق

تسلو قلوب ذوي الـهـوى                      وهو المكلف والمـشـوق

تبلـت حـبـابة قـلـبـه                      بالدل والشـكـل الأنـيق

وبعـين أحـور يرتـعـي                      سقط الكثيب من العقـيق

مكحولة بالـسـحـر تـن                      شي نشوة الخمر العتـيق

هيفاء إن هـي أقـبـلـت                      لاحت كطالعة الشـروق

والردف مثـل نـقـا تـل                      د فهو زحـلـوق زلـوق

في درة الأصـداف مـع                      تنقا بها ردع الـخـلـوق

داوي هـواي وأطـفـئي                      ما في الفؤاد من الحـريق

وترفقـي أمـلـي فـقـد                      كلفتـنـي مـا لا أطـيق

في القلب منك جـوى الـم                      حب وراحة الصب الشفيق

هذا يقـود بـرمـتـــي                      قودا إلـيك وذا يســوق

يا نفس قد كـلـفـتـنـي                      تعب الهوى منهـا فـذوق

إن كـنــت تـــائقة ل                      حر صبابة منها فـتـوق ومما قاله في روضة وفيه عناء قوله:

يا لقومي لكـثـرة الـعـذال                      ولطيف سرى ملـيح الـدلال

زائر في قصور صنعاء يسري                      كل أرض مخوفة وجـبـال والغناء لابن عباد عن الهشامي رمل - وهذه الأبيات من قصيدة له في روضة طويلة جيدة يقول فيها:

يقـطـع الـحـزن والـمـهـامـه والـبــي                      د ومـن دونـه ثـــمـــان لـــيالـــي

عاتـب فـي الـمـنـام أحـبـب بـعـتـبــا                      ه إلـينـا وقـولــه مـــن مـــقـــال

قالـت أهـلا ومـرحـبــا عـــدد الـــق                      ر وسـهـلا بـطـيف هــذا الـــخـــيال

حبـذا مـن إذا خـلـــونـــا نـــجـــيا                      قال: أهـلـي لـك الـفــداء ومـــالـــي

وهـي الـهـم والـمـنـى وهـوى الـنـــف                      س إذا اعـتـل ذو هـوى بــاعـــتـــلال

قست مـا كـان قـبـلـنـا مـن هـوى الـنـا                      س فـمـا قـسـت حـبـهـا بـمــثـــال

لم أجد حبها يشاكله الحب ولا ونجدنا كوجد الرجال

كل حب إذا استطال سيبلى                      وهـو روضة الـمـنـى غـير بـــالـــي

لم يزده تـــقـــادم الـــعـــهـــد إلا                      جدة عـنـدنـا وحـســـن احـــتـــلال

أيهـا الـعـاذلـون كـيف عــتـــابـــي                      بعـد مـا شـاب مـفـرقـي وقـــذالـــي

كيف عـذلـي عـلـى الـتـي هـي مـنــي                      بمـكـان الـيمـين أخـت الـشـــمـــال

والـذي أحـرمـــوا لـــه وأحـــلـــوا                      بمـنـى صـبـح عـاشـرات الـلــيالـــي

ما مـلـكـت الـهـوى ولا الـنـفـس مـنـي                      منـذ عـلـقـتـهـا فـكـيف احـتـيالـــي

إن نـأت كـان نـأيهـا الـمـوت صـرفـــا                      أو دنـت لـي فـثـم يبـدو خـبـــالـــي

يا بـنة الـمـالـكـي يا بـهـجة الــنـــف                      س أفـي حـبـكـم يحـل اقـتـتـــالـــي

أي ذنـب عـلــي إن قـــلـــت إنـــي                      لأحـب الـحـجـــاز حـــب الـــزلال

لأحـب الـحـجـاز مـن حـب مـن فـــي                      ه وأهـوى حــلالـــه مـــن حـــلال ومما فيه غناء من شعر وضاح:

أيها الناعب مـاذا تـقـول                      فكلانا سـائل ومـسـول

لا كساك الله ما عشت ريشا                      وبخوف بت ثـم تـقـيل

ثم لا أنقفت في العش فرخا                      أبـدا إلا عـلـيك دلـيل

حين تنبى أن هندا قـريب                      يبلغ الحاجات منها الرسول

ونأت هند فخبرت عنـهـا                      أن عهد الود سوف يزول ومنها:

 

صفحة : 672

 

 

حي التي أقصى فؤادك حلـت                      علمت بأنك عاشـق فـأدلـت

وإذا رأتك تقلقلت أحـشـاؤهـا                      شوقا إليك فكثـرت وأقـلـت

وإذا دخلت فاغلقت أبـوابـهـا                      عزم الغيور حجابها فاعتـلـت

وإذا خرجت بكت عليك صبـابة                      حتى تبل دموعها مـا بـلـت

إن كنت يا وضاح زرت فمرحبا                      رحبت عليك بلادنا وأظـلـت الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيها ليحيى المكي ثاني ثقيل بالوسطى، من كتابه. ولابنه أحمد فيها هزج. وذكر حبش أن ليحيى فيها أيضا خفيف ثقيل.

ومنها:

أتعرف أطلالا بميسـرة الـلـوى                      إلى أرعب قد حالفتك به الصبـا

فأهلا وسهلا بالتي حل حـبـهـا                      فؤادي وحلت دار شحط من النوى الغناء فيه هزج يمني بالبنصر عن ابن المكي - وهذه أبيات يقولها لأخيه سماعة، وقد عتب عليه في بعض الأمور. وفيها يقول:

أبـادر درنـوك الأمـير وقـربـه                      لا ذكر في أهل الكرامة والنـهـى

وأتبع القـصـاص كـل عـشـية                      رجاء ثواب الله في عدد الخـطـا

وأمست بقصر يضرب الماء سـوره                      وأصبحت في صنعاء ألتمس النـدى

فمن مبلغ عني سـمـاعة نـاهـيا                      فإن شئت فاقطعنا كما يقطع السلى

وإن شئت وصل الرحم في غير حيلة                      فعلنا وقلنا للذي تشتـهـي بـلـى

وإن شئت صرما للتفرق والـنـوى                      فبعدا، أدام الله تـفـرقة الـنـوى ومنها:

طرق الخيال فمرحبا ألفـا                      بالشاغفات قلوبنا شغـفـا

ولقد يقول لي الطبيب ومـا                      نبأته من شأننـا حـرفـا:

إني لأحـسـب أن داءك ذا                      من ذي دمالج يخضب الكفا

إني أنا الوضاح إن تصلـي                      أحسن بك التشبيب والوصفا

شطت فشف القلب ذكركها                      ودنت فما بذلت لنا عرفـا ومنها: ويروى لبشار-:

يا مرحبا ألفـا وألـفـا                      بالكاسرات إلي طرفـا

رجح الروادف كالظبـا                      تعرضت حوا ووطفـا

أنكرن مركبي الحـمـا                      ر وكن لا ينكرن طرفا

وسألننـي أين الـشـبـا                      ب فقلت بان وكان حلفا

أفنى شبابي فانقـضـى                      حلف النساء تبعن حلفـا

أعطيتـهـن مـودتـي                      فجزينني كذبا وخلـفـا

وقصائد مثـل الـرقـى                      أرسلتهن فكن شغـفـا

أوجعن كـل مـغـازل                      وعصفن بالغيران عصفا

من كل لذات الـفـتـى                      قد نلت نائلة وعـرفـا

صدت الأوانس كالدمـى                      وسقيتهن الخمر صرفـا ومنها:- وهذه القصيدة تجمع نسيبه بمن ذكر وفخره بأبيه وجده أبي جمد-.

 

أغنى على بيضاء تنـكـل عـن بـرد                      وتمشي على هون كمشية ذي الحـرد

وتلبس من بز العـراق مـنـاصـفـا                      وأبراد عصب من مهلهـلة الـجـنـد

إذا قلت يوما نولـينـي تـبـسـمـت                      وقالت لعمر الله لـو أنـه اقـتـصـد

سموت إليها بعد مـا نـام بـعـلـهـا                      وقد وسدته الكف في لـيلة الـصـرد

أشارت بطرف العين أهلا ومرحـبـا                      ستعطى الذي تهوى على رغم من حسد

ألست ترى من حولنـا مـن عـدونـا                      وكل غلام شامـخ الأنـف قـد مـرد

فقلت لها إني امـرؤ فـاعـلـمـنـه                      إذا ما أخذت السيف لم أحفل الـعـدد

بنى لي إسمـاعـيل مـجـدا مـؤثـلا                      وعبد كـلال قـبـلـه وأبـو جـمـد

تطيف علينـا قـهـوة فـي زجـاجة                      تريك جبان القوم أمضى مـن الأسـد ومنها:

يا أيها القلب بعض ما تجد                      قد يعشق القلب ثـم يتـئد

قد يكتم المرء حبه حقـبـا                      وهو عميد وقلبه كـمـد

ماذا تراعون من فتى غزل                      قد تيمته خمـصـانة رؤد

يهددوني كيما أخـافـهـم                      هيهات أنى يهـدد الأسـد ومنها:

صدع البين والتفرق قلبي                      وتولت أم البنين بـلـي

 

صفحة : 673

 

 

ثوت النفس في الحمول لديها                      وتولى بالجسم مني صحبـي

ولقد قلت والمدامع تـجـري                      بدموع كأنها فـيض غـرب

جزعا للفـراق يوم تـولـت:                      حسبي الله ذو المعارج حسبي ومنها:

يا بنة الواحد جـودي فـمـا                      إن تصرميني فبما أو لـمـا

جودي علينا اليوم أو بـينـي                      فيم قتلت الرجل المسلـمـا

إني وأيدي قلـص ضـمـر                      وكل خرق ورد الموسـمـا

ما علق القلب كتعـلـيقـهـا                      واضعة كفا علت معصـمـا

ربة محـراب إذا جـئتـهـا                      لم ألقها أو ارتقي سـلـمـا

إخوتـهـا أربـعة كـلـهـم                      ينفون عنها الفارس المعلمـا

كيف أرجيها ومـن دونـهـا                      بواب سوء يعجل المشتـمـا

أسود هتاك لأعـراض مـن                      مر على الأبواب أو سلـمـا

لا منة أعلم كـانـت لـهـا                      عندي ولا تطلب فينـا دمـا

بل هي لما أن رأت عاشـقـا                      صبا رمته اليوم فيمن رمـى

لما ارتمـينـا ورأت أنـهـا                      قد أثبتت في قلبه أسـهـمـا

أعجبهـا ذاك فـأبـدت لـه                      سنتها البيضاء والمعصـمـا

قامت تراءى لي على قصرها                      بين جوار خرد كـالـدمـى

وتعقد المرط على جـسـرة                      مثل كثيب الرمل أو أعظمـا ومنها:

دعاك من شوقك الدواعي                      وأنت وضاح ذو أتبـاع

دعتك مـيالة لـعـوب                      أسيلة الخد بالـلـمـاع

دلالك الحلو والمشـهـي                      وليس سريك بالمضـاع

لا أمنع النفس عن هواها                      وكل شيء إلى انقطـاع ومنها:

ألا يا لقومي أطلقوا غل مـرتـهـن                      ومنوا على مستشعر الهم والحـزن

تذكر سلمى وفـي نـازحة فـحـن                      وهل تنفع الذكرى إذا اغترب الوطن

ألم ترها صفراء رؤدا شـبـابـهـا                      أسيلة مجرى الدمع كالشادن الأغـن

وأبصرت سلمى بين بردي مراجـل                      وأراد عصب من مهلهـلة الـيمـن

فقلت لها لا ترتقي السطـح إنـنـي                      أخاف عليكم كل ذي لـمة حـسـن الغناء لابن سريج، وله في هذا الشعر لحنان: ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، ورمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وأول الرمل قوله:

ألا يا لقومي أطلقوا غل مرتهن وأول الثقيل الأول: تذكر سلمى. وفي هذه الأبيات هزج يمني بالبنصر.

ومنها:

أغدوت أنم في الرائحين تروح                      أم أنت من ذكر الحسان صحيح

إذ قالت الحسناء ما لصديقـنـا                      رث الثياب وإنـه لـمـلـيح

لا تسألن عن الثياب فـإنـنـي                      يوم اللقاء على الكماة مشـيح

أرمي وأطعن ثم اتبع ضـربة                      تدع النساء على الرجال تنـوح

يا صـاح إنـي قـد حـجـج                      ت صت وزرت بيت المقدس

وأتـيت لـدا عـــامـــدا                      في عـيد مـريا سـرجـس

فرأيت فــيه نـــســـوة                      مثل الـظـبـاء الـكـنـس الشعر والغناء للمعلى بن طريف مولى المهدي. ولحنه المختار خفيف رمل بالبنصر. وكان المعلى بن طريف وأخوه ليث مملوكين مولدين من مولدي الكوفة لرجل من أهلها، فاشتراهما علي بن سليمان وأهداهما إلى المنصور، فوهبهما المنصور للمهدي فأعتقهما. ونهر المعلى وربض المعلى ببغداد منسوب إلى المعلى - هكذا ذكر ذلك ابن خرداذبه - وكان ضاربا محسنا طيب الصوت حسن الأداء صالح الصنعة، أخذ الغناء عن إبراهيم وابن جامع وحكم الوادي. وولي أخوه ليث السند، وولي هو الطراز والبريد بخراسان، وقاتل يوسف البرم فهزمه، ثم ولي الأهواز بعد ذلك. فقال فيه بعض الشعراء يمدحه ويمدح أخاه الليث ويهجو علي بن صالح صاحب المصلى:

يا علي بن صالح ذا المصلـى                      أنت تفدي ليثا وتفدي المعلـى

سد ليث ثغرا ووليت فاخـتـن                      ت فبئس المولى وبئس المولى

 

صفحة : 674

 

وعلي بن سليمان هذا الذي أهدى المعلى وأخاه إلى المهدي هو الذي يقول فيه أبو دلامة زند بن الجون الأسدي؛ وكان خرج مع المهدي إلى الصيد، فرمى المهدي وعلي بن سليمان ظبيا سنح لهما، وقد أرسلت عليه الكلاب، بسهمين، فأصاب المهدي الظبي وأصاب علي بن سليمان الكلب فقتلاهما. فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبيا                      شك بالسهم فـؤاده

وعلي بن سـلـيمـا                      ن رمى كلبا فصاده

فهنيئا لهمـا كـل ام                      رىء يأكــل زاده حدثنا بذلك الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب، وعن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن.

 

ألا طرد الهوى عني رقادي                      فحسبي ما لقيت من السهاد

لعبدة إن عبدة تـيمـتـنـي                      وحلت من فؤادي في السواد الشعر لبشار.

والغناء المختار في هذين البيتين هزج خفيف بالبنصر، ذكر يحيى بن علي أنه يمني، وذكر الهشامي أنه لسليم.

 

أخبار بشار وعبده خاصة

إذ كانت أخباره سوى هذه تقدمت

حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني عمن حدثه عن الأصمعي هكذا قال، وأخبرني به عمي عن عبد الله بن أبي سعد عن علي بن مسرور عن الأصمعي قال: كان لبشار مجلس يجلس فيه يقال له البردان. فبينا هو في مجلسه ذات يوم وكان النساء يحضرنه، إذ سمع كلام امرأة يقال لها عبدة في المجلس، فدعا غلامه فقال: إني قد علقت امرأة، فإذا تكلمت فانظر من هي وأعرفها، فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأعلمها أنني لها محب وأنشدها هذه الأبيات وعرفها أني قلتها فيها:

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم                      الأذن كالعين توفي القلب ما كان

ما كنت أول مشغوف بـجـارية                      يلقى بلقيانها روحـا وريحـانـا ويروى: هل من دواء لمشغوف بجارية-:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة                      والأذن تعشق قبل العين أحيانا غنى إبراهيم في هذه الأبيات ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. وفيها لسياط ثقيل أول بالوسطى، عن عمرو.

وفيها لإسحاق هزج من جامع أغانيه - قال: فأبلغها الغلام الأبيات، فهشت لها، وكانت، تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها ولا تطمعه في نفسها. قال: وقال فيها:

قالت عقيل بن كعب إذ تعلقـهـا                      قلبي فأضحى به من حبهـا أثـر

أنى ولم ترها تهذي فقلت لـهـم                      إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر

أصبحت كالحائم الحران مجتنـبـا                      لم يقض وردا ولا يرجى له صدر قال: وقال فيها أيضا- وهو من جيد ما قال فيها-:

يزهدني في حب عبدة مـعـشـر                      قلوبهم فيها مخـالـفة قـلـبـي

فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتض                      فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحـب

فما تبصر العينان في موضع الهوى                      ولا تسمع الأذنان إلا من القـلـب

وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا                      وألف بين العشق والعاشق الصب قال: وقال فيها:

يا قلب مـا لـي أراك لا تـقـر                      إياك أغني وعنـدك الـخـبـر

أضعت بين الألى مضوا حـرقـا                      أم ضاع ما استودعوك إذ بكروا?

فقال بعض الحديث يشغـفـنـي                      والقلب راء ما لا يرى البصـر وأخبرني بهذا الخبر أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا خالد بن يزيد بن وهب عن جرير عن أبيه بمثل هذه القصة، وزاد فيها: أن عبدة جاءت إليه في نسوة خمس قد مات لإحداهن قريب فسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به، فوافينه وقد احتجم - وكان له مجلسان: مجلس يجلس فيه غدوة يسميه البردان ومجلس يجلس فيه عشية يسميه الرقيق - وهو جالس في البردان وقد قال لغلامه: أمسك علي بابي واطبخ لي وهيئ طعامي وطيبه وصف نبيذي.

 

 

صفحة : 675

 

قال: فإنه لكذلك إذا قرع الباب عليه قرعا عنيفا? فقال: ويحك يا غلام انظر من يدق الباب دق الشرط? فنظر الغلام وجاءه فقال: خمس نسوة بالباب يسألنك أن تقول شعرا ينحن فيه؛ فقال: أدخلهن. فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه؛ في جانب بيته، فقالت إحداهن: خمر؛ وقالت الأخرى: زبيب، وقالت الأخرى: معسل. فقال: لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي. فتماسكن ساعة، وقالت إحداهن: فما عليكن من ذلك هذا أعمى، كلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره، ففعلن.

وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه وهتف به. فبلغ ذلك بشارا، وكان الحسن يلفب القس، فقال فيه بشار:

لما طلعن مـن الـرقـي                      ق علي بالبردان خمسـا

وكـأنـهــن أهـــلة                      تحت الثياب زففن شمسـا

باكـرن طـيب لـطـيمة                      رعمسن في الجادي عمسا

فسألنني من فـي الـبـيو                      ت فقلت ما يحوين إنسـا

ليت العـيون الـنـاظـرا                      ت طمسن عنا اليوم طمسا

فأصبن من طرف الحـدي                      ث لذاذة وخرجن ملـسـا

لو لا تعـرضـهـن لـي                      يا قس كنت كأنت قـسـا أخبرني الأسدي ويحيى بن علي بن يحيى ومحمد بن عمران الصيرفي قالوا حدثنا العنزي قال حدثنا علي بن محمد عن جعفر بن محمد النوفلي قال: أتيت بشارا ذات يوم، فقال لي: ما شعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح؛ فقلت: يا جارية، انظري من هذا؛ فقالت: مالك بن دينار؛ فقلت: مالي ولمالك بن دينار ما هو من أشكالي ائذني له. فدخل فقال لي: يا أبا معاذ، أتشتم أعراض الناس وتشبب بنسائهم فلم يكن عندي إلا دفعه عن نفسي بأن قلت: لا أعاود؛ فخرج من عندي. وقلت في إثره:

غدا مالـك بـلامـاتـه                      علي وما بات من باليه

فقلت دع اللوم في حبها                      فقبلك أعييت عـذالـيه

وإني لأكتمهم سـرهـا                      غداة تقول لها الجالـيه

أعبدة مالك مـسـلـوبة                      وكنت مقرطقة حالـيه

فقالت على رقبة: إننـي                      رهنت المرعث خلخاليه

بمجلس يوم سأوفي بـه                      وإن أنكر الناس أحواليه أخبرني وكيع قال حدثني عمرو بن محمد بن عبد الملك قال حدثني الحسن بن جهور قال حدثني هشام بن الأحنف، راوية بشار، قال: إني لعند بشار ذات يوم إذ أتته امرأة فقالت: يا أبا معاذ، عبدة تقرئك السلام وتقول لك: قد اشتد شوقنا إليك ولم نرك منذ أيام؛ فقال: عن غير مقلية والله كان ذاك.

ثم قال لراويته: يا هشام، خذ الرقعة واكتب فيها ما أقول لك ثم ادفعه للرسول. قال هشام: فأملى علي:

عبد إني إليك بالأشواق لتلاق                      وكيف لـي بـالـتـلاقـي

أنا والله أشتهي سحر عـينـي                      ك وأخشى مصارع العشـاق

وأهاب الحرسي محتسب الجن                      د يلف البريء بالـفـسـاق ومما يغني فيه من شعر بشار في عبدة قوله:

لعبدة دار ما تكلـمـنـا الـدار                      تلوح مغانيها كما لاح أسطـار

أسائل أحجارا ونؤيا مـهـدمـا                      وكيف يجيب القول نؤي وأحجار

وما كلمتني دارها إذ سألـتـهـا                      وفي كبدي كالنفط شبت به النار

وعند مغاني دارها لو تكلـمـت                      لمكتئب بادي الصبابة أخـبـار الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثقيل أول عن الهشامي. ومن هذه القصيدة:

تحمل جيراني فعينـي لـبـينـهـم                      تفيض بتهـتـان إذا لاحـت الـدار

بكيت على من كنت أحظى بقـربـه                      وحق الذي حاذرت بالأمس إذ ساروا الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالبنصر.

ومن الأغاني في شعره في عبدة:

مسني من صدود عـبـدة ضـر                      فبنات الفؤاد مـا تـسـتـقـر

ذاك شيء في القلب من حب عب                      دة بـاد وبـاطـن يسـتـسـر الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لإسحاق رمل بالبنصر عن عمرو. وفيه لحكم ثقيل أول بالوسطى من جامع غنائه في كتاب إبراهيم.

 

 

صفحة : 676

 

وفيه لفريدة خفيف ثقيل عن إسحاق. وفيه ليحيى المكي ثقيل أول من كتابه. وفيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.

ومنها:

يا عبد إني قد ظلمت وإنني                      مبد مقالة راغب أو راهب

وأتوب مما تكرهين لتقبلي                      والله يقبل حسن فعل التائب الغناء لحكم خفيف ثقيل عن إسحاق.

وفيه ليحيى المكي ثقيل أول من كتابه. وفيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.

ومنها:

يا عبد حبك شفني شـفـا                      والحب داء يورث الحتفا

والحب يخفيه المحب، لكي                      لا يستراب به، وما يخفى الغناء لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:

يا عبد بالله فرجـي كـربـي                      فقد براني وشفني نـصـبـي

وضقت ذرعا بما كلفـت بـه                      من حبكم والمحب في تعـب

ففرجي كربة شجـيت بـهـا                      وحر حزن في الصدر كاللهب

ولا تظني ما أشتكي لـعـبـا                      هيهات قد جل ذا عن اللعـب غناه سياط ثقيلا أول بالبنصر عن عمرو.

ومنها:

يا عبد زوريني تكن مـنة                      لله عـنـدي يوم ألـقـاك

والله ثم الله فاستـيقـنـي                      إني لأرجوك وأخـشـاك

يا عبد إني هالك مـذنـف                      إن لم أذق بـرد ثـنـاياك

فلا تردي عاشقا مدنـفـا                      يرضى بهذا القدر من ذاك الغناء لحكم هزج خفيف بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:

يا عبد قد طال المطال فأنعمي                      واشفي فؤاد فتى يهيم متـيم الغناء ليزيد حوراء غير مجنس عن إبراهيم.

ومنها:

يا عبد هل للقاء من سبـب                      أو لا فأدعو بالويل والحرب الغناء ليزيد حوراء غير مجنس ومنها:

يا عبد هل لي منكم من عـائد                      أم هل لديك صلاح قلب فاسد الغناء لا بن عباد عن إبراهيم غير مجنس.

ومنها:

يا عبـد حـيي عـن قـريب                      وتأملـي عـين الـرقـيب

وارعـي ودادي غـائبـــا                      فلقد رعيتك في المـغـيب

أشـكـو إلـيك وإنـمـــا                      يشكو المحب إلى الحـبـيب

غرضي إليك مـن الـهـوى                      غرض المريض إلى الطبيب الغناء لحكم مطلق في مجرى البنصر.

ومنها:

يا عبد بالله ارحمي عبدك                      وعلليه بمنـى وعـدك

يصبح مكروبا ويمسي به                      وليس يدري ماله عندك

ماذا تقولين لرب العـلا                      إذا تخليت بـه وحـدك الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.

وفيه لإسحاق هزج من جامع أغانيه. وفيه ليزيد حوراء لحن ذكره إبراهيم ولم يجنسه.

وذكر حبشى أن الثقيل الثاني لسياط.

ومنها:

يا عند جلي كروبي                      وأسعفي وأثيبـي

فقد تطاول همـي                      وزفرتي ونحـيى الغناء لابن سكرة عن إبراهيم ولم يجنسه.

ومنها:

يا عبد أنت ذخيرتـي                      نفسي فدتك وجيرتي

الله يعـلـم فـيكـم                      يا عبد حسن سريرتي

نفسي لنفسـك خـلة                      وكذاك أنت أميرتـي الغناء لحكم الوادي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو.

ومنها:

يا عبد حبي لـك مـسـتـور                      وكـل حـب غــيره زور

إن كان هجري سركم فاهجروا                      إني بمـا سـرك مـسـرور الغناء لحكم هزج بالوسطى عن ابن المكي.

ومنها:

لم يطل ليلي ولكـن لـم أنـم                      ونفى عني الكرى طيف ألم

وإذا قلت لها جـودي لـنـا                      خرجت بالصمت عن لا ونعم

رفهي يا عبد عني واعلمـي                      أنني يا عبد من لـحـم ودم

إن في بردي جسما نـاحـلا                      لو توكأت علـيه لانـهـدم

ختم الحب لها في عـنـقـي                      موضع الخاتم من أهل الذمم الغناء لحكم هزج بالسبابة والوسطى عن ابن المكي. وذكره إسحاق في هذه الطريقة فلم ينسبه إلى أحد. وفيه لعثعث الأسود خفيف رمل في الأول والخامس.

وكان بشار ينكر هذا البيت الأخير وهو:

ختم الحب لها في عنقي أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني أبو حاتم السجستاني قال حدثني من أنشد بشارا قوله:

لم يطل ليلي ولكن لم أنم حتى بلغ إلى قوله:

 

صفحة : 677

 

 

ختم الحب لها في عنـقـي                      موضع الخاتم من أهل الذمم فقال بشار: عمن أخذت هذا? قلت: عن راويتك فلان؛ فقال: قبحه الله والله ما قلت هذا البيت قط، أما ترى إلى أثره فيه ما أقبحه وأشد تميزه عني فقال له بعض من حضر: نعم، هو ألحقه بالأبيات.

ومنها:

عبد إني قد اعتـرفـت بـذنـبـي                      فاغفري واعركي خطاي بجنـب

عبد لا صبر لي ولست فـمـهـلا                      قائلا قد عتبت في غـير عـتـب

ولقد قلت حين أنصـبـنـي الـح                      ب فأبلى جسمي وعذب قـلـبـي

رب لا صبر لي على الهجر حسبي                      أقلني حسبي لك الحمد حسـبـي الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو.

وفيه لسليم هزج من كتاب ابن المكي.

ومنها:

عبد منى وأنعـمـى                      قد ملكـتـم قـياديه

شاب رأسي ولم تشب                      ابـلائي لـداتــيه الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لعريب هزج.

ومنها:

عبد يا همتي عليك السـلام                      فيم يجفى حبيبك المستهـام

نزل الحب منزلا في فؤادي                      وله فيه مجلس ومـقـام الغناء لأبي زكار خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لعريب هزج.

ومنها:

عبد يا قـرة عـينـي                      أنصفي، روحي فداك

عاشق لـيس لـه ذك                      ر ولا هـم سـواك الغناء لعريب هزج. وفيه لحن ليزيد حوراء غير مجنس.

ومنها:

يا عبد يا جافية قاطـعـه                      أما رحمت المقلة الدامعه

يا عبد خافي الله في عاشق                      يهواك حتى تقع الواقعـه الغناء لأبي زكار هزج بالبنصر عن عمرو.

 

أرسلت أم جعـفـر لا تـزور                      ليت شعري بالغيب من ذا دهاها

أ أتاهـا مـحـرش بـنـمـيم                      كاذب مـا أراد إلا رداهـــا روضه من الخفيف- الشعر للأحوص. والغناء لأم جعفر المدنية مولاة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ولحنه من الثقيل الأول في مجرى البنصر عن إسحاق.

وذكر عمرو بن بانة أن فيه لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، فلا أعلم أهذا يعني أم غيره.

وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن يحيى المكي وإسحاق.

وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو والهشامي.

 

أخبار الأحوص مع أم جعفر

وقد ذكرت أخبار الأحوص متقدما إلا أخباره مع أم جعفر التي قال فيها هذا الشعر فإنها أخرت إلى هذا الموضع. وأم جعفر هذه امرأة من الأنصار من بني خطمة، وهي أم جعفر بنت عبد الله بن عرفطة بن قتادة بن معد بن غياث بن رزاح بن عامر بن عبد الله بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس. وله فيها أشعار كثيرة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم ومحمد بن يحيى الطلحي عن عبد العزيز بن أبي ثابت، وأخبرني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال حدثني أحمد بن زهير عن مصعب، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن المحرز بن جعفر الدوسي، قالوا جميعا: لما أكثر الأحوص التشبيب بأم جعفر وشاع ذكره فيها توعده أخوها أيمن وهدده فلم ينته، فاستعدى عليه والي المدينة - وقال الزبير في خبره: فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز فربطهما في حبل ودفع إليهما سوطين وقال لهما: تجالدا؛ فتجالدا فغلب أخوها.

وقال غير الزبير في خبره: وسلح الأحوص في ثيابه وهرب وتبعه أخوها حتى فاته الأحوص هربا. وقد كان الأحوص قال فيها:

لقد منعت معروفها أم جعـفـر                      وإني إلى معروفها لـفـقـير

وقد أنكرت بعد اعتراف زيارتي                      وقد وغرت فيها علي صـدور

أدور ولولا أن أرى أم جعفـر                      بأبياتكم مـا درت حـيث أدور

أزور البيوت اللاصقات ببيتهـا                      وقلبي إلى البيت الذي لا أزور

وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى                      إذا لم يزر لا بـد أن سـيزور

أزور على أن لست أنفك كلمـا                      أتـيت عـدوا بـالـبـنــان يشير فقال السائب بن عمرو، أحد بني عمرو بن عوف، يعارض الأحوص في هذه الأبيات ويعيره بفراره:

لقد منع المعروف من أم جعفر                      أخو ثقة عند الجلاد صـبـور

 

صفحة : 678

 

 

علاك بمتن السوط حتى اتقيته                      بأصفر من ماء الصفاق يفور فقال الأحوص:

إذا أنا لم أغفر لأيمـن ذنـبـه                      فمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعي

أريد انتقام الذنب ثم تـردنـي                      بد لأدانيه مبـاركة عـنـدي وقال الزبير في خبره خاصة: وإنما أعطاهما عمر بن عبد العزيز السوطين وأمرهما أن يتضاربا بهما اقتداء بعثمان بن عفان؛ فإنه كان لما تهاجى سالم بن دارة ومرة ابن واقع الغطفاني الفراري لزهما عثمان بحبل وأعطاهما سوطين فتجالدا بهما.

وقال عمر بن شبة في خبره: وقال الأحوص فيها أيضا - وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذه الأبيات وزاد فيها على رواية عمر بن شبة بيتين فأضفتهما إليها-:

وإني ليدعوني هوى أم جعـفـر                      وجاراتها من سـاعة فـأجـيب

وإني لآتي البيت مـا إن أحـبـه                      وأكثر هجر البيت وهو حبـيب

وأغضي على أشياء منكم تسوءني                      وأدعى إلى ما سركم فـأجـيب

هبيني امرأ إما بريئا ظلـمـتـه                      وإما مسيئا مـذنـبـا فـيتـوب

فلا تتركي نفسي شعاعا فإنـهـا                      من الحزن قد كادت عليك تذوب

لك الله إني واصل ما وصلتنـي                      ومثن بما أوليتـنـي ومـثـيب

وآخذ ما أعطيت عفوا وإنـنـي                      لأزور عما تكـرهـين هـيوب هكذا ذكره الأخفش في هذه الأبيات الأخيرة، وهي مروية للمجنون في عدة روايات؛ وهي بشعره أشبه.

وفي هذه الأشعار التي مضت أغان نسبتها:

أدور ولولا أن أرى أم جعفر                      بأبياتكم ما درت حيث أدور

أدور على أن لست أنفك كلما                      أتيت عدوا بالبـنـان يشـير الغناء لمعبد، وله فيه لحنان: ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن عمرو.

ولإسحاق فيهما وفي قوله:

أزور البيوت اللاصقات ببيتها وبعده:

أدور ولولا أن أرى أم جعفر لحن من الرمل. وفي البيتين اللذين فيهما غناء معبد للغريض ثقيل أول عن الهشامي، ولإبراهيم خفيف ثقيل. وفيه لحن لشارية عن ابن المعتز ولم يذكر طريقته.

 

إذا أنا لم أغفر لأيمـن ذنـبـه                      فمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعدي

أريد مكافأة لـه وتـصـدنـي                      يد لأدانيه مـبـاركة عـنـدي الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي، وذكر غيره أنه منحول يحيى إلى معبد.

وفيه ثقيل ينسب إلى عريب ورونق.

ومنها وهو:

وإنـي لآتـي الـبــيت مـــا إن أحـــبـــه                      وأكـثـر هـجـر الـبـيت وهـو حـــبـــيب

وأغـضـي عـلـى أشـياء مـنـكـم تـسـوءنـي                      وأدعـى إلـى مـا سـركـــم فـــأجـــيب

ومـا زلـت مـن ذكـراك حـتـى كـأنــنـــي                      أمـيم بـــأفـــياء الـــديار ســـلـــيب

أبـثـك مـا ألـقـى وفـي الـنـفــس حـــاجة                      لهـا بـين جـلـدي والـعـــظـــام دبـــيب

لك الله إني واصل ما وصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب

وآخذ ما أعطيت عفوا وإنني                      لأزور عـمـا تـــكـــرهـــين هـــيوب

فلا تـتـركـي نـفـسـي شـعـاعـا فـإنـهــا                      من الـحـزن قـد كـادت عـلـــيك تـــذوب الشعر للأحوص. ومن الناس من ينسب البيت الخامس وما بعده إلى المجنون. والغناء في اللحن المختار لدحمان، وهو ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر.

وذكر الهشامي أن في الأبيات الأربعة لابن سريج لحنا من الثقيل الأول، فلا أعلم ألحن دحمان عنى أم ثقيلا آخر. وفي:

لك الله إني واصل ما وصلتني                      ومثن بما أوليتني ومـثـيب لإسحاق ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن حسن؛ قال الزبير وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن محرز: أن أم جعفر لما أكثر الأحوص في ذكرها جاءت منتقبة، فوقفت عليه في مجلس قومه ولا يعرفها، وكانت امرأة عفيفة؛ فقالت له: اقض ثمن الغنم التي ابتعتها مني؛ فقال: ما ابتعت منك شيئا. فأظهرت كتابا قد وضعته. عليه وبكت وشكت حاجة وضرا وفاقة وقالت: يا قوم، كلموه. فلامه قومه وقالوا: اقض المرأة حقها؛ فجعل يحلف أنه ما رآها قط ولا يعرفها.

 

 

صفحة : 679

 

فكشفت وجهها وقالت: ويحك أما تعرفني فجعل يحلف مجتهدا أنه ما يعرفها ولا رآها قط. حتى إذا استفاض قولها وقوله واجتمع الناس وكثروا وسمعوا ما دار وكثر لغطهم وأقوالهم، قامت ثم قالت: أيها الناس، أسكتوا. ثم أقبلت عليه وقالت: يا عدو الله صدقت، والله ما لي عليك حق ولا تعرفني، وقد حلفت على ذلك وأنت صادق، وأنا أم جعفر وأنت تقول: قلت لأم جعفر وقالت لي أم جعفر في شعرك فخجل الأحوص وانكسر عن ذلك وبرئت عندهم.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير، وأخبرني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا ثعلب قال حدثنا الزبير عن عبد الملك بن عبد العزيز قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول الأحوص:

لقد منعت معروفها أم جعفر                      وإني إلى معروفها لفقـير فلما انتهيت إلى قوله:

أزور على أن لست أنفك كلما                      أتيت عدوا بالبـنـان يشـير أعجبه ذلك وطرب وقال: أتدري يا بن أخي كيف كانوا يقولون الساعة دخل، الساعة خرج، الساعة مر، الساعة رجع، وجعل يومئ بإبهاميه إلى وراء منكبيه وبسبابته إلى حيال وجهه ويقلبها، يحكي ذهابه ورجوعه.

 

صاح قد لمت ظالما                      فانظر ان كنت لائما

هل ترى مثل ظبـية                      قلدوها التـمـائمـا الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء في اللحن المختار لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

وأخبرني ذكاء وجه الرزة أن فيه لعريب رملا بالبنصر، وهو الذي فيه سجحة. وفيه لابن المكي خفيف ثقيل آخر بالوسطى. وزعم الهشامي أن فيه خفيف رمل بالوسطى لابن سريج، وقد سمعها ممن يغنيه.

وذكر حبش أن فيه رملا آخر للغريض. ولعاتكة بنت شهدة فيه خفيف ثقيل، وهو من جيد صنعتها، وذكر جحظة عن أصحابه أن لحنها الرمل هو اللحن المختار، وأن إسحاق كان يقدمها ويستجيدها، ويزعم أنه أخذه عنها.

وقال ابن المعتز: حدثني أبو عبد الله الهشامي: أن عريب صنعت فيه لحنها الرمل بعد أن أفضت الخلافة إلى المعتصم، فأعجبه وأمرها أن تطرحه على جواريه، ولم أسمع بشرا قط غناه أحسن من خشف الواضحية.

وكل أخبار هؤلاء المغنين قد ذكرت، أو لها موضع تذكر فيه، إلا عاتكة بنت شهدة فإن أخبارها تذكر هاهنا؛ لأنه ليس لها شيء أعرفه من الصنعة فأذكره غير هذا.

وقد ذكر جحظة عن أصحابه أن لحنها هو المختار فوجب أن نذكر أخبارها معه أسوة غيرها.

كانت عاتكة بنت شهدة مدنية. وأنها شهدة جارية الوليد بن يزيد، وهو الصحيح. وكانت شهدة مغنية أيضا.

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا العلاء قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي عن بعض المغنين قال: كنا ليلة عند الرشيد ومعنا ابن جامع والموصلي وغيرهما، وعنده في تلك الليلة محمد بن داود بن إسماعيل بن علي؛ فتغنى المغنون، ثم اندفع محمد بن داود فغناه بين أضعافهم:

أم الوليد سلبتني حـلـمـي                      وقتلتني فتخوفي إثـمـي

بالـلـه يا أم الـولـيد أمـا                      تخشين في عواقب الظلـم

وتركتني أبغي الطبيب وما                      لطبيبنا بالداء مـن عـلـم

خافي إلهك في ابن عمك قد                      زودته سقما على سـقـم قال: فاستحسن الرشيد الصوت واستحسنه جميع من حضره وطربوا له. فقال له الرشيد: يا حبيبي، لمن هذا الصوت? فقال: يا أمير المؤمنين، سل هؤلاء المغنين لمن هو.

فقالوا: والله ما ندري، وإنه لغريب.

فقال: بحياتي لمن هو? فقال: وحياتك ما أدري إلا أني أخذته من شهدة جارية الوليد أم عاتكة بنت شهدة. هذا الشعر المذكور لابن قيس الرقيات، والغناء لأبن محرز، وله فيه لحنان، أحدهما ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه لسليم خفيف رمل بالبنصر. ولحسين بن محرز ثقيل أول عن الهشامي وحبش.

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أنه ذكر عاتكة بنت شهدة يوما فقال: كانت أضرب من رأيت بالعود؛ ولقد مكثت سبع سنين أختلف إليها في كل يوم فتضاربني ضربا أو ضربين، ووصل إليها مني ومن أبي أكثر من ثلاثين ألف درهم بسببي: دراهم وهدايا.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق قال:

 

صفحة : 680

 

كانت عاتكة بنت شهدة أحسن خلق الله غناء وأرواهم، وماتت بالبصرة. وأمها شهدة نائحة من أهل مكة. وكان ابن جامع يلوذ منها بكثرة الترجيع.

فكان إذا أخذ يتزايد في غنائه قالت له: إلى أين يا أبا القاسم ما هذا الترجيع الذي لا معنى له عد بنا إلى معظم الغناء ودع من جنونك. فأضجرته يوما بين يدي الرشيد فقال لها: إني أشتهي، علم الله، أن تحتك شعرتي بشعرتك. فقالت: اخسأ، قطع الله ظهرك ولم تعد لأذاه بعدها.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: قال لي علي بن جعفر بن محمد: دخلت على جواري المرواني المغنيات بمكة، وعاتكة بنت شهدة تطارحهن لحنها:

يا صاحبي دعا الملامة واعلما                      أن الهوى يدع الكرام عبـيدا فجعلت واحدة منهن تقول: يدع الرجال عبيدا. فصاحت بها عاتكة بنت شهدة: ويلك بندار الزيات العاض بظر أمه رجل أفمن الكرام هو. قال: فكنت إذا مر بي بندار أو رأيته غلبني الضحك فأستحيى منه وآخذ بيده وأجعل ذلك بشاشة؛ حتى أورث هذا بيني وبينه مقاربة؛ فكان يقول: أبو الحسن علي بن جعفر صديق لي.

وكان مخارق مملوكا لعاتكة، وهي علمته الغناء ووضعت يده على العود، ثم باعته؛ فانتقل من ملك رجل إلى ملك آخر حتى صار إلى الرشيد. وقد ذكر ذلك في أخباره.

 

ولو أن ما عند ابن بجرة عندها                      من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل

لعمري لأنت البيت أكرم أهله                      وأقعد في أفيائه بـالأصـائل عروضه من الطويل. الشعر لأبي ذؤيب الهذلي. والغناء لحكم الوادي، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها.

ابن بجرة هذا، فيما ذكره الأصمعي، رجل كان يبيع الخمر بالطائف، وزعم أن الناطل كوز تكال به الخمر. وقال ابن الأعرابي: ليس هذا بشيء، وزعم أن الناطل: الشيء؛ يقال: ما في الإناء ناطل، أي شيء. وقال أبو عمرو الشيباني: سمعت الأعراب يقولون: الناطل: الجرعة من الماء واللبن والنبيذ. انتهى.

 

ذكر أبي ذؤيب وخبره ونسبه

هو خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار. وهو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم فحسن إسلامه. ومات في غزاة إفريقية.

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال: كان أبو ذؤيب شاعرا فحلا لا غميزة فيه ولا وهن.

وقال ابن سلام: قال أبو عمرو بن العلاء: سئل حسان بن ثابت: من أشعر الناس? قال: أحيا أم رجلا? قالوا: حيا؛ قال: أشعر الناس حيا هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب.

قال ابن سلام: ليس هذا من قول أبي عمرو ونحن نقوله.

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني محمد بن معاذ العمري قال: في التوراة: أبو ذؤيب مؤلف زورا، وكان اسم الشاعر بالسريانية مؤلف زورا. فأخبرت بذلك بعض أصحاب العربية، وهو كثير بن إسحاق، فعجب منه وقال: قد بلغني ذاك. وكان فصيحا كثير الغريب متمكنا في الشعر.

قال أبو زيد عمر بن شبة: تقدم أبو ذؤيب جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي يرثي فيها بنيه. يعني قوله:

أمن المنون وريبه تـتـوجـع                      والدهر ليس بمعتب من يخزع وهذه يقولها في بنين له خمسة أصيبوا في عام واحد بالطاعون ورثاهم فيها.

وسنذكر جميع ما يغنى فيه منها على أثر أخباره هذه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزبيري، وأخبرني حرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان أبو ذؤيب الهذلي خرج في جند عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي إلى إفريقية سنة ست وعشرين غازيا إفرنجة في زمن عثمان.

فلما فتح عبد الله بن سعد إفريقية وما والاها بعث عبد الله بن الزبير - وكان في جنده- بشيرا إلى عثمان بن عفان، وبعث معه نفرا فيهم أبو ذؤيب.

ففي عبد الله يقول أبو ذؤيب:

فصاحب صدق كسيد الـضـرا                      ء ينهض في الغزو نهضا نجيحا في قصيدة له.

 

 

صفحة : 681

 

فلما قدموا مصر مات أبو ذؤب بها. وقدم ابن الزبير على عثمان، وهو يومئذ، في قول ابن الزبير، ابن ست وعشرين سنة؛ وفي قول الواقدي ابن أربع وعشرين سنة. وبشر عبد الله عند مقدمه بخبيب بن عبد الله بن الزبير وبأخيه عروة. بن الزبير، وكانا ولدا في ذلك العام، وخبيب أكبرهما. قال مصعب: فسمعت أبي والزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يقولان: قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير صاحب إفريقية وهو ملك إفرنجة في عشرين ألفا ومائة ألف ونحن في عشرين ألفا؛ فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو يفكر. قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم، رأيته على برذون أشهب خفف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان له تظلانه من الشمس بريش الطواويس. فجئت فسطاط عبد الله فطلبت الإذن عليه من حاجبه؛ فقال: إنه في شأنكم وإنه قد أمرني أن امسك الناس عنه. قال: فدرت فأتيت مؤخر فسطاطه فرفعته ودخلت عليه، فإذا هو مستلق على فراشه؛ ففزع وقال: ما الذي أدخلك علي يا بن الزبير? فقلت: إيه وإيه كل أزب نفور إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة فيه وخشيث فواتها، فاخرج فاندب الناس إلي. قال: وما هي? فأخبرته؛ فقال: عور لعمري ثم خرج فرأى ما رأيت؛ فقال: أيها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا، وقلت: إني حامل اضربوا عن ظهري فإني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى.

فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبوا عني حتى خرقتهم إلى أرض خالية، وتبينته فصمدت صمده؛ فوالله ما حسب إلا أني رسول ولا ظن أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من أثر السلاح، فثنى بزذونه هاربا، فأدركته فطعنته فسقط، ورميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يد إحداهما. وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فقتلوهم كيف شاءوا، وكانت الهزيمة.

فقال لي عبد الله بن سعد: ما أحد أحق بالبشارة منك، فبعثني إلى عثمان. وقدم مروان بعدي على عثمان حين اطمأنوا وباعوا المغنم وقسموه.

وكان مروان قد صفق على الخمس بخمسمائة ألف، فوضعها عنه عثمان، فكان ذلك مما تكلم فيه بسببه.

فقال عبد الرحمن بن حنبل بن مليل - وكان هو وأخوه كلدة أخوي صفوان بن أمية بن خلف لأمه، وهي صفية بنت معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وكان أبوهما ممن سقط من اليمن إلى مكة-:

أحلف بالله جهـد الـيمـي                      ن ما ترك الله أمرا سـدى

ولكن خلقت لـنـا فـتـنة                      لكي نبتلى فيك أو تبتـلـى

دعوت الطريد فـأدنـيتـه                      خلافا لسنة من قد مضـى

وأعطيت مروان خمس العبا                      د ظلما لهم وحميت الحمى

وما لا أتاك به الأشـعـري                      من الفيء أعطيته من دنـا

وأن الأمينـين قـد بـينـا                      منار الطريق عليه الهـدى

فما أخذا درهـمـا غـيلة                      ول اقسما درهما في هوى قال: والمال الذي ذكر أن الأشعري جاء به ما كان أبو موسى قدم به على عثمان من العراق، فأعطى عبد الله بن أسيد بن أبي العيص منه مائة ألف درهم، وقيل: ثلثمائة ألف درهم؛ فأنكر الناس ذلك.

أخبرني أحمد بن عبيد الله قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى عن عبد العزيز- أظنه ابن الدراوردي - قال: ابن بجرة الذي ذكره أبو ذؤيب رجل من بني عبيد بن عويج بن عدي بن كعب من قريش، ولم يسكنوا مكة ولا المدينة قط، وبالمدينة منهم وامرأة، ولهم موال أشهر منهم، يقال لهم بنو سجفان.

وكان ابن بجرة هذا خمارا. وهذا الصوت الذي ذكرناه من لحن حكم الوادي المختار من قصيدة لأبي ذؤيب طويلة. فمما يغنى فيه: منها:

أساءلت رسم الدار أم لم تسـائل                      عن الحي أم عن عهده بالأوائل

عفا غير رسم الدار ما إن تبينـه                      وعفر ظباء قد ثوت في المنازل

فلو أن ما عند ابن بجرة عندهـا                      من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل

فتلك التي لا يذهب الدهر حبهـا                      ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل غناه الغريض ثقيلا أول بالوسطى. ويقال: إن لمعبد فيه أيضا لحنا.

 

 

صفحة : 682

 

قوله: أساءلت يخاطب نفسه. ويروى: عن السكن أو عن أهله. والسكن. الذي كانوا فيه. وقال الأصمعي: السكن: سكن الدار. والسكن: المنزل أيضا. ويروى: عفا غير نؤى الدار. والنؤى: حاجز يجعل حول بيوت الأعراب لئلا يصل المطر إليها. ويروى - وهو الصحيح-:

وأقطاع طفي قد عفت في المعاقل والطفي: خوص المقل. والمعاقل: حيث نزلوا فامتنعوا، واحدها معقل. وواحد الطفي: طفية. وأرزمت: حنت. والحائل: الأنثى. والسقب: الذكر.

ومنها:

وإن حديثا منك لو تـبـذلـينـه                      جنى النحل في ألبان عوذ مطافل

مطافل أبكار حديث نتـاجـهـا                      تشاب بماء مثل ماء المفاصـل غناه ابن سريج رملا بالوسطى. جنى النحل: العسل. والعوذ: جمع عائذ، الناقة حين تضع فهي عائذ، فإذا تبعها ولدها قيل لها مطفل.

والمفاصل: منفصل السهل من الجبل حيث يكون الرضراض ، والماء الذي يستنقع فيها أطيب المياه. وتشاب: تخلط.

وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي: أن أبا ذؤيب إنما عنى بقوله: مطافل أبكار أن لبن الأبكار أطيب الألبان، وهو لبنها لأول بطن وضعت. قال: وكذلك العسل فإن أطيبه ما كاد من بكر النحل. قال: وحدثني كردين قال: كتب الحجاج إلى عامله على فارس: ابعث إلي بعسل من عسل خلار ، من النحل الأبكار، من الدستفشار، الذي لم تمسه النار.

فأما قصيدته العينية التي فضل بها، فمما يغنى به منها:

أمن المنون وريبها تتـوجـع                      والدهر ليس بمعتب من يجزع

قالت أمامة ما لجسمك شاحبـا                      منذ ابتذلت ومثل مالك ينفـع

أم ما لجنبك لا يلائم مضجعـا                      إلا أقض عليك ذاك المضجع

فأجبتها أن ما لجسـمـي أنـه                      أودى بني من البلاد فودعـوا عروضه من الكامل. غناه ابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها.

قال الأصمعي: سميت المنون منونا لأنها تذهب بمنة كل شيء وهي قوته.

وروى الأصمعي: وريبه فذكر المنون. والشاحب: المغير المهزول. يقال: شحب يشحب. ابتذلت: امتهنت نفسك وكرهت الدعة والزينة ولزمت العمل والسفر ومثل مالك يغنيك عن هذا، فاشتر لنفسك من يكفيك ذلك ويقوم لك به. ويلائم: يوافق. أقض عليك أي خشن فلم تستطع أن تضطجع عليه. والقضض: الرمل والحصى. قال الراجز:

إن أحيحا مات من غير مـرض                      ووجد في مرمضه حيث ارتمض

عساقل وجبأ فيهـا قـضـض وودعوا: ذهبوا. استعمل ذلك في الذهاب لأن من عادة المفارق أن يودع.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن عمر النحوي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: لما مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش، ومشى الناس أجمعون معه حتى دفنه، ثم انصرف إلى قصره. ثم أقبل على الربيع فقال: يا ربيع، انظر من في أهلي ينشدني:

أمن المنون وريبها تتوجع حتى أتسلى بها عن مصيبتي. قال الربيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت فأخبرته؛ فقال: والله لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذا لقلة رغبتهم في الأدب أعظم وأشد علي من مصيبتي بابني.

ثم قال: انظر هل في القواد والعوام من الجند من يعرفها، فإني أحب أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت الناس فلم أجد أحدا ينشدها إلا شيخا كبيرا مؤدبا قد انصرف من موضع تأديبه، فسألته: هل تحفظ شيئا من الشعر? فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت: أنشدني. فابتدأ هذه القصيدة العينية. فقلت له: أنت بغيتي. ثم أوصلته إلى المنصور فاستنشده إياها.

فلما قال:

والدهر ليس بمعتب من يجزع قال: صدق والله، فأنشدني هذا البيت مائة مرة ليتردد هذا المصراع علي؛ فأنشده، ثم مر فيها. فلما انتهى إلى قوله:

والدهر لا يبقى على حدثانه                      جون السراة له جدائد أربع قال: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول. ثم أمر الشيخ بالانصراف. فاتبعته فقلت له: أأمر لك أمير المؤمنين بشيء? فأراني صرة في يده فيها مائة درهم.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال:

 

صفحة : 683

 

كان أبو ذؤيب الهذلي يهوى امرأة يقال لها أم عمرو، وكان يرسل إليها خالد بن زهير فخانه فيها، وكذلك كان أبو ذؤيب فعل برجل يقال له عويم بن مالك بن عويمر وكان رسوله إليها. فلما علم أبو ذؤيب بما فعل خالد صرمها. فأرسلت تترضاه، فلم يفعل، وقال فيها:

تريدين كيما تجمعـينـي وخـالـدا                      وهل يجمع السيفان ويحك في غمد

أخالد ما راعـيت مـنـي قـرابة                      فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي

دعاك إليها مقلتـاهـا وجـيدهـا                      فملت كما مال المحب على عمـد

وكنت كرقراق السـراب إذا بـدا                      لقوم وقد بات المطي بهم يخـدي

فآليت لا أنفـك أحـدو قـصـيدة                      تكون وإياها بها مـثـلا بـعـدي غناه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر. الغيب: السر.

والرقراق: الجاري. ويروى: أحذو قصيدة. فمن قال: أحذو بالذال المعجمة أراد أصنع، ومن قال: أحدوا أراد أغني.

وقال أبو ذؤيب في ذلك :

وما حمل البختي عـام غـياره                      عليه الوسوق برها وشعيرهـا

أتى قرية كانت كثيرا طعامهـا                      كرفغ التراب كل شيء يميرها الرفغ من التراب: الكثير اللين-.

 

فقيل تحمل فوق طوقك إنـهـا                      مطبعة من يأتها لا يضـيرهـا

بأعظم مما كنت حملت خـالـدا                      وبعض أمانات الرجال غرورها

ولو أنني حملته البزل ما مشـت                      به البزل حتى تتلئب صدورهـا تتلئب: تستقيم وتنتصب وتمتد وتتتابع -:

خليلي الذي دلى لغي خليلـتـي                      جهارا فكل قد أصاب عرورها يقال: عره بكذا أي أصابه به-:

فشأنكها، إني أمـين وإنـنـي                      إذا ما تحالى مثلها لا أطورها تحالى: من الحلاوة. أطورها: أقربها-:

أحاذر يوما أن تبين قرينتـي                      ويسلمها أحرازها ونصيرها الأحراز: الحصون. قرينتي: نفسي-:

وما أنفس الـفـتـيان إلا قـرائن                      تبين ويبقى هـامـهـا وقـبـور

فنفسك فاحفظها ولا تفش للـعـدا                      من السر ما يطوى عليه ضميرها

وما يحفظ المكتوم من سر أهلـه                      إذا عقد الأسرار ضاع كبـيرهـا

من القوم إلا ذو عفـاف يعـينـه                      على ذاك منه صدق نفس وخيرها

رعى خالد سري ليالي نـفـسـه                      توالى على قصد السبيل أمورهـا

فلما ترامـاه الـشـبـاب وغـيه                      وفي النفس منه فتنة وفجورهـا

لوى رأسه عـنـي ومـال بـوده                      أغانيج خود كان فينـا يزورهـا

تعلقـه مـنـهـا دلال ومـقـلة                      تظل لأصحاب الشقاء تـديرهـا

فإن حـرامـا أن أخـون أمـانة                      وآمن نفسا ليس عندي ضميرهـا فأجابه خالد بن زهير:

لا يبعدن الله لبـك إذ غـزا                      وسافر والأحلام جم عثورها غزا وسافر لبك: ذهب عنك. والعثور: من العثار وهو الخطأ-:

وكنت إماما للعشيرة تنتـهـي                      إليك إذا ضاقت بأمر صدورها

لعلك إما أم عمرو تـبـدلـت                      سواك خليلا شاتمي تستخيرها الاستخارة: الاستعطاف-:

فإن التي فينا زعمت ومثلها                      لفيك ولكني أراك تجورها تجورها. تعرض عنها-:

ألم تنتقذها من عويم بن مالـك                      وأنت صفي نفسه وسجيرهـا

فلا تجزعن من سنة أنت سرتها                      فأول راض سنة من يسيرهـا ويروى قد أسرتها، أي جعلتها سائرة. ومن رواه هكذا روى يسيرها لأن مستقبل أفعل أسارها يسيرها. ويسيرها مستقبل سار السيرة يسيرها-.

 

فإن كنت تشكو من خليل مخانة                      فتلك الجوازي عقبها ونصورها عقبها: يريد عاقبتها. ونصورها أي تنصر عليك، الواحد نصر -.

 

وإن كنت تبغي للظلامة مركـبـا                      ذلولا فإني ليس عندي بعـيرهـا

نشأت عسيرا لا تلين عـريكـتـي                      ولم يغل يوما فوق ظهري كورها

متى ما تشأ أحملك والرأس مـائل                      على صعبة حرف وشيك طمورها

فلا تك كالثور الذي دفـنـت لـه                      حديدة حتف ثم أمسـى يثـيرهـا

يطيل ثواء عـنـدهـا لـيردهـا                      وهيهات منه دارها وقصـورهـا

 

صفحة : 684

 

 

وقاسمها بالله جهـدا لأنـتـم                      ألذ من السلوى إذا ما نشورها نشورها: نجتنيها. السلوى هاهنا: العسل-.

 

فلم يغن عنه خدعه يوم أزمعت                      صريمتها والنفس مر ضميرها

ولم يلف جلدا حازما ذا عزيمة                      وذا قوة ينفي بها من يزورها

فأقصر ولم تأخذك مني سحابة                      ينفر شاء المقلعين خـريرهـا المقلعين: الذين أصابهم القلع وهو السحاب-.

 

ولا تسبقن الناس مني بخمـطة                      من السم مذرور عليها ذرورها أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا السكن بن سعيد قال حدثنا العباس بن هشام قال حدثني أبو عمرو عبد الله بن الحارث الهذلي من أهل المدينة قال: خرج أبو ذؤيب مع ابنه وابن أخ له يقال له أبو عبيد، حتى قدموا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال له: أفي العمل أفضل يا أمير المؤمنين? قال: الإيمان بالله ورسوله. قال: قد فعلت، فأنه أفضل بعده? قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ذلك كان علي وإنى لا أرجو جنة ولا أخاف نارا. ثم خرج فغزا أرض الروم مع المسلمين. فلما قفلوا أخذه الموت؛ فأراد ابنه وابن أخيه أن يتخلفا عليه جميعا فمنعهما صاحب الساقة وقال: ليتخلف عليه أحدكما وليعلم أنه مقتول. فقال لهما أبو ذؤيب. اقترعا، فطارت القرعة لأبي عبيد، فتخلف عليه ومضى ابنه مع الناس. فكان أبو عبيد يحدث قال قال لي أبو ذؤيب: يا أبا عبيد، احفر ذلك الجرف برمحك ثم اعضد من الشجر بسيفك ثم اجررني إلى هذا النهر فإنك لا تفرغ حتى أفرغ، فاغسلني وكفني ثم اجعلني في حفيري وانثل علي الجرف برمحك، وألق علي الغصون والشجر، ثم اتبع الناس فإن لهم رهجة تراها في الأفق إذا مشيت كأنها جهامة.

قال: فما أخطأ مما قال شيئا، ولولا نعته لم أهتد لأثر الجيش. وقال وهو يجود بنفسه:

أبا عبيد رفع الـكـتـاب                      واقترب الموعد والحساب

وعند رحلي جمل نجـاب                      أحمر في حاركه انصباب ثم مضيت حتى لحقت الناس. فكان يقال: إن أهل الإسلام أبعدوا الأثر في بلد الروم، فما كان وراء قبر أبي ذؤيب قبر يعرف لأحد من المسلمين.

 

ذكر حكم الوادي وخبره ونسبه

هو الحكم بن ميمون مولى الوليد بن عبد الملك. وكان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد، فاشتراه فأعتقه. وكان حكم طويلا أحول، يكرى الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة.

ويكنى أبا يحيى. وقال مصعب بن عبد الله بن الزبير: هو حكم بن يحيى بن ميمون، وكان أصله من الفرس، وكان جمالا ينقل الزيت من وادي القرى إلى المدينة.

وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أنه كان شيخا طويلا أحول أجنأ يخضب بالحناء، وكان جمالا يحمل الزيت من جدة إلى المدينة، وكان واحد دهره في الحذق، وكان ينقر بالدف ويغني مرتجلا، وعمر عمرا طويلا، غنى الوليد بن عبد الملك، وغنى الرشيد ومات في الشطر من خلافته، وذكر أنه أخذ الغناء من عمر الوادي.

قال: وكان بوادي القرى جماعة من المغنين فيهم عمر بن زاذان- وقيل: ابن داود بن زاذان، وهو الذي كان يسميه الوليد جامع لذتي وحكم بن يحيى، وسليمان، وخليد بن عتيك - وقيل: ابن عبيد - ويعقوب الوادي. وكل هؤلاء كان يصنع فيحسن.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني حماد قال قال لي أبي: أحذق من رأيت من المغنين أربعة: جدك وحكم وفليح بن العوراء وسياط. قلت: وما بلغ من حذقهم? قال، كانوا يصنعون فيحسنون، ويؤدون غناء غيرهم فيحسنون.

قال إسحاق: وقال لي أبي: ما في هؤلاء الذين تراهم من لمغنين أطبع من حكم وابن جامع، وفليح أدرى منهما بما يخرج من رأسه.

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات أن أحمد بن المكي حدثه عن أبيه قال حدثني حكم الوادي، وأخبرني به محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي عن حماد بن إسحاق عن أحمد بن المكي عن أبيه عن حكم الوادي قال: أدخلني عمر الوادي على الوليد بن يزيد، وهو على حمار، وعليه جبة وشي ورداء وشي وخف وشي، وفي يده عقد جوهر، وفي كمه شيء لا أدري ما هو. فقال: من غناني ما أشتهي فله ما في كفي وما علي وما تحتي: فغنوه كلهم فلم يطرب؛ فقال لي: غن يا غلام، فغنيت:

إكليلها ألـوان                      ووجهها فتان

وخالها فـريد                      ليس له جيران

 

صفحة : 685

 

 

إذا مشت تثنت                      كأنها ثعبـان الشعر لمطيع بن إياس. والغناء لحكم الوادي هزج بالوسطى. وفيه لإبراهيم رمل خفيف بالوسطى - فطرب وأخرج ما كان في كمه، وإذا كيس فيه ألف دينار، فرمى به إلي مع عقد الجوهر؛ فلما دخل بعث إلي بالحمار وجميع ما كان عليه. وهذا الخبر يذكر من عدة وجوه في أخبار مطيع بن إياس.

وفي حكم الوادي يقول رجل من قريش:

أبو يحيى أخو الغزل المغني                      بصير بالثقال وبالخـفـاف

على العيدان يحسن مايغنـي                      ويحسن ما يقول على الدفاف غناه حكم الوادي هزجا بالبنصر.

قال هارون بن عبد الملك قال أبو يحيى العبادي قال حدثني أحمد البارد قال: دخلت على حكم يوما فقال لي: يا قصافي، إن رجلا من قريش قال في هذا الشعر:

أبو يحيى أخو الغزل المغني وقد غنيت فيه، فخذ العود حتى تسمعه مني؛ فأخذت العود فضربت عليه وغنانيه، فكنت أول من أخذ من حكم الوادي هذا الصوت.

قال أبو يحيى وقال إسحاق: سمعت حكما الوادي يغني صوتا فأعجبني، فسألته لمن هو? فقال: ولمن يكون هذا إلا لي وقال مصعب: حدثني شيخ أنه سمع حكما الوادي يغني، فقال له: أحسنت فألقى الدف وقال للرجل: قبحك الله تراني مع المغنين منذ ستين رمح سنة وتقول لي أحسنت.

وقال لي هارون حدثني مدرك بن يزيد قال قال لي فليح: بعث إلي يحيى بن خالد وإلى حكم الوادي، وابن جامع معنا، فأتيناه. فقلت لحكم الوادي - أو قال لي - إن ابن جامع معنا، فعاوني عليه لنكسره. فلما صرنا إلى الغناء غنى حكم، فصحت وقلت: هكذا والله يكون الغناء ثم غنيت ففعل بي حكم مثل ذلك، وغنى ابن جامع فما كنا معه في شيء. فلما كان العشي أرسل إلى جاريته دنانير: إن أصحابك عندنا، فهل لك أن تخرجي إلينا? فخرجت وخرج معها وصائف لها، فأقبل عليها يقول لها من حيث يظن أنا لا نسمع: ليس في القوم أنزه نفسا من فليح، ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كل إنسان بألفي درهم، فجاء بها. فدفع إلى ابن جامع ألفين فأخذها فطرحها في كمه، ولحكم مثل ذلك فطرحها في كمه، ودفع إلي ألفين. فقلت: لدنانير: قد بلغ مني النبيذ فاحتبسيها لي عندك، فأخذت الدراهم مني وبعثت بها إلي من الغد، وقد زادت عليها مثلها، وأرسلت إلي: قد بعثت إليك بوديعتك وبشيء أحببت أن تفرقه على أخواتي تعني جواري.

قال هارون بن محمد قال حماد بن إسحاق قال أبي: أربعة بلغوا في أربعة أجناس من الغناء مبلغا قصر عنه غيرهم: معبد في الثقيل، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري.

قال هارون وحدثني أبي قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: زار حكم الوادي الرشيد، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم، وسأله عمن يختار أن يكتب له بها إليه؛ فقال: اكتب لي بها إلى إبراهيم بن المهدي - وكان عاملا له بالشام- قال إبراهيم: فقدم علي حكم بكتاب الرشيد، فدفعت إليه ما كتب به ووصلته بمثل ما وصله، إلا أني نقصته ألفا من الثلثمائة وقلت له: لا أصلك بمثل صلة أمير المؤمنين.

فأقام عندي ثلاثين يوما أخذت منه فيها ثلثمائة صوت، كل صوت منها أحب إلي من الثلثمائة الألف التي وهبتها له.

وأخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن خرداذبه قال قال مصعب بن عبد الله: بينا حكم الوادي بالمدينة إذ سمع قوما يقولون: لو ذهبنا إلى جارية ابن شقران فإنها حسنة الغناء فمضوا إليها، وتبعهم حكم وعليه فروة، فدخلوا ودخل معهم، وصاحب المنزل يظن أنه معهم وهم يظنون أنه من قبل صاحب المنزل ولا يعرفونه. فغنت الجارية أصواتا ثم غنت صوتا ثم صوتا. فقال حكم الوادي: أحسنت والله وصاح. فقال له رب البيت: يا ماص كذا وكذا من أمه وما يدريك ما الغناء فوثب عليه يتعتعه وأراد ضربه. فقال له حكم: يا عبد الله، دخلت بسلام وأخرج كما دخلت، وقام ليخرج. فقال له رب البيت: لا أو أضربك. فقال حكم: على رسلك، أنا أعلم بالغناء منك ومنها، وقال: شدي موضع كذا وأصلحي موضع كذا، واندفع يغني. فقالت الجارية: إنه والله أبو يحيى فقال رب المنزل: جعلت فداك المعذرة إلى الله وإليك لم أعرفك فقام حكم ليخرج فأبى الرجل؛ فقال: والله لأخرجن، فسأعود إليها لكرامتها لا لكرامتك.

 

 

صفحة : 686

 

ذكر أحمد بن المكي عن أبيه: أن حكما لم يشهر بالغناء ويذهب له الصوت به حتى صار الأمر إلى بني العباس؛ فانقطع إلى محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وذلك في خلافة المنصور؛ فأعجب به واختاره على المغنين وأعجبته أهزاجه. وكان يقال: إنه من أهرج الناس. ويقال: إنه غنى الأهزاج في آخر عمره، وإن ابنه لامه على ذلك، وقال له: أبعد الكبر تغني غناء المخنثين فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنيات فأكسبتك ما لم تر مثله قط.

قال هارون بن محمد وقال يحيى بن خالد: ما رأينا فيمن يأتينا من المغنين أحدا أجود أداء من حكم. وليس أحد يسمع غناء ثم يغنيه بعد ذلك إلا وهو يغيره ويزيد فيه وينقص إلا حكما. فقيل لحكم ذلك فقال: إني لست أشرب، وغيري يشرب، فإذا شرب تغير غناؤه.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان خبر حكم الوادي يتناهى إلى المنصور ويبلغه ما يصله به بنو سليمان بن علي، فيعجب لذلك ويستسرفه ويقول: هل هو إلا أن حسن شعرا بصوته وطرب مستمعيه، فماذا يكون وعلام يعطونه هذه العطايا المسرفة إلى أن جلس يوما في مستشرف له، وقد كان حكم دخل إلى رجل من قواده - أراه قال: علي بن يقطين أو أبوه - وهو يراه؛ ثم خرج عشيا وقد حمله على بغلة له يعرفها المنصور، وخلع عليه ثيابا يعرفها له. فلما رآه المنصور قال: من هذا? فقيل: حكم الوادي.

فحرك رأسه مليا ثم قال: لأن علمت أن هذا يستحق ما يعطاه. قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين وأنت تنكر ما يبلغك منه? قال: لأن فلانا لا يعطي شيئا من ماله باطلا ولا يضعه إلا في حقه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي عن الأصمعي قال: رأيت حكما الوادي حين مضى المهدي إلى بيت المقدس، وقد عارضه في الطريق وأخرج دفه ونقر فيه وله شعيرات على رأسه وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين القائل:

ومتى تخرج العرو                      س فقد طال حبسها فتسرع إليه الحرس؛ فقال: دعوه، وسأل عنه فاخبر أنه حكم الوادي؛ فوصله وأحسن إليه.

لحن حكم في هذا الشعر المذكور هزج بالبنصر. وفيه ألحان لغيره، وقد ذكرت في أخبار الوليد بن يزيد.

أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن صالح الأضجم عن حكم الوادي قال: كان الهادي يشتهي من الغناء ما توسط وقل ترجيعه ولم يبلغ أن يستخف جدا؛ فأخرج ليلة ثلاث بدر وقال: من أطربني فهي له. فغناه ابن جامع وإبراهيم الموصلي والزبير بن دحمان فلم يصنعوا شيئا، وعرفت ما أراد فغنيته لابن سريج:

غراء كالليلة المبـاركة ال                      قمراء تهدى أوائل الظلـم

أكني بغير اسمها وقد عـل                      م الله خفيات كل مكتـتـم

كأن فاها إذا تنـسـم عـن                      طيب مشم وحسن مبتسـم

يسن بالضرو من براقش أو                      هيلان أو يانع من العتـم الشعر في هذا الغناء للنابغة الجعدي؛ والصنعة لابن سريج رمل بالبنصر فوثب عن فراشه طربا وقال: أحسنت أحسنت والله اسقوني فسقي. ووثقت بأن البدر لي، فقمت فجلست عليها. فأحسن ابن جامع المحضر وقال: أحسن والله كما قال أمير المؤمنين، وإنه لمحسن مجمل. فلما سكن أمر الفراشين بحملها معي. فقلت لابن جامع: مثلك يفعل ما فعلت في شرفك ونسبك فإن رأيت أن تشرفني بقبول إحداها فعلت. فقال: لا والله لا فعلت، والله لوددت أن الله زادك، وأسأل الله أن يهنيك ما رزقك.

ولحقني الموصلي فقال: آخذ يا حكم من هذا? فقلت: لا والله ولا درهما واحدا لأنك لم تحسن المحضر.

ومات حكم الوادي من قرحة أصابته في صدره. فقال الدارمي فيه قبل وفاته:

إن أبا يحيى اشتكى عـلة                      أصبح منها بـين عـواد

فقلت والقلب به مـوجـع                      يا رب عاف الحكم الوادي

فرب بـيض قـادة سـادة                      كأنصل سلت من اغمـاد

نادمهم في مجلـس لاهـيا                      فأصمت المنشد والشـادي غنى فيه حكم الوادي هزجا بالبنصر.

 

أمعارف الدمن القفار توهـم                      ولقد مضى حول لهن مجرم

ولقد وقفت على الديار لعلها                      بجواب رجع تحية تتكـلـم

 

صفحة : 687

 

 

عن علم ما فعل الخليط، فما درت                      أنى توجه بالخلـيط الـمـوسـم

ولقد عهدت بها سعـاد وإنـهـا                      بالله جاهدة اليمـين لـتـقـسـم

إني لأوجه من تكلـم عـنـدهـا                      بألية ومخـالـف مـن يزعـم

فلها لدينا بالـذي بـذلـت لـنـا                      ود يطول له العنـاء ويعـظـم عروضه من الكامل. الشعر لنصيب من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان.

والغناء لابن جامع. له فيه لحنان ذكرهما إسحاق، أحدهما ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. ولإبراهيم في البيتين الأولين ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى.

ولإسحاق وسياط فيهما ثقيل بالبنصر عن عمرو.

 

ذكر ابن جامع وخبره ونسبه

هو إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد، سعد بن سهم بن عمرو، بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب.

أخبرني الطوسي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وأخبرنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق قالا جميعا: مات ضبيرة السهمي وله مائة سنة ولم يظهر في رأسه ولا لحيته شيب. فقال بعض شعراء قريش يرثيه:

حجاج بيت الله إن ض                      بيرة السهمي مـاتـا

سبقت منيته المشـي                      ب وكان ميتته افتلاتا

فتزودوا لا تهلـكـوا                      من دون أهلكم خفاتا قال: وأسر أبو وداعة كافرا يوم بدر ففداه ابنه المطلب، وكان المطلب رجل صدق.

وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.

ويكنى ابن جامع أبا القاسم. وأمه امرأة من بني سهم وتزوجت بعد أبيه رجلا من أهل اليمن.

فذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن حماد عن أبيه عن بعض أصحابه عن عون حاجب معن بن زائدة قال: رأيت أم ابن جامع وابن جامع معها عند معن بن زائدة وهو ضعيف يتبعها ويطأ ذيلها وكانت من قريش، ومعن يومئذ على اليمن.

فقالت: أصلح الأمير، إن عمي زوجني زوجا ليس بكفء ففرق بيني وبينه.

قال: من هو? قالت: ابن ذي مناجب. قال: علي به. قال: فدخل أقبح من خلق الله وأشوهه خلقا. قال: من هذه منك? قال: امرأتي. قال: خل سبيلها، ففعل. فأطرق مغن ساعة ثم رفع رأسه فقال:

لعمري لقد أصبحت غير محبـب                      ولا حسن في عينها ذا منـاجـب

فما لمتها لما تبـينـت وجـهـه                      وعينا له حوصاء من تحت حاجب

وأنفا كأنف البكر يقـطـر دائبـا                      على لحية عصلاء شابت وشارب

أتيت بها مثل المهاة تسـوقـهـا                      فيا حسن مجلوب ويا قبح جالـب وأمر لها بمائتي دينار وقال لها: تجهزي بها إلى بلادك.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني حماد عن أبيه: أن الرشيد سأل ابن جامع يوما عن نسبه وقال له: أي بني الإنس ولدك يا إسماعيل? قال: لا أدري، ولكن سل ابن أخي يعني إسحاق - وكان يماظ إبراهيم الموصلي ويميل إلى ابنه إسحاق قال إسحاق: ثم التفت إلي ابن جامع فقال: أخبره يا بن أخي بنسب عمك. فقال له الرشيد: قبحك الله شيخا من قريش تجهل نسبك حتى يخبرك به غيرك وهو رجل من العجم.

قال هارون حدثني عبد الله بن عمرو قال حدثني أبو هشام محمد بن عبد الملك المخزومي قال أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي فروة بن أبي قراد المخزومي قال: كان ابن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله وأعلمه بما يحتاج إليه، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع الشمس، ولا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القران ثم ينصرف إلى منزله.

قال هارون وحدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني صالح بن علي بن عطية وغيره من رجال أهل العسكر قالوا: قدم ابن جامع قدمة له من مكة على الرشيد، وكان ابن جامع حسن السمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته، وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارا مريسيا في زي أهل الحجاز.

 

 

صفحة : 688

 

فبينا هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم، أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس؛ فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه ويحادثه، فوقعت عينه على ابن جامع فرأى سمته وحلاوة هيئته، فجاء فوقف إلى جانبه ثم قال له: أمتع الله بك، توسمت فيك الحجازية القرشية؛ قال: أصبت. قال: فمن أي قريش أنت? قال: من بني سهم. قال: فأي الحرمين منزلك? قال: مكة. قال: ومن لقيت من فقهائهم? قال: سل عمن شئت.

ففاتحه الفقه والحديث فوجد عنده ما أحب فاعجب به. ونظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع. فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه ثم قالوا: لا، لعله لا يعود إلى مواقفته بعد اليوم، فلم نغمه. فلما كان الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس وغدا عليه أبو يوسف، فنظر يطلب ابن جامع فرآه، فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلا كما فعل في المرة الأولى. فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أتعرف هذا الذي تواقف وتحادث? قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء. قالوا: هذا ابن جامع المغني؛ قال: إنا لله. قالوا: إن الناس قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكبه، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر به، فجاء فوقف فسلم عليه، فرد السلام عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه. فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرا فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، ما لك تنحرف عني? أي شيء أنكرت? قالوا لك: إني ابن جامع المغني فكرهت مواقفتي لك أسألك عن مسألة ثم اصنع ما شئت؛ ومال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون.

فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه وقال:

يا دار مية بالعلياء فالـسـنـد                      أقوت وطال عليها سالف الأبد أكنت ترى بذلك بأسا? قال: لا، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر قول، وروى في الحديث. فال ابن جامع: فإن قلت أنا هكذا، ثم اندفع يتغنى فيه حتى أتى عليه؛ ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أو نقصت منه? قال: عافاك الله، أعفنا من ذلك. قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، ما زدته على أن حسنته بألفاظي فحسن في السماع ووصل إلى القلب.

ثم تنحى عنه ابن جامع.

قال: وحدثني عبد الله بن شبيب قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة، ومر به ابن جامع يسحب الخز، فقال لبعض أصحابه: بلغني أن هذا القرشي أصاب مالا من بعض الخلفاء، فبأي شيء أصابه? قالوا: بالغناء. قال: فمن منكم يذكر بعض ذلك? فأنشد بعض أصحابه ما يغني فيه:

وأصحب بالليل أهل الطواف                      وأرفع من مئزري المسبل قال: أحسن، هيه قال:

وأسجد بالليل حتى الصباح                      وأتلو من المحكم المنزل قال: أحسن، هيه قال:

عسى فارج الكرب عن يوسف                      يسخر لي ربة المـحـمـل قال: أما هذا فدعه.

وحدثني محمد بن الحسن العتابي قال حدثني جعفر بن محمد الكاتب قال حدثني طيب بن عبد الرحمن قال: كان ابن جامع يعد صيحة الصوت قبل أن يصنع عمود اللحن.

وحدث محمد بن الحسن قال حدثني أبو حارثة بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم عن أخيه أبي معاوية بن عبد الرحمن قال: قال لي ابن جامع: لولا أن القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز.

أخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلبا فقال: ما اسمه? فقال: لا أدري، فدعا بدفتر فيه أسماء الكلاب فجعل يدعوه بكل اسم فيه حتى أجابه الكلب.

قال هارون بن محمد حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثتني حولاء مولاة ابن جامع قالت: انتبه مولاي يوما من قائلته فقال: علي بهشام يعني ابنه ادعوه لي عجلوه، فجاء مسرعا. فقال: أي بني، خذ العود، فإن رجلا من الجن ألقى علي في قائلتي صوتا فأخاف أن أنساه.

فأخذ هشام العود وتغنى ابن جامع عليه رملا لم أسمع له رملا أحسن منه، وهو:

أمست رسوم الديار غـيرهـا                      هوج الرياح الزعازع العصف

 

صفحة : 689

 

 

وكل حنانة لـهـا زجـل                      مثل حنين الروائم الشغف فأخذه عنه هشام، فكان بعد ذلك يتغناه وينسبه إلى الجن. وفي هذا الصوت للهذلي لحن من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو، وقيل: إن هذا اللحن لعبادل. وفيه لابن جامع الرمل المذكور.

هارون وحدثني أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدثني محمد بن موسى بن فليح الخزاعي قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد المكي قال: قال لي ابن جامع: أخذت من هارون ببيتين غنيته بهما عشرة آلاف دينار:

لا بد للعاشق مـن وقـفة                      تكون بين الوصل والصرم

يعتب أحيانا وفي عـتـبـه                      إظهار ما يخفي من السقم

إشفاقه داع إلـى ظـنـه                      وظنه داع إلى الـظـلـم

حتى إذا ما مضه هجـره                      راجع من يهوى على رغم هكذا رويته الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.

وذكر ابن بانة أن هذا اللحن لسليم. وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى- قال: ثم قال لي ابن جامع: فمتى تصيب أنت بالمروءة شيئا وقال هارون حدثني أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: خرج ابن أبي عمرو الغفاري وعبد الرحمن بن أبي قباحة وغيرهما من القرشيين عمارا يريدون مكة؛ فلما كانوا بفخ نزلوا على البئر التي هناك ليغتسلوا فيها. قال : فبينا نحن نغتسل إذ سمعنا صوت غناء، فقلنا: لو ذهبنا إلى هؤلاء فسمعنا غناءهم فأتيناهم، فإذا ابن جامع وأصحاب له يغنون وعندهم فضيخ لهم يشربون منه؛ فقالوا: تقدموا يا فتيان، فتقدم ابن أبي عمرو فجلس مع القوم وكان رأسهم، فجلسنا نشرب؛ وطرب ابن أبي قباحة فغنى. فقال ابن جامع: وابأبي وأمي ابن أبي قباحة وإلا فهو ابن الفاعلة.

فقام ابن أبي عمرو فأخرج من وسطه هميانا فيه ثلثمائة درهم فنثرها على ابن أبي قباحة. فقال ابن جامع: امضوا بنا إلى المنزل، فمضينا فأقمنا عنده شهرا ما نبرح ونحن على إحرامنا ذلك.

قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدثني علي بن سليمان عن محمد بن أحمد النوفلي عن جارية ابن جامع الحولاء قال: - وكانت تتبناني - فتغنت يوما وطربت وقالت: يا بني، ألا أغنيك هزجا لسيدي في عشيقة له سوداء? قلت: بلى. فتغنت هزجا ما سمعت أحسن منه، وهو:

أشبهك المسك وأشبهته                      قائمة في لونه قاعده

لا شك إذ لونكما واحد                      أنكما من طينة واحده وقد روي هذا الشعر لأبي حفص الشطرنجي يقوله في دنانير مولاة البرامكه.

ونسب هذا الهزج إلى إبراهيم وابن جامع وغيرهما.

قال عبد الله بن عمرو حدثنا أحمد بن عمر بن إسماعيل الزهري قال حدثني محمد بن جعفر بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام - وكان يلفب الأبله - قال: قال برصوما الزامر، وذكر إبراهيم الموصلي وابن جامع، فقال: الموصلي بستان تجد فيه الحلو والحامض وطريا لم ينضج، فتأكل منه من ذا وذا. وابن جامع زق عسل، إن فتحت فمه خرج عسل حلو، وإن خرقت جنبه خرج عسل حلو، وإن فتحت يده خرج عسل حلو، كله جيد.

أخبرنا يحيى بن على عن أبيه وحماد عن إبراهيم بن المهدي - وكان إبراهيم يفضل ابن جامع ولا يقدم عليه أحدا، وابن جامع يميل إليه - قال: كنا في مجلس الرشيد وقد غلب على ابن جامع النبيذ، فغنى صوتا فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إلي إبراهيم الموصلي فقال: قد خري فيه؛ وفهمت صدقه قال: فقلت لابن جامع: يا أبا القاسم، أعد الصوت وتحفظ فيه؛ فانتبه وأعاده فأصاب. فقال إبراهيم:

أعلمه الرماية كـل يوم                      فلما اشتد ساعده رماني وتنكر لي لميلي مع ابن جامع عليه. فقلت للرشيد بعد أيام: إن لي حاجة إليك. قال: وما هي? قلت: تسأل إبراهيم الموصلي أن يرضى عني ويعود إلى ما كان عليه. فقال: إنما هو عبدك، وقال له: قم إليه فقبل رأسه. فقلت : لا ينفعني رضاه في الظاهر دون الباطن، فسله أن يصحح الرضا. فقام إلي ليقبل رأسي كما أمر، فقال لي وقد أكب علي ليقبل رأسي: أتعود? قلت لا. قال: قد رضيت عنك رضا صحيحا. وعاد إلى ما كان عليه.

وقال حماد عن أبي يحيى العبادي قال: قدم حوراء غلام حماد الشعراني وكان أحد المغنين المجيدين قال حدثني بعض أصحابنا قال:

 

صفحة : 690

 

كنا في دار أمير المؤمنين الرشيد فصاح بالمغنين: من فيكم يعرف.

 

وكعبة نجران حتم علي                      ك حتى تناخي بأبوابها? - الشعر للأعشى - فبدرهم إبراهيم الموصلي فقال: أنا أغنيه، وغناه فجاء بشيء عجيب. فغضب ابن جامع وقال لزلزل: دع العود، أنا من جحاش وجرة لا أحتاج إلى بيطار؛ ثم غنى الصوت؛ فصاح إليه مسرور: أحسنت يا أبا القاسم ثلاث مرات.

 

وكعبة نجران حتم علي                      ك حتى تناخي بأبوابها

نزور يزيد وعبد المسيح                      وقيسا هم خير أربابها

وشاهدنا الجل والياسمي                      ن والمسمعات بقصابها

وبربطنا دائم معـمـل                      فأي الثلاثة أزرى بها

تنازعني إذ خلت بردها                      معطرة غير جلبابهـا

فلما التقينا عـلـى آلة                      ومدت إلي بأسبابـهـا الشعر للأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة. وهؤلاء الذين ذكرهم أساقفة نجران، وكان يزورهم ويمدحهم، ويمدح العاقب والسيد، وهما ملكا نجران، ويقيم عندهما ما شاء، يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي، فإذا انصرف أجزلوا صلته.

أخبرنا بذلك محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، وله أخبار كثيرة معهم تذكر في مواضعها إن شاء الله.

والغناء لحنين الحيري خفيف ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق في الأربعة الأول. وذكر عمرو أنه لابن محرز. وذكر يونس أن فيها لحنا لمالك ولم يجنسه. وذكر الهشامي أن في الخامس والسادس ثم الأول والثاني خفيف رمل بالوسطى ليحيى المكي.

وقال حماد عن مصعب بن عبد الله قال حدثني الطراز وكان بريد الفضل بن الربيع قال: لما مات المهدي وملك موسى الهادي أعطاني الفضل دنانير وقال: الحق بمكة فأتني بابن جامع واحمله في قبة ولا تعلمن بذا أحدا: ففعلت فأنزلته عندي واشتريت له جارية، وكان ابن جامع صاحب نساء. فذكره موسى ذات ليلة - وكان هو والحراني منقطعين إلى موسى أيام المهدي فضربهما المهدي وطردهما - فقال لجلسائه: أما فيكم أحد يرسل إلى ابن جامع وقد علمتم موقعه مني فقال له الفضل بن الربيع: هو والله عندي يا أمير المؤمنين وقد فعلت الذي أردت. وبعث إليه فأتي به في الليل. فوصل الفضل تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته.

قال إسحاق عن بعض أصحابه: كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوما فقال الغلام الذي على الستارة: يا بن جامع، تغن ببيت السعدي :

فلو سألت سراة الحي سلمى                      على أن قد تلون بي زماني

لخبرها ذو والأحساب عني                      وأعدائي فكل قد بـلانـي

بذبي الذم عن حسبي بمالي                      وزبونات أشوس تـيحـان

وأني لا أزال أخا حـروب                      إذا لم أجن كنت مجن جاني قال: فحرك ابن جامع رأسه - وكان إذا اقترح عليه الخليفة شيئا قد أحسنه وكمله طار فرحا - فغنى به؛ فاربد وجه إبراهيم لما سمعه منه، وكذا كان ابن جامع أيضا يفعل؛ فقال له صاحب الستارة: أحسنت والله يا أميري أعد فأعاد؛ فقال: أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبدا. ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم: تغن بهذا الشعر فتغنى؛ فلما فرغ قال: مرعى ولا كالسعدان أخطأت في موضع كذا وفي موضع كذا. فقال: نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين أخطأ حرفا، وقد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين.

قال إبراهيم: فلما انصرفنا قلت لابن جامع: والله ما أعلم أن أحدا بقي في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين. قال: حق والله، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه.

قال إسحاق: كان ابن جامع إذا تغنى في هذا الشعر:

من كان يبكي لما بي                      من طول سقم رسيس

فالآن من قبل موتـي                      لا عطر بعد عروس

بنيتـم فـي فـؤادي                      أوكار طير النحوس

قلبي فريس المـنـايا                      يا ويحه من فـريس

 

صفحة : 691

 

- الشعر لرجل من قريش، والغناء لابن جامع في طريقة الرمل - لم يتغن في ذلك المجلس بغيره. وكان إذا أراد أن يتغنى سأل أن يزمر عليه برصوما. فلما كثر ذلك سألوه فيه فقال: لا والله، ولكنه إذا ابتدأت فغنيت في الشعر عرف الغرض الذي يصلح فما يجاوزه، وكنت معه في راحة؛ وذلك أن المغني إذا تغنى بزمر زامر فأكثر العمل على الزامر لأنه لا يقفو الأثر، فإذا زمر برصوما فأنا في راحة وهو في تعب، وإذا زمر علي غيره فهو في راحة وأنا في تعب. فإن شككتم فاسألوا برصوما ومنصور زلزل. فسألوهما عما قال، فقالا: صدق.

قال وحدثني علي بن أحمد الباهلي قال: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: بلغ المهدي أن ابن جامع والموصلي يأتيان موسى، فبعث إليهما فجيء بهما، فضرب الموصلي ضربا مبرحا، وقال له ابن جامع: ارحم أمي فرق له وقال له: قبحك الله رجل من قريش يغني وطرده. فلما قام موسى، وجه الفضل خلفه بريدا حتى جاء به؛ فقال له موسى: ما كان ليفعل هذا غيرك.

قال وحدثني الزبير بن بكار قال قال لي فلفلة: تمنى يوما موسى أمير المؤمنين ابن جامع، فدفع إلي الفضل بن الربيع خمسمائة دينار وقال: امض حتى تحمل ابن جامع، وبعث إليه بما يصلحه، فمضيت فحملته. فلما دخلنا أدخله الفضل الحمام وأصلح من شأنه. ودخل على موسى فغناه فلم يعجبه. فلما خرج قال له الفضل: تركت الخفيف وغنيت الثقيل، قال: فأدخلني عليه أخرى؛ فأدخله فغنى الخفيف؛ فقال: حاجتك فأعطاه ثلاثين ألف دينار.

قال وحدثني عبد الرحمن بن أيوب قال حدثنا أبو يحيى العبادي قال حدثني ابن أبي الرجال قال حدثني زلزل قال: أبطأ إبراهيم الموصلي عن الرشيد، فأمر مسرورا الخادم يسأل عنه - وكان أمير المؤمنين قد صير أمر المغنين إليه - فقيل له: لم يأت بعد. ثم جاء في آخر النهار، فقعد بيني وبين برصوما، فغنى صوتا له فأطربه وأطرب والله كل من كان في المجلس.

قال: فقام ابن جامع من مجلسه فقعد بيني وبين برصوما ثم قال: أما والله يا نبطي ما أحسن إبراهيم وما أحسن غيركما. قال: ثم غنى فنسينا أنفسنا، والله لكأن العود كان في يده.

قال وحدثني عمر بن شبة قال حدثني يحيى بن إبراهيم بن عثمان بن نهيك قال: دعا أبي الرشيد يوما، فأتاه ومعه جعفر بن يحيى، فأقاما عنده، وأتاهما ابن جامع فغناهما يومهما. فلما كان الغد انصرف الرشيد وأقام جعفر. قال: فدخل عليهم إبراهيم الموصلي فسأل جعفرا عن يومهم؛ فأخبره وقال له: لم يزل ابن جامع يغنينا إلا أنه كان يخرج من الإيقاع - وهو في قوله يريد أن يطيب نفس إبراهيم الموصلي - قال: فقال له إبراهيم: أتريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب به لا والله، ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع، فكيف يخرج من الإيقاع.

قال وحدثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني أبي قال: كان سبب عزل العثماني أن ابن جامع سأل الرشيد أن يأذن له في المهارشة بالديوك والكلاب ولا يحد في النبيذ، فأذن له وكتب له بذلك كتابا إلى العثماني. فلما وصل الكتاب قال: كذبت أمير المؤمنين لا يحل ما حرم الله، وهذا كتاب مزور. والله لئن ثقفتك على حال من هذه الأحوال لأؤدبنك أدبك.

قال: فحذره ابن جامع. ووقع بين العثماني وحماد اليزيدي، وهو على البريد، ما يقع بين العمال. فلما حج هارون، قال حماد لابن جامع: أعني. عليه حتى أعزله؛ قال: أفعل. قال: فابدأ أنت وقل: إنه ظالم فاجر واستشهدني. فقال له ابن جامع: هذا لا يقبل في العثماني، ويفهم أمير المؤمنين كذبنا، ولكني أحتال من جهة ألطف من هذه. قال: فسأله هارون ابتداء فقال له: يا بن جامع، كيف أميركم العثماني? قال: خير أمير وأعدله وأفضله وأقومه بحق لولا ضعف في عقله. قال: وما ضعفه? قال: قد أفنى الكلاب. قال: وما دعاه إلى إفنائها قال: زعم أن كلبا دنا من عثمان بن عفان يوم ألقى على الكناس فأكل وجهه، فغضب على الكلاب فهو يقتلها. فقال: هذا ضعيف، اعزلوه فكان سبب عزله.

قال هارون بن محمد وحدثني الحسن بن محمد الغياثي قال حدثني أبي عن القطراني قال:

 

صفحة : 692

 

كان ابن جامع بارا بوالدته، وكانت مقيمة بالمدينة وبمكة. فدعاه إبراهيم بن المهدي وأظهر له كتابا إلى أمير المؤمنين فيه نعي والدته. قال: فجرع لذلك جزعا شديدا، وجعل أصحابه يعزونه ويؤنسونه؛ ثم جاءوا بالطعام فلم يتركوه حتى طعم وشرب، وسألوه الغناء فامتنع.

فقال له إبراهيم بن المهدي: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك فاندفع يغني:

كم بالدروب وأرض الروم من قدم                      ومن جماجم صرعى ما بها قبروا

بقندهار ومن تـقـدر مـنـيتـه                      بقندهار يرجم دونـه الـخـبـر - الشعر ليزيد بن مفرغ الحميري. والغناء لابن جامع رمل. وفيه لابن سريج خفيف رمل جميعا عن الهشامي - قال: وجعل إبراهيم يسترده حتى صلح له. ثم قال: لا والله ما كان مما خبرناك شيء إنما مزحنا بك.

قال: ثم قال له: رد الصوت؛ فغناه فلم يكن من الغناء الأول في شيء. فقال له إبراهيم: خذه الآن على، فأداه إبراهيم على السماع الأول.

فقال له ابن جامع: أحب أن تطرحه أنت على كذا.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن الشيباني عن أحمد بن يحيى المكي قال: كان أبي بين يدي الرشيد وابن جامع معه يغني بين يدي الرشيد. فغناه:

خليفة لا يخيب سائلـه                      عليه تاج الوقار معتدل قال: وغنى من يتلوه، وهوم ابن جامع سكرا ونعاسا. فلما دار الغناء على أصحابه وصارت النوبة إليه، حركه من بجنبه لنوبته فانتبه وهو يغني:

اسلم وحييت أيها الطلـل                      وإن عفتك الرياح والسبل - قال: وهو يتلو البيت الأول - فعجب أهل المجلس من ذكائه وفهمه، وأعجب ذلك الرشيد

واسلم وحييت أيها الطلـل                      وإن عفتك الرياح والسبل

خليفة لا يخيب سـائلـه                      عليه تاج الوقار معتـدل الشعر لأشجع أو لسلم الخاسر يمدح به موسى الهادي. والغناء لابن جامع ثقيل أول بالوسطى، من رواية الهشامي وأحمد بن يحيى المكي.

قال هارون وقد حدثني بهذا الخبر عبد الرحمن بن أيوب قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: كان ابن جامع أحسن ما يكون غناء إذا حزن صوته. فأحب الرشيد أن يسمع ذلك على تلك الحال، فقال للفضل بن الربيع: ابعث خريطة فيها نعي أم ابن جامع - وكان بارا بأمه - ففعل. فوردت الخريطة على أمير المؤمنين وهو في مجلس لهوه، فقال: يا بن جامع، جاء في هذه الخريطة نعي أمك. فاندفع ابن جامع يغني بتلك الحرقة والحزن الذي في قلبه:

كم بالدروب وأرض السند من قدم                      ومن جماجم صرعى ما بها قبروا

بقندهار ومن تكـتـب مـنـيتـه                      بقندهار يرجم دونـه الـخـبـر قال: فوالله ما ملكنا أنفسنا، ورأيت الغلمان يضربون برؤوسهم الحيطان والأساطين.- قال هارون: لا أشك أن ابن المكي قد حدث به عن رجل حضر ذلك فأغفله عبد الرحمن بن أيوب- قال: ثم غنى بعد ذلك:

يا صاحب القبر الغريب وهو لحن قديم. وفيه لحن لابن المكي- فقال له الرشيد: أحسنت وأمر له بعشرة آلاف دينار.

 

يا صاحب القبر الغـريب                      بالشام في طرف الكثيب

بالحجر بـين صـفـائح                      صم ترصف بالجبـوب

رصفا ولحد مـمـكـن                      تحت العجاجة في القليب

فإذا ذكـرت أنـينـــه                      ومغيبه تحت المـغـيب

هاجت لواعـج عـبـرة                      في الصدر دائمة الدبيب

أسفا لـحـسـن بـلائه                      ولمصرع الشيخ الغريب

أقبلت أطـلـب طـبـه                      والموت يعضل بالطبيب الشعر لمكين العذري يرثي أباه، وقيل: إنه لرجل خرج بابنه إلى الشأم هربا به من جارية هويها فمات هناك.

والغناء لحكم الوادي، رمل في مجرى البنصر. وقيل: إن الشعر لسلامة ترثي الوليد بن يزيد.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني الحسن بن محمد قال حدثنا أحمد بن الخليل بن مالك قال حدثني عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان قال سمعت يزيد يحدث:

 

صفحة : 693

 

أن أم جعفر بلغها أن الرشيد جالس وحده ليس معه أحد من الندماء ولا المسامرين؛ فأرسلت إليه: يا أمير المؤمنين، إني لم أرك منذ ثلاث وهذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندي ابن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أني لا أتهنأ بشرب ولا سماع ولا غيرهما إلا أن تشركني فيه، فما كان عليك أن أشركك في الذي أنت فيه فأرسل إليها: إني سائر إليك الساعة. ثم قام وأخذ بيد ابن جامع، وقال لحسين الخادم: امض إليها فأعلمها أني قد جئت.

وأقبل الرشيد، فلما نظر إلى الخدم والوصائف قد استقبلوه علم أنها قد قامت تستقبله، فوجه إليها: إن معي ابن جامع؛ فعدلت إلى بعض المقاصير. وجاء الرشيد وصير ابن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها ولا يكون حاضرا معهم.

وجاءت أم جعفر فدخلت على الرشيد وأهوت لتنكب على يده؛ فأجلسها إلى جانبه فاعتنقها اعتنقته.

ثم أمر ابن جامع أن يغني فاندفع فغنى:

ما رعدت رعدة ولا برقت                      لكنها أنشئت لنـا خـلـقة

الماء يجري على نظام لـه                      لو يجد الماء مخرقا خرقه

بتنا وباتت على نمارقـهـا                      حتى بدا الصبح عينها أرقه

أن قيل إن الرحيل بعد غـد                      والدار بعد الجميع مفترقه - الشعر لعبيد بن الأبرص. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل من أصوات قليلات الأشباه، عن إسحاق. وفيه لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة. وذكر يونس أن فيه لحنا لمعبد ولم يجنسه.

وفيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو والهشامي. ولمخارق في هذه الأبيات رمل بالبنصر عن الهشامي. وذكر حبش أن الثقيل الأول للغريض.

وذكر الهشامي أن لمتيم فيها ثاني ثقيل بالوسطى - قال: فقالت أم جعفر للرشيد: ما أحسن ما اشتهيت والله يا أمير المؤمنين. ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى ابن جامع لكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتنا يا بنت أبي الفضل وسبقتنا إلى بر ضيفنا وجليسنا.

فلما خرج، حمل إليها مكان كل درهم دينارا.

أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثني محمد بن ضوين الصلصال التيمي قال حدثني إسماعيل بن جامع السهمي قال: ضمني الدهر ضما شديدا بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما وما أملك إلا ثلاثة دراهم. فهي في كمي إذا أنا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي تسعى بين يدي وترنم بصوت شجي تقول:

شكونا إلى أحبابنا طول لـيلـنـا                      فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنـا

وذاك لأن النوم يغشى عيونـهـم                      سراعا وما يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضر لذي الهوى                      جزعنا وهم يستبشرون إذا دنـا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثـل مـا                      نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال: فأخذ الغناء بقلبي ولم يدر لي منه حرف. فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك فلو شئت أعدت؛ قالت: حبا وكرامة. ثم أسندت ظهرها إلى جدار قرب منها ورفعت إحدى رجليها فوضعتها على الأخرى، ووضعت الجرة على ساقيها ثم انبعثت تغنيه؛ فوالله ما دار لي منه حرف؛ فقلت: أحسنت فلو شئت أعدتيه مرة أخرى ففطنت وكلحت وقالت: ما أعجب أمركم أحدكم لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها فضربت بيدي إلى الثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، وقلت: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي. قال: فأخذتها كالكارهة وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا أحسبك ستأخذ به ألف دينار وألف دينار وألف دينار. قال: وابنعثت تغني؛ فأعملت فكري في غنائها حتى دار لي الصوت وفهمته، وانصرفت مسرورا إلى منزلي أردده حتى خف على لساني. ثم إني خرجت أريد بغداد فدخلتها، فنزل بي المكاري على باب محول؛ فبقيت لا أدري أين أتوجه ولا من أقصد. فذهبت أمشي مع الناس، حتى أتيت الجسر فعبرت معهم، ثم انتهيت إلى شارع المدينة، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا؛ فقلت: مسجد قوم سراة؛ فدخلته، وحضرت صلاة المغرب وأقمت بمكاني حتى صليت العشاء الآخرة على جوع وتعب.

 

 

صفحة : 694

 

وانصرف أهل المسجد وبقي رجل يصلي، خلفه جماعة خدم وخول ينتظرون فراغه؛ فصلى مليا ثم انصرف؛ فرآني فقال: أحسبك غريبا? قلت: أجل. قال: فمتى كنت في هذه المدينة? قلت: دخلتها آنفا، وليس لي بها منزل ولا معرفة، وليست صناعتي من الصنائع التي يمت بها إلى أهل الخير. قال: وما صناعتك? قلت: أتغنى. قال: فوثب مبادرا ووكل بي بعض من معه. فسألت الموكل بي عنه فقال: هذا سلام الأبرش. قال: وإذا رسول قد جاء في طلبي فانتهى بي إلى قصر من قصور الخلافة، وجاوز بي مقصورة إلى مقصورة، ثم أدخلت مقصورة في آخر الدهليز؛ ودعا بطعام فأتيت بمائدة عليها من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني لكذلك إذ سمعت ركضا في الدهليز وقائلا يقول: أين الرجل? قيل: هو هذا. قال: ادعوا له بغسول وخلعة وطيب، ففعل ذلك بي. فحملت على دابة إلى دار الخلافة - وعرفتها بالحرس والتكبير والنيران فجاوزت مقاصير عدة، حتى صرت إلى دار قوراء فيها أسرة في وسطها قد ضيف بعضها إلى بعض. فأمرني الرجل بالصعود فصعدت، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في جورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود. فرحب الرجل بي، وإذا مجالس حياله كان فيها قوم قد قاموا عنها. فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر فقال للرجل: تغن، فانبعث يغني بصوت لي وهو:

لم تمش ميلا ولم تركب على قتب                      ولم تر الشمس إلا دونها الكلـل

تمشي الهوينى كأن الريح ترجعها                      مشي اليعافير في جيآتها الوهل فغنى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين مختلفة. ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل فقال لها: تغني، فغنت أيضا بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، وهو قوله:

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها                      إلا الظباء وإلا الناشط الـفـرد

أين الذين إذا ما زرتهم جذلـوا                      وطار عن قلبي التشواق والكمد ثم عاد إلى الثانية وأحسبه أغفلها وما تغنت به، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليها فانبعثت تغني بصوت لحكم الوادي وهو:

فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى                      إذا جد وشك البين أم أنا غالـبـه

فأن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى                      فمثـل الـذي لاقـيت يغـلـب قال: ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنت بصوت لحنين وهو قوله:

مررنا على قيسية عـامـرية                      لها بشر صافي الأديم هجـان

فقالت وألقت جانب الستر دونها                      من آية أرض أو من الرجلان

فقلت لها أما تميم فأسـرتـي                      هديت وأما صاحبي فـيمـان

رفيقان ضم السفر بيني وبينـه                      وقد يلتقي الشتى فيأتـلـفـان ثم عاد إلى الرجل فغنى صوتا فشبه فيه. والشعر لعمر بن أبي ربيعة وهو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا                      إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

كأن أحور من غزلان ذي بقر                      أعارها شبه العينين والـجـيدا

بمشرق كشعاع الشمس بهجتـه                      ومسبكر على لباتـهـا سـودا ثم عاد إلى الجارية فتغنت بصوت لحكم الوادي:

تعيرنا أنا قلـيل عـديدنـا                      فقلت لها إن الكرام قلـيل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا                      عزيز وجار الأكثرين ذليل

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة                      إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا                      وتكرهه آجالهم فتطـول وتغنت الثانية:

وددتك لما كان ودك خـالـصـا                      وأعرضت لما صرت نهبا مقسما

ولا يلبث الحوض الجديد بـنـاؤه                      إذا كثر الـوراد أن يتـهـدمـا وتغنت الثالثة بشعر الخنساء:

وما كر إلا كان أول طـاعـن                      ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت

فيدرك ثأرا وهو لم يخطه الغنى                      فمثل أخي يوما به العين قرت

فلسـت أرزا بـعـده بـرزية                      فأذكره إذا سلت وتـجـلـت وغنى الرجل في الدور الثالث:

لحى الله صعلوكا منـاه وهـمـه                      من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما

ينام الضحى حتى إذا ليله انتهـى                      تنبه مثلوج الـفـؤاد مـورمـا

 

صفحة : 695

 

 

ولكن صعلوكا يسـاور هـمـه                      ويمضي على الهيجاء ليثا مقدما

فذلك إن يلق الكريهة يلـقـهـا                      كريما وإن يستغن يوما فربمـا قال: وتغنت الجارية:

إذا كنت ربا للقلوص فلا يكـن                      رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتـكـمـا                      فذاك وإن كان العقاب فعاقـب قال: وتغنت الجارية بشعر عمرو بن معد يكرب:

ألم تر لما ضمني البلد الـقـفـر                      سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عـصـبة مـذحـجـية                      نزار على وقر وليس لنـا وفـر قال: وتغنت الثالثة بشعر عمر بن أبي ربيعة:

فلما تواقفنا وسلمت أسفـرت                      وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما عرفننـي                      وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

ولما تنازعن الأحاديث قلن لي                      أخفت علينا أن نغر ونخـدع قال: وتوقعت مجيء الخادم إلي، فقلت للرجل: بأبي أنت خذ العود فشد وتر كذا وارفع الطبقة وحط دستان كذا؛ ففعل ما أمرته. وخرج الخادم فقال لي: تغن عافاك الله؛ فتغنيت بصوت الرجل الأول على غير ما غناه، فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى استندوا إلى الأسرة وقالوا: ويحك لمن هذا الغناء? قلت: لي؛ فانصرفوا عني بتلك السرعة، وخرج إلي الخادم وقال: كذبت هذا الغناء لابن جامع. ودار الدور؛ فلما انتهى الغناء إلي قلت للجارية التي تلي الرجل: خذي العود، فعلمت ما أريد فسوت العود على غنائها للصوت الثاني فتغنيت به. فخرجت إلي الجماعة الأولى من الخدم فقالوا: ويحك لمن هذا? قلت: لي؛ فرجعوا وخرج الخادم. فتغنيت بصوت لي فلا يعرف إلا بي، وسقوني فتزيدت، وهو:

عوجي علي فسلمي جبر                      فيم الصدود وأنتم سفـر

ما نلتقي إلا ثلاث منـى                      حتى يفرق بيننا الدهـر قال: فتزلزلت والله الدار عليهم. وخرج الخادم فقال: ويحك لمن هذا الغناء? قلت: لي. فرجع ثم خرج فقال: كذبت هذا غناء ابن جامع. فقلت: فأنا إسماعيل بن جامع. فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك. فلما صعد السرير وثبت قائما.

 

 

صفحة : 696

 

فقال لي: أبن جامع? قلت: ابن جامع، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. قال: ويحك متى كنت في هذه البلدة? قلت: آنفا، دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين. قال: اجلس ويحك يا بن جامع ومضى هو وجعفر فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: أبشر وابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال: غنني يا بن جامع. فخطر بقلبي صوت الجارية الحميراء فأمرت الرجل بإصلاح العود على ما أردت من الطبقة، فعرف ما أردت، فوزن العود وزنا وتعاهده حتى استقامت الأوتار وأخذت الدساتين مواضعها، وانبعثت أغني بصوت الجارية الحميراء. فنظر الرشيد إلى جعفر وقال: أسمعت كذا قط? فقال: لا والله ما خرق مسامعي قط مثله. فرفع الرشيد رأسه إلى خادم بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار فجاء به فرمى به إلي، فصيرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين. فقال: يا بن جامع، رد على أمير المؤمنين هذا الصوت، فرددته وتزيدت فيه. فقال له جعفر: يا سيدي، أما تراه كيف يتزيد في الغناء هذا خلاف ما سمعناه أولا وإن كان الأمر في اللحن واحدا. قال: فرفع الرشيد رأسه إلى ذلك الخادم فدعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به فصيرته تحت فخذي. وقال: تغن يا إسماعيل ما حضرك. فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري فأغنيه? فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت يعني صوت الجارية فتغنيت. فدعا الخادم وأمره فأحضر كيسا ثالثا فيه ألف دينار. قال: فذكرت ما كانت الجارية قالت لي فتبسمت، ولحظني فقال: يا بن الفاعلة، مم تبسمت? فجثوت على ركبتي وقلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة. فقال لي بانتهار: قل. فقصصت عليه خبر الجارية. فلما استوعبه قال: صدقت، قد يكون هذا. وقام. ونزلت من السرير ولا أدري أين أقصد. فابتدرني فراشان فصارا بي إلى دار قد أمر بها أمير المؤمنين؛ ففرشت وأعد فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم من الخدم، ومن كل آلة وخول إلى جوار ووصفاء. فدخلتها فقيرا وأصبحت من جلة أهلها ومياسيرهم.

وذكر لي هذا الخبر عبد الله بن الربيع عن أبي حفص الشيباني عن محمد بن القاسم عن إسماعيل بن جامع قال: ضمني الدهر بمكة ضما شديدا فانتقلت إلى المدينة. فبينا أنا يوما جالس مع بعض أهلها نتحدث، إذ قال لي رجل حضرنا: والله لقد بلغنا يا بن جامع أن الخليفة قد ذكرك، وأنت في هذا البلد ضائع فقلت: والله ما بي نهوض. قال بعضهم: فنحن ننهضك. فاحتلت في شيء وشخصت إلى العراق، فقدمت بغداد، ونزلت عن بغل كنت اكتريته. ثم ذكر باقي الحديث نحو الذي قبله في المعاني، ولم يذكر خبر السوداء التي أخذ الصوت عنها. وأحسبه غلط في إدخاله هذه الحكاية هاهنا، ولتلك خبر آخر نذكره هاهنا. قال في هذا الخبر: إن الدور دار مرة أخرى حتى صار إلي؛ فخرج الخادم فقال: غن أيها الرجل فقلت: ما أنتظر الآن ثم اندفعت أغني بصوت لي وهو:

فلو كان لي قلبان عـشـت بـواحـد                      وخلفت قلـبـا فـي هـواك يعـذب

ولكـنـمـا أحـيا بـقـلـب مـروع                      فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب

تعلمت أسباب الرضا خوف سخطهـا                      وعلمها حبي لها كـيف تـغـضـب

ولي ألف وجه قد عرفـت مـكـانـه                      ولكن بلا قـلـب إلـى أين أذهـب فخرج الرشيد حينئذ.

 

شكونا إلى أحبابنا طول لـيلـنـا                      فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنـا

وذاك لأن النوم يغشى عيونـهـم                      سراعا وما يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضر بذى الهوى                      جزعنا وهم يستبشرون إذا دنـا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثـل مـا                      نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا عروضه من الطويل. وذكر الهشامي أن الغناء لابن جامع هزج بالوسطى، وفي الخبر أنه أخذه عن سوداء لقيها بمكة.

ومنها:

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها                      إلا الظباء وإلا الناشط الـفـرد

أين الذين إذا ما زرتهم جذلـوا                      وطار عن قلبي التشواق والكمد في هذا الصوت لحن لابن سريج خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية حبش. ولحن ابن جامع رمل.

ومنها:

 

صفحة : 697

 

 

لم تمش ميلا ولم تركب على جمل                      ولم تر الشمس إلا دونها الكلـل

أقول للركب في درنا وقد ثملـوا                      شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل الشعر للأعشى. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر، وقد كتب فيما يغني فيه من قصيدة الأعشى التي أولها:

ودع هريرة إن الركب مرتحل ومنها:

مررنا على قيسية عـامـرية                      لها بشر صافي الأديم هجـان

فقالت وألقت جانب الستر دونها                      من اية أرض أو من الرجلان

فقلت لها أما تميم فأسـرتـي                      هديت وأما صاحبي فيمانـي

رفيقان ضم السفر بيني وبينـه                      وقد يلتقي الشتى فيأتـلـفـان غناه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.

ومنها:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا                      إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

أجري على موعد منها فتخلفني                      فما أمل ولا توفي المواعـيدا

كأنني حين أمسي لا تكلمـنـي                      ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى، وله فيه ثقيل أول بالبنصر وذكر عمرو بن بانة أن لمعبد فيه ثقيلا أول، بالوسطى على مذهب إسحاق.

ومنها:

فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى                      إذا جد وشك البين أم أنا غالـبـه

فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى                      فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه عروضه من الطويل. الشعر لابن ميادة، والغناء للحجبي خفيف ثقيل بالبنصر من رواية حبش.

ومنها:

تعيرنا أنا قلـيل عـديدنـا                      فقلت لها إن الكرام قلـيل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا                      عزيز وجار الأكثرين ذليل

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة                      إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا                      وتكرهه آجالهم فتطـول عروضه من مقبوض الطويل. الشعر للسموءل بن عادياء اليهودي. والغناء لحكم الوادي. ومنها:

وددتك لما كان ودك خالـصـا                      وأعرضت لما صار نهبا مقسما

ولن يلبث الحوض الجديد بنـاؤه                      على كثرة الوراد أن يتهـدمـا عروضه من الطويل. وفيه خفيف ثقيل قديم لأهل مكة. وفيه لعريب ثقيل أول.

ومنها:

وما كر إلا كان أول طـاعـن                      ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت

فيدرك ثأرا ثم لم يخطه الغنـى                      فمثل أخي يوما به العين قرت

فإن طلبوا وترا بدا بتـراتـهـم                      ويصبر يحميهم إذا الخيل ولت عروضه من الطويل. الشعر للخنساء، والغناء لأبن سريج ثقيل أول بالبنصر وذكر علي بن يحيى أنه لمعبد في هذه الطريقة.

ومنها:

لحا الله صعلوكا منـاه وهـمـه                      من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما

ينام الضحى حتى إذا ليله انتهـى                      تنبه مثلوج الـفـؤاد مـورمـا

ولكن صعلوكـا يسـاور هـمـه                      ويمضي على الهيجاء ليثا مصمما

فذلك إن يلق الكـريهة يلـقـهـا                      كريما وإن يستغن يوما فربـمـا عروضه من الطويل. الشعر يقال إنه لعروة بن الورد، ويقال: إنه لحاتم الطائي وهو الصحيح. والغناء لطويس خفيف رمل بالبنصر.

ومنها:

إذا كنت ربا للقلوص فلا يكـن                      رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتـكـمـا                      فذاك وإن كان العقاب فعاقـب عروضه من الطويل. والشعر لحاتم طيء.

ومنها:

ألم تر لما ضمني البلد الـقـفـر                      سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عـصـبة مـذحـجـية                      نزار على وفر وليس لنـا وفـر عروضه من الطويل. الشعر لعمرو بن معد يكرب. والغناء لحنين رمل بالوسطى عن حبش. ومنها:

فلما تواقفنا وسلمت أقبـلـت                      وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما رأينـنـي                      وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

ولما تنازعن الأحاديث قلن لي                      أخفت علينا أن نغر ونخدعـا

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم                      يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا

 

صفحة : 698

 

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج والغريض ومالك ومعبد وابن جامع في عدة ألحان، قد كتبت مع الخبر في موضع غير هذا.

ومنها:

عوجي علي فسلمي جبـر                      فيم الصدود وأنتم سـفـر

ما نلتقي إلا ثـلاث مـنـى                      حتى يفرق بيننا الـنـفـر

الحول ثم الحول يتـبـعـه                      ما الدهر إلا الحول والشهر الشعر للعرجي. والغناء للأبجر ثقيل أول عن الهشامي، ويقال إنه لابن محرز، ويقال بل لحنه فيه غير لحن الأبجر. وفيه رمل يقال إنه لابن جامع، وهو القول الصحيح، وذكر حبش أنه لابن سريج، وأن لحن ابن جامع خفيف رمل.

ومنها:

فلو كان لي قلبان عـشـت بـواحـد                      وخلفت قلـبـا فـي هـواك يعـذب

ولكـنـمـا أحـيا بـقـلـب مـروع                      فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب

تعلمت أسباب الرضا خوف هجرهـا                      وعلمها حبي لها كـيف تـغـضـب

ولي ألف وجه قد عرفـت مـكـانـه                      ولكن بلا قـلـب إلـى أين أذهـب عروضه من الطويل. الشعر لعمرو الوراق. والغناء لابن جامع خفيف رمل، ويقال إنه لعبد الله بن العباس. وفيه لعريب ثقيل أول. وفيه لرذاذ خفيف ثقيل. وفيه هزج يقال إنه لعريب، ويقال إنه لنمرة، ويقال إنه لأبي فارة، ويقال إنه لابن جامع.

حدثني مصعب الزبيري قال: قدم علينا ابن جامع المدينة قدمة في أيام الرشيد؛ فسمعته يوما يغني في بعض بساتين المدينة:

وما لي لا أبكي وأندب ناقتـي                      إذا صدر الرعيان ورد المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي رحلتها                      فسارت بمحزون كثير البلابل وكان رجلا صيتا، فكاد صوته يذهب بي كل مذهب، وما سمعت قبله ولا بعده مثله.

 

وما لي لا أبكي وأندب ناقتـي                      إذا صدر الرعيان ورد المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي ركبتها                      فسارت بمحزون كثير البلابل الغناء لابن جامع خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن الهشامي وابن المكي.

أخبرني وكيع قال حدثني هارون بن محمد الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: كنت في خمسين وصيفا اهدوا للمنصور، ففرقنا في خدمته، فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه. فكنت أراه يفعل شيئا أعلم أنه خطأ: يعطيه الإبريق في آخر المستراح ويقف مكانه لا يبرح. وقال لي يوما: كن مكاني في آخر المستراح. فكنت أعطيه الإبريق وأخرج مبادرا، فإذا سمعت حركته بادرت إليه.

فقال لي: ما أخفك على قلبي يا غلام ويحك ثم دخل قصرا من تلك القصور فرأى حيطانه مملوءة من الشعر المكتوب عليها. فبينا هو يقرأ ما فيه إذا هو بكتاب مفرد، فقرأه فإذا هو:

ومالي لا أبكي وأندب ناقـتـي                      إذا صدر الرعيان نحو المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي رحلتها                      فسارت بمحزون طويل البلابل وتحته مكتوب: آه آه، فلم يدر ما هو. وفطنت له فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما هو. فقال: قل? فقلت: قال الشعر ثم تأوه فقال: آه آه، فكتب تأوهه وتنفسه وتأسفه. فقال: مالك قاتلك الله قد أعتقتك ووليتك مكان ياسر.

ذكر أخبار هذه الأصوات المتفرقة في الأخبار

وإنما أفردتها عنها لئلا تنقطع خبر

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا أخبرني الحسين بن يحيى قال حماد: قرأت على أبي، وذكر جعفر بن سعيد عن عبد الرحمن بن سليمان المكي قال حدثني المخزومي يعني الحارث بن خالد قال: بلغني أن الغريض خرج مع نشوة من أهل مكة من أهل الشرف ليلا إلى بعض المتحدثات من نواحي مكة، وكانت ليلة مقمرة؛ فاشتقت إليهن وإلى مجالستهن وإلى حديثهن، وخفت على نفسي لجناية كنت أطالب بها، وكان عمر مهيبا معظما لا يقدم عليه سلطان ولا غيره، وكان مني قريبا؛ فأتيته فقلت له: إن فلانة وفلانة وفلانة - حتى سميتهن كلهن - قد بعثنني، وهن يقرأن عليك السلام، وقلن: تشوقن إليك في ليلتنا هذه لصوت أنشدناه فويسقك الغريض - وكان الغريض يغني هذا الصوت فيجيده، وكان ابن أبي ربيعة به معجبا، وكان كثيرا ما يسأل الغريض أن يغنيه، وهو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا                      إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

 

صفحة : 699

 

 

كأن أحور مـن غـزلان ذي نـفـر                      أفدى لها شبه العـينـين والـجـيدا

قامت تراءى وقد جد الرحـيل بـنـا                      لتنكأ القرح من قلب قد اصـطـيدا

كأنني يوم أمسـي لا تـكـلـمـنـي                      ذو بغية يبتغي ما لـيس مـوجـودا

أجرى على موعد منها فتخلـفـنـي                      فما أمل وما توفـي الـمـواعـيدا

قد طال مطلي، لو ان اليأس ينفعنـي                      أو أن أصادف من تلقـائهـا جـودا

فليس تبذل لي عفـوا وأكـرمـهـا                      من أن ترى عندنا في الحرص تشديدا فلما أخبرته الخبر قال: لقد أزعجتني في وقت كانت الدعة أحب فيه إلي؛ ولكن صوت الغريض وحديث النسوة ليس له مترك ولا عنه محيص. فدعا بثيابه فلبسها، وقال: امض؛ فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهن. فقال لي عمر: خفض عليك مشيك ففعلت، حتى وقفنا عليهن وهن في أطيب حديث وأحسن مجلس؛ فسلمنا، فتهيبننا وتخفرن منا. فقال الغريض: لا عليكن هذا ابن أبي ربيعة والحارث بن خالد جاءا متشوقين إلى حديثكن وغنائي. فقالت فلانة: وعليك السلام يا بن أبي ربيعة، والله ما تم مجلسنا إلا بك، اجلسا. فجلسنا غير بعيد، وأخذن عليهن جلابيبهن وتقنعن بأخمرتهن وأقبلن علينا بوجوههن وقلن لعمر: كيف أحسست بنا وقد أخفينا أمرنا? فقال: هذا الفاسق جاءني برسالتكن وكنت وقيذا من علة وجدتها، فأسرعت الإجابة، ورجوت منكن على ذلك حسن الإثابة. فرددن عليه: قد وجب أجرك، ولم يخب سعيك، ووافق منا الحارث إرادة. فحدثهن بما قلت له، من قصة غناء الغريض؛ فقال النسوة: والله ما كان ذلك كذلك، ولقد نبهتنا على صوت حسن، يا غريض هاته. فاندفع الغريض يغني ويقول:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا                      إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا حتى أتى على الشعر كله إلى آخره، فكل استحسنه. وأقبل علي ابن أبي ربيعة فجزاني الخير، وكذلك النسوة. فلم نزل بأنعم ليلة وأطيبها حتى بدأ القمر يغيب، فقمنا جميعا، وأخذ النسوة طريقا ونحن طريقا وأخذ الغريض معنا.

وقال عمر في ذلك:

هل عند رسم برامة خـبـر                      أم لا فأي الأشياء تنـتـظـر

قد ذكرتني الديار إذ درسـت                      والشوق مما يهيجه الـذكـر

ممشى رسول إلي يخبـرنـي                      عنهم عشاء ببعض ما ائتمروا

ومجلس النسوة الثلاث لدى ال                      خيمات حتى تبلج السـحـر

فيهن هند والهم ذكـرتـهـا                      تلك التي لا يرى لها خطـر

ثم انطلقنا وعـنـدنـا ولـنـا                      فيهن لو طال ليلـنـا وطـر

وقولها للـفـتـاة إذ أزف ال                      بين أغـاد أم رائح عـمـر

عجلان لم يقض بعض حاجته                      هلا تأنى يوما فـينـتـظـر

الله جار لـه وإن نـزحـت                      دار به أو بـدا لـه سـفـر غناه الغريض ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيه لابن سريج رمل بالوسطى. وفيه لعبد الرحيم الدفاف ثقيل أول بالبنصر في البيتين الأولين. وبعدهما:

هل من رسول إلي يخبرني                      بعد عشاء ببعض ما ائتمروا

يوم ظللنا وعنـدنـا ولـنـا                      فيهن لو طال يومنا وطـر فلما كانت الليلة القابلة بعث إلي عمر فأتيته وإذا الغريض عنده. فقال له عمر: هات؛ فاندفع يغني:

هل عند رسم برامة خـبـر                      أم لا فأي الأشياء تنتـظـر

ومجلس النسوة الثلاث لدى ال                      خيمات حتى تبلج السـحـر فقلت في نفسي: هذا والله صفة ما كنا فيه، فسكت حتى فرغ الغريض من الشعر كله؛ فقلت: يا أبا الخطاب، جعلت فداك هذا والله صفة ما كنا فيه البارحة مع النسوة. فقال: إن ذلك ليقال. وذكر أحمد بن الحارث عن المدائني عن علي بن مجاهد قال: إن موسى بن مصعب كان على الموصل، فاستعمل رجلا من أهل حران على كورة باهذرا وهي أجل كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج؛ فكتب إليه:

هل عند رسم برامة خبر                      أم لا فأي الأشياء تنتظر احمل ما عندك يا ماص بظر أمه، وإلا فقد أمرت. رسولي بشدك وثاقا ويأتي بك. فخرج الرجل وأخذ ما كان معه من الخراج فلحق بحران، وكتب إليه: يا عاض بظر أمه إلي تكتب بمثل هذا

 

صفحة : 700

 

 

وإذا أهل بلدة أنكروني                      عرفتني الدوية الملساء فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال: أحسن - يعلم الله - الجواب، ولا والله لا أطلبه أبدا. وفي غير هذه الرواية أنه كتب إليه في آخر رقعة:

إن الخليط الألى تهوى قد ائتمروا                      للبين ثم أجدوا السير فانشمـروا يا بن الزانية والسلام. ثم هرب، فلم يطلبه.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد قال قال أبي: غناني رجل من أهل المدينة لحن الغريض:

هل عند رسم برامة خبر                      أم لا فأي الأشياء تنتظر فسألته أن يلقيه علي، فقال: لا إلا بألف درهم؛ فلم أسمح له بذلك. ومضى فلم ألقه. فوالله يا بني ما ندمت على شيء قط ندمي على ذلك، ولوددت أني وجدته الآن فأخذته منه كما سمعته وأخذ مني ألف دينار مكان الألف الدرهم.

 

تعيرنا أنا قليل عديدنا الشعر لشريح بن السموءل بن عادياء. ويقال: إنه للسموءل. وكان من يهود يثرب؛ وهو الذي يضرب به المثل في الوفاء فيقال: أوفى من السموءل.

وكان السبب في ذلك فيما ذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة وحدثني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن السائب الكلبي قال: كان امرؤ القيس بن حجر أودع السموءل بن عادياء أدراعا؛ فأتاه الحارث بن ظالم- ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني - ليأخذها منه؛ فتحصن منه السموءل؛ فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما أن تسلم الأدراع وإما أن قتلت ابنك؛ فأبى السموءل أن يسلم الأدراع إليه؛ فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه اثنين. فقال السموءل:

وفيت بأدرع الكندي إنـي                      إذا ما خان أقوام وفـيت

وأوصى عاديا يومـا بـألا                      تهدم يا سموءل ما بنـيت

بنى لي عاديا حصنا حصينا                      وماء كلما شئت استقـيت وفي هذه القصيدة يقول:

أعـــاذلـــتـــي ألا لا تـــعـــذلـــينـــي                      فكــم مـــن أمـــر عـــاذلة عـــصـــيت

دعيني وارشدي إن كنت أغوىولا تغوى زعمت كما غويت

أعاذل قد طلبت اللوم حتى                      لو انـي مـنـتــه لـــقـــد انـــتـــهـــيت

وصـفـراء الـمـعـاصـم قــد دعـــتـــنـــي                      إلـى وصـل فـقـــلـــت لـــهـــا أبـــيت

وزق قــد جـــررت إلـــى الـــنـــدامـــى                      وزق قـــد شـــربـــت وقـــد ســـقـــيت

وحـتـــى لـــو يكـــون فـــتـــى أنـــاس                      بكـــى مـــن عـــذل عـــاذلة بـــكـــيت عروضه من الوافر. والشعر للسموءل بن عادياء. والغناء لابن محرز في الأول والثاني والرابع والخامس خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.

وغنى فيها مالك خفيف ثقيل بالبنصر في الأول والثاني.

وغنى دحمان أيضا في الأول والثاني والرابع والخامس رملا بالوسطى.

وغنى عبد الرحيم الدفاف في الأول والثاني رملا بالبنصر.

وفي هذه الأبيات لابن سريج لحن في الرابع وما بعده. ثم في سائر الأبيات لحن ذكره يونس، ولم ينسبه. ولإبراهيم الموصلي فيها لحن غير منسوب أيضا.

حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال حدثني محمد بن السائب الكلبي قال: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:

بنو الشهر الحرام فلست منهم                      ولست من الكرام بني عبيد

ولا من رهط جبار بن قرط                      ولا من رهط حارثة بن زيد قال: وهؤلاء كلهم من كلب فقال الكلبي: أنا، لا أبالك، أشرف من هؤلاء. قال: فسبه الناس بعد بهجاء الأعشى، وكان متغيظا عليه. فأغار الكلبي على قوم قد بات بهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى وهو لا يعرفه? فجاء حتى نزل بشريح بن السموءل بن عادياء الغساني صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق. فمر شريح بالأعشى، فنادى به الأعشى بقوله:

شريح لا تتركني بعد ما علـقـت                      حبالك اليوم بعد القد أظـفـاري

قد جلت ما بين بانقيا إلـى عـدن                      فطال في العجم تردادي وتسياري

فكان أكرمهم عهدا وأوثـقـهـم                      عقدا أبوك بعرف غير إنـكـار

كالغيث ما استمطروه جاد وابلـه                      وفي الشدائد كالمستأسد الضاري

كن كالسموءل إذ طاف الهمام به                      في جحفل كسواد اللـيل جـرار

إذ سامه خطتي خسف فقـال لـه                      قل ما تشاء فإني سامـع حـار

 

صفحة : 701

 

 

فقال غدر وثكل أنت بينـهـمـا                      فاختر وما فيهما حظ لمختـار

فشك غير طويل ثـم قـال لـه                      اقتل أسيرك إني مانع جـاري

وسوف يعقبنيه إن ظفـرت بـه                      رب كريم وبيض ذات أطهـار

لا سرهن لدينـا ذاهـب هـدرا                      وحافظات إذا استودعن أسراري

فاختار أدراعه كي لا يسب بهـا                      ولم يكن وعده فيها بـخـتـار قال: فجاء شريح إلى الكلبي فقال له: هب لي هذا الأسير المضرور؛ فقال: هو لك، فأطلقه. وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك؛ فقال له الأعشى: إن من تمام صنيعك إلي أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة. قال: فأعطاه ناقة، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إلي بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه؛ فقال: قد مضى. فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.

وأما خبر:

وما كر إلا كان أول طاعن - والشعر للخنساء - فإنه خبر يطول لذكر ما فيه من الوقائع؛ وهو يأتي فيما بعد هذا مفراد عن المائة الصوت المختارة في أخبار الخنساء.

وأما خبر الجارية التي أخذ عنها ابن جامع الصوت وما حكيناه من أنه وقع في حكاية محمد بن ضوين الصلصال فيها خطأ، فأخبرنا بخبرها الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي محمد العامري قال حدثني عكاشة اليزيدي بجرجان قال حدثني إسماعيل بن جامع قال: بينا أنا في غرفة لي باليمن وأنا مشرف على مشرعة، إذ أقبلت أمة سوداء على ظهرها قربة، فملأتها ووضعتها على المشرعة لتستريح، وجلست فغنت:

فردي مصاب القلب أنت قتلته                      لا تبعدي فيما تجشمت كلثما ويروى ولا تتركيه هائم القلب مغرما-:

إلى الله أشكو بخلها وسماحـتـي                      لها عسل مني وتبذل علـقـمـا

أبي الله أن أمسي ولا تذكريننـي                      وعيناي من ذكراك قد ذرفت دما

أبيت فما تنفك لي منـك حـاجة                      رمى الله بالحب الذي كان أظلما - غناه سياط خفيف ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة - قال: ثم أخذت قربتها لتمضي. فاستفزني من شهوة الصوت ما لا قوام لي به، فنزلت إليها فقلت لها: أعيديه. فقالت: أنا عنك في شغل بخراجي. قلت: وكم هو? قالت: درهمان في كل يوم. قلت: فهذان درهمان، ورديه علي حتى آخذه منك، وأعطيتها درهمين؛ فقالت: أما الآن فنعم. فجلست، فلم تبرح حتى أخذته منها وانصرفت؛ فلهوت يومي به، وأصبحت من غد لا أذكر منه حرفا، فإذا أنا بالسوداء قد طلعت ففعلت كفعلها بالأمس. فلما وضعت القربة تغنت غيره، فعدوت في أثرها وقلت: يا جارية، بحقي عليك ردي علي الصوت فقد ذهبت عني منه نغمة. فقالت: لا والله، ما مثلك تذهب عنه نغمة، أنت تقيس أوله على آخره، ولكنك قد أنسيته، ولست أفعل إلا بدرهمين آخرين. فدفعتهما إليها وأعادته علي حتى أخذته ثانية.

ثم قالت: إنك تستكثر فيه أربعة دراهم، وكأني بك قد أصبت به أربعة آلاف دينار. فكنت عند هارون يوما وهو على سريره؛ فقال: من غناني فأطربني فله ألف دينار، وقدامه أكياس في كل كيس ألف دينار. فغنى القوم وغنيت فلم يطرب، حتى دار الغناء إلي ثانية فغنيت صوت السوداء؛ فرمى إلي بكيس فيه ألف دينار، ثم قال: أعده فغنيته؛ فرمى إلي بثان ثم قال: أعده فرمى إلي بثالث وأمسك. فضحكت؛ فقال: ما يضحكك? فقلت: لهذا الصوت حديث. عجيب يا أمير المؤمنين. فقال: وما هو? فحدثته به وقصصت عليه القصة؛ فرمى إلي برابع وقال: لا نكذب قولها.

 

عوجي علي فسلمي جبر الشعر للعرجي وقد ذكرنا نسبة الصوت.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال حدثني محمد بن إسحاق قال:

 

صفحة : 702

 

قيل لعمر بن عبد العزيز: إن بالمدينة مخنثا قد أفسد نساءها فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحمله. فأدخل عليه، فإذا شيخ خضيب اللحية والأطراف معتجر بسبنية قد حمل دفا في خريطته. فلما وقف بين يدي عمر صعد بصره فيه وصوبه وقال: سوأة لهذه الشيبة وهذه القامة أتحفظ القرآن? قال: لا والله يا أبانا؛ قال: قبحك الله وأشار إليه من حضره فقالوا: اسكت فسكت. فقال له عمر: أتقرأ من المفصل شيئا? قال: وما المفصل? قال: ويلك أتقرأ من القرآن شيئا? قال: نعم، أقرأ الحمد لله وأخطئ فيها في موضعين أو ثلاثة، وأقرأ قل أعوذ برب الناس وأخطئ فيها، وأقرأ قل هو الله أحد مثل الماء الجاري. قال: ضعوه في الحبس ووكلوا به معلما يعلمه القرآن وما يجب عليه من حدود الطهاره والصلاة وأجروا عليه في كل يوم ثلاثة دراهم وعلى معلمه ثلاثة دراهم أخر، ولا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع. فكان كلما علم سورة نسي التي قبلها. فبعث رسولا إلى عمر: يا أمير المؤمنين، وجه إلي من يحمل إليك ما أتعلمه أولا فأولا، فإني لا أقدر على حمله جملة واحدة. فيئس عمر من فلاحه وقال: ما أرى هذه الدراهم إلا ضائعة، ولو أطعمناها جائعا أو أعطيناها محتاجا أو كسوناها عريانا لكان أصلح. ثم دعا به، فلما وقف بين يديه قال له: اقرأ قل يأيها الكافرون . قال: أسأل الله العافية أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شر ما فيه وأصعبه. فأمر به فوجئت عنقه ونفاه.

فاندفع يغني وقد توجهوا به:

عوجي علي فسلمي جبر                      فيم الوقوف وأنتم سفر

ما نلتقي إلا ثلاث منـى                      حتى بفرق بيننا النفـر فلما سمع الموكلون به حسن ترنمه خلوه وقالوا له: اذهب حيث شئت مصاحبا بعد استماعهم منه طرائف غنائه سائر يومهم وليلتهم.

أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائني قال: أحج خالد بن عبد الله ابنه محمدا وأصحبه رزاما مولاه وأعطاه مالا، وقال: إذا دخلت المدينة فاصرفه فيما أحببت. فلما صرنا بالمدينة سأل محمد عن جارية حاذقة؛ فقيل: عند محمد بن عمران التيمي القاضي. فصلينا الظهر في المسجد ثم. ملنا إليه فاستأذنا عليه فأذن لنا وقد انصرف من المسجد وهو قاعد على لبد ونعلاه في آخر اللبد؛ فسلمنا عليه فرد؛ ونسب محمدا فانتسب له، فقال: خيرا. ثم قال: هل من حاجة? فلجلج. فقال: كأنك ذكرت فلانة يا جارية أخرجي؛ فخرجت فإذا أحسن الناس، ثم تغنت فإذا أحذق الناس؛ فجعل الشيخ يذهب مع حركاتها ويجيء، إلى أن غنت قوله:

عوجي علي فسلمي جبر فلما بلغت:

حتى يفرق بيننا النفر وثب الشيخ إلى نعله فعلقها في أذنه وجثا على ركبتيه وأخذ بطرف آذنه والنعل فيها وجعل يقول: أهدوني أنا بدنة، أهدوني أنا بدنة. ثم أقبل عليهم فقال: كم قيل لكم إنها تساوي? قالوا: ستمائة دينار. قال: هي وحق القبر خير من ستة آلاف دينار، ووالله لا يملكها علي أحد أبدا، فانصرفوا إذا شئتم.

أخبرنا وسواسة بن الموصلي - وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي - قال حدثني حماد بن إسحاق قال: وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثقفي عن ابن عم لعمارة بن حمزة قال حدثني سليم الحساب عن داود المكي قال: كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده ابن المبارك وجماعة من العراقيين، إذ مر به ابن تيزن - قال حماد: ويقال ابن بيرن - وقد ائتزر بمئزرة على صدره، وهي إزرة الشطار عندنا. فدعاه ابن جريج؛ فقال له: إني مستعجل، وقد وعدت أصحابا لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم. فأقسم عليه حتى أتاه، فجلس وقال له: ما تريد? قال: أحب أن تسمعني. قال: أنا أجيئك إلى المنزل، فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء. قال: أسألك أن تفعل؛ قال: امرأته طالق إن غناك فوق ثلاثة أصوات. قال: ويحك ما أعجلك باليمين? قال: أكره أن أحتبس عن أصحابي. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: اعقلوا رحمكم الله. ثم قال له: غنني الصوت الذي أخبرتني أن ابن سريج غناه في اليوم الثالث من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب والجائي حتى تكسرت المحامل. فغناه:

عوجي علي فسلمي جبر

 

صفحة : 703

 

فقال ابن جريج: أحسنت والله- ثلاث مرات - ويحك أعده. قال: أمن الثلاثة? فإني قد حلفت. قال: أعده فأعاده؛ فقال: أحسنت أعده من الثلاثة فأعاده وقام فمضى. فقال ابن جريج لأصحابه: لعلكم أنكرتم ما فعلت قالوا: إنا لننكره بالعراق. قال: فما تقولون في الرجز? يعني الحداء قالوا: لا بأس به. قال: فما الفرق بينهما.

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المديني قال: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن تيزن، وابن عائشة، وابن أبي الكنات.

 

سقاني فرواني كميتـا مـدامة                      على ظمأ مني سلام بن مشكم

تخيرته أهل المـدينة واحـدا                      سواهم فلم أغبن ولم أتـنـدم عروضه من الطويل. والشعر لأبي سفيان بن حرب. والغناء لسليمان أخي بابويه الكوفي مولى الأشاعثة خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى.

 

ذكر أبي سفيان وأخباره ونسبه

هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وأم حرب بن أمية بنت أبي همهمة بن عبد العزي بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وأم أبي سفيان صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي عمة ميمونة أم المؤمنين وأم الفضل بنت الحارث بن حزن أم بني العباس بن عبد المطلب. وقد مضى ذكر أكثر أخبار ولد أمية والفرق بين الأعياص والعنابس منهم وجمل من أخبارهم في أول هذا الكتاب.

وكان حرب بن أمية قائد بني أمية ومن مالأهم في يوم عكاظ.

ويقال: إن سبب وفاته أن الجن قتلته وقتلت مرداس بن أبي عامر السلمي لإحراقهما شجر القرية وازدراعهما إياها. وهذا شيء قد ذكرته العرب في أشعارها وتواترت الروايات بذكره فذكرته، والله أعلم.

أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب، وأخبرنا محمد بن الحسين بن دريد عن عمه عن العباس بن هشام عن أبيه، وذكره أبو عبيدة وأبو عمرو الشيباني: أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مر بالقرية، وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام. فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الموضع? قال بلى. قال: نعم المزدرع هو فهل لك أن نكون شريكين فيه ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك? قال نعم. فأضرما النار في الغيضة. فلما استطارت وعلا لهبها سمع من الغيضة أنين وضجيج كثير، ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها. وقال مرداس بن أبي عامر في ذلك:

إني انتخبت لها حربا وإخوتة                      إني بحبل وثيق العقد دساس

أني أقوم قبل الأمر حجـتـه                      كيما يقال ولي الأمر مرداس قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة:

ويل لحرب فارسا                      مطاعنا مخالسـا

ويل لعمرو فارسا                      إذ لبسوا القوانسا

لنقتلن بقـتـلـه                      جحا جحا عنابسا ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبي عامر أن ماتا. فأما مرداس فدفن بالقرية. ثم ادعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة السلمي ثم الظفري.

فقال في ذلك عباس بن مرداس:

أكليب مالك كل يوم ظالمـا                      والظلم أنكد وجهه ملعـون

قد كان قومك يحسبونك سيدا                      وإخال أنك سيد مـعـيون المعيون: الذي أصابته العين، وقيل: المعيون: الحسن المنظر فيما تراه العين ولا عقل له

فإذا رجعت إلى نسائك فادهن                      إن المسالم رأسه مـدهـون

وافعل بقومك ما أراد بـوائل                      يوم الغدير سميك المطعـون

وإخال أنك سوف تلقى مثلهـا                      في صفحتيك سنانها المسنون

إن القربة قد تبـين أمـرهـا                      إن كان ينفع عندك التـبـين

حيث انطلقت تخطها لي ظالما                      وأبو يزيد بجوهـا مـدفـون أبو يزيد: مرداس بن أبي عامر.

 

 

صفحة : 704

 

وكان أبو سفيان سيدا من سادات قريش في الجاهلية ورأسا من رؤوس الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وكهفا للمنافقين في أيامه، وأسلم يوم الفتح. وله في إسلامه أخبار نذكرها هنا. وكان تاجرا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى أرض العجم. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهدة الفتح، وفقئت عينه يوم الطائف، فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك، ففقئت عينه الأخرى يومئذ فعمي.

أخبرنا الطوسي والحرمي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن إسحاق بن يحيى المكي عن أبي الهيثم عمن أخبره: أنه سمع أبا سفيان يمازح رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بنته أم حبيبة ويقول: والله إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب فما انتطحت جماء ولا ذات قرن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول: أنت تقول ذاك يا أبا حنظلة.

قال الزبير وحدثني عمي مصعب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وأبو سفيان يومئذ مشرك يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له: إن محمدا قد نكح ابنتك؛ فقال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه. واسم أم حبيبة رملة، وقيل: هند، والصحيح رملة.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز قال حدثنا المدائني عن مسلمة بن محارب عن عثمان بن عبد الرحمن بن جوشن قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما للناس، فأبطأ بإذن أبي سفيان. فلما دخل قال: يا رسول الله، ما أذنت لي حتى كدت تأذن للحجارة. فقال له: يا أبا سفيان كل الصيد في جوف الفرا.

حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال حدثنا عطاء بن مصعب قال حدثني سفيان بن عيينة عن جعفر بن يحيى البرمكي قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فكان آخر من دخل عليه أبا سفيان بن حرب. فقال: يا رسول الله، لقد أذنت للناس قبلي حتى ظننت أن حجارة الخندمة ليؤذن لها قبلي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إنك والناس لكما قال الأول: كل الصيد في بطن الفرا. أي كل شيء لهؤلاء من المنزلة فإن لك وحدك مثل مالهم كلهم.

حدثني عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثقفي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا المثني بن زرعة أبو راشد عن محمد بن إسحاق قال حدثني الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن عتبة عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان بن حرب قال : كنا قوما تجارا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول صلى الله عليه وسلم قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا. فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية، بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت في نفر من قريش إلى الشأم، وكان وجه متجرنا منه غزة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس، فأخرجهم منها وانتزع منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إياه. فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ منهم، وكانت حمص منزله، خرج منها يمشي على قدميه شكرا لله حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين. فلما انتهى، إلى إيلياء فقضى فيها صلاته وكان معه بطارقته وأشراف الروم، أصبح ذات غدوة مهموما يقلب طرفه إلى السماء. فقال له بطارقته: والله لكأنك أصبحت الغداة مهموما. فقال: أجل رأيت البارحة أن ملك الختان ظاهر. فقالوا: أيها الملك، ما نعلم أمة تختتن إلا اليهود، وهم في سلطانك وتحت يدك، فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق من تحت يدك منهم من يهود واسترح من هذا الهم. فوالله إنهم لفي ذلك من رأيهم يدبرونه إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده - وكانت الملوك تتهادى الأخبار بينهم - فقال: أيها الملك، إن هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدث عن أمر حدث فاسأله. فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى، قال هرقل لمن جاء به: سله عن هذا الحديث الذي كان ببلده؛ فسأله، فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، وقد اتبعه ناس فصدقوه وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة، وتركتهم على ذلك.

فلما أخبره الخبر قال: جردوه فإذا هو مختون؛ فقال: هذا والله النبي الذي رأيت لا ما تقولون، أعطوه ثيابه وينطلق. ثم دعا صاحب شرطته فقال له: اقلب الشأم ظهرا لبطن حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل.

 

 

صفحة : 705

 

فإنا لبغزة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال: أنتم من قوم الحجاز? قلنا نعم. قال: انطلقوا إلى الملك، فانطلقوا بنا. فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رهط هذا الرجل الذي بالحجاز? قلنا نعم. قال: فأيكم أمس به رحما؛ قال: قلت أنا - قال أبو سفيان: وأيم الله ما رأيت رجلا أرى أنه أنكر من ذلك الأغلف يعني هرقل - ثم قال: أدنه، فأقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي، وقال: إني سأسأله، فإن كذب فردوا عليه.

- قال: فوالله لقد علمت أن لو كذبت ما ردوا علي، ولكني كنت امرأ سيدا أتبرم عن الكذب؛ وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوه علي ثم يحدثوا به عني، فلم أكذبه - قال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدعي ما يدعي. فجعلت أزهد له شأنه وأصغر له أموره، وأقول له: أيها الملك، ما يهمك من شأنه إن أمره دون ما بلغك؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك مني. ثم قال: أنبئني فيما أسألك عنه من شأنه. قال: قلت سل عما بدا لك. قال: كيف نسبه فيكم? قلت: محض، هو أوسطنا نسبا.

قال: أخبرني هل كان أحد في أهل بيته يقول ما يقول فهو يتشبه به? قال.: قلت لا. قال: هل كان له فيكم ملك فسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه? قال: قلت لا. قال: أخبرني عن أتباعه منكم من هم? قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء، فأما ذوو الأسنان من الأشراف من قومه فلم يتبعه منهم أحد. قال: فأخبرني عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه? قال: قلت: قلما يتبعه أحد فيفارقه. قال: فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه? قال: قلت: سجال يدال علينا وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر? فلم أجد شيئا سألني عنه أغتمز فيه غيرها. قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره. قال: فوالله ما التفت إليها مني. ثم كرر علي الحديث فقال: سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنه محض من أوسطكم نسبا؛ فكذلك يأخذ الله النبي لا يأخذه إلا من أوسط قومه نسبا. وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل قوله فهو يتشبه به، فزعمت أن لا. وسألتك هل كان له ملك فيكم فسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث يطلب ملكه، فزعمت أن لا. وسألتك عن أتباعه، فزعصت أنهم الضعفاء والأحداث والمساكين والنساء، وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان. وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه، فزعمت أنه لا يتبعه أحد فيفارقه، فكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلب رجل فتخرج منه، وسألتك عن الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال تدالون عليه ويدل عليكم، وكذلك حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة. وسألتك هل يغدر، فزعمت أن لا. فلئن كنت صدقتني عنه فليغلبن علي ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه انطلق لشأنك. فقمت من عنده وأنا أضرب بإحدى يدي على الأخرى وأقول: يا لعباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أصبحت ملوك بني الأصفر يهابونه في ملكهم وسلطانهم.

قال ابن إسحاق: فقدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة الكلبي، فيه:  بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم. السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن تتول فإن إثم الأكابر عليك  .

قال ابن شهاب: فأخبرني أسقف النصارى في زمن عبد الملك زعم أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هرقل وعقله، قال: فلما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل دحية بن خليفة، أخذه هرقل فجعله بين فخذيه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ العبرانية ما تقرؤونه، فذكر له أمره ووصف له شأنه وأخبره بما جاء منه. فكتب إليه صاحب رومية: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه، فاتبعه وصدقه.

 

 

صفحة : 706

 

قال: فأمر هرقل ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه، وأمر بها فأغلقت عليهم أبوابها، ثم اطلع عليهم من علية وخافهم على نفسه فقال: يا معشر الروم، قد جمعتكم لخبر، أتاني كتاب هذا الرجل يدعو إلى دينه، فوالله إنه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا؛ فهلم فلنبايعه ولنصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. قال: فنخرت الروم نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها وقد اغلقت دونهم. فقال: كروهم علي وخافهم على نفسه؛ فكروهم عليه. فقال: يا معشر الروم، إنما قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم في هذا الأمر الذي قد حدث؛ فقد رأيت منكم الذي أسر به؛ فخروا سجدا. وأمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني أبو بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال لي العباس: خرجت في تجارة إلى رجل في ركب منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن.

فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبي سفيان وبالنقر، ويصنع أبو سفيان يوما فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلى غدائك? فقلت: نعم.

فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء.

فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني فقال لي: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله? قلت: وأي بني أخي? قال أبو سفيان: إياي تكتم وأي بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد قلت: وأيهم هو على ذلك? قال: محمد بن عبد الله. قلت: ما فعل قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إلي كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان: إني أخبرك أن محمدا قام بالأبطح غدوة فقال: أنا رسول الله أدعوكم إلى الله.

قال: قلت: يا أبا حنظلة، لعله صادق. قال: مهلا يا أبا الفضل، فوالله ما أحب أن تقول مثل هذا، وإني لأخشى أن تكون على بصر من هذا الأمر - وقال الحسن بن علي في روايته: على بصيرة من هذا الحديث - ثم قال: يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة وشؤمة كل واحدة منهما عامة، فنشدتك الله يا أبا الفضل هل سمعت ذلك? قلت نعم. قال: فهذه والله إذا شؤمتكم. قلت: فلعلها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة السهمي بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن يتحدث به فيها.

وكان أبو سفيان يجلس إلى حبر من أحبار اليمن؛ فقال له اليهودي: ما هذا الخبر الذي بلغني? قال: هو ما سمعت. قال: أين فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال? قال أبو سفيان: صدقوا وأنا عمه. قال اليهودي: أأخو أبيه? قال نعم. قال: حدثني عنه.

قال: لا تسألني، فما كنت أحسب أن يدعي هذا الأمر أبدا، وما أحب أن أعيبه، وغيره خير منه. قال اليهودي: فليس به أذى، ولا بأس على يهود وتوراة موسى منه.

قال العباس: فتأدى إلي الخبر فحميت، وخرجت حتى أجلس إلى ذلك المجلس من غد وفيه أبو سفيان والحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمي هذا عن رجل منا يزعم أنه رسول الله، فأخبرك أنه عمه، وليس بعمه ولكنه ابن عمه، وأنا عمه أخو أبيه.

فقال: أأخو أبيه? قلت: أخو أبيه.

فأقبل على أبي سفيان فقال: أصدق? قال: نعم صدق. قال فقلت: سلني عنه، فإن كذبت فليردد علي. فأقبل علي فقال: أنشدك الله، هل فشت لابن أخيك صبوة أو سفهة? قال قلت: لا وإله عبد المطلب ولا كذب ولا خان، وإن كان اسمه عند قريش الأمين. قال: فهل كتب بيده? قال عباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان وأنه مكذبي وراد، علي، فقلت: لا يكتب. فذهب الحبر وترك رداءه وجعل يصيح: ذبحت يهود قتلت يهود

 

صفحة : 707

 

قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن اليهودي لفزع من ابن أخيك. قال قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت، وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك? قال: لا والله ما أومن به حتى أرى الخيل تطلع من كداء وهو جبل بمكة. قال قلت ما تقول? قال: كلمة والله جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا، إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان، أتذكر الكلمة? قال لي: والله إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني للإسلام.

حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا البغوي قال حدثنا الغلابي أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدثني الحسين بن عبيد الله بن العباس عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهراني يعني في غزاة الفتح قال العباس بن عبد المطلب وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة: يا صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لهلاك قريش آخر الدهر.

فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وقال: أخرج إلى الأراك، لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول صلى الله عليه وسلم فيستأمنونه. فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا. فقال بديل بن ورقاء: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل.

فعرفت صوته فقلت: أبا حنظلة فقال: أبا الفضل قلت نعم؛ فقال: لبيك، فداؤك أبي وأمي فما وراءك? فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني? فقلت: تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فقال: أبو سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد؛ ثم اشتد نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان - قال العباس: - حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطي فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته.

ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا قال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك لأني أعلم أن إسلامك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فقد أمناه حتى تغدو به علي الغداة فرجع به إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إلا الله فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا. فقال: ويحك تشهد بشهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك. قال: فتشهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس من حين تشهد أبو سفيان: انصرف يا عباس فاحتبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى يمر عليه جنود الله. فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

 

 

صفحة : 708

 

فخرجت به حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، فمرت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء يا عباس? فأقول: سليم، فيقول: مالي ولسليم ثم تمر به قبيلة فيقول: من هؤلاء? فأقول: أسلم، فيقول: مالي ولأسلم وتمر به جهينة فيقول: من هؤلاء? فأقول: جهينة، فيقول: مالي ولجهينة حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء، كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل? فقلت: هذا رسول صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ابن أخيك عظيما. فقلت: ويحك إنها النبؤة؛ قال: نعم إذا. فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم.

فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بمالا قبل لكم به. قالوا: فمه قال: من دخل داري فهو آمن. فقالوا: ويحك ما تغني عنا دارك قال: ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

حدثنا محمد بن جرير وأحمد بن الجعد قالا حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عناد عن عبد الله بن الزبير قال: لما كان يوم اليرموك خلفني أبي، فأخذت فرسا له وخرجت، فرأيت جماعة من الخلفاء فيهم أبو سفيان بن حرب فوقفت معهم، فكانت الروم إذا هزمت المسلمين قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان:

وبنو الأصفر الـكـرام مـل                      وك الروم لم يبق منهم مذكور فلما فتح الله على المسلمين حدثت أبي فقال: قاتله الله يأبى إلا نفاقا? أولسنا خيرا له من بني الأصفر ثم كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حدثهم، فأحدثهم فتعجبون من نفاقه.

حدثني أحمد بن الجعد قال حدثني ابن حميد قال حدثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال: دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كف بصره، فقال: هل علينا من عين? فقال له عثمان: لا. فقال: حدثني محمد بن حيان الباهلي قال حدثنا عمر بن علي الفلاش قال حدثنا سهل بن يوسف عن مالك بن مغول عن أشعث بن أبي الشعثاء عن مسيرة الهمداني عن أبي الأبجر الأكبر قال: جاء أبو سفيان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن، ما بال هذا الأمر في أضعف قريش وأقلها فوالله لئن شئت لأملأنها عليهم خيلا ورجلا.

فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا سفيان، طالما عاديت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فما ضرهم ذلك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال أنشدني ابن عائشة لأبي سفيان بن حرب لما ولي أبو بكر قال:

وأضحت قريش بعد عز ومنـعة                      خضوعا لتيم لا بضرب القواضب

فيا لهف نفسي للذي ظفرت بـه                      وما زال منها فائزا بالـرغـائب وحدثني أحمد بن الجعد قال حدثني محمد بن حميد قال حدثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال: لما ولي عثمان الخلافة، دخل عليه أبو سفيان فقال: يا معشر بني أمية، إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها، وقد صارت إليكم قتلقفوها بينكم تلقف الكرة، فوالله ما من جنة ولا نار - هذا أو نحوه - فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل. ولأبي سفيان أخبار من هذا الجنس ونحوه كثيرة يطول ذكرها، وفيما ذكرت منها مقنع.

والأبيات التي فيها الغناء يقولها في سلام بن مشكم اليهودي ويكنى أبا غنم، وكان نزل عليه في غزوة السويق، فقراه وأحسن ضيافته. فقال أبو سفيان فيه:

سقاني فرواني كميتـا مـدامة                      على ظمأ مني سلام بن مشكيم

تخيرته أهل الـمـدينة واحـدا                      سواهم فلم أغبن ولـم أتـنـدم

فلما تقضي الليل قلت ولم أكـن                      لأفرحه أبشر بعرف ومغـنـم

وإن أبـا غـنـم يجـود وداره                      بيثرب مأوى كل أبيض خضرم  ذكر الخبر عن غزوة السويق

ونزول أبي سفيان على سلام بن مشكم

 

صفحة : 709

 

كانت هذه الغزاة بعد وقعة بدر. وذلك أن أبا سفيان نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة ولا يشرب خمرا حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج في عدة من قومه ولم يصنع شيئا فعيرته قريش بذلك وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق فسميت غزوة السويق حدثنا محمد بن جرير، قرأته عليه، قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان عن عبيد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - قال: كان أبو سفيان حين رجع إلى مكة ورجع قبل قريش من بدر، نذر الأ يمس ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم. فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له تيت من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب بيثرب فدق عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه؛ وانصرف إلى سلام بن مشكم - وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه فأذن له، فقراه وسقاه ونظر له خبر الناس.

ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه؛ فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها يقال لها العريض، فحرقوا في أصوار من نخل لها، أتوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين.

فنذر بهم الناس؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاء.

فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنطمع أن تكون غزوة، قال نعم. وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرض فيها قريشا فقال:

كروا على يثرب وجمعهـم                      فإن ما جمعوا لكم نـفـل

إن يك يوم القليب كان لهـم                      فإن ما بعـده لـكـم دول

آليت لا أقرب النسـاء ولا                      يمس رأسي وجلدي الغسل

حتى تبيدوا قبائل الأوس وال                      خزرج إن الفؤاد مشتعـل فأجابه كعب بن مالك:

يا لهف أم المسبحين عـلـى                      جيش ابن حرب بالحرة الفشل

أتطرحون الرجال من سنم ال                      ظهر ترقى في قنة الجـبـل

جاءوا بجمع لو قيس منزلـه                      ما كان إلا كمعـرس الـدئل

عار من النصر والثراء ومـن                      نجدة أهل البطحاء والأسـل أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا سليمان بن سعد عن الواقدي: أن غزوة السويق كانت في ذي القعدة من سنة ثنتين من الهجرة.

حدثني عمي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا ابن سعد عن الواقدي عن أبي الزناد عن عبد الله بن الحارث قال: شرب حسان بن ثابت يوما مع سلام بن مشكم، وكان. له نديما، معهم كعب بن أسد وعبد الله بن أبي وقيس بن الخطيم؛ فأسرع الشراب فيهم وكانوا في موادعة وقد وضعت الحرب أوزارها بينهم. فقال قيس بن الخطيم لحسان: تعال أشاربك؛ فتشاربا في إناء عظيم فأبقى حسان من الإناء شيئا؛ فقال له قيس: اشرب. فقال حسان وعرف الشر في وجهه: أو خيرا من ذلك أجعل لك الغلبة. قال: لا إلا أن تشربه؛ فأبى حسان. وقال له سلام بن مشكم: يا أبا يزيد، لا تكرهه على ما لا يشتهي، إنما دعوته لإكرامه ولم تدعه لتسخف به وتسيء مجالسته. فقال له قيس: أفتدعوني أنت على أن تسيء مجالستي فقال له سلام: ما في هذا سوء مجالسة، وما حملت عليك إلا لأنك مني وأني حليفك، وليست عليك غضاضة في هذا، وهذا رجل من الخزرج قد أكرمته وأدخلته منزلي؛ فيجب أن تكرم لي من أكرمته. ولعمري إن في الصحو لما تكتفون به من حروبكم؛ فافترقوا. وآلى سلام بن مشكم على نفسه ألا، يشرب سنة؛ وقد بلغ هذا من نديمه وكان كريما.

 

من مبلغ عني أبا كـامـل                      أني إذا ما غاب كالهامـل

قد زادني شوقا إلى قربـه                      مع ما بدا من رأيه الفاضل الشعر للوليد بن يزيد. والغناء لأبي كامل. ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

وذكر حبش أن لأبي كامل فيه أيضا لحنا من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى.

 

 

صفحة : 710

 

انتهى الجزء السادس من كتاب الأغاني ويليه الجزء السابع وأوله. أخبار الوليد بن يزيد ونسبه

الجزء السابع

 

أخبار الوليد بن يزيد ونسبه

نسبه وكنيته

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا العباس. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، وهي بنت أخي الحجاج. وفيه يقول أبو نخيلة:

بين أبي العاصي وبين الحجاج                      يالكما نوار سـراج وهـاج

عليه بعد عمه عقد الـتـاج وأم يزيد بن عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية. وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر. وأم عبد الله بن عامر أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، ولذلك قال الوليد بن يزيد:

نبي الهدى خالي ومن يك خاله                      نبي الهدى يقهر به من يفاخر كان شاعرا خليعا مرميا بالزندقة: وكان الوليد بن يزيد بن فتيان بني أمية وظرفائهم وشعرائهم وأجوادهم وأشدائهم، وكان فاسقا خليعا متهما في دينه مرميا بالزندقة، وشاع ذلك من أمره وظهر حتى أنكره الناس فقتل. وله أشعار كثيرة تدل على خبثه وكفره. ومن الناس من ينفي ذلك عنه وينكره، ويقول: إنه نحله وألصق إليه. والأغلب الأشهر غير ذلك.

ولاه أبوه العهد بعد هشام وطمع هشام في خلعه: أخبرني الحسن بن علي وأحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن إسحاق بن أيوب القرشي وجويرية بن أسماء وعامر بن الأسود والمنهال بن عبد الملك وأبي عمرو بن المبارك وسحيم بن حفص وغيرهم: أن يزيد بن عبد الملك لما وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلب وعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وبعث العباس بن الوليد بن عبد الملك وعقد له على أهل دمشق، قال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق أهل غدر وإرجاف، وقد وجهتنا محاربين والأحداث تحدث، ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين ولم يعهد، فيفت ذلك في أعضاد أهل الشأم؛ فلو عهدت عهدا لعبد العزيز بن الوليد قال: غدا.

وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أيما أحب إليك: ولد عبد الملك أو ولد الوليد? فقال: بل ولد عبد الملك. قال: أفأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك? قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي. قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم لابنك بعد -هشام قال: والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة - قال: غدا أبايع له. فلما أصبح فعل ذلك وبايع لهشام، وأخذ العهد عليه ألا يخلع الوليد بعده ولا يغير عهده ولا يحتال عليه. فلما أدرك الوليد ندم أبوه، فكان ينظر إليه ويقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. وتوفي يزيد سنة خمس ومائة وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة. قالوا : فلم يزل الوليد مكرما عند هشام رفيع المنزلة مدة، ثم طمع في خلعه وعقد العهد بعده لابنه مسلمة بن هشام، فجعل يذكر الوليد بن يزيد وتهتكه وإدمانه على الشراب، ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به، وولاه الحج ليظهر ذلك منه بالحرمين فيسقط؛ فحج وظهر منه فعل كثير مذموم، وتشاغل بالمغنين وبالشراب، وأمر مولى له فحج بالناس. فلما حج طالبه هشام بأن يخلع نفسه فأبى ذلك، فحرمه العطاء وحرم سائر مواليه وأسبابه وجفاه جفاء شديدا. فخرج متبديا وخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه ، وكان يرمى بالزندقة. ودعا هشام الناس إلى خلعه والبيعة لمسلمة بن هشام - وأمه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي. وكان مسلمة يكنى أبا شاكر؛ كني بذلك لمولى كان لمروان يكنى أبا شاكر، كان ذا رأي وفضل وكانوا يعظمونه ويتبركون به - فأجابه إلى خلع الوليد والبيعة لمسلمة بن هشام محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي والوليد وعبد العزيز وخالد بن القعقاع بن خويلد العبسي وغيرهم من خاصة هشام. وكتب إلى الوليد: ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته وارتكبته غير متحاش ولا مستتر، فليت شعري ما دينك? أعلى الإسلام أنت أم لا? فكتب إليه الوليد بن يزيد ويقال: بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إياه :  صوت

 

يأيها السائل عن دينـنـا                      نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا وممزوجة                      بالسخن أحيانا وبالفاتـر

 

صفحة : 711

 

غناه عمر الوادي رملا بالبنصر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وقال: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب، واحضر الصلوات. وولاه الموسم سنة سبع عشرة ومائة، فأظهر النسك وقسم بمكة والمدينة أموالا. فقال رجل من موالي أهل المدينة:

يأيها السائل عن دينـنـا                      نحن على دين أبي شاكر

الواهب البزل بأرسانهـا                      ليس بزنديق ولا كافـر قال المدائني: وبلغ خالدا القسري ما عزم عليه هشام، فقال: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر؛ فبلغت هشاما عنه هذه، فكان ذلك سبب إيقاعه به.

تساب هو والعباس بن الوليد في مجلس هشام أخبرني محمد بن الحسن الكندي المؤدب قال حدثني أبي عن العباس بن هشام قال: دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام بن عبد الملك وقد كان في ذكره قبل أن يدخل، فحمقه من حضر من بني أمية. فلما جلس قال له العباس بن الوليد وعمر بن الوليد: كيف حبك يا وليد للروميات، فإن أباك كان بهن مشغوفا? قال: إني لأحبهن؛ وكيف لا أحبهن ولن تزل الواحدة منهن قد جاءت بالهجين مثلك وكانت أم العباس رومية قال: اسكت فليس الفحل يأتي عسبه بمثلي، فقال له الوليد: اسكت يا بن البظراء قال: أتفخر علي بما قطع من بظر أمك. وأقبل هشام على الوليد فقال له: ما شرابك? قال: شرابك يا أمير المؤمنين، وقام مغضبا فخرج. فقال هشام: أهذا الذي تزعمون أنه أحمق ما هو أحمق، ولكني لا أظنه على الملة.

دخل مجلس هشام فعبث بمن كان فيه من وجوه بني أمية: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: مروان وليس هشام حاضرا، فجلس الوليد مجلس هشام، ثم أقبل على سعيد بن هشام فقال له: من أنت? وهو به عارف، قال: سعيد ابن أمير المؤمنين، قال: مرحبا بك. ثم نظر إلى أبي الزبير فقال: من أنت? قال: أبو الزبير مولاك أيها الأمير، قال: أنسطاس أنت? مرحبا بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت? قال: إبراهيم بن هشام. قال: من إبراهيم بن هشام? وهو يعرفه، قال: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: من إسماعيل? وهو يعرفه، قال: إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. قال: من الوليد بن المغيرة? قال: الذي لم يكن جدك يرى أنه في شيء حتى زوجه أبي وهو بعض ولد ابنته. قال: يا بن اللخناء أتقول هذا وائتخذا . وأقبل هشام، فقيل لهما: قد جاء أمير المؤمنين، فجلسا وكفا. ودخل هشام، فما كاد الوليد يتنحى له عن صدر مجلسه، إلا أنه زحل له قليلا، فجلس هشام وقال له: كيف أنت يا وليد? قال: صالح. قال: ما فعلت برابطك ? قال: معملة أو مستعملة. قال: فما فعل ندماؤك? قال: صالحون، ولعنهم الله إن كانوا شرا ممن حضرك، وقام، فقال له هشام: يا بن اللخناء جئوا عنقه، فلم يفعلوا ودفعوه رويدا. فقال الوليد:

أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي                      ومروان جدي ذو الفعال وعامر

أنا ابن عظيم القريتين وعـرهـا                      ثقيف وفهر والعصاة الأكـابـر

نبي الهدى خالي ومن يك خـالـه                      نبي الهدى يقهر به من يفـاخـر  مات مسلمة بن عبد الملك فرثاه

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: كان هشام بن عبد الملك يكثر تنقص الوليد بن يزيد، فكان مسلمة يعاتب هشاما ويكفه، فمات مسلمة، فغم الوليد ورثاه فقال:  صوت

 

أنانا بـريدان مـن واسـط                      يخبان بالكتب المعـجـمة

أقول وما البعد إلا الـردى                      أمسلم لا تبعدن مسـلـمة

فقد كنت نورا لنا في البلاد                      تضيء فقد أصبحت مظلمة

كتمنا نعيك نخشى الـيقـين                      فجلى اليقين عن الجمجمة

وكم من يتـيم تـلافـيتـه                      بأرض العـدو وكـم أيمة

وكنت إذا الحرب درت دما                      نصبت لها راية معـلـمة  غنى في هذه الأبيات التي أولها

 

أقول وما البعد إلا الردى يونس خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشامي أن فيه ثقيلا أول ينسب إلى أبي كامل وعمر الوادي. وذكر حبش أن ليونس فيه رملا بالبنصر.

 

 

صفحة : 712

 

أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس بن منظور بن زبان بن سيار عن أبيه قال: رأيت هشام بن عبد الملك وأنا في عسكره يوم توفي مسلمة بن عبد الملك وهشام في شرطته، إذا طلع الوليد بن يزيد على الناس وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن يرى ، واختل الثغر فوهى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، فتزودوا، فإن خير الزاد التقوى. فأعرض عنه هشام ولم يرد جوابا، ووجم الناس فما همس أحد بشيء. قال: فمضى الوليد وهو يقول:

أهينمة حديث القوم أم هم                      سكوت بعد ما متع النهار

عزيز كان بينهـم نـبـيا                      فقول القوم وحي لا يحار

كأنا بعد مسلمة المرجـى                      شروب طوحت بهم عقار

أوالاف هجان في قـيود                      تلفت كلما حنت ظـؤار

فليتك لم تمت وفداك قـوم                      تريح غبيهم عنـا الـديار

سقيم الصدر أو شكس نكيد                      وآخر لا يزور ولا يزار يعني بالسقيم الصدر يزيد بن الوليد، ويعني بالشكس هشاما، والذي لا يزور ولا يزار مروان بن محمد.

أراد هشام خلعه فقال شعرا قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد:

كفرت يدا من منعم لو شكـرتـهـا                      جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن

رأيتك تبني جاهدا في قطـيعـتـي                      ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنـى

أراك على الباقين تجنـي ضـغـينة                      فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني

كأني بهم يوما وأكـثـر قـولـهـم                      أيا ليت أنا حين يا لـيت لا تـغـي أمره هشام بطرد عبد الصمد فطرده ولما اضطهد أعوانه ذمه بشعر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: عتب هشام على الوليد وخاصته. فخرج الوليد ومعه قوم من خاصته وموالية فنزل بالأبرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدف، وخلف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك ليكاتبه بما يحدث، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى. فشربوا يوما، فقال له الوليد: يا أبا وهب، قل أبياتا نغني فيها، فقال أبياتا، وأمر عمر الوادي فغنى فيها وهي:  صوت

 

ألم تر للنجـم إذ سـبـعـا                      يبادر في برجه المرجـعـا

تحير عن قصد مـجـراتـه                      إلى الغور والتمس المطلعا

فقلت وأعجبـنـي شـأنـه                      وقد لاح إذ لاح لي مطمعا

لعل الولـيد دنـا مـلـكـه                      فأمسى إليه قد استجمـعـا

وكنا نؤمل فـي مـلـكـه                      كتأميل ذي الجدب أن يمرعا

عقدنا له محكمـات الأمـو                      ر طوعا وكان لها موضعا فروي هذا الشعر، وبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه وعلى أصحابه وحرمهم، وكتب إلى الوليد: قد بلغني أنك اتخذت عبد الصمد خدنا ومحدثا ونديما، وقد حقق ذلك ما بلغني عنك، ولن أبرئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموما. قال: فأخرجه الوليد وقال:

لقد قذفوا أبا وهب بأمـر                      كبير بل يزيد على الكبير

وأشهد أنهم كذبوا علـيه                      شهادة عالم بهم خـبـير فكتب الوليد إلى هشام بأنه قد أخرج عبد الصمد، واعتذر إليه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان من خاصة الوليد - فضرب هشام ابن سهيل ونفاه وسيره وكان ابن سهيل من أهل النباهة، وقد ولي الولايات، ولي دمشق مرارا وولي غيرها وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه ضربا مبرحا وألبسه المسوح وقيده وحبسه، فغم ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس ومن يصنع المعروف هذا الأحوال المشؤوم قدمه أبي على ولده وأهل بيته وولاه وهو يصنع بي ما ترون، ولا يعلم أن لي في أحد هوى إلا أضر به، كتب إلي بأن أخرج عبد الصمد فأخرجته، وكتبت إليه في أن يأذن لابن سهيل في الخروج إلي فضربه وطرده وقد علم رأيي فيه، وعرف مكان عياض مني وانقطاعه إلي فضربه وحبسه، يضارني بذلك، اللهم أجرني منه. ثم قال الوليد:  صوت

 

 

صفحة : 713

 

 

أنا النذير لمـسـدي نـعـمة أبـدا                      إلى المقاريف لما يخبر الـدخـلا

إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بـطـروا                      وإن أهنتهـم ألـفـيتـهـم ذلـلا

أتشمخون ومنا رأس نعـمـتـكـم                      ستعلمون إذا أبـصـرتـم الـدولا

انظر فإن أنت لم تقدر على مـثـل                      لهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا

بينا يسمنه للـصـياد صـاحـبـه                      حتى إذا ما استوى من بعد ما هزلا

عدا عليه فلم تـضـرره عـدوتـه                      ولو أطاق له أكـلا لـقـد أكـلا غناه مالك خفيف ثقيل من رواية الهشامي.

شعره في الفخر على هشام قال: وقال الوليد أيضا يفتخر على هشام:  صوت

 

أنا الوليد أبو العباس قد عـلـمـت                      عليا معد مدى كـري وإقـدامـي

إني لفي الذروة العليا إذا انتسـبـوا                      مقابل بين أخوالـي وأعـمـامـي

بنى لي المجد بان لـم يكـن وكـلا                      على منـار مـضـيئات وأعـلام

حللت من جوهر الأعياض قد علموا                      في باذخ مشمخر العز قـمـقـام

صعب المرام يسامي النجم مطلعـه                      يسمو إلى فرع طود شامخ سامـي غناه عمر الوادي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني مصعب الزبيري قال: بعث الوليد بن يزيد إلى هشام بن عبد الملك راويته فأنشده قوله:

أنا الوليد أبو العباس قد علمت                      عليا معد مدى كري وإقدامي فقال هشام: والله ما علمت له معد كرا ولا إقداما، إلا أنه شرب مرة مع عمه بكار بن عبد الملك فعربد عليه وعلى جواريه، فإن كان يعني ذلك بكره وإقدامه فعسى.

عابه هشام والزهري فحقد عليهما أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو ابن أبي سعد قال حدثت أن أبا الزناد قال: دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده الزهري وهما يعيبان الوليد، فأعرضت ولم أدخل في شيء من ذكره. فلم ألبث أن استؤذن للوليد فأذن له، فدخل وهو مغضب فجلس قليلا ثم نهض. فلما مات هشام وولي الوليد كتب إلى المدينة فحملت فدخلت عليه، فقال: أتذكر قول الأحول والزهري? قلت: نعم، وما عرضت في شيء من أمرك، قال: صدقت، أتدري من أبلغني ذلك? قلت لا، قال: الخادم الواقف على رأسه، وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتلته. ثم قال: ذهب هشام بعمري، فقلت: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين، وقام وصلى العصر. ثم جلس يتحدث إلى المغرب ثم صلى المغرب ودعا بالعشاء فتعشيت معه ثم جلس يتحدث حتى صلى العتمة، ثم تحدثنا قليلا ثم قال: اسقينني فأتينه بإناء مغطى، وجاء جوار فقمن بيني وبينه فشرب وانصرفن، ومكث قليلا ثم قال: اسقينني ففعلن مثل ذلك. وما زال والله ذلك دأبه حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا.

وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن أبي الزناد قال: أجمع الزهري على أن يدخل إلى بلاد الروم إن ولي الوليد بن يزيد، فمات الزهري قبل ذلك.

عابه بعض بني مروان بالشراب فلعنهم

قال المدائني: وبلغ الوليد أن العباس بن الوليد وغيره من بني مروان يعيبونه بالشراب، فلعنهم وقال: إنهم ليعيبون علي ما لو كانت لهم فيه لذة ما تركوه، وقال هذا الشعر، وأمر عمر الوادي أن يغني فيه - وهو من جيد شعره ومختاره. وفيه غناء قديم ذكره يونس لعمر الوادي غير مجنس - :  صوت

 

ولقد قضيت وإن تجلل لمتـي                      شيب على رغم العدا لذاتـي

من كاعبات كالدمى ومناصف                      ومراكب للصيد والنشـوات

في فتية تأبى الهوان وجوههم                      شم الأنوف جحاجح سـادات

إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بهـا                      أو يطلبوا لا يدركوا بتـرات الكتابان المتبادلان بينه وبين هشام:

 

صفحة : 714

 

حدثني المنهال بن عبد الملك قال: كتب الوليد إلى هشام :  قد بلغني أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني ومحو من محا من أصحابي، وأنه حرمني وأهلي. ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك في ولا ينالني مثله منه، ولم يبلغ استصحابي لابن سهيل ومسئلتي في أمره أن يجري علي ما جرى. وإن كان ابن سهيل على ما ذكره أمير المؤمنين، فبحسب العير أن يقرب من الذئب. وعلى ذلك فقد عقد الله لي من العهد وكتب لي من العمر وسبب لي من الرزق ما لا يقدر أحد دونه تبارك وتعالى على قطعه عني دون مدته ولا صرفه عن مواقعه المحتومة له. فقدر الله يجري على ما قدره فيما أحب الناس وكرهوا، لا تعجيل لآجله ولا تأخير لعاجله، والناس بعد ذلك يحتسبون الأوزار ويقترفون الآثام على أنفسهم من الله بما يستوجبون العقوبة عليه. وأمير المؤمنين أحق بالنظر في ذلك والحفظ له. والله يوفق أمير المؤمنين لطاعته، ويحسن القضاء له في الأمور بقدرته. وكتب إليه الوليد في آخر كتابه:

أليس عظيما أن أرى كـل وارد                      حياضك يوما صادرا بالنوافـل

فأرجع محمود الرجاء مصـردا                      بتحلئة عن ورد تلك المنـاهـل

فأصبحت مما كنت آمل منـكـم                      وليس بلاق ما رجا كـل آمـل

كمقتبض يوما على عرض هبوة                      يشد عليها كفـه بـالأنـامـل فكتب إليه هشام:  قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع وغير ذلك. وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك، ولا يتخوف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أما أحدهما فإن أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك.

وأما الآخر فإثبات صحابتك وأرزاقهم دارة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم وهم معك تجول بهم في سفهك. وأمير المؤمنين يرجو أن يكفر الله عنه ما سلف من إعطائه إياك باستئنافه قطعه عنك. وأما ابن سهيل، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوءك ما جرى عليه لما جعله الله لذلك أهلا. وهل زاد ابن سهيل، لله أبوك، على أن كان زفانا مغنيا قد بلغ في السفه غايته وليس مع ذلك ابن سهيل بشر ممن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه. وأما ما ذكرت مما سببه الله لك، فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له، والله بالغ أمره. ولقد أصبح أمير المؤمنين وهو على يقين من رأيه إلا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه الله من كرامته ضرا ولا نفعا، وإن الله ولي ذلك منه وإنه لا بد له من مفارقته، وإن الله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم. وإن أمير المؤمنين مع حسن ظنه بربه لعلى أحسن الرجاء لأن يوليه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرضا به لهم، فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلا بعون منه. ولئن كان قد قدر الله لأمير المؤمنين وفاة تعجيل، فإن في الذي هو مفض وصائر إليه من كرامة الله لخلفا من الدنيا. ولعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فأبق على نفسك وقصر من غلوائها واربع على ظلعك، فإن الله سطوات وغيرا يصيب بها من يشاء من عباده. وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له. وكتب في أسفل الكتاب:

إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوى                      إلى بعض ما فيه عليك مـقـال والسلام.

بشر بالخلافة بعد موت هشام

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة عن المدائني عن جويرية بن أسماء عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيوب كلهم عن أبي الزبير المنذر بن عمرو - قال: وكان كاتبا للوليد بن يزيد - قال:

 

صفحة : 715

 

أرسل إلي الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته، فقال لي: يا أبا الزبير، ما أتت علي ليلة أطول من هذه الليلة، عرضتني أمور وحدثت نفسي فيها بأمور، وهذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركب وسرت معه، فسار ميلين ووقف على تل فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج قد أقبل - قال عمر بن شبة في حديثه - وسمع قعقعة البريد، فتعوذ بالله من شر هشام، وقال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحي أو بملك عاجل. فقلت: لا يسوءك الله أيها الأمير بل يسرك ويبقيك، إذ بدا رجلان على البريد يقبلان، أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب، فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلما عليه بالخلافة فوجم، وجعلا يكرران عليه التسليم بالخلافة، فقال: ويحكم ما الخبر? أمات هشام? قالا نعم: قال: فمرحبا بكما ما معكما? قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن، فقرأ الكتاب وانصرفنا. وسأل عن عياض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه وحسبه، فقالا: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر الله، فلما صار إلى حال لا ترجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد إلى شيء. وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد، وقضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن، فكفنه غالب مولى هشام، ولم يجدوا قمقما حتى استعاروه. وأمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، فأخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك، فقال الوليد: ما أراه إلا قد بجا، فقال له يحيى بن عروة بن الزبير وأخوه عبد الله: إن الله لم يجعل قبر أبيك معاذا للظالمين، فخذه برد ما في يده من مال الله، فقال: صدقت، وأخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وكتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا، ففعل ذلك بهما وماتا جميعا في العذاب بعد أن أقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا منه المظالم.

وقال عمر بن شبة في خبره: إنه لما نعي له هشام قال: والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر، ثم أنشأ يقول:

طاب يومي ولذ شرب السلافه                      إذ أتاني نعي من بالـرصـافة

وأتانا البريد ينعـي هـشـامـا                      وأتانا بـخـاتـم لـلـخـلافة

فاصطبحنا من خمر عانة صرفا                      ولهـونـا بـقـينة عـزافـه ثم حلف ألا يبرح موضعه حتى يغنى في هذا الشعر ويشرب عليه، فغني له فيه وشرب وسكر، ثم دخل فبويع له بالخلافة.

قال: وسمع صياحا، فسأل عنه، فقيل له: هذا من دار هشام يبكيه بناته، فقال:

إني سمعت بلـيل                      ورا المصلى برنه

إذا بنات هـشـام                      يندبن والدهـنـه

يندبن قرما جلـيلا                      قد كان يعضدهنه

أنا المخنث حـقـا                      إن لم أنيكنهـنـه وقال المدائني في خبر أحمد بن الحارث: وشرب الوليد يوما، فلما طابت نفسه تذكر هشاما، فقال لعمر الوادي غنني:

إني سمعت بلـيل                      ورا المصلى برنه فغناه فيه، فشرب عليه ثلاثة أرطال، ثم قال: والله لئن سمعه منك أحد أبدا لأقتلنك. قال: فما سمع منه بعدها ولا عرف.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء  صوت

 

طاب يومي ولذ شرب السلافه                      إذ أتانا نعي من الرصـافـه غناه عمر الوادي خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال قال حكم الوادي: كنا عند الوليد بن يزيد وهو يشرب، إذ جاءنا خصي فشق جيبه وعزاه عن عمه هشام وهنأه بالخلافة وفي يده قضيب وخاتم وطومار ، فأمسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة، فقال: غنوني، غنياني: قد طاب شرب السلافه.... البيتين، فلم نزل نغنيه بهما الليل كله.

سأل الرشيد عنه ابن أبي حفصة فمدحه

وذكر من شعره:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثني مروان بن أبي حفصة قال:

 

صفحة : 716

 

دخلت على الرشيد أمير المؤمنين فسألني عن الوليد بن يزيد فذهبت أتزحزح، فقال: إن أمير المؤمنين لا ينكر ما تقول فقل، قلت: كان من أصبح الناس وأظرف الناس وأشعر الناس. فقال: أتروى من شعره شيئا? قلت: نعم، دخلت عليه مع عمومتي وفي يده قضيب ولي جمة فينانة فجعل يدخل القضيب في جمتي وجعل يقول: يا غلام، ولدتك سكر وهي أم ولد كانت لمروان بن الحكم فزوجها أبا حفصة قال: فسمعته يومئذ ينشد:

ليت هشاما عاش حتى يرى                      مكياله الأوفر قد أترعـا

كلنا له الصاع التي كالهـا                      فما ظلمناه بها أصـوعـا

لم نأت ما نأتيه عن بـدعة                      أحله القرآن لي أجمـعـا قال: فأمر الرشيد بكتابتها فكتبت.

كان شاعرا مجيدا وشيء من شعره

وللوليد أشعار جياد فوق هذا الشعر الذي اختاره مروان. فمنها وهو ما برز فيه وجوده وتبعه الناس جميعا فيه وأخذوه منه قوله في صفة الخمر أنشدنيه الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبة قال أنشدني أبو غسان محمد بن يحيى وغيره للوليد. قال: وكان أبو غسان يكاد يرقص إذا أنشدها :

اصـدع نـجـي الـهـمـوم بـالـــطـــرب                      وانـعـم عـلـى الـدهـر بـابـنة الـعـنــب

واسـتـقـبـل الـعـيش فـي غـضــارتـــه                      لا تـقـف مـنـه آثـار مـعـــتـــقـــب

من قـهـوة زانـهـا تـــقـــادمـــهـــا                      فهـي عـجـوز تـعـلـو عـلـى الـحـقــب

أشـهـى إلـى الـشـرب يوم جـلـوتــهـــا                      من الـفـتـاة الـكـريمة الـــنـــســـب

فقـد تـجـلــت ورق جـــوهـــرهـــا                      حتـى تـبـدت فـي مـنـظـر عـــجـــب

فهـي بـغـير الـمـــزاج مـــن شـــرر                      وهـي لـدى الـمـزج سـائل الـــذهـــب

كأنـهـا فـي زجـاجـــهـــا قـــبـــس                      تذكـو ضـياء فـي عـين مـــرتـــقـــب

في فتية من بني أمية أهل المجد والمأثرات والحسب

ما في الورى مثلهم ولا فيهم                      مثـلـي ولا مـنـتـم لـمـــثـــل أبـــي قال المدائني في خبره: وقال الوليد حين أتاه نعي هشام:

طال ليلي فبت أسقى المداما                      إذ أتاني البريد ينعي هشاما

وأتاني بحـلة وقـضـيب                      وأتاني بخاتـم ثـم قـامـا

فجعلت الولي من بعد فقدي                      يفضل الناس ناشئا وغلاما

ذلك ابني وذاك قرم قريش                      خير قرم وخيرهم أعمامـا أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه المدائني عن جرير قال قال لي عمر الوادي: كنت يوما أغني الوليد إذ ذكر هشاما، فقال لي: غنني بهذه الأبيات، قلت: وما هي يا أمير المؤمنين? فأنشأ يقول:

هلك الأحول المشو                      م فقد أرسل المطر

ثمت استخلف الولي                      د فقد أورق الشجر  أخذ أبو نواس وغيره من الشعراء معانيه

في أشعارهم:

وللوليد في ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة قد أخذها الشعراء فأدخلوها في أشعارهم، سلخوا معانيها، وأبو نواس خاصة فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها في شعره فكررها في عدة مواضع منه. ولولا كراهة التطويل لذكرتها ها هنا، على أنها تنبىء عن نفسها.

وله أبيات أنشدنيها الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبة قال أنشدني أبو غسان وغيره للوليد - وكان أبو غسان يكاد أن يرقص إذا أنشدها - :

اصدع نجي الهموم بالطـرب                      وانعم على الدهر بابنة العنب الأبيات التي مضت متقدما. وهذا من بديع الكلام ونادره، وقد جود فيه منذ ابتدأ إلى أن ختم. وقد نقلها أبو نواس والحسين بن الضحاك في أشعارهما.

ومن جيد معانيه قوله:

رأيتك تبني جاهدا في قطيعتـي                      ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني وقد مضت في أخباره مع هشام.

وأنشدني الحسن بن علي عن الحسين بن فهم قال أنشدني عمرو بن أبي عمرو للوليد بن يزيد وكان يستجيده فقال:

إذا كم يكن خير مع الشر لم تجد                      نصيحا ولا ذا حاجة حين تفزع

وكانوا إذا هموا بإحدى هناتهـم                      حسرت لهم رأسي فلا أتقنـع  ومن نادر شعره قوله لهشام

 

فإن تك قد مللت القرب مني                      فسوف ترى مجانبتي وبعدي

وسوف تلوم نفسك إن بقينـا                      وتبلو الناس والأحوال بعدي

 

صفحة : 717

 

 

فتندم في الذي فرطت فـيه                      إذا قايست في ذمي وحمدي  قال يوم بيعته على المنبر بدمشق

أخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا ابن مهرويه وعبد الله بن عمرو بن أبي سعد قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن الحارث الحرشي قال حدثنا محمد بن عائذ قال حدثني الهيثم بن عمران قال سمعته يقول: لما بويع الوليد سمعته على المنبر يقول بدمشق:

ضمنت لكم إن لم ترعني منيتي                      بأن سماء الضر عنكم ستقلـع  كتب إلى أهل المدينة شعرا

ورد عليه حمزة بن بيض:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما ولى الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة والشعر له:

محرمكم ديوانكم وعـطـاؤكـم                      به يكتب الكتاب والكتب تطبـع

ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي                      بأن سماء الضر عنكم ستقـلـع وأول هذه الأبيات:

ألا أيها الركب المخبون أبلغوا                      سلامي سكان البلاد فأسمعوا

وقولوا أتاكم أشبه الناس سنة                      بوالده فاستبشروا وتوقعـوا

سيوشك إلحاق بـكـم وزيادة                      وأعطية تأتي تباعا فتشفـع وكان سبب مكاتبته أهل الحرمين بذلك أن هشاما لما خرج عليه زيد بن علي رضي الله عنه منع أهل مكة وأهل المدينة أعطياتهم سنة. فقال حمزة بن بيض يرد على الوليد لما فعل خلاف ما قال:

وصلت سماء الضر بالضر بعد ما                      زعمت سماء الضر عنا ستقلـع

فليت هشاما كان حيا يسـوسـنـا                      وكنا كما كنا نرجي ونـطـمـع بعث إلى جماعة من أهله يوم بيعته وأنشدهم شعرا يدل على مجونه: أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال روى جرير بن حازم عن الفضل بن سويد قال: بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لما ولي الخلافة فقال: أتدرون لم دعوتكم? قالوا لا: قال: ليقل قائلكم، فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدد الله لك من نعمته وإحسانه، فقال: نعم، ولكني:

أشهد اللـه والـمـلائكة الأب                      رار والعابدين أهل الصلاح

أنني أشتهي السماع وشرب ال                      كأس والعض للخدود الملاح

والنديم الكريم والخادم الـفـا                      ره يسعى علـي بـالأقـداح قوموا إذا شئتم.

عرضت عليه جارية وغنته فأمر بشرائها

أخبرني إسماعيل بن يونس وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: عرضت على الوليد بن يزيد جارية صفراء كوفية مولدة يقال لها سعاد، فقال لها: أي شيء تحسنين? فقالت: أنا مغنية، فقال لها: غنيني، فغنت:  صوت

 

لولا الذي حملت من حـبـكـم                      لكان في إظهـاره مـخـرج

أو مذهب في الأرض ذو فسحة                      أجل ومن حجت له مـذحـج

لكن سبانـي مـنـكـم شـادن                      مربـب ذو غـنة أدعـــج

أغر ممكور هضيم الحـشـى                      قد ضاق عنه الحجل والدملـج - الشعر للحارث بن خالد. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وفيه لدحمان هزج بالوسطى، وذكر الهشامي أن الهزج ليحيى المكي - فطرب طربا شديدا وقال: يا غلام اسقني، فسقاه عشرين قدحا وهو يستعيدها. ثم قال لها: لمن هذا الشعر? قالت: للحارث بن خالد. قال: وممن أخذتيه? قالت: من حنين. قال: وأين لقيته? قالت: ربيت بالعراق وكان أهلي يجيئون به فيطارحني. فدعا صاحبه فقال: اذهب فابتعها بما بلغت ولا تراجعني في ثمنها ففعل، ولم تزل عنده حظية.

شرب هو ومحمد بن سليمان بجرن

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبيد الله بن عمار قال حدثني عبيد الله بن أحمد بن الحارث القرشي قال حدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا ضمرة قال:

 

صفحة : 718

 

خرج عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام يوما إلى بعض الديارات فنزل فيه وهو وال على الرملة، فسأل صاحب الدير: هل نزل بك أحد من بني أمية? قال: نعم، نزل بي الوليد ين يزيد ومحمد بن سليمان ين عبد الملك. قال: فأي شيء صنعا? قال: شربا في ذلك الموضع، ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: هلم نشرب بهذا الجرن - وأومأ إلى جرن عظيم من رخام - قال: أفعل، فلم يزالا يتعاطيانه بينهما ويشربان به حتى ثملا. فقال عبد الوهاب لمولى له أسود: هاته. قال ضمرة: وقد رأيته وكان يوصف بالشدة، فذهب يحركه فلم يقدر. فقال الراهب: والله لقد رأيتهما يتعاطيانه وكل واحد منهما يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشربه غير مكترث.

وفد عليه سعد بن مرة ومدحه فأجازه

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: وفد سعد بن مرة بن جبير مولى آل كثير بن الصلت، وكان شاعرا، على الوليد بن يزيد، فعرض له في يوم من أيام الربيع وقد خرج إلى متنزه له، فصاح به: يا أمير المؤمنين، وافدك وزائرك ومؤملك، فتبادر الحرس إليه ليصدوه عنه، فقال: دعوه، ادن إلي فدنا إليه، فقال: من أنت? قال: أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، قال: تريد ماذا? قال: تسمع مني أربعة أبيات، قال: هات.

صوت

 

شمن المخايل نحو أرضك بالحيا                      ولقين ركبانا بعرفـك قـفـلا قال: ثم مه، قال:

فعمدن نحوك لم ينخن لحاجة                      إلا وقوع الطير حتى ترحلا قال: إن هذا السير حثيث، ثم ماذا? قال:

يعمدن نحو موطىء حجراته                      كرما ولم تعدل بذلك معدلا قال: فقد وصلت إليه، فمه، قال:

لاحت لها نيران حيي قسـطـل                      فاخترن نارك في المنازل منزلا قال: فهل غير هذا? قال لا، قال: أنجحت وفادتك، ووجبت ضيافتك، أعطوه أربعة آلاف دينار، فقبضها ورحل.

الغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو والهشامي.

مسلمة بن هشام وزوجته

رجعت الرواية إلى حديث المدائني قال: لما أقدم العباس بن الوليد لإحصاء ما في خزائن هشام وولده سوى مسلمة بن هشام فإنه كان كثيرا ما يكف أباه عن الوليد ويكلمه فيه ألا يعرض له ولا يدخل منزله. وكانت عند مسلمة أم سلمة بنت يعقوب المخزومية، وكان مسلمة يشرب. فلما قدم العباس لإحصاء ما كتب إليه الوليد، كتبت أم سلمة: ما يفيق من الشراب ولا يهتم بشيء مما فيه إخوته ولا بموت أبيه. فلما راح مسلمة بن هشام إلى العباس قال له: يا مسلمة، كان أبوك يرشحك للخلافة ونحن نرجوك لما بلغني عنك، وأنبه وعاتبه على الشراب، فأنكر مسلمة ذلك وقال: من أخبرك بهذا? قال: كتبت إلي به أم سلمة، فطلقها في ذلك المجلس، فخرجت إلى فلسطين، وبها كانت تنزل، وتزوجها أبو العباس السفاح هناك.

قصة طلاقه سعدة وتعشقه أختها وسلمى التي عناها الوليد هناك هي سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمها أم عمرو بنت مروان بن الحكم، وأمها بنت عمر بن أبي ربيعة المخزومي.

فأخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام وعن المدائني عن جويرية بن أسماء: أن يزيد بن عبد الملك كان خرج إلى قرين متبديا به، وكان هناك قصر لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكانت بنته أم عبد الملك، واسمها سعدة، تحت الوليد بن يزيد. فمرض سعيد في ذلك الوقت، وجاءه الوليد عائدا، فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته وسترها حواضنها وأختها فقامت ففرعتهن طولا، فوقعت بقلب الوليد. فلما مات أبوه طلق أم عبد الملك زوجته وخطب سلمى إلى أبيها. وكانت لها أخت يقال لها أم عثمان تحت هشام بن عبد الملك، فبعثت إلى أبيها - وقيل: بعث إليه هشام - : أتريد أن تستفحل الوليد لبناتك يطلق هذه وينكح هذه فلم يزوجه سعيد ورده أقبح رد. وهويها الوليد ورام السلو عنها فلم يسل، وكان يقول: العجب لسعيد خطبت إليه فردني، ولو قد مات هشام ووليت لزوجني وهي طالق ثلاثا إن تزوجتها حينئذ وإن كنت أهواها. فيقال: إنما لما طلق سعدة ندم على ذلك وغمه. وكان لها من قلبه محل ولم تحصل له سلمى، فاهتم لذلك وجزع. وراسل سعدة، وقد كانت زوجت غيره فلم ينتفع بذلك.

<H6 أرسل أشعب لزوجته بعد طلاقها فردته</H6

 

صفحة : 719

 

فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم قال حدثنا المدائني قال: بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلق امرأته، فقل: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة، فقال: أحضر العشرة آلالاف الدرهم حتى أنظر إليها، فأحضرها الوليد، فوضعها أشعب على عنقه وقال: هات رسالتك، قال: قل لها يقول لك أمير المؤمنين:

أسعدة هل إليك لنا سـبـيل                      وهل حتى القيامة من تلاقي

بلى ولعل دهـرا أن يؤاتـي                      بموت من حليلك أو طلاق

فأصبح شامتا وتقر عـينـي                      ويجمع شملنا بعد افتـراق فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت بفرش له. ففرشت وجلست وأذنت لهز فلما دخل أنشدها ما أمره، فقالت لخدمها: خذوا الفاسق فقال: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم. قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني، قال: وما تهبين لي? قالت: بساطي الذي تحتي، قال: قومي عنه، فقامت فطواه وجعله إلى جانبه، ثم قال: هات رسالتك جعلت فداك، قالت: قل له:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا                      فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع فأقبل أشعب فدخل على الوليد، فقال: هيه، فأنشده البيت، فقال: أوه قتلتني يا بن الزانية? ما أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع يا بن الزانية، إما أن أدليك على رأسك منكسا في بئر أو أرمي بك منكسا من فوق القصر أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع، فقال: ما كنت لتفعل شيئا من ذلك، قال: ولم يا بن الزانية? قال: لم تكن لتعذب عينين نظرتا إلى سعدة. قال: أوه أفلت والله بهذا يا بن الزانية? اخرج عني. وقال الحسن في روايته: إنها قالت له أنشده:

أتبكي على لبنى وأنت تركتها                      وأنت عليها بالملا كنت أقدر وفي هذه الأبيات غناء هذه نسبته  صوت

 

أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر                      وهجران لبنى يا لك الخير منكر

فإن تكن الدنيا بلبنـى تـغـيرت                      فللدهر والدنيا بطون وأظـهـر

أتبكي على لبنى وأنت تركتـهـا                      وأنت عليها بالحرا كنت أقـدر عروضه من الطويل. والشعر لقيس بن ذريح. والغناء في الثاني والثالث للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو والهشامي.، وفيهما لعريب رمل بالبنصر. وفيه لشارية خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. وفي الأول خفيف ثقيل مجهول.

تزيا بزي زيات ليرى سلمى وشعره في ذلك

قال ابن سلام والمدائني في خبرهما: وخرج الوليد بن يزيد يريد فرتنى لعله يراها، فلقيه زيات معه حمار عليه زيت، فقال له: هل لك أن تأخذ فرسي هذا وتعطيني حمارك هذا بما عليه وتأخذ ثيابي وتعطيني ثيابك? ففعل الزيات ذلك. وجاء الوليد وعليه الثياب وبين يديه الحمار يسوقه متنكرا حتى دخل قصر سعيد، فنادى: من يشتري الزيت، فاطلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى وقلن: إن بالباب زياتا أشبه الناس بالوليد، فاخرجي فانظري إليه، فخرجت فرأته ورآها، فرجعت القهقرى وقالت: هو والله الفاسق الوليد وقد رآني فقلن له: لا حاجة بنا إلى زيتك، فانصرف وقال:

إنني أبصرت شيخا                      حسن الوجه مليح

ولباسي ثوب شيخ                      من عباء ومسوح

وأبيع الزيت بيعـا                      خاسرا غير ربيح وقال أيضا:

فما مسك يعل بـزنـجـبـيل                      ولا عسل بألبان الـلـقـاح

بأشهى من مجاجة ريق سلمى                      ولا ما في الزقاق من القراح

ولا والله لا أنسـى حـياتـي                      وثاق الباب دوني واطراحي قال: فلما ولى الخلافة أشخص إلى المغنين فحضروه وفيهم معبد وابن عائشة وذووهما. فقال لابن عائشة: يا محمد، إن غنيتني صوتين في نفسي فلك عندي مائة ألف درهم، فغناه قوله:

إنني أبصرت شيخا وغناه:

فما مسك يعل بزنجبيل الأبيات، فقال الوليد: ما عدوت ما في نفسي، وأمر له بمائة ألف درهم وألطاف وخلع، وأمر لسائر المغنين بدون ذلك.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء  صوت

 

فما مسك يعل بزنجبيل                      ولا عسل بألبان اللقاح

 

صفحة : 720

 

 

بأطيب من مجاجة ريق سلمى                      ولا ما في الزقاق من القراح غناه ابن عائشة، ولحنه ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحماد بن إسحاق: تزوج سلمى بعد ولايته الخلافة وماتت بعد قليل فرثاها: قال المدائني وابن سلام: فلما طال بالوليد ما به كتب إلى أبيها سعيد:

أبا عثمان هل لك في صنـيع                      تصيب الرشد في صلتي هديتا

فأشكر منك ما تسدى وتحـيى                      أبا عثـمـان مـيتة ومـيتـا قالوا: فلم يجبه إلى ذلك حتى ولى الخلافة، فلما وليها زوجه إياها، فلم يلبث إلا مدة يسيرة حتى ماتت. وقال فيه ليلة زفت إليه:

خف من دار جيرتي                      يا بين داود أنسهـا وهي طويلة. وفيها مما يغنى به:

أو لا تخرج العـرو                      س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بـدا                      وهي لم يقض لبسها

برزت كالهلال فـي                      ليلة غاب نحسـهـا

بين خمس كواعـب                      أكرم الخمس جنسها غناء ابن سريج، فيما ذكره حبش، رمل بالبنصر، أوله:

خف من دار جيرتي وغناء معبد فيه خفيف ثقيل، أوله:

ومتى تخرج العروس في رواية الهشامي وابن المكي. وغناء عمر الوادي في الأربعة الأبيات الأخر خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وذكر في النسخة الثانية ووافقه الهشامي أن فيه هزجا بالوسطى ينسب إلى حكم وإلى أبي كامل وإلى عمر.

غنى حكم الوادي للمهدي فوصله

وقد أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال: رأيت حكما الوادي قد تعرض للمهدي وهو يريد الحج، فوقف له في الطريق وكانت له شهرة، فأخرج دفا له فنقر فيه وقال: أنا، أطال الله بقاءك، القائل:

ومتى تخرج العـرو                      س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بـدا                      وهي لم يقض لبسها قال: فتسرع إليه الحرس، فصيح بهم، وإذا هو حكم الوادي، فأدخل إليه المضرب فوصله وانصرف.

نسبة أو لا تخرج العروس - قال: الشعر الوليد بن يزيد. والغناء لعمر الوادي. وفيه لحنان هزج خفيف بالخنصر في مجرى البنصر  وخفيف رمل بالخنصر في مجرى البنصر جميعا عن إسحاق  ، وذكر حكم الوادي أن الهزج له، وذكر إسحاق أن لحن حكم خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى. وقال في كتاب يحيى: إن هذا اللحن لعمر الوادي. وذكر الهشامي أنه فيه خفيف ثقيل لمعبد ورملا لابن سريج. وذكر عمرو بن بانة أن فيه للدلال خفيف ثقيل أول بالبنصر.

ماتت سلمى فرثاها الوليد

وقال المدائني: مكثت عنده سلمى أربعين يوما ثم ماتت، فقال:

ألما تعلما سلمى أقـامـت                      مضمنة من الصحراء لحدا

لعمرك يا وليد لقد أجـنـوا                      بها حسبا ومكرمة ومجـدا

ووجها كان يقصر عن مداه                      شعاع الشمس أهل أن يفدى

فلم أر ميتا أبكـى لـعـين                      وأكثر جازعا وأجل فقـدا

وأجدر أن تكون لديه ملكـا                      يريك جلادة ويسر وجـدا  شعره في سلمى

ذكر أشعار الوليد التي قالها في سلمى وغنى المغنون فيها منها:  صوت

 

عرفت المنزل الخالي                      عفا من بعد أحـوال

عفاه كـل حـنـان                      عسوف الوبل هطال

لسلمى قرة الـعـين                      وبنت العم والخـال

بذلت اليوم في سلمى                      خطارا أتلفت مالـي

كأن الريق من فيهـا                      سحيق بـين جـريال غناه عمر الوادي هزجا بالوسطى عن عمرو. وذكر ابن خرداذبه أن هذا اللحن للوليد بن يزيد. وفي رمل ذكر الهشامي أنه لابن سريج.

ومنها وهو صوت الذي غناه أبو كامل فأعطاه الوليد قلنسيته : صوت

منازل قد تحل بها سليمـى                      دوارس قد أضر بها السنون

أميت السر حفظا يا سليمـى                      إذا ما السر باح به الحزون غناه أبو كامل من الثقيل الأول. وفي لابن سريج، ويقال للغريض، خفيف أول بالوسطى عن الهشامي، وقيل: إنه لحكم أو لعمر الوادي. ومنها:  صوت

 

أراني قد تصابـيت                      وقد كنت تناهـيت

ولو يتركني الحـب                      لقد صمت وصليت

إذا شئت تصبـرت                      ولا أصبر إن شيت

 

صفحة : 721

 

 

ولا والـلـه لا يصـب                      ر في الديمومة الحوت

سليمى ليس لي صبـر                      وإن رخصت لي جيت

فقـبـلـتـك ألـفـين                      وفـديت وحـــييت

ألا أحبـب بـزور زا                      ر من سلمى ببـيروت

غزال أدعـج الـعـين                      نقي الجـيد والـلـيت غناه ابن جامع في البيتين الأولين هزجا بالوسطى، وغناه أبو كامل في الأبيات كلها على ما ذكرت بذل ولم يجنسه. وغنى حكم الوادي في الثالث والرابع والسابع والثامن خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي. ومنها:  صوت

 

عتبت سلمى علينا سفاهـا                      أن سببت اليوم فيها أباهـا

كان حق العتب يا قوم مني                      ليس منها كان قلبي فداها

فلئن كنت أردت بقلـبـي                      لأبي سلمى خلاف هواها

فثكلت اليوم سلمى فسلمى                      ملأت أرضي معا وسماها

غير أني لا أظـن عـدوا                      قد أتاها كاشحا بـأذاهـا

فلها العتبى لدينا وقـلـت                      أبدا حتى أنال رضـاهـا غناه أبو كامل خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليحيى المكي ثقيل أول من رواية علي بن يحيى. وفيه رمل يقال: إنه لابن جامع، ويقال: بل لحن ابن جامع خفيف رمل أيضا.

خطب سلمى إلى أبيها وهو سكران فرده فسبته فقال شعرا: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال: لقي سعيد بن خالد الوليد بن يزيد وهو ممل، فقال له: يا أبا عثمان، أتردني على سلمى وكأني بك لو قد وليت الخلافة خطبتني فلم أجبك، وإن تزوجتها حينئذ فهي طالق ثلاثا. فقال له سعيد: إن المرء يجعل كريمته عند مثلك لحقيق بأكثر مما قلت، فأمضه الوليد وشتمه وتسامعا وافترقا. وبلغ الوليد أن سلمى جزعت لما جرى وبكت وسبت الوليد ونالت منه، فقال:

عتبت سلمى علينا سفاهـا                      أن هجوت اليوم فيها أباها وذكر الأبيات. وقال أيضا في ذلك:  صوت

 

على الدور التي بليت سفاهـا                      قفا يا صاحبي فسـائلاهـا

دعتك صبابة ودعاك شـوق                      وأخضل دمع عينك مأقياهـا

وقالت عند هجوتنـا أبـاهـا                      أردت الصرم فانتده انتداهـا

أردت بعادنا بهجاء شـيخـي                      وعندك خلة تبغي هـواهـا

فإن رضيت فذاك وإن تماديت                      فهبها خطة بلغت مـداهـا غناه مالك بن أبي السمح خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وللهذلي فيه ثاني ثقيل بالوسطى عن يونس والهشامي، وذكر حبش: أن الثقيل الثاني لإسحاق يعني بقوله:

أردت بعادنا بهجاء شيخي. أنه كان هجا سعيد بن خالد، فقال:

ومن يك مفتاحا لخير يريده                      فإنك قفل يا سعيد بن خالد قال المدائني: لما غضبت سلمى من هجائه أباها قال يعتذر إليه بقوله:

ألا أبلغ ألا عثـمـا                      ن عذرة معتب أسفا

فلست كمن يودك بال                      لسان ويكثر الحلفـا

عتبت علي في أشيا                      ء كانت بيننا سرفـا

فلا تشمت بي الأعدا                      ء والجيران ملتهفـا

تود لو أنني لـحـم                      رأته الطير فاختطفا

ولا ترفع به رأسـا                      عفا الرحمن ما سلفا ومنها وهو من سخيف شعره:  صوت

 

خبروني أن سـلـمـى                      خرجت يوم المصلـى

فإذا طـير مـلـــيح                      فوق غصن يتفـلـى

قلت من يعرف سلمـى                      قال ها ثـم تـعـلـى

قلت يا طير ادن منـي                      قال هـا ثـم تـدلـى

قلت هل أبصرت سلمى                      قال لا ثـم تـولــى

فنكا في القلب كلـمـا                      باطنـا ثـم تـعـلـى فيه ثقيل أول بالبنصر مطلق، ذكر الهشامي أنه لأبي كامل ولعمر الوادي، وذكر حبش أنه لدحمان ومنها:  صوت

 

اسقني يا بن سالـم قـد أنـارا                      كوكب الصبح وانجلى واستنارا

اسقني من سلاف ريق سليمى                      واسق هذا النديم كأسا عقـارا  غناه ابن قدح

ثاني ثقيل بالوسطى من رواية حبش.

 

 

صفحة : 722

 

سأل المأمون ندماءه عن شعر يدل على أنه لملك ثم قال لهم: إنه شعر الوليد: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أبي: أنا المأمون قال لمن حضره من جلسائه: أنشدوني بيتا لملك يدل البيت وإن لم يعرف قائله أنه شعر ملك، فأنشده بعضهم قول امرىء القيس:

أمن أجل أعرابية حل أهلها                      جنوب الملا عيناك تبتدران قال: وما في هذا مما يدل على ملكه قد يجوز أن يقول هذا سوقة من أهل الحضر، فكأنه يؤنب نفسه على التعلق بأعرابية، ثم قال: الشعر الذي يدل على أن قائله ملك قول الوليد:

اسقني من سلاف ريق سليمى                      واسق هذا النديم كأسا عقارا أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم وأنها إشارة ملك. ومثل قوله:

لي المحض من ودهم                      ويغمرهـم نـائلـي وهذا قول من يقدر بالملك على طويات الرجال، يبذل المعروف لهم ويمكنه استخلاصها لنفسه. وفي هذا البيت مع أبيات قبله غناء وهو قوله:  صوت

 

سقيت أبـا كـامـل                      من الأصفر البابلـي

وسقيتهـا مـعـبـدا                      ولك فـتـى بـازل

لي المحض من ودهم                      ويغمرهـم نـائلـي

فما لامنـي فـيهـم                      سوى حاسدة جاهـل  غناه أبو كامل

ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

ومنها وهو من ملح شعره:  صوت

 

أراني الله يا سلمى حـياتـي                      وفي يوم الحساب كما أراك

ألا تجزين من تيمت عصـرا                      ومن لو تطلبين لقد قضـاك

ومن لو مت مات ولا تموتي                      ولو أنسي له أجل بـكـاك

ومن حقا لو اعطي ما تمنى                      من الدنيا العريضة ما عداك

ومن لو قلت مت فأطاق موتا                      إذا ذاق الممات وما عصاك

أثيبي عاشقا كلفا مـعـنـى                      إذا خدرت له رجل دعـاك كانت العرب تقول: إن الإنسان إذا خدرت قدمه باسم أحب الناس إليه فسكنت. في الخبر أن رجل عبد الله عمر خدرت، فقيل له: ادع باسم أحب الناس إليك، فقال: يا رسول الله، صلى الله على رسول الله وعلى آله وسلم. ذكر يونس أن في هذه الأبيات لحنا لسنان الكاتب، وذكرت دنانير أنه لحكم ولم تجنسه .

ومنها:  صوت

 

ويح سلمى لو تراني                      لعناها ما عنـانـي

متلفا في اللهو ما لي                      عاشقا حور القـيان

إنما أحزن قلـبـي                      قول سلمى إذ أتاني

ولقد كنت زمـانـا                      خالي الذرع لشاني

شاق قلبي وعنانـي                      حب سلمى وبراني

ولكـم لام نـصـيح                      في سليمى ونهاني غنته فريدة خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيل أول ينسب إلى معبد، وهو فيما يذكر إسحاق يشبه غناءه وليس تعرف صحته له، وذكر كثير الكبير أنه له، وذكر الهشامي أنه لابن المكي. وفيه لحكم هزج صحيح. ومنها:  صوت

 

بلغا عني سلـيمـى                      وسلاها لي عـمـا

فعلت في شأن صب                      دنف أشعـرهـمـا

ولقد قلت لسلـمـى                      إذ قتلت البين علمـا

أنت همي يا سليمـى                      قد قضاه الرب حتما

نزلت في القلب قسرا                      منزلا قد كان يحمى غناه حكم خفيف ثقيل. ولعمر الوادي فيه خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. ومنها: صوت

يا سليمى يا سلـيمـى                      كنت للقلب عـذابـا

يا سليمى ابنة عمـي                      برد اللـيل وطـابـا

إيما واش وشـى بـي                      فاملئي فـاه تـرابـا

ريقها في الصبح مسك                      باشر العذب الرضابا  غناه عمر الوادي

هزجا بالبنصر عن الهشامي

وذكر ابن المكي أنه لمعان . وفي كتاب إبراهيم أنه لعطرد. ومنها:  صوت

 

أسلمى تلـك حـييت                      قفي نخبرك إن شيت

وقيلي ساعة نـشـك                      إليك الحب أو بيتـي

فما صهباء لم تكـس                      قذى من خمر بيروت

ثوت في الدن أعواما                      ختيما عند حـانـوت غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ومنها:  صوت

 

 

صفحة : 723

 

 

يا من لقلب في الهوى متشعب                      بل من القلب بالحبيب عمـيد

سلمى هواه ليس يعرف غيرها                      دون الطريف ودون كل تلـيد

إن القرابة والسعـادة ألـفـا                      بين الوليد وبين بنت سـعـيد

يا قلب كم كلف الفؤاد بغـادة                      ممكورة ريا العظـام خـريد غناه عمر الوادي رملا بالبنصر عن عمرو. ومنها:

قد تمنى معشر إذا أطـربـوا                      من عقـار وسـوام وذهـب

ثم قالوا لي تمـن واسـتـمـع                      كيف ننحو في الأماني والطلب

فتمنـيت سـلـيمـى إنـهـا                      بنت عمي من لهاميم العـرب فيه للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشامي أن هذا الخفيف الثقيل لخالد صامة . وذكر ابن المكي أن فيه المكي ثاني ثقيل بالوسطى. ومنها:  صوت

 

هل إلى أم سـعـيد                      من رسول أو سبيل

ناصح يخبـر أنـي                      حافظ ود خـلـيل

يبذل الود لـغـيري                      وأكافي بالجمـيل

لست أرضى لخليلي                      من وصالي بالقليل غناه عمر الوادي هزجا خفيفا بالسبابة في مجرى الوسطى. ومنها:  صوت

 

طاف من سلمى خيال                      بعد ما نمت فهاجـا

قلت عج نحوي أسائل                      ك عن الحب فعاجا

يا خليلي يا نـديمـي                      قم فأنفث لي سراجا

بفلاة ليس تـرعـى                      أنبتت شيحا وحاجـا غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج فيه خفيف رمل بالوسطى عن حبش. ولأبي سلمى المدني ثقيل أول عن ابن خرداذبه. ومنها:  صوت

 

أم سلام أثيبي عاشـقـا                      يعلم الله يقـينـا ربـه

أنكم من عيشه في نفسه                      يا سليمى فاعلميه حسبه

فارحميه إنه يهذي بكـم                      هائم صب قد أودى قلبه

أنت لو كنت له راحـمة                      لم يكدر يا سليمى شربه غناه حكم رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن سريج بالوسطى. ومنها:  صوت

 

رب بيت كأنه متن سـهـم                      سوف نأتيه من قرى بيروت

من بلاد ليست لنـا بـبـلاد                      كلما جئت نحوهـا حـييت

أم سلام لا برحـت بـخـير                      ثم لا زلت جنتي ما حـييت

طربا نحوكم وتوقا وشـوقـا                      لادكاريكم وطيب المـبـيت

حيثما كنت من بلاد وسرتـم                      فوقاك الإله ما قد خشـيت في البيت الأول والثاني لابن عائشة ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن الهشامي، وذكر غيره أنه لإبراهيم. وفي الثالث وما بعده والثاني لابن عائشة أيضا رمل بالوسطى، ولابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وقيل: إن الرمل لعمر الوادي، وهو أن يكون له أشبه. ومنها:  صوت

 

طرقتني وصحابي هجـوع                      ظبية أدماء مثل الـهـلال

مثل قرن الشمس لما تبـدت                      واستقلت في رؤوس الجبال

تقطع الأهوال نحوي وكانت                      عندنا سلمى ألوف الحجال

كم أجازت نحونا من بـلاد                      وحشة قتـالة لـلـرجـال لابن محرز فيه ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق في الثاني والثالث. ولابن سريج في الأول وما بعده خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لحن لابن عائشة ذكر الهشامي أنه رمل بالوسطى. وفي خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وعمر الوادي. ومنها:  صوت

 

أنا الوليد الإمام مفـتـخـرا                      أنعم بالي وأتبـع الـغـزلا

أهوى سليمى وهي تصرمني                      وليس حقا جفاء من وصلا

أسحب بردى إلى منازلـهـا                      ولا أبالي مقال مـن عـذلا غنى فيه أبو كامل رملا بالبنصر. وغنى عمر الوادي فيه خفيف رمل بالوسطى، ويقال إن هذا اللحن للوليد. أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال الوليد على لسان سلمى:  صوت

 

اقر مني على الوليد السلاما                      عدد النجم قل ذا للـولـيد

حسدا ما حسدت أختي عليه                      ربنا بيننا وبـين سـعـيد غناه الهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي.

غضب على جاريته ثم صالحها

لشعر رجل من قريش:

 

 

صفحة : 724

 

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا خالد بن النضر القرشي بالبصرة قال حدثنا أبو حاتم السجستاني قال حدثنا العتبي قال: كانت للوليد بن يزيد جارية يقال لها صدوف، فغاضبها، ثم لم يطعه قلبه فجعل يتسبب لصلحها، فدخل عليه رجل قرشي من أهل المدينة فكلمه في حاجة وقد عرف خبره، فبرم به، فأنشده:

أعتبت أن عتبت عليك صدوف                      وعتاب مثلك مثلها تشـريف

لا تقعدن تلوم نفسـك دائمـا                      فيها وأنت بحبها مشـغـوف

إن القطيعة لا يقوم لمثلـهـا                      إلا القوي ومن يحب ضعيف

الحب أملك بالفتى من نفسـه                      والذل فيه مسلك مـألـوف قال: فضحك وجعل ذلك سببا لصلحها، وأمر بقضاء حوائج القرشي كلها.

استقدم حمادا الراوية ليسأله عن شعر وأجازه: أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال قال حماد الراوية: استدعاني الوليد بن يزيد وأمر لي بألفين لنفقتي وألفين لعيالي، فقدمت عليه. فلما دخلت داره قال لي الخدم: أمير المؤمنين من خلف الستارة الحمراء، فسلمت بالخلافة، فقال لي: يا حماد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ثم ثاروا، فلم أدر ما يعني فقال: ويحك يا حماد ثم ثاروا، فقلت في نفسي: راوية أهل العراق لا يدري عما يسأل ثم انتبهت فقلت:

ثم ثـاروا إلـى الـصـبـوح فــقـــامـــت                      قينة فـــي يمـــينـــهـــا إبــــريق

قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافها الراووق

ثم فض الختام عن حاجب الد                      ن وقـامـت لـدى الـــيهـــودي ســـوق

فسـبـاهــا مـــنـــه أشـــم عـــزيز                      أريحـــي غـــذاه عـــيش رقـــــيق الشعر لعدي بن زيد. والغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالبنصر. وفيه لمالك خفيف رمل. ولعبد الله بن العباس الربيعي رمل، كل ذلك عن الهشامي قال: فإذا جارية قد أخرجت كفا لطيفة من تحت الستر في يدها قدح، والله ما أدري أيهما أحسن الكف أم القدح، فقال: رديه فما أنصفناه تغدينا ولم نغده فأتيت بالغداء، وحضر أبو كامل مولاه فغناه: صوت

أدر الكـأس يمـينـا                      لا تدرهـا لـيسـار

اسق هـذا ثـم هـذا                      صاحب العود النضار

من كميت عتقـوهـا                      منذ دهر في جـرار

ختموهـا بـالأفـاوي                      ه وكـافـور وقـار

فلقـد أيقـنـت أنـي                      غير مبعوث لـنـار

سأروض الناس حتى                      يركبوا أير الحمـار

وذروا من يطلب الج                      نة يسعى لـتـبـار فيه هزجان بالوسطى والبنصر لعمر الوادي وأبي كامل فطرب وبرز إلينا وعليه غلالة موردة، وشرب حتى سكر. فأقمت عنده مدة ثم أذن بالانصراف، وكتب لي إلى عامله بالعراق بعشرة آلاف درهم.

حكاية تروى عن تهتكه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: لما ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء والشراب والصيد، وحمل المغنين من المدينة وغيرها إليه وأرسل إلى أشعب فجاء به، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال له: ارقص وغنني شعرا يعجبني، فإن فعلت فلك ألف درهم، فغناه فأعجبه فأعطاه ألف درهم.

ودخل إليه يوما، فلما رآه الوليد كشف عن أيره وهو منعظ - قال أشعب: فرأيته كأنه مزمار آبنوس مدهون - فقال لي: أرايت مثله قط? قلت: لا يا سيدي، قال: فاسجد له، فسجدن ثلاثا، فقال: ما هذا? قلت: واحدة لأيرك وثنتين لخصيتيك. قال: فضحك وأمر لي بجائزة.

قال: وتكلم بعض جلسائه والمغنية تغني، فكره ذلك وأضجره، فقال لبعض جلسائه: قم فنكه، فقام فناكه والناس حضور وهو يضحك.

وذكرت جارية أنه واقعها يوما وهو سكران، فلما تنحى عنها آذنه المؤذن بالصلاة، فحلف ألا يصلي بالناس غيرها، فخرجت متلثمة فصلت بالناس.

قال: ونزل على غدير ماء فاستحسنه. فلما سكر حلف ألا يبرح حتى يشرب ذلك الغدير كله ونام، فأمر العلاء بن البندار بالقرب والروايا فأحضرت، فجعل ينزحه ويصبه على الأرض والكثب التي حولهم حتى لم يبق فيه شيء، فلما أصبح الوليد رآه قد نشف فطرب وقال: أنا أبو العباس ارتحلوا. فارتحل الناس.

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال النضر بن حديد حدثني ابن أبي جناح قال أخبرني عمر بن جبلة: أن الوليد بن يزيد بات عند امرأة وعدته المبيت، فقال حين انصرف:

 

صفحة : 725

 

 

قامت إلي بتقبيل تعـانـقـنـي                      ريا العظام كأن المسك في فيها

ادخل فديتك لا يشعر بنـا أحـد                      نفسي لنفسك من داء تفـديهـا

بتنا كذلك لا نوم عـلـى سـرر                      من شدة الوجد تدنيني وأدنيهـا

حتى إذا ما بدا الخيطان قلت لها                      حان الفراق فكاد الحزن يشجيها

ثم انصرفت ولم يشعر بنا أحـد                      والله عني بحسن الفعل يجزيها مر بنسوة من بني كلب استسقاهن وقال فيهن شعرا: وحدثني النضر بن حديد قال حدثنا هشام بن الكلبي عن خالد بن سعيد قال: مر الوليد بن يزيد وهو متصيد بنسوة من بني كلب من بني المنجاب، فوقف عليهن واستسقاهن وحدثهن وأمر لهن بصلة، ثم مضى وهو يقول:

ولقد مررت بنسوة أعـشـينـنـي                      حور المدامع من بني المنـجـاب

فيهن خـرعـبة مـلـيح دلـهـا                      غرثى الوشـاح دقـيقة الأنـياب

زين الحواضر ما ثوت في حضرها                      وتزين بـاديهـا مـن الأعـراب أطلق غزالا صاده لشبهه سلمى: قال النضر وحدثني ابن الكلبي عن أبيه: أن الوليد خرج يتصيد ذات يوم، فصادت كلابه غزالا، فأتي به فقال: خلوه ، فما رأيت أشبه منه جيدا وعينين بسلمى. ثم أنشأ يقول:

ولقد صدنـا غـزالا سـانـحـا                      قد أردنا ذبحـه لـمـا سـنـح

فإذا شـبـهـك مـا نـنـكـره                      حين أزجى طرفه ثـم لـمـح

فتـركـنـاه ولـولا حـبـكـم                      فاعلمي ذاك لقد كـان انـذبـح

أنت يا ظـبـي طـلـيق آمـن                      فاغد في الغزلان مسرورا ورح بعث إلى شراعة بن الزندبوذ وماجنه: نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال أخبرني عمرو عن أبيه عن عمروا بن واقد الدمشقي قال: بعث الوليد بن يزيد إلى شراعة بن الزندبوذ، فلما قدم عليه قال: يا شراعة، إني لم أستحضرك لأسألك عن العلم ولا لأستفتيك في الفقه ولا لتحدثني ولا لتقرئني القرآن، قال: لو سألتني عن هذا لوجدتني فيه حمارا. قال: فكيف علمك بالفتوة? قال: ابن بجدتها، وعلى الخبير بها سقطت، فسل عما شئت. قال: فكيف علمك بالأشربة? قال: ليسألني أمير المؤمنين عما أحب. قال: ما قولك في الماء? قال: في الحياة، ويشركني فيه الحمار. قال: فاللبن? قال: ما رأيته قط إلا ذكرت أمي فاستحيت. قال: فالخمر? قال: تلك السارة البارة وشراب أهل الجنة. قال: لله درك فإي شيء أحسن ما يشرب عليه? قال: عجبت لمن قدر أن يشرب على وجه السماء في كن من الحر والقر كيف يختار عليها شيئا الوليد وحادثة المصحف: قال وأخبرنا عمرو بن أبيه عن يحيى بن سليم قال: دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة بمصحف، فلما فتحه وافق ورقة فيها:  واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد  ، فقال: أسجعا سجعا ثم أخذ القوس والنبل فرماه حتى مزقه، ثم قال:

أتوعد كل جبار عـنـيد                      فها أنا ذاك جبار عنـيد

إذا لاقيت ربك يوم حشر                      فقل لله مزقني الولـيد قال: فما لبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل.

غضب على جارية أمرها بالغناء في شعر لم تعرفه: أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني معاوية بن بكر عن يعقوب بن عياش المروزي من أهل ذي المروة أن أباه حمل عدة جوار إلى الوليد بن يزيد، فدخل إليه وعنده أخوه عبد الجبار وكان حسن الوجه والشعرة وفيها، فأمر الوليد جارية منهن أن تغني:

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد                      أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد وأمرها أخوه أن تغني:

أتعجب أن طربت لصوت حاد                      حدا بزلا يسرن ببـطـن واد فغنت ما أمرها به الغمر ، فغضب الوليد واحمر وجهه، وظن أنها فعلت ذلك ميلا إلى أخيه. وعرفت الشر في وجهه، فاندفعت فغنت: صوت

أيها العاتب الذي خاف هجري                      وبعادي وما عمـدت لـذاكـا

أترى أننـي بـغـيرك صـب                      جعل الله من تظـن فـداكـا

أنت كنت الملول في غير شيء                      بئس ما قلت ليس ذاك كذاكـا

ولو أن الذي عتبـت عـلـيه                      خير الناس واحدا ما عـداكـا

فارض عني جعلت نعليك إني                      والعظيم الجليل أهوى رضاكا

 

صفحة : 726

 

- الشعر لعمر .أخ والغناء لمعبد من روايتي يونس وإسحاق، ولحنه من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر حماد في أخبار ابن عائشة أن له فيه لحنا - قال: فسري عن الوليد وقال لها: ما منعك أن تغني ما دعوتك إليه? قالت: لم أكن أحسنه، وكنت أحسن الصوت الذي سألنيه، أخذته من ابن عائشة، فلما تبينت غضبك غنيت هذا الصوت وكنت أخذته من معبد. تعني الذي اعتذرت به إليه.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد                      أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد

أو من بني نوفـل أو آل مـطـلـب                      أو من بني جمح الخضر الجلاعـيد

أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا                      لله درك لـم تـهـمـم بـتـهـديد الشعر لحسان بن ثابت، يقوله لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة، وخبره يذكر بعد هذا. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالخنصر ، وقيل: إنه لمالك. ومنها: صوت

أتعجب أن طربت لصوت حاد                      حدا بزلا يسرن ببـطـن واد

فلا تعجب فإن الحب أمسـى                      لبثنة في السواد من الفـؤاد الشعر لجميل. والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر.

غنته جارية بشعر المخزومي فطرب وأمر بشرائها: أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال: عرضت على الوليد ين يزيد جارية مغنية، فقال لها: غني، فغنت: صوت

لولا الذي حملت من حـبـكـم                      لكان من إظهـاره مـخـرج

أو مذهب في الأرض ذو فسحة                      أجل ومن حجت له مـذحـج

لكن سبانـي مـنـهـم شـادن                      مربـب بـينـهـم أدعــج

أغر ممكور هضيم الحـشـى                      قد ضاق عنه الحجل والدملـج فقال لها الوليد: لمن هذا الشعر? قال: للوليد بن يزيد المخزومي. قال: فممن أخذت الغناء? قالت: من حنين. فقال: أعيديه، فأعادته فأجادت، فطرب الوليد ونعر وقال: أحسنت وأبى وجمعت كل ما يحتاج إليه في غنائك، وأمر بابتياعها، وحظيت عنده.

غنى في هذا الصوت ابن سريج ولحنه رمل بالبنصر. وغنى فيه إسحاق فيما ذكر الهشامي خفيف ثقيل. ومما يغني به من هذه القصيدة: صوت

قد صرح القوم وما لجلجوا                      لجوا علينا ليت لم يلججوا

باتوا وفيهم كالمها طفـلة                      قد زانها الخلخال والدملج غناه صباح الخياط خفيف ثقيل بالبنصر. وغنى فيه ابن أبي الكنات خفيف ثقيل بالوسطى.

حسان بن ثابت وهجوه مسافع بن عياض: فأما خبر الشعر الذي قال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة، فأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن: أن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز اشتريا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه رقيقا ممن سبي، ففضل عليهما ثمانون ألف درهم، فأمر بهما عمر أن يلزما . فمر بهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لابن معمر يلازم? فأخبر خبره، فأمر له بالأربعين ألفا التي عليه تقضى عنه. فقال ابن معمر لابن عامر: إنها إن قضيت عني بقيت ملازما، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عني، فدفع إليه الأربعين ألفا درهم فقضاها ابن عامر عن نفسه وخليت سبيله. فمر طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر يلازم فقال: ما لابن معمر? ألم آمر بالقضاء عنه فأخبر بما صنع، فقال: أما ابن معمر فعلم أن له ابن عم لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلي سبيله. فقال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة:

يا آل تيم ألا تنهـون جـاهـلـكـم                      قبل القذاف بصـم كـالـجـلامـيد

فنهنهوه فـإنـي غـير تـاركـكـم                      إن عاد ما اهتز ماء في ثرى عـود

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد                      أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد

أو من بني نوفـل أو آل مـطـلـب                      أو من بني جمح الخضر الجلاعـيد

أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا                      لله درك لـم تـهـمـم بـتـهـديد

 

صفحة : 727

 

 

أو في الدؤابة من تيم إذا انتسـبـوا                      أو من بني الحارث البيض الأماجيد

لكن سأصرفها عنكم وأعـدلـهـا                      لطلحة بن عبيد اللـه ذي الـجـود رجع الخبر إلى سياقه أخبار الوليد: الوليد بن يزيد وأبو الأقرع الشاعر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال قال الهيثم حدثني ابن عياش قال: دخل أبو الأقرع على الوليد بن يزيد، فقال له: أنشدني قولك في الخمر، فأنشد قوله:

كميت إذا شجت وفي الكأس وردة                      لها في عظام الشاربـين دبـيب

تريك القذى من دونها وهي دونه                      لوجه أخيها في الإناء قـطـوب فقال الوليد: شربتها يا أبا الأقرع ورب الكعبة فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابني معرفتك بها.

رأى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن فأعجبته: أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال قال المدائني: نظر الوليد بن يزيد إلى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وقد مروا بين يديها بالشمع ليلا، فلما رآها أعجبته وراعه جمالها وحسنها، فسأل عنها فقيل له: إن لها زوجا، فأنشأ يقول: صوت

إنما هاج لـقـلـبـي                      شجوه بعد المـشـيب

نظرة قد وقرت في ال                      قلب من أم حـبـيب

فإذا ما ذقـت فـاهـا                      ذقت عذبا ذا غـروب

خالط الراح بمـسـك                      خالص غير مشـوب غناه ابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي، وذكر عمرو بن بانة أنه للأبجر، وهو الصحيح.

الوليد بن يزيد في آخر دولته: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن النضر بن عمرو عن العتبي قال: لما ظهرت المسودة بخراسان كتب نصر بن سيار إلى الوليد يستمده، فتشاغل عنه، فكتب إليه كتابا وكتب في أسفله يقول:

أرى خلل الرماد وميض جمر                      وأحر بأن يكون له ضـرام

فإن النار بالعـودين تـذكـى                      وإن الحرب مبدؤها الكـلام

فقلت من التعجب ليت شعري                      أأيقـاظ أمـية أم نـــيام فكتب إليه الوليد: قد أقطعتك خراسان، فاعمل لنفسك أودع، فإني مشغول عنك بابن سريج ومعبد والغريض.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن ابن الصباح عن ابن الكلبي عن حماد الراوية قال: دخلت يوما على الوليد وكان آخر يوم لقيته فيه، فاستنشدني كل ضرب من شعر أهل الجاهلية والإسلام، فما هش لشيء منه حتى أخذت في السخف فأنشدته لعمار ذي مجنبذا :

أشتهي منك منك من                      ك مكانا مجنـبـذا

فأجا فيه فـيه فـي                      ه بأير كمـثـل ذا

ليت أيري وحرك يو                      ما جميعا تجـابـذا

فأخذ ذا بشـعـر ذا                      وأخذ ذا بقعـر ذا فضحك حتى استلقى وطرب، ودعا بالشراب فشرب، وجعل يستعيدني الأبيات فأعيدها حتى سكر وأمر لي بجائزة، فعلمت أن أمره قد أدبر. ثم أدخلت على أبي مسلم فاستنشدني فأنشدته، قول الأفوه :

لنا معشر لم يبنوا لقومهم فلما بلغت إلى قوله:

تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحت                      وإن تولت فبـالأشـرار تـنـقـاد قال: أنا ذلك الذي تنقاد به الناس، فأيقنت حينئذ أن أمره مقبل.

خطب يوما خطبة الجمعة بشعر: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: وجدت في كتاب عن عبيد الله بن سعيد الزهري عن عمر عن أبيه قال: خرج الوليد بن يزيد وكان من أصحابه على شراب، فقيل له: إن اليوم الجمعة، فقال: والله لأخطبنهم اليوم بشعر، فصعد المنبر فخطب فقال:

الحمد لله ولـي الـحـمـد                      أحمده في يسرنا والجـهـد

وهو الذي في الكرب أستعين                      وهو الذي ليس لـه قـرين

أشهد في الدنيا وما سواهـا                      أن لا إلـه غـيره إلـهـا

ما إن له في خلقـه شـريك                      قد خضعت لملكه الملـوك

أشهد أن الدين دين أحـمـد                      فليس من خالفه بمهـتـدي

وأنه رسول رب الـعـرش                      القادر الفرد الشديد البطـش

أرسله في خلـقـه نـذيرا                      وبالكتاب واعظـا بـشـيرا

 

صفحة : 728

 

 

ليظهر الـلـه بـذاك الـدينـا                      وقد جعلنا قبل مـشـركـينـا

من يطع الله فـقـد أصـابـا                      أو يعصه أو الرسول خـابـا

ثم القران والهـدى الـسـبـيل                      قد بقيا لما مضى الـرسـول

كأنـه لـمـا بـقـى لـديكـم                      حي صحـيح لا يزال فـيكـم

إنكم مـن بـعـد إن تـزلـوا                      عن قصده أو نهجه تضـلـوا

لا تتركن نصحي فإني ناصـح                      إن الطريق فاعلمـن واضـح

من يتق الله يجد غب التـقـى                      يوم الحساب صائرا إلى الهدى

إن التقى أفضل شيء في العمل                      أرى جماع البر فيه قد دخـل

خافوا الجحيم إخوتي لعـلـكـم                      يوم اللقاء تعرفوا ما سـركـم

قد قيل في الأمثال لو علمـتـم                      فانتفعوا بذاك إن عـقـلـتـم

ما يزرع الزارع يوما يحصـده                      وما يقدم من صلاح يحـمـده

فاستغفروا ربـكـم وتـوبـوا                      فالموت منكم فاعلموا قـريب ثم نزل.

الوليد بن يزيد والوليد البندار: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن الوليد البندار قال: حججت مع الوليد بن يزيد، فقلت له لما أراد أن يخطب الناس: أيها الأمير، إن اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق، وأريد أن تشرفني بشيء. قال: وما هو? قلت: إذا علون المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك وبأنك أسررت إلي شيئا، فقال: أفعل. فلما جلس على المنبر قال: الوليد البندار، فقمت إليه، فقال: ادن مني فدنوت، فأخذ بأذني ثم قال: البندار ولد زنا، والوليد ولد زنا، وكل من ترى حولنا ولد زنا، أفهمت? قلت: نعم، قال: انزل الآن، فنزلت.

نادرة له مع أشعب: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن أشعب قال: دخلت على الوليد بن يزيد الخاسر وقد تناول الخاسر وقد تناول نيبذا، فقال له: تمن، فقلت: يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى، قال: فإنما أردت أن تغلبني، فإني لأتمنى ضعف ما تتمنى به كائنا ما كان، قلت: فإني أتمنى كفلين من العذاب، فضحك ثم قال: إذا نوفرهما عليك. ثم قال لي: ما أشياء تبلغني عنك? قلت: يكذبون علي. قال: متى عهدك بالأصم? قلت: لا عهد لي به. فأخرج أيره كأنه ناي مدهون، فسجدت له ثلاث سجدات، فقال: ويلك إنما يسجد الناس سجدة واحدة، فقلت: واحدة للأصم واثنتين لخصيتيك.

كان يغالي بالجوهر: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال حدثني عبد الصمد بن موسى الهاشمي قال: إنما أغلى الجوهر بنو أمية، ولقد كان الوليد بن يزيد يلبس منه العقود ويغيرها في اليوم مرارا كما تغير الثياب شغفا، فكان يجمعه من كل وجه ويغالي يه.

برز للناس راكبا فرسا وهو متهتك: قال: وكان يوما داره على فرس له جارية تضرب بطبل قدامه، فأخذه منها ووضعه على رقبته، ونفر الفرس من صوت الطبل فخرج به على أصحابه في هذه الهيئة، وكان خليعا.

قدم المدينة وبعث لابن يسار بخمر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم الوليد بن يزيد المدينة، فقلت لإسماعيل بن يسار: أحذنا مما أعطاك الله، فقال: هلم أقاسمك إن قبلت، بعث إلي براوية من خمر.

مر بإسكار حاجبه وكان لا يشرب: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني رجل قال: كان الوليد بن يزيد إذا أصبح يوم الاثنين تغدى وشرب رطلين ثم جلس للناس. قال: فحدثني عمر الوادي قال: دخلت عليه وعنده أصحابه وقد تغدى وهو يشرب، فقال له: اشرب فشربت، وطرب، وغنى صوتا واحدا وأخذ دفافة فدفف بها، فأخذ كل واحد منا دفافة فدفف بها، وقام وقمنا حتى بلغنا إلى الحاجب، فلما رآنا الحاجب صاح بالناس: الحرم الحرم، اخرجوا. ودخل الحاجب فقال: جعلني الله فداءك، اليوم يحضر فيه الناس، فقال له: اجلس واشرب، فقال: إنما أنا حاجب فلا تحملين على الشراب فما شربته قط، قال: اجلس فاشرب، فامتنع، فما فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع وقام وهو سكران.

قيل إنه افترع بنتا له وكذب ذلك أبو الفرج:

 

صفحة : 729

 

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن شريك قال حدثني عمي علي بن عمرو قرقارة قال حدثني أنيف بن هاشم بن الكلبي ومات قبل أبيه قال حدثني أبي قال: خرج الوليد بن يزيد من مقصورة إلى مقصورة، فإذا هو ببنت له معها حاضنتها، فوثب عليها فاقترعها، فقالت له الحاضنة: إنها المجوسية، قال: اسكتي ثم قال:

من راقب الناس مات غما                      وفاز باللذة الـجـسـور وأحسب أنا أن هذا الخبر باطل، لأن هذا الشعر لسلم الخاسر، ولم يدرك زمن الوليد.

تمنى غلاء الخمر وعزة النساء لئلا يبتذلا: أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال أخبرني مسلمة بن سلم الكاتب قال: قال الوليد بن يزيد: وددت أن كل كأس تشرب من خمر بدينار، وأن كل حر في جبهة أسد، فلا يشرب إلا سخي، ولا ينكح إلا شجاع.

?شرب شرب الفرس سبعة أسابيع: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال: سمعت رجلا يحدث أبي الكوفة قال: أرسلت إلى الوليد جفنة مملوءة فرعونية قوارير لم ير مثلها قط. فلما أمسينا صببنا فيها الشراب في ليلة أربع عشرة، حتى إذا استوى القمر على رؤوسنا وصار في الجفنة قال الوليد: في أي منزلة القمر الليلة? فقال بعضهم: في الحمل، وقال بعضهم: في منزلة كذا وكذا من منازل القمر، فقال بعض جلسائه: القمر في الجفنة، قال: قاتلك الله أصبت ما في نفسي لتشربن الهفتجنة . فقال مصعب: فسأل أبي عن الهفتجنة فقال: شرب كانت الفرس تشربه سبعة أسابيع. فشرب تسعة وأربعين يوما.

غناه المغنون فطرب واعترض على شعر لابن أذينة: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال أخبرني خالد صامة المغني وكان من أحسن الناس غناء على عود، قال: بعث إلي الوليد بن يزيد، فقدمت عليه، فوجدت عنده معبدا ومالكا والهذلي، وعمر الوادي وأبا كامل، فغنى القوم ونحن في مجلس يا له من مجلس وغلام للوليد له سبرة يسقي القوم الطلاء، إذ جاءت نوبة الغناء إلي، فأخذت عودي فغنيت بأبيات قالها عروة بن أذينة يرثي أخاه بكرا: صوت

سرى همي وهم المرء يسـري                      وغار النجـم إلا قـيد فـتـر

أراقب في المجرة كـل نـجـم                      تعرض في المجرة كيف يجري

بحـزن مـا أزال مـديمـــا                      كأن القلب أسعر حر جـمـر

على بكر أخي ولـى حـمـيدا                      وأي العيش يحسن بعد بـكـر - غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وغنى فيه ابن عباد الكاتب ولحنه رمل بالوسطى عن الهشامي - قال خالد: فقال لي الوليد: أعد يا صام فأعدت، فقال: من يقوله ويحك? قلت: بان أذنية، قال: هذا والله العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه، لقد تحجر واسعا. قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عبد الله بن أبي فروة: وأنشدها ابن أذنية ابن أبي عتيق، فضحك ابن أبي عتيق وقال: كل العيش يحسن حتى الخبز والزيت، فحلف ابن أذنية لا يكلمه أبدا، فمات ابن أبي عتيق وابن أذنية مهاجر له.

أنشدت سكينة بنت الحسين شعر ابن أذنية فاعترضت عليه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: بلغني أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنها أنشدت، وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن مصعب قال: أنشدت سكينة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن عباد عن أبيه عن أبي يحيى العبادي: أن سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذنية في أخيه بكر، فلما انتهت إلى قوله:

على بكر أخي ولى حميدا                      وأي العيش يحسن بعد بكر قالت سكينة: ومن أخوه بكر أليس الدحداح الأسيد القصير الذي كان يمر بنا صباحا ومساء? قالوا: نعم، قالت: كل العيش والله يصلح ويحسن بعد بكر حتى الخبز والزيت.

سبق سليمان بن عبد الملك بين المغنين ببدرة فأخذها ابن سريج: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال:

 

صفحة : 730

 

قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فجمع المغنين وسبق بينهم ببدرة، وقال: أيكم كان أحسن غناء فهي له، فاجتمعوا. فبلغ الخبر ابن سريج، فجاء وقد أغلق الباب، فقال للحاجب: استأذن لي، قال: لا يمكن وقد أغلق الباب، ولو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك. قال: فدعني أغن من شق الباب، قال نعم. فسكت حتى فرغ جميع المغنين من غنائهم ثم اندفع فغنى:

سرى همي وهم المرء يسري فنظر المغنون بعضهم إلى بعض وعرفوه، فلما فرغ قال سليمان: أحسن والله هذا والله أحسن منكم غناء، أخرج يا غلام إليه بالبدرة، فأخرجها إليه.

الوليد بن يزيد وفرسه السندي: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة: أن رجلا أهدى إلى هشام بن عبد الملك خيلا، فكان فيها فرس مربوع قريب الركاب، فعرف الوليد منه ما لم يعرف هشام، فنهر الرجل وشتمه وقال. أتجيء بمثل هذا إلى أمير المؤمنين ردوه عليه، فردوه. فلما خرج وجه إليه بثلاثين ألف درهم وأخذه منه، فهو فرسه الذي يسميه السندي.

فأخبرني بعض أصحابي أن الوليد خرج يوما يتصيد وحده، فانتدب إليه مولى لهشام يريد الفتك به. فلما بصر به الوليد حاوله فقهره بفرسه الذي كان تحته فقتله. وقال في ذلك:

ألم ترأني بـين مـا أنـا آمـن                      يخب بي السندي قفرا فـيافـيا

تطلعت من غور فأبصرت فارسا                      فأوجست منه خـيفة أن يرانـيا

ولما بدا لي أنمـا هـو فـارس                      وقفت له حتى أتى فـرمـانـيا

رماني ثلاثا ثم إني طـعـنـتـه                      فرويت منه صعدتي وسنـانـيا غناه أبو كامل لحنا من الماخوري بالبنصر. ولإبراهيم فيه ثقيل أول، وقيل: إن له فيه ماخوريا آخر. وفيه لعمر الوادي ثاني ثقيل. ولمالك رمل من رواية الهشامي.

قال: وقال الوليد أيضا في فرسه السندي:

قد أغتدي بذي سبـيب هـيكـل                      مشرب مثل الغـراب أرجـل

أعددته لحـلـبـات الأحـوال                      ولك نقع ثـائر لـجـحـفـل

وكل خطب ذي شؤون معضل فقال هشام: لكنا أعددنا له ما يسوءه، نخلعه ونقصيه، فيكون مهانا مدحورا مطرحا.

ماتت سلمى بعد زفافها بسبعة أيام فرثاها: نسخت من كتاب أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو الحسن العقيلي: أن الوليد لما ولي الخلافة خطب سلمى التي كان ينسب بها، فزوجها لما مضى صدر من خلافته، فقامت عنده سبعة أيام فماتت، فقال يرثيها:

يا سلم كنت كجنة قد أطعمـت                      أفنانها دان جناها مـوضـع

أربابها شفقا عليها نـومـهـم                      تحليل موضعها ولما يهجعوا

حتى إذا فسح الربيع طنونهـم                      نثر الخريف ثمارها فتصدعوا أمر وهو سكران بقتل نديمه القاسم ثم ندم ورثاه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي العالية، وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عمه: أن الوليد بن يزيد لما انهمك على شربه ولذاته ورفض الآخرة وراء ظهره وأقبل على القصف والعسف مع المغنين مثل مالك ومعبد وابن عائشة وذويهم، كان نديمه القاسم بن الطويل العبادي، وكان أديبا ظريفا شاعرا، فكان لا يصبر عنه، فغناه معبد ذات يوم شعر عدي: صوت

يكر العاذلون في وضح الص                      بح يقولون لي ألا تستفـيق

لست أدري وقد جفاني خليلي                      أعدو يلومـنـي أم صـديق

ثم قالوا ألا اصبحونا فقامـت                      قينة في يمينـهـا إبـريق

قدمته على عقار كعين الـد                      يك صفى سلافها الـراووق - فيه لمعبد ثقيل ويقال إنه لحنين. وفيه لمالك خفيف رمل. وفيه لعبد الله بن العباس رمل كل ذلك عن الهشامي - قال: فاستحسنه الوليد وأعجب به وطرب عليه وجعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر فنام في موضعه، فانصرف ابن الطويل. فلما أفاق الوليد سأل عنه، فعرف حين انصرافه، فغضب وقال وهو سكران لغلام كان واقفا على رأسه يقال له سبرة: ائتني برأسه، فمضى الغلام حتى ضرب عنقه وأتاه برأسه فجعله في طست بين يديه، فلما رآه أنكره وسأل عن الخبر فعرفه، فاسترجع وندم على ما فرط منه، وجعل يقلب الرأس بيده. ثم قال يرثيه: صوت

عيني للحدث الجليل                      جودا بأربعة همول

 

صفحة : 731

 

 

جودا بـدمـع إنـــه                      يشفي الفؤاد من الغلـيل

لله قـبـر ضـمـنـت                      فيه عظام ابن الطـويل

ماذا تضـمـن إذ ثـوى                      فيه من اللب الأصـيل

قد كنت آوي مـن هـوا                      ك إلى ذرى كهف ظليل

أصبحت بعـدك واحـدا                      فردا بمدوجة الـسـيول غناه الغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وغنى فيه سليم لحنا من الثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي، وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان، وذكر حبش انه لأبي كامل، وذكره غيره أن لحن الغريض لدحمان قال: ثم دخل إلى جواريه فقال: والله ما أبالي متى جاءني الموت بعد الخليل ابن الطويل. فيقال: إنه لم يعش بعده إلا مديدة حتى قتل. والله أعلم.

أجاز حمادا الراوية لطربه لشعر أنشده إياه: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال روى الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن حماد الراوية قال: دعاني الوليد يوما من الأيام في السحر والقمر طالع وعنده جماعة من ندمائه وقد اصطبح، فقال: أنشدني في النسيب، فأنشدته أشعارا كثيرة، فلم يهش لشيء منها، حتى أنشدته قول عمار ذي كناز :

اصبح القوم قهـوة                      في الأباريق تحتذى

من كميت مـدامة                      حبذا تلك حـبـذا فطرب. ثم رفع رأسه إلى خادم وكان قائما كأنه الشمس، فأومأ إليه فكشف سترا خلف ظهره، فطلع منه أربعون وصيفا كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق والمناديل، فقال: أسقوهم، فما بقي أحد إلا أسقي، وأنا في خلال ذلك أنشده الشعر، فما زال يشرب ويسقى إلى طلوع الفجر. ثم لم نخرج عن حضرته حتى حملنا الفراشون في البسط فألقونا في دار الضيافة، فما أفقنا حتى طلعت الشمس. قال حماد: ثم أحضرني فخلع علي خلعا من فاخر ثيابه وأمر بعشرة آلاف درهم وحملني على فرس.

خاصم وكيله الجعفري في أرض لدى هشام فلم ينصفه فقال هو شعرا: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: للوليد بن يزيد يخاصم الجعفري في الرحبة من أرض دمشق، وكان الجعفري قد استولى عليها فقطع شفرة الأعلى، فاستعدى عليه هشاما فلم يعده، فقال الوليد في ذلك:

أيا حكم المتبول لو كنت تعـتـزى                      إلى أسرة ليسوا بسود زعـانـف

لأيقنت قد أدركت وتـرك عـنـوة                      بلا حكم قاض بل بضرب السوالف غناه الهذلي ثقيلا أول عن الهشامي ويونس قال: فلما استخلف الوليد بعث إلى بكر بن نوفل الجعفري فقال: ألا تعطي حكم بن الزبير حقه قال: لا، فأمر به فشترت عينه. ثم قال:

يا رب أمر ذي شؤون جحفل                      قاسيت فيه جلبات الأحـول مات ابنه مؤمن ونعاه إليه سنان الكاتب وهو سكران فرثاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: خرج الوليد إلى متصيد له فأقام به، ومات له ابن يقال له مؤمن بن الوليد، فلم يقدر أحد أن ينعاه إليه، حتى ثمل فنعاه إليه سنان الكاتب وكان مغنيا، فقال الوليد - وفي هذا الشعر غناء من الأصوات التي أختيرت للواثق والرشيد قبله - : صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى

أتاني سنان بالوداع لـمـؤمـن                      فقلت له إني إلى الله راجـع

ألا أيها الحاثي علـيه تـرابـه                      هبلت وشلت من يديك الأصابع

يقولون لا تجزع وأظهر جلادة                      فكيف بما تحنى عليه الأضالع عروضه من الطويل. غناه سنان الكاتب، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لأبي كامل خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وقيل: إن فيه لحنا لعبد الله بن يونس صاحب أيلة.

كتب له مؤدبه يزيد شعرا ينصحه فرد عليه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عقيل بن عمرو قال: قال يزيد بن أبي مساحق السلمي مؤدب الوليد شعرا وبعث به إلى النوار جارية الوليد، فغنته به، وهو:

مضى الخلفاء بالأمر الحمـيد                      وأصبحت المذمة لـلـولـيد

تشاغل عن رعيتـه بـلـهـو                      وخالف فعل ذي الرأي الرشيد فكتب إليه الوليد:

ليت حظي اليوم من                      كل معاش لي وزاد

 

صفحة : 732

 

 

قهوة أبـذل فـيهـا                      طارفي ثم تـلادي

فيظل القلب منهـا                      هائما في كـل واد

إن في ذاك صلاحي                      وفلاحي ورشـادي نهى بني أمية عن الغناء وقال إنه رقية الزنا: أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم بن الوليد الحمصي قال حدثنا هارون بن الحسن العنبري قال: قال الوليد بن يزيد: يا بني أمية، إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ويثور على الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين، فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزنا. وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة وأشهى إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال.

قال له بعض مواليه إن الناس أنكروا عليك البيعة لابنيك فأجابه وقال شعرا: أخبرني الحسن بن علي حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال حدثني بعض موالي الوليد قال: دخلت إليه وقد عقد لابنيه بعده وقدم عثمان، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أقول قول الموثوق بنصيحته أو يسعني السكوت? قال: بل قل قول الموثوق به، فقلت: إن الناس قد أنكروا ما فعلت وقالوا: يبايع لمن لم يحتلم، وقد سمعت ما أكره فيك، فقال: عضوا ببظور أمهاتكم، أفأدخل بيني وبين ابني غيري، فيلقى منه كما لقيت من الأحوال بعد أبي ثم أنشأ يقول: صوت

سرى طيف ذا الظبي بالعاقدا                      ن ليلا فهيج قلبـا عـمـيدا

وأرق عيني عـلـى غـرة                      فباتت بحزن تقاسى السهودا

نؤمل عثمان بعـد الـولـي                      د للعهد فينا ونرجو سعـيدا

كما كان إذ كان في دهـره                      يزيد يرجي لتلك الـولـيدا

على أنها شسعت شـسـعة                      فنحن نرجي لها أن تعـودا

فإن هي عادت فعاص القري                      ب منها لتؤيس منها البعـيدا - غناه أبو كامل ثاني ثقيل بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لعمر الوادي لحنا من الماخوري بالوسطى. وذكر الهشامي أن فيه خفيف رمل لحكم، وذكرت دنانير عن حكم أنه لعمر الوادي، وذكر حبش أن الثقيل الثاني لمالك وأن فيه لفضل النجار رملا بالبنصر- أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار قال: هو:

سرى طيف ظبي بأعلى الغوير ولكن هذا تصحيف سليمان السوادي أو قال: خليد.

حبس يزيد الناقص وليي عهد الوليد وقتلهما: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: كان الوليد قد بايع لابنيه الحكم وعثمان، وهو أول من بايع لابن سرية أمة، ولم يكونوا يفعلون ذلك، وأخذهما يزيد بن الوليد الناقص، فحبسهما ثم قتلهما، وفيهما يقول ابن أبي عقب:

إذا قتل الخلف المديم لـسـكـره                      بقفر من البخراء أسس في الرمل

وسيق بلا جرم إلى التحف والردى                      بنياه حتى يذبحا مذبح الـسـخـل

فويل بني مروان ماذا أصابـهـم                      بأيدي بني العباس بالأسر والقتـل تبع الكلبي الزنديق على قوله في ماني ورده العلاء البندار:

 

صفحة : 733

 

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي عن العلاء البندار قال: كان الوليد زنديقا، وكان رجل من كلب يقول بمقالته مقالة الثنوية ، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبي عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه فإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر، فقال: ادن يا علاء فدنوت، فرفع الحريرة فإذا في السفط صورة إنسان وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه يطرف كأنه يتحرك، فقال: يا علاء، هذا ماني ، لم يبتعث الله نبيا قبله ولا يبتعث نبيا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنك هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبي: يا أمير المؤمنين، ألم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: ومكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبي عنده، إذ نزل من عنده وقد كان الولد حمله على برذون هملاج أشقر من أفره ما سخر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسخة عنقه ميتا وبرذونه يقاد حتى أسلموه. فبلغني ذلك، فخرجت متعمدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وقد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصة هذا الرجل? قالوا: أقبل علينا على برذون، فو الله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك، إذ انقض رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدق عنقه ثم غاب عن عيوننا، فاحتملناه فجئنا به.

قصة الخارجين عليه ومقتله: وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال: لما أكثر الوليد بن يزيد التهتك وانهمك في اللذات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيه، مل الناس أيامه وكرهوه. وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا، فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، وكان أقوالهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أمية مثله، كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد، فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملوا بني مروان، وإن مشى بعضكم في أمر بعض أكلتم، ولله أجل لا بد أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده ومشى إلى غيره، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه، فعاد إلى أخيه ومعه مولى له وأعاد عليه القول وعرض له بأنه قد دعي إلى الخلافة، فقال له: والله لولا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجهت بك إليه مشدودا، فنشدتك الله ألا تسعى في شيء من هذا. فانصرف من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه. وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشى بعضهم إلى بعض في خلعه: صوت

سل هم النفس عنهـا                      بعـلـنـداة عـلاة

تتقي الأرض وتهوي                      بخفاف مدمـجـات

ذاك أم بال قـومـي                      كسروا سن قنـاتـي

واستخفوا بي وصاروا                      كقـرود خـاسـئات الشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك. والغناء لأبي كامل غزيل الدمشقي ماخوري بالبنصر. وفي هذه القصيدة يقول الوليد بن يزيد:

أصبح اليوم وليد                      هائما بالفتـيات

عنده راح وإبري                      ق وكأس بالفلاة

ابعثوا خيلا لخيل                      ورماة لرمـاة وأخبرني بالسبب في مقتله الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن الحارث قال حدثني المدائني عن جويرية بن أسماء، وأخبرني بن ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: لما أظهر الوليد بن يزيد أمره وأدمن على اللهو والصيد واحتجب عن الناس ووالى بين الشرب وانهمك في اللذات، سئمه الناس ووعظه من أشفق عليه من أهله، فلما لم يقلع دبوا في خلعه. فدخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس بن الوليد وأنا معه، فجعل يكلم عمي في أن يخلع الوليد بن يزيد ومعه عمي يزيد بن الوليد، فكان العباس ينهاه وأبي يرد عليه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترىء أن يكلم عمي ويرد عليه، فقال العباس: يا بني مروان، أظن أن الله قد أذن في هلاككم. ثم قال العباس:

 

صفحة : 734

 

 

إني أعيذكم بالـلـه مـن فـتـن                      مثل الجبال تسامى ثم تـنـدفـع

إن البرية قد ملت سياسـتـكـم                      فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسـكـم                      إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعـوا

لا تبقرن بأيديكـم بـطـونـكـم                      فثم لا فدية تغـنـي ولا جـزع قال المدائني عن رجاله: فلما استجمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق، وبين مكانه الذي كان متبديا فيه وبين دمشق أربع ليال، فأقبل إلى دمشق متنكرا في سبعة أنفس على حمر وقد بايع له أكثر أهل دمشق وبايع له أكثر أهل المزة. فقال مولى لعباد بن زياد: إني لبجرود - وبين جرود ودمشق مرحلة إذ طلع علينا سبعة معتمون على حمر فنزلوا، وفيهم رجل طويل جسيم، فرمى بنفسه فنام وألقوا عليه ثوبا، وقالوا لي: هل عندك شيء نشتريه من طعام? فقلت: أما بيع فلا، وعندي من قراكم ما يشبعكم، فقالوا: فعجله، فذبحت لهم دجاجا وفراخا وأتيتهم بما حضر من عسل وسمن وشوانيز ، وقلت: أيقظوا صاحبكم للغداء، فقالوا: هو محموم لا يأكل، فسفروا للغداء فعرفت بعضهم، وسفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد، فعرفته فلم يكلمني. ومضوا ليدخلوا دمشق ليلا في نفر من أصحابه مشاة إلى معاوية بن مصاد وهو بالمزة - وبينها وبين دمشق ميل - فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه وقالوا: يزيد بن الوليد، فقال له معاوية: الفراش، ادخل أصلحك الله، قال: في رجلي طين وأكره أن أفسد عليك بساطك، فقال: ما تريدني عليه أفسد. فمشى على البساط وجلس على الفراش، ثم كلم معاوية فبايعه. وخرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسني مستخفيا، وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطنا ، واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، وتم ليزيد أمره فأجمع على الظهور. وقيل لعامل دمشق: إن يزيد خارج فلم يصدق. وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فكمنوا في ميضأة عند باب الفراديس ، حتى إذا أذنوا العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلوا. وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل، فإذا خرج الناس خرج الحرس وأغلق صاحب المسجد الأبواب، ودخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها ويخرج. فلما صلى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا، وتباطأ أصحاب يزيد الناقص، فجعلوا يخرجونهم من باب ويدخلون من باب، حتى لم يبق في المسجد إلا الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس. ومضى يزيد بن عنبسة السكسكي إلى يزيد فأخبره وأخذ بيده وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بعون الله ونصره، فأقبل وأقبلنا ونحن اثنا عشر رجلا. فلما كنا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم، فمضوا حتى دخلوا المسجد وأتوا باب المقصورة، وقالوا: نحن رسل الوليد، ففتح لهم خادم الباب، ودخلوا فأخذوا الخادم، وإذا أبو العاج سكران فأخذوه وأخذوا خزان البيت وصاحب البريد، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذه. وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبيد ة مولى سعيد بن العاص وهو على بعلبك، وإلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذهما. وبعث أصحابه إلى الخشبية فأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الأبواب غدوة إلا لمن أ خبركم بشعار كذا وكذا. قال: فتركوا الأبواب في السلاسل. وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، فلم يكن الخزان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا فأخذوه وأصبحوا، وجاء أهل المزة مع حريث بن أبي الجهم. فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد وهو يتمثل قول النابغة:

إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقـلـوا                      إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

 

صفحة : 735

 

فجعل أصحابه يتعجبون ويقولون: انظروا إلى هذا كان قبيل الصبح يسبح وهو الآن ينشد الشعر. قال : وأمر يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان فوقف بباب الجابية فنادى: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة ، فبايع له الناس وأمر بالعطاء. قال: وندب يزيد بن الوليد الناس إلى قتال الوليد بن يزيد بن عبد العزيز، وقال: من انتدب معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم وقال: موعدكم ذنبه ، فوافى ذنبة ألف ومائتا رجل، فقال: ميعادكم مصنعة بالبرية وهي لبنى عبد العزيز بن الوليد، فوافاه ثمانمائة رجل، فسار فوافاهم ثقل الوليد فأخذوه ومع عبد العزيز فرسان منهم منصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن السلمي والأصبغ بن ذؤالة وشبيب بن أبي ملك الغساني وحميد بن نصر اللخمي، فأقبلوا فنزلوا قريبا من الوليد. فقال الوليد: أخرجوا لي سريرا فأخرجوه فصعد عليه. وأتاه خبر العباس بن الوليد: إني أجيئك. وأتى الوليد بفرسين الذائد والسندي، وقال: أعلي يتواثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتخصر الأفاعي. وهم ينتظرون العباس أن يأتيهم ولم يكن بينهم كبير قتال، فقتل عثمان الخشبي، وكان من أولاده الخشبية الذين كانوا مع المختار . وبلغ عبد العزيز بن الحجاج أن العباس بن الوليد يأتي الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في جريدة خيل وقال: إنكم تلقون العباس بن الوليد ومعه بنوه في الشعب فخذوه. وخرج منصور في تلك الخيل وتقدموا إلى الشعب، وإذا العباس ومعه ثلاثون قد تقدموا أصحابه، فقال: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدمت لأنفذن حصينك بالرمح، فقال: إنا لله فأقبلوا به يسوقونه إلى عبد العزيز. فقال له عبد العزيز: بايع ليزيد، فبايع ووقف، ونصبوا راية وقالوا: هذا العباس قد بايع. ونادى منادي عبد العزيز، من لحق بالعباس بن الوليد فهو آمن، فقال العباس: إنا لله خدعة من خدع الشيطان هلك والله بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد وأتوا العباس. وظاهر الوليد في درعين وقاتلهم. وقال الوليد: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء جماعة بعدة رؤوس، فقالوا: اكتبوا أسماءهم، فقال له رجل من مواليه: ليس هذا يا أمير المؤمنين يوما يعامل فيه بالنسيئة. وناداهم رجال: اقتلوا اللوطي قتلة قوم لوط، فرموه بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب وقال: صوت

دعوا لي سليمى والطلاء وقينة                      وكأسا ألا حسبي بذلـك مـالا

إذا ما صفا عيش برملة عالـج                      وعانقت سلمـى لا أريد بـدالا

خذوا ملككم لا ثبت الله ملككـم                      ثباتا يساوي ما حييت عـقـالا

وخلوا عناني قبل عير وما جرى                      ولا تحسدوني أن أموت هزالا

 

صفحة : 736

 

غناه عمر الوادي رملا بالوسطى عن حبش ثم قال لعمر الوادي: يا جامع لذتي، غنني بهذا الشعر. وقد أحاط الجند بالقصر، فقال لهم الوليد من وراء الباب: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه? فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني، فقال له الوليد: يا أخا السكاسك، ما تنقمون مني? ألم أزد في أعطياتكم وأعطية فقرائكم وأخدمت زمناكم ودفعت عنكم المؤن فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله. قال: حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أغرقت فأكثرت، وإن فيما أحل الله لسعة عما ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ المصحف وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة، فنزل وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نح سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة غير هذه. فأخذ بيده وهو يريد أن يدخله بيتا ، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور وعبد الرحمن وقيس مولى يزيد بن عبد الملك والسري بن زياد بن أبي كبشة، فضربه عبد الرحمن السلمي على رأسه ضربة وضربه السري بن زياد على وجهه، وجروه بين خمسة ليخرجوه، فصاحت امرأة كانت معه في الدار فكفوا عنه فلم يخرجوه، واحتز رأسه أبو علاقة القضاعي وخاط الضربة التي في وجهه بالعقب ، وقدم بالرأس على يزيد، قدم به روح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق، فاستتم الأمر له وأحسن صلته. ثم كان من خلع يزيد بعد ذلك ما ليس هذا موضع ذكره.

قال: ولما قتل الوليد بن يزيد جعل أبو محجن مولى خالد القسري يدخل سيفه في است الوليد وهو مقتول. فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبي في قتل الوليد وأخذهم ابنيه:

من مبلغ قيسا وخندف كلـهـا                      وساداتهم من عبد شمس وهاشم

قتلنا أمير المؤمنين بـخـالـد                      وبعنا ولي عهده بـالـدراهـم وقال أبو محجن مولى خالد:

لو شاهدوا حد سيفي حين أدخله                      في است الوليد لماتوا عنده كمدا كان عمر الوادي يغنيه حين قتل: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن هشام بن الكلبي عن جرير قال: قال لي عمر الوادي: كنت أغني الوليد أقول: صوت

كذبتك نفسك أم رأيت بواسـط                      غلس الظلام من الرباب خيالا قال: فما أتممت الصوت حتى رأيت رأسه قد فارق بدنه ورأيته يتشحط في دمه. يقال: إن اللحن في هذا الشعر لعمر الوادي، ويقال: لابن جامع.

أخذ يزيد الحكم وعثمان ولي عهد الوليد وحبسهما وشتمهما قالوا: وكان عثمان والحكم ابنا الوليد قد بايعهما بالعهد بعده، فتغيبا فأخذهما يزيد بعد ذلك فحبسهما في الخضراء ودخل عليهما يزيد الأفقم بن هشام فجعل يشتم أباهما الوليد وكان قد ضربه وحلقه ، فبكى الحكم، فقال عثمان أخوه: اسكت يا أخي، وأقبل على يزيد فقال: أتشتم أبي قال: نعم، قال: لكني لا أشتم عمي هشاما، ووالله لو كنت من بني مروان ما شتمت أحدا منهم، فانظر إلى وجهك فإن كنت رأيت حكميا يشبهك أوله مثل وجهك فأنت منهم، لا والله ما في الأرض حكمي يشبهك.

ندم أيوب السختياني لمقتله تخوفا من الفتنة: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما قتل الوليد قال أيوب السختياني: ليت القوم تركوا لنا خليفتنا لم يقتلوه. قال: وإنما قال ذلك تخوفا من الفتنة.

لعن الرشيد قاتليه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني: أن ابنا للغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل على الرشيد، فقال: ممن أنت? قال: من قريش، قال: من أيها? فأمسك قال: قل وأنت آمن، ولو أنك مرواني، قال: أنا ابن الغمر بن يزيد. قال: رحم الله عمك ولعن يزيد الناقص وقتلة عمك جميعا، فإنهم قتلوا خليفة مجمعا عليه، ارفع إلي حوائجك، فقضاها.

رمى عند المهدي بالزندقة فدافع عنه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا العلاء بن سويد المنقري قال:

 

صفحة : 737

 

ذكر ليلة المهدي أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فقال: كان ظريفا أديبا. فقال له شبيب بن شيبة: يا أمير المؤمنين إن رأيت ألا تجري ذكره على سمعك ولسانك فافعل فإنه كان زنديقا، فقال: اسكت، فما كان الله ليضع خلافته عند من يكفر به. هكذا رواه الصولي.

دافع عنه ابن علاثة الفقيه لدى المهدي: وقد أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز إجازة قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا عقيل بن عمرو قال أخبرني شبيب بن شيبة عن أبيه قال: كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد بن يزيد، فقال المهدي: أحسبه كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، الله عز وجل أعظم من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة من لا يؤمن بالله، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته، وحدثني أنه كان إذا حضرت الصلاة يطرح ثيابا كانت عليه من مطيبة ومصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظاف من ثياب الخلافة فيصلي فيها أحسن صلاة بأحسن قراءة وأحسن سكوت وسكون وركوع وسجود، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب التي كانت عليه قبل ذلك، ثم يعود إلى شربه ولهوه، أفهذه أفعال من لا يؤمن بالله فقال له المهدي: صدقت بارك الله عليك يا بن علاثة.

وفي جملة المائة الصوت المختارة عدة أصوات من شعر الوليد نذكرها ها هنا مع أخباره، والله أعلم.

صوت من المائة المختارة

أم سلام مـا ذكـرتـك إلا                      شرقت بالدموع مني المآقي

أم سلام ذكركم حيث كنتـم                      أنت دائي وفي لسانك راقي

ما لقلبي يجول بين التراقي                      مستخفا يتوق كل مـتـاق

حذرا أن تبين دار سليمـى                      أو يصيح الداعي لها بفراق غناه عمر الوادي، ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر. وذكر عمرو بن بانة أن لسلامة القس فيه خفيف رمل بالوسطى، ولعله بمعنى هذا. ومن الناس من يروى هذه الأبيات لعبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي في سلامة القس، وليس ذلك له، هو للوليد صحيح، وهو كثيرا ما يذكر سلمى هذه في شعره بأم سلام وبسلمى، لأنه لم يكن يتصنع في شعره ولا يبالي بما يقوله منه. ومن ذلك قوله فيها: صوت

أم سلام لو لقيت من الوج                      د عشير الذي لقيت كفاك

فأثيبي بالوصل صبا عميدا                      وشفيقا شجاه ما قد شجاك غناه مالك خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي.

 

ذكر أخبار عمر الوادي ونسبه

نسبه وإعجاب الوليد به

هو عمر بن داود بن زاذان. وجده زاذان مولى عمرو بن عثمان بن عفان. وكان عمر مهندسا. وأخذ الغناء عنه حكم وذووه من أهل وادي القرى. وكان قدم إلى الحرم فأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد وأتقن. وكان طيب الصوت شجيه مطربا. وكان أول من غنى من أهل وادي القرى، واتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدم عنده جدا، وكان يسميه جامع لذاتي ومحيي طربي. وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر عهده به من الناس. وفي عمر يقول الوليد بن يزيد وفيه غناء: صوت

إنني فكرت في عمـر                      حين قال القول فاختلجا

إنه للمسـتـنـير بـه                      قمر قد طمس السرجا

ويغني الشعر ينظـمـه                      سيد القوم الذي فلـجـا

أكمل الوادي صنعـتـه                      في لباب الشعر فاندمجا الشعر للوليد بن يزيد. والغناء لعمر الوادي هزج خفيف بالبنصر في مجراها.

كان الوليد يقدمه على المغنين: أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان عمر الوادي يجتمع مع معبد ومالك وغيرهما من المغنين عند الوليد بن يزيد، فلا يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والاختصاص له. وبلغني أنه كان لا يضرب وإنما كان مرتجلا، وكان الوليد يسميه جامع لذاتي. قال: وبلغني أيها حكما الوادي وغيره من مغني وادي القرى أخذوا عنه الغناء وانتحلوا أكثر أغانيه.

غضب الوليد على أبى رقية فاسترضاه عنه: قال: إسحاق وحدثني عبد السلام بن الربيع:

 

صفحة : 738

 

أن الوليد بن يزيد كان يوما جالسا وعنده عمر الوادي وأبو رقية، وكان ضعيف العقل وكان يمسك المصحف على أم الوليد، فقال الوليد لعمر الوادي وقد غناه صوتا: أحسنت والله، أنت جامع لذاتي، وأبو رقية مضطجع وهم يحسبونه نائما، فرفع رأسه إلى الوليد فقال له: وأنا جامع لذات أمك، فغضب الوليد وهم به، فقال له عمر الوادي: جعلني الله فداك ما يعقل أبو رقية وهو صاح، فكيف يعقل وهو سكران فأمسك عنه.

سمع غناء من راع أخذه عنه ومدحه: قال إسحاق: وحدثت عن عمر الوادي قال: بينا أنا أسير ليلة بين العرج والسقيا سمعت إنسانا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه وهو: صوت

وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضـهـا                      أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جلـيسـهـا                      إذا ما انقضت أحدوثة لو تعـيدهـا فكدت أسقط عن راحلتي طربا، فقلت: والله لألتمسن الوصول إلى هذا الصوت ولو بذهاب عضو من أعضائي حتى هبطت من الشرف ، فإذا أنا برجل يرعى غنما وإذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي أقصدني إليه وسألته إعادته علي، فقال: والله لو كان عندي قرى ما فعلت، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا جائع فأشبع، وكسلان فأنشط ومستوحش فآنس، فأعاده علي مرارا حتى أخذته، فو الله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة، ولقد وجدته كما قال. حدثني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني المؤمل بن طالوت الوادي قال حدثني مكين العذري قال: سمعت عمر الوادي يقول: بينا أنا أسير بين الروحاء والعرج، ثم ذكر مثله، وقال فيه: فربما ترنمت به وأنا غرثان فيشبعني، ومتسوحش فيؤنسني، وكسلان فينشطني. قال: فما كان زادي حتى ولجت المدينة غيره ، وجربت ما وصفه الراعي فيه فوجدته كما قال.

نسبة هذا الصوت صوت

لقد هجرت سعدى وطال صدودهـا                      وعاود عيني دمعهـا وسـهـودهـا

وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضهـا                      أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

منعمة لم تـلـق بـؤس مـعـيشة                      هي الخلد في الدنيا لمن يستفـيدهـا

هي الخلد ما دامت لأهـلـك جـارة                      وهل دام في الدنيا لنفس خلـودهـا الشعر لكثير. والغناء لابن محرز ثقيل أول مطلق بالبنصر عن يحيى المكي. وذكر الهشامي أن فيه ليزيد حوراء ثاني ثقيل. وفيه خفيف رمل ينسب إلى عمر الوادي، وهو بعض هذا اللحن الذي حكاه عن الراعي ولا أعلم لمن هو. وهذه الأبيات من قصيدة لكثير سائرها في الغزل وهي من جيد غزله ومختاره. وتمام الأبيات بعد ما مضى منها:

فتلك التي أصفيتـهـا بـمـودتـي                      وليدا ولما يستبن لـي نـهـودهـا

وقد قتلت نفسـا بـغـير جـريرة                      وليس لها عقل ولا مـن يقـيدهـا

فكيف يود الـقـلـب مـن لا يوده                      بلى قد تريد النفس من لا يريدهـا

ألا ليت شعري بعدنا هل تـغـيرت                      عن العهد أم أمست كعهدي عهودها

إذا ذكرتها النفس جنت بـذكـرهـا                      وريعت وحنت واستخف جلـيدهـا

فلو كان ما بي بالجبـال لـهـدهـا                      وإن كان في الدنيا شديدا هدودهـا

ولست وإن أوعدت فيها بمـنـتـه                      وإن أوقدت نار فشـب وقـودهـا

أبيت نجيا للـهـمـوم مـسـهـدا                      وإن أوقدت نحوي بليل وقـودهـا

فأصبحت ذا نفسين نفـس مـريضة                      من اليأس ما ينفك هـم يعـودهـا

ونفس إذا ما كنت وحدي تقطـعـت                      كما انسل من ذات النظام فريدهـا

فلم تبد لي يأسا ففـي الـيأس راحة                      ولم تبد لي جودا فينفـع جـودهـا أخذ من الوليد خاتم ياقوت بصوت اقترحه عليه: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: قال عمر الوادي: خرج إلي الوليد بن يزيد يوما وفي يده خاتم ياقوت أحمر قد كاد البيت يلتمع من شعاعه، فقال لي: يا جامع لذتي، أتحب أن أهبه لك? قلت: نعم والله يا مولاي، فقال: إن في هذه الأبيات التي أنشدك فيها واجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي وهبته لك، فقلت: أجتهد وأرجو التوفيق.

صوت

ألا يسليك عن سلمى                      قتير الشيب والحلم

 

صفحة : 739

 

 

وأن الشك ملتـبـس                      فلا وصل ولا صرم

فلا والله رب الـنـا                      س مالك عندنا ظلم

وكيف بظلم جـارية                      ومنها اللين والرحم فخلوت في بعض المجالس، فما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه وعلى رأسه وصيفة، بيدها كأس وهو يروم أن يشربها فلا يقدر خمارا، فقال: ما صنعت? فقلت: فرغت مما أمرتني به، وغنيته، فصاح: أحسنت والله ووثب قائما على رجليه وأخذ الكأس واستدناني فوضع يده اليسرى علي متكئا والكأس في يده اليمنى، ثم قال لي: أعد بأبي أنت وأمي فأعدته عليه فشرب ودعا بثانية وثالثة ورابعة وهو على حاله يشرب قائما حتى كاد أن يسقط تعبا، ثم جلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه، فقال: والله العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر، فما زلت أعيده عليه ويشرب حتى مال على جنبه سكرا فنام.

سبق عبد المطلب بن عبد الله بينه وبين أشعب وأبي رقية في وجز: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن غرير بن طلحة الأرقمي عن أبي الحكم عبد المطلب بن عبد الله بن يزيد بن عبد الملك قال: والله إني لبآلعقيق في قصر القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وعندي أشعب وعمر الوادي وأبو رقية، إذ دعوت بدينار فوضعته بين يدي وسبقتهموه في رجز فكان أول من خسق عمر الوادي فقال:

أنا ابـن داود أنـا ابـن زاذان                      أنا ابن مولى عمرو بن عثمان ثم خسق أبو رقية فقال:

أنا ابن عامر القاري                      أنا ابن أول أعجمي تقدم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خسق أشعب فقال:

أنا ابـن أم الـخـلـنـداج                      أنا ابن المحرشة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو الحكم: فقلت له: أي أخزاك الله، هل سمعت أحدا قط فخر بهذا فقال: وهل فخر أحد بمثل فخري لولا أن أمي كانت عندهن ثقة ما قبلن منها حتى يغضب بعضهن على بعض.

 

أخبار أبي كامل

كان مغنيا محسنا مضحكا: اسمه الغزيل، وهو مولى الوليد بن يزيد، وقيل: بل كان مولى أبيه، وقيل: بل كان أبوه مولى عبد الملك. وكان مغنيا محسنا وطيبا مضحكا. ولم أسمع له بخبر بعد أيام بني أمية، ولعله مات في أيامهم أو قتل معهم.

غنى الوليد وأطربه فخلع عليه قلنسيته: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني: أن أبا كامل غنى الوليد بن يزيد ذات يوم فقال: صوت

نام من كان خـلـيا مـن ألـم                      وبدائي بت لـيلـي لـم أنـم

أرقب الصبح كأني مـسـنـد                      في أكف القوم تغشاني الظلـم

إن سلمى ولنا مـن حـبـهـا                      ديدن في القلب ما اخضر السلم

قد سبتني بـشـتـيت نـبـتـه                      وثنايا لم يعـبـهـن قـضـم قال فطرب الوليد وخلع عليه قلنسية وشي مذهبة كانت على رأسه. فكان أبو كامل يصونها ولا يلبسها إلا من عيد إلى عيد ويمسحها بكمه ويرفعها ويبكي ويقول: إنما أرفعها لأني أجد منها ريح سيدي يعني الوليد.

الغناء في هذا الصوت هزج بالوسطى، نسبه عمرو بن بانة إلى عمر الوادي، ونسبه غيره إلى أبي كامل، وزعم آخرون أنه لحكم هكذا نسبه ابن المكي إلى حكم وزعم أنه بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الأصمعي عن صفوان بن الوليد المعيطي قال: غنى أبو كامل ذات يوم الوليد بن يزيد في لحن لابن عائشة، وهو:

جنباني أذاة كل لـئيم                      إنه ما علمت شر نديم للوليد فيه أشعار كثيرة: فخلع عليه ثيابه كلها حتى قلنسيته. ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه، وزاد فيه أنه أوصى أن تجعل في أكفانه. وللوليد في أبي كامل أشعار كثيرة. فمنها مما يغني به: صوت

سقيت أبا كـامـل                      من الأصفر البابلي

وسقيتها مـعـبـدا                      وكل فتى فاضـل وقال أيضا فيه:

وزق وافر الجـنـب                      ين مثل الجمل البازل

به رحت إلى صحبي                      وندماني أبي كامـل

شربناه وقد بـتـنـا                      بأعلى الدير بالساحل

ولم نقبل من الواشـي                      قبول الجاهل الخاطل

 

صفحة : 740

 

الغناء لأبي كامل خفيف رمل بالوسطى. وذكر الهشامي أنه ليحيى المكي وأنه نحله أبو كامل. وذكر أنه لعمر الوادي أو لحكم فيه رملا بالوسطى وهو القائم.

وأخبرني أبو الحسن محمد بن إبراهيم قريش رحمه الله أن لينشو فيه خفيف رمل. ومنها في قول الوليد: صوت

سقيت أبـا كـامـل                      من الأصفر البابلـي

وسقيتهـا مـعـبـدا                      وكل فتى فـاضـل

لي المحض من ودهم                      ويغمرهـم نـائلـي

وما لامنـي فـيهـم                      سوى حاسد جاهـل فيه هزج ينسب إلى أبي كامل وإلى حكم. وفيه لينشوا ثقيل أول. أخبرني بذلك قريش ووجه الرزة جميعا.

كان المعتضد يمدح شعر الوليد ويقول: فيه شمائل الملوك: وأخبرني قريش عن أحمد بن أبي العلاء قال: كان للمعتضد علي صوتان من شعر الوليد، أحدهما:

سقيت أبا كـامـل                      من الأصفر البابلي والآخر:

إن في الكأس لمسكا                      أو بكفي من سقاني وكان يعجب بهما ويقول لجلسائه: أما ترون شمائل الملوك في شعره ما أبينها :

لي المحض من ودهم                      ويغمرهـم نـائلـي وحين يقول:

كللاني توجانـي                      وبشعري غنياني وقد نسب إلى الوليد بن يزيد في هذه المائة الصوت المختارة شعر صوتين، لأن ذكر سليمى في أحدهما، ولأن الصنعة في الآخر لأبي كامل ، فذكرت من ذلك ها هنا صوتين، أحدهما : صوت من المائدة المختارة

سليمى تلك في العـير                      قفي نخبرك أو سيري

إذا ما أنت لم تـرثـي                      لصب القلب مغمور

فلما أن دنا الصـبـح                      بأصوات العصافـير

خرجنا نتبع الشمـس                      عيونا كـالـقـوارير

وفينـا شـادن أحـو                      ر من حور اليعافـير الشعر ليزيد بن ضبة. والغناء في اللحن المختار لإسماعيل بن الهربذ، ولحنه رمل مطلق في مجرى الوسطى. هكذا ذكر إسحاق في كتاب شجا لابن الهربذ، وذكر في موضع آخر أن فيه لحنا لابن زرزور الطائفي رملا آخر بالسبابة في مجرى البنصر. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لأبي كامل ولم يجنسه. وذكر حبش أن فيه لعطرد هزجا بالوسطى.

 

أخبار يزيد بن ضبة ونسبه

نسبه وولاؤه وانقطاعه إلى الوليد بن يزيد: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أحمد بن الهيثم عن الحسن بن إبراهيم بن سعدان عن عبد العظيم بن عبد الله بن يزيد بن ضبة الثقفي قال: كان جدي يزيد بن ضبة مولى لثقيف. واسم أبيه مقسم، وضبة أمه غلبت على نسبه، لأن أباه مات وخلفه صغيرا، فكانت أمه تحضن أولاد المغيرة بن شعبة ثم أولاد ابن عروة بن المغيرة، فكان جدي ينسب إليها لشهرتها. قال: وولاؤه لبني مالك بن حطيط ثم لبني عامر بن يسار. قال عبد العظيم: وكان جدي يزيد بن ضبة منقطعا إلى الوليد بن يزيد في حياة أبيه متصلا به لا يفارقه.

أراد أن يهنىء هشاما بالخلافة فرده لانقطاعه للوليد وشعره في ذلك فلما أفضت الخلافة إلى هشام أتاه جدي مهنئا بالخلافة. فلما استقر به المجلس ووصلت إليه الوفود وقامت الخطباء تثني عليه والشعراء تمدحه، مثل جدي بين السماطين فاستأذنه في الإنشاد، فلم يأذن له، وقال: عليك بالوليد فامدحه وأنشده، وأمر بإخراجه. وبلغ الوليد خبره، فبعث إليه بخمسمائة دينار، وقال له: لو أمنت عليك هشاما لما فارقتني، ولكن اخرج إلى الطائف، وعليك بمالي هناك، فقد سوغتك جميع غلته، ومهما احتجت إلي من شيء بعد ذلك فالتمسه مني. فخرج إلى الطائف، وقال يذكر ما فعله هشام به:

أرى سلمى تصد وما صددنا                      وغير صدودها كنـا أردنـا

لقد بخلت بنائلهـا عـلـينـا                      ولو جادت بنائلها حمـدنـا

وقد ضنت بما وعدت وأمست                      تغير عهدها عما عهـدنـا

ولو علمت بما لاقيت سلمـى                      فتخبرني وتعلم ما وجـدنـا

تلم على تنائي الـدار مـنـا                      فيسهرنا الخيال إذا رقـدنـا

ألم تر أننـا لـمـا ولـينـا                      أمورا خرقت فوهت سددنا

رأينا الفتق حين وهى عليهم                      وكم من مثله صدع رفأنـا

إذا هاب الكريهة من يليهـا                      وأعظمها الهيوب لها عمدنا

 

صفحة : 741

 

 

وجبار تـركـنـاه كـلـيلا                      وقائد فتـنة طـاغ أزلـنـا

فلا تنسوا مواطنـنـا فـإنـا                      إذا ما عاد أهل الجرم عدنـا

وما هيضت مكاسر من جبرنا                      ولا جبرت مصيبة من هددنا

ألا من مبلغ عني هشـامـا                      فما منا البلاء ولا بـعـدنـا

وما كنا إلى الخلفاء نفضـي                      ولا كنا نؤخر إن شـهـدنـا

ألم يك بالبلاء لـنـا جـزاء                      فنجزى بالمحاسن أم حسدنـا

وقد كان الملوك يرون حقـا                      لوافدنا فنكـرم إن وفـدنـا

ولينا الناس أزمـانـا طـوالا                      وسسناهم ودسناهم وقـدنـا

ألم تر من ولدنا كيف أشبـى                      وأشبينا وما بهـم قـعـدنـا

نكون لمن ولدنـاه سـمـاء                      إذا شيمت مخايلنا رعـدنـا

وكان أبوك قد أسدى إلـينـا                      جسيمة أمره وبه سعـدنـا

كذلك أول الخلفـاء كـانـوا                      بنا جدوا كما بهـم جـددنـا

هم آباؤنـا وهـم بـنـونـا                      لنا جبلوا كما لهم جبـلـنـا

ونكوي بالعداوة من بغـانـا                      ونسعد بالمودة مـن وددنـا

نرى حقا لسائلنـا عـلـينـا                      فنحبوه ونجزل إن وعـدنـا

ونضمن جارنا ونراه مـنـا                      فنرفده فنجزل إن رفـدنـا

وما نعتد دون المجـد مـالا                      إذا يغلى بمكـرمة أفـدنـا

وأتلد مـجـدنـا أنـا كـرام                      بحد المشرفية عـنـه ذدنـا هنأ الوليد بالخلافة فأعطاه لكل بيت ألف درهم: قال: فلم يزل مقيما بالطائف إلى أن ولي الوليد بن يزيد الخلافة، فوفد إليه. فلما دخل عليه والناس بين يديه جلوس ووقوف على مراتبهم هنأه بالخلافة، فأدناه الوليد وضمه إليه، وقبل يزيد بن ضبة رجليه والأرض بين يديه، فقال الوليد لأصحابه: هذا طريد الأحول لصحبته إياي وانقطاعه إلي. فاستأذنه يزيد في الإنشاد وقال له: يا أمير المؤمنين، هذا اليوم الذي نهاني عمك هشام عن الإنشاد فيه قد بلغته بعد يأس، والحمد لله على ذلك. فأذن له، فأنشده:

سليمى تلك في العـير                      قفي أسألك أو سيري

إذا ما بنت لـم تـأوي                      لصب القلب مغمور

وقد بانت ولم تعـهـد                      مهاة في مها حـور

وفي الآل حمول الـح                      ي تزهى كالقراقـير

يواريها وتبـدو مـن                      ه آل كالـسـمـادير

وتطفو حين تطفو في                      ه كالنخل المـواقـير

لقد لاقيت من سلمـى                      تباريح التـنـاكـير

دعت عيني لها قلبـي                      وأسباب المـقـادير

وما إن من به شـيب                      إذا يصبو بمـعـذور

لسلمى رسم أطـلال                      عفتها الريح بالمـور

خريق تنخل الـتـرب                      بأذيال الأعـاصـير

فأوحش إذ نأت سلمى                      بتلك الدور مـن دور

سأرمي قانصات البي                      د إن عشت بعسبـور

من العيس شجوجـاة                      طواها النسع بالكور

إذا ما حقب مـنـهـا                      قرنـاه بـتـصـدير

زجرنا العيس فارقدت                      بإعصاف وتشـمـير

تقاسيهـا عـلـى أين                      بإدلاج وتـهـجـير

إذا ما اعصوصب الآل                      ومال الظل بالقـور

وراحت تتقي الشمس                      مطايا القوم كالعـور

إلى أن يفضح الصبح                      بأصوات العصافـير

لتعتام الولـيد الـقـر                      م أهل الجود والخير

كريم يهـب الـبـزل                      مع الخور الجراجير

تراعي حين تزجيهـا                      هويا كالـمـزامـير

كما جاوبت الـنـيب                      رباع الخلج الخـور

ويعطى الذهب الأحـم                      ر وزنا بالقنـاطـير

بلوناه فـأحـمـدنـا                      ه في عسر وميسور

كريم العود والعنـص                      ر غمر غير منزور

له السبق إلى الـغـايا                      ت في ضم المضامير

إمام يوضح الـحـق                      له نور علـى نـور

 

صفحة : 742

 

 

مقال من أخـي ود                      بحفظ الصدق مأثور

بإحكـام وإخـلاص                      وتفهيم وتـحـبـير قال: فأمر الوليد بأن تعد أبيات القصيدة ويعطى لكل بيت ألف درهم، فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألفا. فكان أول خليفة عد أبيات الشعر وأعطى على عددها لكل بيت ألف درهم، ثم لم يفعل ذلك إلا هارون الرشيد، فإنه بلغه خبر جدي فأعطى مروان بن أبي حفصة ومنصورا النمري لما مدحاه وهجوا آل أبي طالب لكل بيت ألف درهم.

أمره الوليد بمدح فرسه السندي وكانا قد خرجا إلى الصيد: قال عبد العظيم وحدثني أبي وجماعة من أصحاب الوليد: أن الوليد خرج إلى الصيد ومعه جدي يزيد بن ضبة، فاصطاد على فرسه السندي صيدا حسنا، ولحق عليه حمارا فصرعه، فقال لجدي: صف فرسي هذا وصيدنا اليوم، فقال في ذلك:

أحوى سـلـس الـمـر                      سن مثل الصدع الشعب

سما فـوق مـنـيفـات                      طوال كالقنـا سـلـب

طويل الساق عنـجـوج                      أشق أصمع الكـعـب

على لأم أصم مـضـم                      ر الأشعر كالـقـعـب

ترى بـين حـوامــيه                      نسورا كنوى القـسـب

معالى شنـج الأنـسـا                      ء سام جرشع الجنـب

طوى بين الشـراسـيف                      إلى المنقب فالقـنـب

يغوص الملحم الـقـائ                      م ذو حد وذو شـغـب

عتيد الشد والـتـقـري                      ب والإحضار والعقـب

صلـيب الأذن والـكـاه                      ل والموقف والعجـب

عريض الخد والجـبـه                      ة والبركة والـهـلـب

إذا ما حـثـه حـارث                      يباري الريح في غرب

وإن وجـهـه أســر                      ع كالخدروف في الثقب

وقـفـاهـن كـالأجـد                      ل لما انضم للضـرب

ووالى الطعن يخـتـار                      جواشـن بـدن قــب

ترى كـل مـدل قــا                      ئما يلهث كالـكـلـب

كأن الماء في الأعـطـا                      ف منه قطع العطـب

كأن الدم في الـنـحـر                      قذال عل بالخـضـب

يزين الدار مـوقـوفـا                      ويشفي قوم الـركـب قال: فقال له الوليد: أحسنت يا يزيد الوصف وأجدته، فاجعل لقصيدتك تشبيبا وأعطه الغزيل وعمر الوادي حتى يغنيا فيه، فقال: صوت

إلى هند صبا قلبـي                      وهند مثلها يصبـي

وهنـد غـادة غـيدا                      ء من جرثومة غلب

وما إن وجد النـاس                      من الأدواء كالحـب

لقد لج بهـا الإعـرا                      ض والهجر بلا ذنب

ولما أقض من هنـد                      ومن جاراتها نحبـي

أرى وجدي بهنـد دا                      ثما يزداد عن غـب

وقد أطولت إعراضا                      وما بغضهم طبـي

ولـكـن رقـبة الأع                      ين قد تحجز ذا اللب

ورغم الكاشح الـراغ                      م فيها أيسر الخطب قال: ودفع هذه الأبيات إلى المغنين فغنوه فيها.

كان فصيحا يطلب الحوشي من الشعر: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي، وحدثني به محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال حدثنا الأصمعي قال: كان يزيد بن ضبة مولى ثقيف، ولكنه كان فصيحا، وقد أدركته بالطائف، وقد كان يطلب القوافي المعتاصة والحوشي من الشعر.

قال أهل الطائف إن له ألف قصيدة انتحلتها شعراء العرب: قال أبو حاتم في خبره خاصة وحدثني غسان بن عبد الله بن عبد الوهاب الثقفي عن جماعة من مشايخ الطائفيين وعلمائهم قالوا: قال يزيد بن ضبة ألف قصيدة، فاقتسمتها شعراء العرب وانتحلتها، فدخلت في أشعارها.

 

أخبار إسماعيل بن الهربذ

ولاؤه، وقد غنى الوليد وعمر إلى آخر أيام الرشيد: إسماعيل بن الهربذ مكي مولى لآل الزبير بن العوام، وقيل: بل هو مولى بني كنانة. أدرك آخر أيام بني أمية وغنى الوليد بن يزيد، وعمر إلى آخر أيام الرشيد.

قدم على الرشيد وعنده بعض كبار المغنين فأطربه دونهم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه:

 

صفحة : 743

 

أن إسماعيل بن الهربذ قدم على الرشيد من مكة، فدخل إليه وعنده ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح وغيرهم والرشيد يومئذ خائر به خمار شديد، فغنى ابن جامع ثم فليح ثم إبراهيم ثم إسحاق، فما حركه أحد منهم ولا أطربه، فاندفع ابن الهربذ يغني، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد فغنى: صوت

يا راكب العيس الـتـي                      وفدت من البلد الحرام

قل للإمام ابـن الإمـا                      م أخي الإمام أبي الإمام

زين الـبـرية إذ بـدا                      فيهم كمصباح الظـلام

جعل الإلـه الـهـرب                      ذي فداك من بين الأنام - الغناء لابن الهربذ رمل بالوسطى عن عمرو - قال فكاد الرشيد يرقص، واستخفه الطرب حتى ضرب بيديه ورجليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن لهذا الصوت حديثا، فإن أذن مولاي حدثته به، فقال: حدث. قال: كنت مملوكا لرجل من ولد الزبير، فدفع إلي درهمين أبتاع له بهما لحما، فرحت فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق وهي تغني هذا اللحن في شعر غير هذا الشعر على وزنه ورويه، فسألتها أن تعلمينه، فقالت: لا وحق القبر إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين وعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم فضربني ضربا مبرحا شغلت معه بنفسي فأنسيت الصوت: ثم دفع إلي درهمين آخرين بعد أيام أبتاع له بهما لحما، فلقيتني الجارية فسألتها أن تعيد الصوت علي، فقالت: لا والله إلا بدرهمين، فدفعتهما إليها وأعادته علي مرارا حتى أخذته. فلما رجعت إلى مولاي أيضا ولا لحم معي قال: ما القصة في هذين الدرهمين? فصدقته القصة وأعدت عليه الصوت، فقبل بين عيني وأعتقني. فرحلت إليك بهذا الصوت، وقد جعلت ذلك اللحن في هذا الشعر، فقال: دع الأول وتناسه، وأقم على الغناء بهذا اللحن في هذا الشعر، فأما مولاك فسأدفع إليه بدل كل درهم ألف دينار، ثم أمر له بذلك فحمل إليه.

شعر نسب للوليد وليس له: ومما نسب إلى الوليد بن يزيد من الشعر وليس له: صوت من المائة المختارة

امدح الكأس ومن أعملهـا                      واهج قوما قتلونا بالعطش

إنما الكأس ربيع بـاكـر                      فإذا ما غاب عنا لم نعش الشعر لنابغة بني شيبان. والغناء لأبي كامل، ولحنه المختار من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى، وهو الذي تسميه الناس اليوم الماخوري. وفي لأبي كامل أيضا خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وذكر الهشامي أن فيه لمالك لحنا من الثقيل الأول بالوسطى، ولعمر الوادي ثاني ثقيل بالبنصر.

 

نسب نابغة بني شيبان

نسبه، وهو شاعر بدوي أموي: النابغة اسمه عبد الله بن المخارق بن سليم بن حصرة بن قيس بن سنان بن حماد بن حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهب بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. شاعر بدوي من شعراء الدولة الأموية. وكان يفد إلى الشأم إلى خلفاء بني أمية فيمدحهم ويجزلون عطاءه. وكان فيما أرى نصرانيا لأني وجدته في شعره يحلف بالإنجيل والرهبان وبالأيمان التي يحلف بها النصارى. ومدح عبد الملك بن مروان ومن بعده من ولده، وله في الوليد مدائح كثيرة.

مدح عبد الملك لما هم بخلع أخيه وتولية ابنه للعهد: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني العمري عن العتبي قال: لما هم عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه وتولية الوليد ابنه العهد، كان نابغة بني شيبان منقطعا إلى عبد الملك مداحا له، فدخل إليه في يوم حفل والناس حواليه وولده قدامه، فمثل بين يديه وأنشده قوله:

أشتقت وانهل دمع عينك أن                      أضحى قفارا من أهله طلح حتى انتهى إلى قوله:

أزحت عنا آل الزبـير ولـو                      كانوا هم المالكين ما صلحوا

إن تلق بلوى فأنت مصطبـر                      وإن تلاق النعمى فلا فـرح

ترمي بعيني أقنى على شرف                      لم يؤذه عـائر ولا لـحـح

آل أبي العاص آل مـأثـرة                      غر عتاق بالخير قد نفحـوا

خير قريش وهم أفاضلـهـا                      في الجد جد وإن هم مزحوا

 

صفحة : 744

 

 

أرحبها أذرعا وأصـبـرهـا                      أنتم إذا القوم في الوغى كلحوا

أما قريش فـأنـت وارثـهـا                      تكف من صعبهم إذا طمحـوا

حفظت ما ضيعوا وزنـدهـم                      أوريت إذ أصلدوا وقد قدحوا

آليت جهدا وصادق قسـمـي                      برب عبد تجـنـه الـكـرح

يظل يتلو الإنـجـيل يدرسـه                      من خشية الله قلبـه طـفـح

لابنك أولى بـمـلـك والـده                      ونجم من قد عصاك مطـرح

داود عدل فاحكم بـسـيرتـه                      ثم ابن حرب فإنهم نصـحـوا

وهم خيار فاعمل بسنـتـهـم                      واحي بخير واكدح كما كدحوا قال: فتبسم عبد الملك ولم يتكلم في ذل بإنذار ولا دفع، فعلم الناس أن رأيه خلع عبد العزيز. وبلغ ذلك من قول النابغة عبد العزيز، فقال : لقد أدخل ابن النصرانية نفسه مدخلا ضيقا فأوردها موردا خطرا، وبالله علي لئن ظفرت به لاخضبن قدمه بدمه.

هنأ يزيد بن عبد الملك بالفتح بعد قتل يزيد بن المهلب: وقال أبو عمرو الشيباني: لما قتل يزيد بن المهلب دخل النابغة الشيباني على يزيد بن عبد الملك بن مروان، فأنشده قوله في تهنئته بالفتح:

ألا طال التـنـظـر والـثـواء                      وجاء الصيف وانكشف الغطـاء

وليس يقـيم ذو شـجـن مـقـيم                      ولا يمضي إذا ابتغي المـضـاء

طوال الدهـر إلا فـي كـتـاب                      ومقدار يوافـقـه الـقـضـاء

فما يعطى الحريص غنى لحرص                      وقد ينمي لذي الجـود الـثـراء

وكل شـديدة نـزلـت بـحـي                      سيتبعها إذا انتـهـت الـرخـاء يقول فيها:

أؤم فتى من الأعياص مـلـكـا                      أغـر كـأن غـرتـه ضـياء

لأسمعه غريب الشعـر مـدحـا                      وأثني حيث يتصـل الـثـنـاء

يزيد الخير فـهـو يزيد خـيرا                      وينمي كلما أبتغـي الـنـمـاء

فضضت كتائب الأزدي فـضـا                      بكبشك حين لفهمـا الـلـقـاء

سمكت الملك مقتـبـلا جـديدا                      كما سمكت على الأرض السماء

نرجي أن تـدوم لـنـا إمـامـا                      وفي ملك الوليد لـنـا رجـاء

هشام والـولـيد وكـل نـفـس                      تريد لك الفنـاء لـك الـفـداء وقي قصيدة طويلة، فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب وأن توقر له برا وزبيبا، وكساه وأجزل صلته.

وفد على هشام مادحا فطرده لغلوه في مدح يزيد: قال: ووفد إلى هشام لما ولي الخلافة، فلما رآه قال له: يا ماص ما أبقت المواسي من بظر أمه ألست القائل:

هشام والوليد ولك نفـس                      تريد لك الفناء لك الفداء أخرجوه عني والله لا يرزؤني شيئا أبدا وحرمه. ولم يزل طول أيامه طريدا، حتى ولي الوليد بن يزيد، فوفد إليه ومدحه مدائح كثيرة، فأجزل صلته.

شعره في صفة الخمر ومدحها: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبيد الله بن محمد الكوفي عن العمري الخصاف عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية أنه أنشده لنابغة بني شيبان:

أيها الساقي سقـتـك مـزنة                      من ربيع ذي أهاضيب وطش

امدح الكأس ومن أعملـهـا                      واهج قوما قتلونا بالعطـش

إنما الكـأس ربـيع بـاكـر                      فإذا ما غاب عنا لم نـعـش

وكأن الشرب قـوم مـوتـوا                      من يقم منهم لأمر يرتعـش

خرس الألسن مما نـالـهـم                      بين مصروع وصاح منتعش

من حميا قرقـف حـصـية                      قهوة حولية لم تمـتـحـش

ينفع المزكوم منها ريحـهـا                      ثم تنفى داءه إن لـم تـنـش

كل من يشربهـا يألـفـهـا                      ينفق الأموال فيها كل هـش استنشده الوليد شعرا فأنشده في الفخر بقومه فعاتبه ووصله: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الجمحي - قال ابن أبي الأزهر: وهو محمد بن سلم - : غنى أبو كامل مولى الوليد بن يزيد يوما بحضرة الوليد بن يزيد:

امدح الكأس ومن أعملهـا                      واهج قوما قتلونا بالعطش

 

صفحة : 745

 

فسأل عن قائل هذا الشعر فقيل: نابغة بني شيبان، فأمر بإحضاره فأحضر، فاستنشده القصيدة فأنشده إياها، وظن أن فيها مدحا له فإذا هو يفتخر بقومه ويمدحهم، فقال له الوليد: لو سعد جدك لكانت مديحا فينا لا في بني شيبان، ولسنا نخليك على ذلك من حظ، ووصله وانصرف. وأول هذه القصيدة قوله:

خل قلبي من سليمى نبلهـا                      إذ رمتني بسهام لم تطـش

طفلة الأعطاف رؤد دمـية                      وشواها بختري لـم يحـش

وكأن الدر في أخراصـهـا                      بيض كحلاء أقرته بعـش

ولها عينا مهاة فـي مـهـا                      ترتعي نبت خزامى ونتـش

حرة الوجه رخيم صوتـهـا                      رطب تجنيه كف المنتقـش

وهي في الليل إذا ما عونقت                      منية البعل وهم المفتـرش وفيها يقول مفتخرا:

وبنو شيبان حولـي عـصـب                      ومنهم غلب وليست بالقـمـش

وردوا المجد وكانـوا أهـلـه                      فرووا والجود عاف لم ينـش

وترى الجرد لـدى أبـياتـهـم                      أرنات بين صلصـال وجـش

ليس في الألوان منها هـجـنة                      وضح البلق ولا عيب البـرش

فبها يحـؤوان أمـوال الـعـدا                      ويصيدون عليها كـل وحـش

دميت أكفالها من طـعـنـهـم                      بالردينيات والخيل الـنـجـش

ننهل الخطـي مـن أعـدائنـا                      ثم نفري الهام إن لم نفـتـرش

فإذا العيس من المحـل غـدت                      وهي في أعينها مثل العمـش

حسر الأوبار مـمـا لـقـيت                      من سحاب حاد عنها لـم يرش

خسف الأعين ترعـى جـوفة                      همدت أوبارها لم تنـتـفـش

ننعش العافي ومـن لاذ بـنـا                      بسجال الخير من أيد نـعـش

ذاك قـولـي وثـنـائي وهـم                      أهل ودي خالصا في غير غش

فسلوا شيبان إن فـارقـتـهـم                      يوم يمشون إلى قبري بنعـش

هل غشينا محرما في قومـنـا                      أو جزينا جازيا فحشا بفحـش بعض شعره الذي غنى به: ومما يغني فيه من شعر نابغة بني شيبان: صوت

ذرفت عيني دموعـا                      من رسوم بحـفـير

موحشات طامسـات                      مثل آيات الزبـور

وزقاق متـرعـات                      من سلافات العصير

مجلـخـدات مـلاء                      بطنوهـن بـقـير

فإذا صارت إلـيهـم                      صيرت خير مصير

من شباب وكـهـول                      حكموا كأس المدير

كم ترى فيهم نديمـا                      من رئيس وأمــير ذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولابن عائشة آخر، ولم يذكر طريقتهما، وفيه خفيف رمل معروف لا أدري لحن أيهما هو.

صوت من المائة المختارة

يا عمر حم فراقكم عـمـرا                      وعزمت منا النأي والهجـرا

إحدى بني أود كلفـت بـهـا                      حملت بلا ترة لـنـا وتـرا

وترى لها دلا إذا نـطـقـت                      تركت بنات فؤاده صـعـرا

كتساقط الرطب الجني في الأ                      فنان لا بـثـرا ولا نـزرا الشعر لأبي دهبل الجمحي. والغناء لفزار الملكي، ولحنه المختار ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي.

 

أخبار أبي دهبل ونسبه

نسبه

نسبه - فيما ذكر الزبير بن بكار وغيره - وهب بن زمعة بن أسيد بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب. ولخلف بن وهب يقول عبد الله بن الزبعري أو غيره:

خلف بن وهب كل آخر ليلة                      أبدا يكثر أهلـه بـعـيال

سقيا لوهب كهلها ووليدهـا                      ما دام في أبياتهـا الـذيال

نعم الشباب شبابهم وكهولهم                      صيابة ليسوا من الجهـال أمه امرأة من هذيل: وأم أبي دهبل امرأة من هذيل. وإياها يعني بقوله:

أنا ابن الفروع الكرام التي                      هذيل لأبياتـهـا سـائلة

هم ولدوني وأشبهتـهـم                      كما تشبه الليلة القـابـلة واسمها، فيما ذكر ابن الأعرابي، هذيلة بنت سلمة.

كان شاعرا جميلا عفيفا:

 

صفحة : 746

 

قال المدائني: كان أبو دهبل رجلا جميلا شاعرا، وكانت له جمة يرسلها فتضرب منكبيه، وكان عفيفا، وقال الشعر في آخر خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومدح معاوية، وعبد الله بن الزبير، وقد كان ابن الزبير ولاه بعض أعمال اليمن.

سأل قوم راهبا عن أشعر الناس فأشار إليه: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الكلبي عن أبي مسكين، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين: أن قوما مروا براهب، فقالوا له: يا راهب، من أشعر الناس? قال: مكانكم حتى أنظر في كتاب عندي، فنظر في رق له عتيق ثم قال: وهب من وهبين، من جمح أو جمحين.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا علي بن صالح عن عبد الله بن عروة قال: قال أبو دهبل يفخر بقومه:

قومي بنو جمح قوم إذا انحـدرت                      شهباء تبصر في حافاتها الزغفـا

أهل الخلافة والموفون إن وعـدوا                      والشاهدو الروع لا عزلا ولا كشفا قال الزبير وأنشدني عمي قال أنشدني مصعب لأبي دهبل يفخر بقومه بقوله:

أنا أبو دهـبـل وهـب لـوهـب                      من جمح في العز منها والحسب

والأسرة الخضراء والعيص الأشب                      ومن هذيل والدي عالي النـسـب

أورثني المجد أب من بـعـد أب                      رمحي رديني وسيفي المستلـب

وبيضتي قونسهـا مـن الـذهـب                      درعي دلاص سردها سرد عجب

والقوس فجاء لـهـا نـبـل ذرب                      محشورة أحكم منهن الـقـطـب

ليوم هيجاء أعدت لـلـرهـب كان يهوى امرأة من قومه فكادوا له عندها فهجرته: أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا محمد بن زهير قال حدثنا المدائني: أن أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة، وكانت امرأة جزلة يجتمع إليها الرجال للمحادثة وإنشاد الشعر والأخبار، وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، وكانت هي أيضا محبة له. وكان أبو دهبل رجلا سيدا من أشراف بني جمح، وكان يحمل الحملات ويعطي الفقراء ويقري الضيف. وزعمت بن جمح أنه تزوج عمرة هذه بعد ذلك، وزعم غيرهم أنه لم يصل إليها. وكانت عمرة توصيه بحفظ ما بينهما وكتمانه، فضمن لها ذلك واتصل ما بينهما. فوقفت عليه زوجته فدست إلى عمرة امرأة داهية من عجائز أهلها، فجاءتها فحادثتها طويلا ثم قالت لها في عرض حديثها: إني لأعجب لك كيف لا تتزوجين أبا دهبل مع ما بينكما قالت: وأي شيء يكون بيني وبين أبي دهبل قال: فتضاحكت وقالت: أتسترين عني شيئا قد تحدثت به أشراف قريش في مجالسها وسوقة أهل الحجاز في أسواقها والسقاة في مواردها فما يتدافع اثنان أنه يهواك وتهوينه، فوثبت عن مجلسها فاحتجبت ومنعت كل من كان يجالسها من المصير إليها. وجاء أبو دهبل على عادته فحجبته وأرسلت إليه بما كره. ففي ذلك يقول: صوت

تطاول هذا اللـيل مـا يتـبـلـج                      وأعيت غواشي عبرتي ما تفـرج

وبت كـئيبـا مـا أنـام كـأنـمـا                      خلال ضلوعي جمرة تـتـوهـج

فطورا أمني النفس من عمرة المنى                      وطورا إذا ما لج بي الحزن أنشج

لقد قطع الواشون ما كان بـينـنـا                      ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج الغناء في البيت الأول وبعده بيت في آخر القصيدة:

أخطط في ظهر الحصير كأنني                      أسير يخاف القتل ولهان ملفج لمعبد ثقيل أول بالوسطى. وذكر حماد عن أبيه في أخبار مالك أنه لحائد بن جرهد وأن مالكا أخذه عنه فنسبه الناس إليه، فكان إذا غناه وسئل عنه يقول: هذا والله لحائد بن جرهد لا لي. وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش. وفي لقد قطع الواشون وقبله فطورا أمني النفس لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش?

رأوا غرة فاستقبلوها بألـبـهـم                      فراحوا على ما لا نحب وأدلجوا

وكانوا أناسا كنت آمن غيبـهـم                      فلم ينههم حلمي ولم يتحرجـوا

فليت كوانينا من أهلي وأهلـهـا                      بأجمعهم في قعر دجلة لججـوا

 

صفحة : 747

 

 

هم منعونا ما نحـب وأوقـدوا                      علينا وشبوا نار صرم تـأجـج

ولو تركونا لا هدى الله سعيهـم                      ولم يلحموا قولا من الشر ينسج

لأوشك صرف الدهر يفرق بيننا                      ولا يستقيم الدهر والدهر أعوج

عسى كربة أمسيت فيها مقيمة                      يكون لنا منها نجاة ومـخـرج

فيكبت أعـداء ويجـذل آلـف                      له كبد من لوعة الحب تلعـج

وقلت لعباد وجاء كـتـابـهـا                      لهذا وربي كانت العين تخلـج

وإني لمحزون عيشة زرتـهـا                      وكنت إذا ما جئتها لا أعـرج

أخطط في ظهر الحصير كأنني                      أسير يخاف القتل ولهان ملفج الملفج: الفقير المحتاج.

 

وأشفق قلبي من فراق خـلـيلة                      لها نسب في فرع فهر متـوج

وكف كهداب الدمقس لـطـيفة                      بها دوس حناء حديث مضـرج

يجول وشاحاها ويغتص حجلهـا                      ويشبع منها وقف عاج ودملـج

فلما التقينا لجلجت في حديثـهـا                      ومن آية الصرم الحديث الملجلج شعره في عمرة: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أنشدني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه محمد بن خشرم ومن شئت من قريش لأبي دهبل في عمرة:

يا عمر حم فراقكم عـمـرا                      وعزمت منا النأي والهجرا

يا عمر شيخك وهو ذو كرم                      يحمي الذمار ويكرم الصهرا

إن كان هذا السحر منك فلا                      ترعي علي وجددي السحرا

إحدى بني أود كلفت بـهـا                      حملت بلا وتر لنـا وتـرا

وترى لها دلا إذا نـطـقـت                      تركت بنات فؤاده صعـرا

كتساقط الرطب الجـنـي م                      ن الأفنان لا بثرا ولا نـزرا

أقسمت ما أحببت حـبـكـم                      لا ثيبا خلقـت ولا بـكـرا

ومقالة فيكم عركـت بـهـا                      جنبي أريد بها لك الـعـذرا

ومريد سركم عـدلـت بـه                      فيما يحاول معـدلا وعـرا

قالت يقيم بنـا لـنـجـزيه                      يوما فخيم عندهـا شـهـرا

ما إن أقيم لحاجة عرضـت                      إلا لأبلي فـيكـم الـعـذرا قالوا: وفيها يقول:  صوت

 

يلومونني في غير ذنب جنـيتـه                      وغيري في الذنب الذي كان ألوم

أمنا أناسا كنت تأتـمـنـينـهـم                      فزادوا علينا في الحديث وأوهموا

وقالوا لنا ما لم يقل ثـم كـثـروا                      علينا وباحوا بالذي كنت أكـتـم غنى في هذه الأبيات أبو كامل مولى الوليد رملا بالبنصر:

وقد منحت عيني القذى لفراقهم                      وعاد لها تهتانها فهي تسجـم

وصافيت نسوانا فلم أر فيهـم                      هواي ولا الود الذي كنت أعلم

أليست عظيما أن نكون ببلـدة                      كلانا بها ثاو ولا نـتـكـلـم سمع أبو السائب المخزومي شعره فطرب: أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: سمع أبو السائب المخزومي رجلا ينشد قول أبي دهبل:

أليس عجيبا أن نكون ببلدة                      كلانا بها ثاو ولا نتكلـم فقال له أبو السائب: قف يا حبيبي فوقف، فصاح بجارية: يا سلامة اخرجي فخرجت، فقال له: أعد بأبي أنت البيت فأعاده، فقال: بلى والله إنه لعجيب عظيم وإلا فسلامة حرة لوجه الله اذهب فديتك مصاحبا. ثم دخل ودخلت الجارية تقول له: ما لقيت منك لا تزال تقطعني عن شغلي فيما لا ينفعك ولا ينفعني  شاب خاطبته عشيقته بشعر أبي دهبل

 

 

صفحة : 748

 

وحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: كنا نختلف إلى أبي العباس المبرد ونحن أحداث نكتب عن الرواة ما يروونه من الآداب والأخبار، وكان يصحبنا فتى من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثوبا وأجملهم زيا ولا نعرف باطن أمره، فانصرفنا يوما من مجلس أبي العباس المبرد وجلسنا في مجلس نتقابل بما كتبناه ونصحح المجلس الذي شهدناه، فإذا بجارية قد اطلعت فطرحت في حجر الفتى رقعة ما رأيت أحسن من شكلها مختومة بعنبر، فقرأها منفردا بها ثم أجاب عنها ورمى بها إلى الجارية. فلم نلبث أن خرج خادم من الدار في يده كرش ، فدخل إلينا فصفع الفتى به حتى رحمناه وخلصناه من يده وقمنا أسوأ الناس حالا. فلما تباعدنا سألناه عن الرقعة، فإذا فيها مكتوب:

كفى حزنا أنا جميعا ببلدة                      كلانا بها ثاو ولا نتكلـم فقلنا له: هذا ابتداء ظريف، فبأي شيء أجبت أنت? قال: هذا صوت سمعته يغني فيه، فلما قرأته في الرقعة أجبت عنه بصوت مثله. فسألناه ما هو? فقال: كتبت في الجواب:

أراعك بالخابور نوق وأجمال فقلنا له: ما وفاك القوم حقك قط، وقد كان ينبغي أن يدخلونا معك في القصة لدخولك في جملتنا، ولكنا نحن نوفيك حقك، ثم تناولناه فصفعناه حتى لم يدر أي طريق يأخذ، وكان آخر عهده بالاجتماع معنا.

رجع إلى أخبار أبي دهبل

أبو دهبل وعاتكة بنت معاوية أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثنا صالح بن حسان قال، وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن عمر قال حدثني محمد بن السري قال حدثني هشام بن الكلبي عن أبيه، يزيد أحدهما على الآخر في خبره، واللفظ لصالح بن حسان وخبره أتم، قال: حجت عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فنزلت من مكة بذي طوى. فبينا هي ذات جالسة وقد اشتد الحر وانقطع الطريق، وذلك في وقت الهاجرة، إذ أمرت جواريها فرفعن الستر وهي جالسة في مجلسها عليها شفوف لها تنظر إلى الطريق، إذ مر بها أبو دهبل الجمحي، وكان من أجمل الناس وأحسنهم منظرا، فوقف طويلا ينظر إليها وإلى جمالها وهي غافلة عنه، فلما فطنت له سترت وجهها وأمرت بطرح الستر وشتمته. فقال أبو دهبل:

إني دعاني الحين فاقتادنـي                      حتى رأيت الظبي بالبـاب

يا حسنه إذا سبني مـدبـرا                      مستترا عني بجـلـبـاب

سبحان من وقفها حـسـرة                      صبت على القلب بأوصاب

يذود عنها إن تطلبـتـهـا                      أب لها لـيس بـوهـاب

أحلها قصرا منيع الـذرى                      يحمى بأبواب وحـجـاب قال: وأنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض إخوانه، فشاعت بمكة وشهرت وغنى فيها المغنون، حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء، فضحكت وأعجبتها إليه بكسوة، وجرت الرسل بينهما. فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشأم ونزل قريبا منها، فكانت تعاهده بالبر واللطف حتى وردت دمشق وورد معها، فانقطعت عن لقائه وبعد من أن يراها، ومرض بدمشق مرضا طويلا. فقال في ذلك:

طال ليلي وبت كالـمـحـزون                      ومللت الـثـواء فـي جـيرون

وأطلت المقام بالـشـأم حـتـى                      ظن أهلي مرجمات الظـنـون

فبكت خشية التـفـرق جـمـل                      كبكاء القـرين إثـر الـقـرين

وهي زهراء مثل لـؤلـؤة الـغ                      واص ميزت من جوهر مكنون

وإذا ما نسبتهـا لـم تـجـدهـا                      في سناء من الـمـكـارم دون

ثم خاصرتها إلى القبة الـخـض                      راء تمشي في مرمر مسنـون

قبة من مراجـل ضـربـوهـا                      عند برد الشتاء فـي قـيطـون

عن يساوي إذا دخلت من الـبـا                      ب وإن كنت خارجا عن يمينـي

ولقد قلت إذ تطاول سـقـمـي                      وتقلبت ليلـتـي فـي فـنـون

ليت شعري أمن هوى طار نومي                      أم براني الباري قصير الجفـون

 

صفحة : 749

 

قال: وشاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه، حتى إذا كان في يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل، فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه واردده إلي، وجعل الناس يسلمون وينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف، فناداه معاوية: يا أبا دهبل إلي، فلما دنا إليه أجلسه حتى خلا به، ثم قال له: ما كنت ظننت أن في قريش أشعر منك حيث تقول:

ولقد قلت إذ تطاول سـقـمـي                      وتقلبت ليلـتـي فـي فـنـون

ليت شعري أمن هوى طار نومي                      أم براني الباري قصير الجفـون غير أنك قلت:

وهي زهراء مثل لؤلـؤة الـغ                      واص ميزت من جوهر مكنون

وإذا ما نسبتها لـم تـجـدهـا                      في سناء من المـكـارم دون ووالله إن فتاة أبوها معاوية وجدها أبو سفيان وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت، وأي شيء زدت في قدرها ولقد أسأت في قولك:

ثم خاصرتها إلى القبة الخض                      راء تمشي في مرمر مسنون فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما قلت هذا، وإنما قيل على لساني. فقال له: أما من جهتي فلا خوف عليك، لأني أعلم صيانة ابنتي نفسها، وأعرف أن فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كل من جاز أن يقولوه فيه وكل من لم يجز، وإنما أكره لك جوار يزيد، وأخاف عليك وثباته، فإن له سورة الشباب وأنفة الملوك. وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل فتنقضي المقالة عن ابنته، فحذر أبو دهبل فخرج إلى مكة هاربا على وجهه، فكان يكاتب عاتكة. فبينا معاوية ذات يوم في مجلسة إذ جاءه خصي له فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد سقط إلى عاتكة اليوم كتاب، فلما قرأته بكت ثم أخذته فوضعته تحت مصلاها، وما زالت خاثرة النفس منذ اليوم. فقال له: اذهب فالطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به. فانطلق الخصي، فلم يزل يلطف حتى أصاب منها غرة فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية، فإذا فيه:

أعاتك هلا إذا بخلـت فـلا تـرى                      لذي صبورة زلفى لديك ولا حقـا

رددت فؤادا قد تولى بـه الـهـوى                      وسكنت عينا لا تمـل ولا تـرقـا

ولكن خلعت القلب بالوعد والمنـى                      ولم أر يوما منك جودا ولا صدقـا

أتنسين أيامي بربـعـك مـدنـفـا                      صريعا بأرض الشأم ذا سقم ملقى

وليس صديق يرتضـى لـوصـية                      وأدعو لدائي بالشراب فما أسقـى

وأكبر همي أن أرى لك مـرسـلا                      فطول نهاري جالس أرقب الطرقا

فواكبدي إذ ليس لي منك مجـلـس                      فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى

رأيتك تزدادين للـصـب غـلـظة                      ويزداد قلبي كل يوم لكم عشـقـا قال: فلما قرأ معاوية هذا الشعر بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه فوجد معاوية مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي شجاك? قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما أعمل في شأنه. قال: وما هو يا أمير المؤمنين? قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب بهذه الأبيات إلى أختك عاتكة، فلم تزل باكية منذ اليوم، وقد أفسدها، فما ترى فيه? فقال: الله إن الرأي لهين. قال: وما هو? قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقة مكة فيريحنا منه. قال معاوية: أف لك? والله إن امرأ يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي، وأنت قد ضاق درعك بكلمة وقصر فيها باعك حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش أو ما تعلم أنك إذا فعلت ذلك صدقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبدا? قال: يا أمير المؤمنين، إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني وأوجعتني وحملتني على ما أشرت به فيه. قال: وما هي? قال قال :

ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهـل                      وما كل من يلحى محبا له عقـل

لقد كان في حولين حالا ولـم أزر                      هواي وإن خوفت عن حبها شغل

حمى الملك الجبار عني لقـاءهـا                      فمن دونها تخشى المتالف والقتل

فلا خير في حب يخاف وبـالـه                      ولا في حبيب لا يكون له وصـل

فواكبدي إني شهرت بـحـبـهـا                      ولم يك فيما بيننـا سـاعة بـذل

ويا عجبا إني أكـاتـم حـبـهـا                      وقد شاع حتى قطعت دونها السبل

 

صفحة : 750

 

قال: فقال معاوية: قد والله رفهت عني، فما كنت آمن أنه قد وصل إليها، فأما الآن وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل فالخطب فيه يسير، قم عني فقام يزيد فانصرف. وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وشعرائهم وكتب فيهم اسم أبي دهبل، ثم دعا بهم ففرق في جميعهم صلات سنية وأجازهم جوائز كثيرة. فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف دعا به معاوية فرجع إليه، فقال له: يا أبا دهبل، ما لي رأيت أبا خالد يزيد بن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص تأتيه عنك وشعر لا تزال قد نطقت به وأنفذته إلى خصمائنا وموالينا، لا تعرض لأبي خالد. فجعل يعتذر إليه ويحلف له أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليك، وما يضرك ذلك عندنا، هل تأهلت? قال: لا. قال: فأي بنات عمك أحب إليك? قال: فلانة، قال: قد زوجتكها وأصدقتها ألفي دينار وأمرت لك بألف دينار. فلما قبضها قال: إن رأي أمير المؤمنين أن يعفو لي عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق مني فقد أبحت به دمي وفلانة التي زوجتنيها طالق البتة. فسر بذلك معاوية وضمن له رضا يزيد عنه ووعده بإدرار ما وصله به في كل سنة، وانصرف إلى دمشق. ولم يحجج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.

قصته مع شامية تزوجها أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني إبراهيم بن عبد الله قال: خرج أبو دهبل يريد الغزو، وكان رجلا صالحا وكان جميلا. فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطته كتابا فقالت: اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها، ثم ذهبت فدخلت قصرا ثم خرجت إليه فقالت: لو بلغت القصر فقرأت الكتاب على امرأة كان لك فيه أجر إن شاء الله، فإنه من غائب لها يعنيها أمره، فبلغ معها القصر، فلما دخلا إذا فيه جوار كثيرة، فأغلقن القصر عليه، وإذا فيه امرأة وضيئة، فدعته إلى نفسها فأبى، فأمرت به فحبس في بيت في القصر وأطعم وسقي قليلا قليلا حتى ضعف وكاد يموت، ثم دعته إلى نفسها فقال: لا يكون ذلك أبدا، ولكني أتزوجك، قالت: نعم، فتزوجها، فأمرت به فأحسن إليه حتى رجعت إليه نفسه، فأقام معها زمانا طويلا لا تدعه يخرج، حتى يئس منه أهله وولده، وتزوج بنوه وبناته واقتسموا ماله، وأقامت زوجته تبكي عليه حتى عمشت ولم تقاسمهم ماله. ثم إنه قال لامرأته: إنك قد أثمت في وفي ولدي وأهلي، فأذني لي أطالعهم وأعود إليك، فأخذت عليه أيمانا ألا يقيم إلا سنة حتى يعود إليها. فخرج من عندها يجر الدنيا حتى قدم على أهله، فرأى حال زوجته وما صار إليه ولده. وجاء إليه ولده، فقال لهم: لا والله ما بيني وبينكم عمل، أنتم قد ورثتموني وأنا حي فهو حظكم، والله لا يشرك زوجتي فيما قدمت به أحد، ثم قال لها: شأنك به فهو لك كله. وقال في الشامية:

صاح حـيا الإلـه حـيا ودورا                      عند أصل القناة مـن جـيرون

عن يساري إذا دخلت من البـا                      ب وإن كنت خارجا عن يميني

فبذاك اغتربت في الشأم حتـى                      ظن أهلي مرجمات الظنـون

وهي زهراء مثل لؤلـؤة الـغ                      واص ميزت من جوهر مكنون

وإذا ما نسبتها لـم تـجـدهـا                      في سناء من المـكـارم دون

تجعل المسك واليلنـجـوج وال                      ند صلاء لها على الكـانـون

ثم ماشيتها إلى القبة الـخـض                      راء تمشي في مرمر مسنـون

وقباب قد أسـرجـت وبـيوت                      نظمت بالريحان والـزرجـون

قبة من مراجل ضـربـوهـا                      عند حد الشتاء فـي قـيطـون

ثم فارقتها على خـير مـا كـا                      ن قرين مـفـارق لـقـرين

فبكت خشية التفـرق لـلـبـي                      ن بكاء الحزين إثر الـحـزين

واسألي عن تذكري واطمئنـي                      لأناسي إذا هـم عـذلـونـي فلما حل الأجل أراد الخروج إليها، فجاءه موتها فأقام.

وفد على ابن الأزرق فجفاه فذمه ثم مدحه لما أكرمه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال:

 

صفحة : 751

 

وفد أبو دهبل الجمحي على ابن الأزرق عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد لله بن مخزوم، وكان يقال له ابن الأزرق والهبرزي ، وكان عاملا لعبد الله بن الزبير على اليمن، فأنكره ورأى منه جفوة، فمضى إلى عمارة بن عمرو بن حزم، وهو عامل لعبد الله بن الزبير على حضرموت، فقال يمدحه ويعرض بابن الأزرق:

يا رب حـي بـخـير مـا                      حييت إنسـانـا عـمـاره

أعطي فـأسـنـانـا ولـم                      يك من عطيته الصغـاره

ومن العطـية مـا تـرى                      جذماه ليس لـهـا نـزاره

حجرا تـقـلـبـه وهـل                      تعطي على المدح الحجارة

كالبغـل يحـمـد قـائمـا                      وتذم مشيته الـمـصـاره ثم رجع من عند عمارة بن عمرو بن حزم فقدم، فقال له حنين مولى ابن الأزرق في السر: أرى أنك عجلت على ابن عمك وهو أجود الناس وأكرمهم، فعد إليه فإنه غير تاركك، واعلم أنا نخاف أن يكون قد عزل فلازمه ولا يفقدك، فإني أخاف أن ينساك، ففعل وأعطاه وأرضاه. فقال في ذلك:

يا حن إني لما حدثتـنـي أصـلا                      مرنح من صميم الوجد معـمـود

نخاف عزل امرىء كنا نعيش بـه                      معروفه إن طلبنا الجود موجـود

اعلم بأني لمن عاديت مضطـغـن                      ضبا وأني عليك اليوم محـسـود

وأن شكرك عندي لا انقضاء لـه                      ما دام بالهضب من لبنان جلمـود

أنت الممدح والمغلي به ثـمـنـا                      إذ لا تمدح صم الجندل الـسـود

إن تغد من منقلي نجران مرتحـلا                      يرحل من اليمن المعروف والجود

ما زلت في دفعات الخير تفعلهـا                      لما اعترى الناس لأواء ومجهـود

حتى الذي بين عسفان إلـى عـدن                      لحب لمن يطلب المعروف أخدود قال: وأنشدنيها محمد بن الضحاك بن عثمان قال سمعتها من أبي.

حديثه عن نظم بيت من شعره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال أخبرني الزبير بن بكار، وحدثني حمزة بن عتبة قال: قال أبو دهبل الجمحي: لما قلت أبياتي التي قلت فيها:

اعلم بأني لمن عاديت مضطغن                      ضبا وأني عليك اليوم محسود قلت فيها نصف بيت وأن شكرك عندي لا انقضاء له ثم أرتج علي فأقمت حولين لا أقع على تمامه، حتى سمعت رجلا من الحاج في الموسم يذكر لبنان، فقلت: ما لبنان? فقال: جبل بالشأم، فأتممت نصف البيت:

ما دام بالهضب من لبنان جلمود فضل إبراهيم بن هشام شعره على شعر نصيب: قال الزبير وحدثني محمد بن حبش المخزومي قال: دخل نصيب على إبراهيم بن هشام وهو وال على المدينة فأنشده قصيدة مدحه فيها، فقال إبراهيم بن هشام: ما هذا بشيء، أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث قال:

إن تغد من منقلي نجران مرتحلا                      يبن من اليمن المعروف والجود فغضب نصيب فحمي فنزع عمامته وطرحها وبرك عليها، ثم قال: إن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمديح أجود من مديح أبي دهبل.

قال الزبير وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني إسماعيل بن يعقوب بن مجمع التيمي قال: كان إبراهيم بن هشام جبارا وكان يقيم بلا إذن إذ كان على المدينة الأشهر. فإذا أذن للناس أذن معهم لشاعر، فينشد قصيدة مديح لهشام بن عبد الملك وقصيدة مديح لإبراهيم بن هشام. فأذن لهم يوما، وكان الشاعر الذي أذن له معهم نصيبا وعليه جبة وشي، فاستأذنه في الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدة لهشام بن عبد الملك ثم قطعها وأنشد قصيدة مديح لإبراهيم بن هشام، وقصيدة هشام أشعر، فأراد الناس ممالحة نصيب فقالوا: ما أحسن هذا يا أبا محجن أعد هذا البيت. فقال إبراهيم: أكثرتم، إنه لشاعر، وأشعر منه الذي يقول في ابن الأزرق:

إن تمس من منقلي نجران مرتحلا                      يبن من اليمن المعروف والجـود

ما زلت في دفعات الخير تفعلهـا                      لما اعترى الناس لأواء ومجهود وحمي نصيب فقال: إنا والله ما نصنع المديح إلا على قدر الرجال، كما يكون الرجل يمدح. فعم الناس الضحك وحلم عنه، وقال الحاجب: ارتفعوا، فلما صاروا في السقيفة ضحكوا وقالوا: أرأيتم مثل شجاعة هذا الأسود على هذا الجبار وحلم من غير حلم.

 

 

صفحة : 752

 

مدح ابن الأزرق بعد عزله

وذم إبراهيم بن سعد:

قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال: خرج أبو دهبل يريد ابن الأزرق فلقيه معزولا، فشق ذلك عليه واسترجع، فقال له ابن الأزرق: هون عليك لم يفتك شيء، فأعطاه مائتي دينار . فقال في ذلك أبو دهبل:

أعطى أميرا ومنزوعا وما نزعت                      عنه المكارم تغشاه وما نـزعـا وحدثني محمد بن الضحاك مثل ذلك وأنشدني البيت.

وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد بن دراج قال حدثنا أبو عمرو الشيباني قال: ولى عبد الله بن الزبير ابنا لسعد بن أبي وقاص يقال له إبراهيم مكان الثبت بن عبد الرحمن بن الوليد الذي يقال له ابن الأزرق، فخرج حتى نزل بزبيد ، فقال لابن الأزرق: هلم حسابك، فقال: مالك عندي حساب ولا بيني وبينك عمل، وخرج متوجها إلى مكة. فاستأذنه أبو دهبل في صحبة الوقاصي فأذن له فرجع معه، حتى إذا دخلوا صنعاء لقيهم بحير بن ريسان في نفر كثير من الفرس وغيرهم، ومضى ابن الأزرق ومعه ما احتمله من أموال اليمن، فسار يوما ثم نزل فضرب رواقه ودعا الناس فأعطاهم ذلك المال حتى لم يبق منه درهم فقال أبو دهبل:

أعطى أميرا ومنزوعا وما نزعت                      عنه المكارم تغشاه وما نـزعـا وأقام أبو دهبل مع الوقاصي، فلم يصنع به خيرا. فقال أبو دهبل:

ماذا رزئنا غداة الخل من رمع                      عند التفرق من خيم ومن كرم

ظل لنا واقفا يعطي فأكثر مـا                      سمى وقال لنا في قوله نعـم نعم حرف موقوف فإذا حرك أجريت حركته إلى الخفض لأنه أولى بالساكن:

ثم انتحى غير مذموم وأعـينـنـا                      لما تولى بدمع واكـف سـجـم

تحمله الناقة الأدماء معـتـجـرا                      بالبرد كالبدر جلى ليلة الظـلـم

وكيف أنسـاك لا أيديك واحـدة                      عندي ولا بالذي أوليت من قـدم

حتى لقينا بحيرا عند مقـدمـنـا                      في موكب كضباع الجزع مرتكم

لما رأيت مقامي عند بـابـهـم                      وددت أني بذاك الباب لـم أقـم  بحير بن ريسان وشعره فيه

وبحير بن ريسان الذي يقول فيه أبو دهبل:

بحير بن ريسان الذي سكن الجند                      يقول له الناس الجواد ومن ولـد

له نفحات حين يذكر فـضـلـه                      كسيل ربيع في ضحاضحة السند في هذين البيتين هزج بالبنصر ذكر عمرو بن بانة أنه ليمان، وذكر الهشامي أنه لابن جامع.

مدائحه في ابن الأزرق: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن الزبير بعث عبد الله بن عبد الرحمن على بعض أعمال اليمن، فمد يده إلى أموالها وأعطى أعطية سنية وبث في قريش منها أشياء جزيلة فأثنت عليه قريش ووفدوا إليه فأسنى لهم العطايا. وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فحسده وعزله بإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص. فلما قدم عليه أراد أن يحاسبه، فقال له: مالك عندي حساب ولا بيني وبينك عمل، وقدم مكة، فخافت قريش ابن الزبير عليه أن يفتشه أو يكشفه فلبست السلاح وخرجت إليه لتمنعه، فلما لقيهم نزلت إليه قريش فسلمت عليه وبسطت له أرديتها وتلقته إماؤهم وولائدهم بمجامر الألوة والعود المندلي يبخرون بين يديه حتى انتهى إلى المسجد وطاف بالبيت، ثم جاء إلى ابن الزبير فسلم عليه وهم معه مطيفون به. فعلم ابن الزبير أنه لا سبيل له إليه فما عرض ولا صرح له بشيء. ومضى إلى منزله. فقال أبو دهبل:

فمن يك شان العزل أو هد ركنه                      لأعدائه يوما فما شانك العـزل

وما أصبحت من نعمة مستفـادة                      ولا رحم إلا عليها لك الفضـل وقال أبو دهبل أيضا فيه - أخبرني بذلك ابن المرزبان عن أبي توبة عن أبي عمرو الشيباني، وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه - :

عقم النساء فلم يلدن شبيهه                      إن النساء بمثلـه عـقـم

متهلل بنعم بلا متـبـاعـد                      سيان منه الوفر والـعـدم

نزر الكلام من الحياء تخاله                      ضمنا وليس بجسمه سقـم  وفد على سليمان بن عبد الملك

فلم يحسن وفادته ثم رضي عنه:

أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال:

 

صفحة : 753

 

قال أبو دهبل يمدح ابن الأزرق:

بأبي وأمي غير قول البـاطـل                      الكامل ابن الكامل ابن الكامـل

والحازم الأمر الكـريم بـرأيه                      والواصل الأرحام وابن الواصل

جمع الرياسة والسماح كليهمـا                      جمع الجفير قداح نبل النابـل أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن عمر قال حدثني سليمان بن عباد قال حدثني أبو جعفر الشويفعي رجل من أهل مكة قال: قدم سليمان بن عبد الملك مكة في حر شديد، فكان ينقل سريره بفناء الكعبة وأعطى الناس العطاء. فلما بلغ بني جمح نودي بأهل دهبل، فقال سليمان: أين أبو دهبل الشاعر? علي به، فأتي به، فقال سليمان: أنت أبو دهبل الشاعر? قال: نعم، قال: فأنت القائل:

فتنة يشعـلـهـا ورادهـا                      حطب النار فدعها تشتعل

فإذا ما كان أمن فـأتـهـم                      وإذا ما كان خوف فاعتزل قال: نعم. قال: وأنت القائل:

يدعون مروان كيما يستجيب لهـم                      وعند مروان خار القوم أو رقدوا

قد كان في قوم موسى قبلهم جسد                      عجل إذا خار فيهم خورة سجدوا قال: نعم. قال: أنت القائل هذا ثم تطلب ما عندنا، لا والله ولا كرامة فقال: يا أمير المؤمنين، إن قوما فتنوا فكافحوكم بأسيافهم وأجلبوا عليكم بخيلهم ورجلهم ثم أدالكم الله منهم فعفوتم عنهم، وإنما فتنت فقلت بلساني، فلما لا يعفى عني فقال سليمان: قد عفونا عنك وأقطعه قطيعة بحاذان باليمن. فقيل لسليمان: كيف أقطعته هذه القطيعة قال: أردت أن أميته وأميت ذكره بها.

أبو دهبل وعمرة محبوبته

أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا المدائني عن جماعة من الرواة: أن أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة وكان امرأة جزلة يجتمع الرجال عندها لإنشاد الشعر والمحادثة، وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، وكانت هي أيضا محبة له. وكان أبو دهبل من أشراف بني جمح، وكان يحمل الحمالة وكان مسودا، وزعمت بنو جمح أنه تزوجها بعد، وزعم غيرهم من الرواة أنه لم يصل إليها ولم يجر بينهما حلال ولا حرام. قال: وكانت عمرة تتقدم إلى أبي دهبل في حفظ ما بينهما وكتمانه، فضمن ذلك لها. فجاء نسوة كن يتحدثن إليها فذكرن لها شيئا من أبي دهبل وقلن: قد علق امرأة، قالت: وما ذاك? قلن: ذكر أنه عاشق لك وأنك عاشقة له. فرفعت مجلسها ومجالسة الرجال ظاهرة وضربت حجابا بينهم وبينها، وكتبت إلى أبي دهبل تعذله وتخبره بما بلغها من سوء صنيعه. فعند ذلك يقول:

تطاول هذا اللـيل مـا يتـبـلـج                      وأعيت غواشي عبرتي ما تفـرج

وبت كـئيبـا مـا أنـام كـأنـمـا                      خلال ضلوعي جمرة تـتـوهـج

فطورا أمني النفس من عمرة المنى                      وطورا إذا ما لج بي الحزن أنشج

لقد قطع الواشون ما كان بـينـنـا                      ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج

رأوا غرة فاستقبلوها بـألـبـهـم                      فراحوا على ما لا نحب وأدلجـوا

وكانوا أناسا كنـت آمـن غـيهـم                      فلم ينههم حلم ولـم يتـحـرجـوا

هم منعونا مـا نـحـب وأوقـدوا                      علينا وشبوا نـار صـرم تـأجـج

ولو تركونا لا هدى الله سـعـيهـم                      ولم يلحموا قولا من الشر ينـسـج

لأوشك صرف الدهر يفرق بينـنـا                      وهل يستقيم الدهر والدهر أعـوج

عسى كربة أمسيت فيها مـقـيمة                      يكون لنا منها نـجـاة ومـخـرج

فيكـبـت أعـداء ويجـذل آلـف                      له كبد من لوعة الحب تـنـضـج

وقلت لعبـاد وجـاء كـتـابـهـا                      لهذا وربي كانت العين تـخـلـج

وخططت في ظهر الحصير كأنني                      أسير يخاف القتل ولهان ملـفـج

فلما التقينا لجلجلت في حـديثـهـا                      ومن آية الصرم الحديث الملجلـج

وإني لمحجوب عـشـية زرتـهـا                      وكنت إذا ما جئتـهـا لا أعـرج

وأعيا علي القول والقـول واسـع                      وفي القول مستن كثير ومخـرج أبو السائب المخزومي وأبو جندب الهذلي تغنيهما جارية بشعر أبي دهبل:

 

صفحة : 754

 

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني خالد بن بكر الصواف قال: أتيت ابن أبي العراقيب فسألته أن يدخلني على جارية مغنية لم ير أحد مثلها قط، فقال لي: إن في البيت والله شيخين كريمين علي، لا أدري ما يوافقهما من دخول أحد عليهما، فلو أقمت حتى أطلع رأيهما في ذلك، فدخل ثم خرج إلي فقال: ادخل فدخلت، فإذا أبو السائب المخزومي وأبو جندب الهذلي، وخرجت علينا الجارية قاطبة عابسة، فلما وضع العود في حجرها اندفعت تغني وتقول:

عسى كربة أمسيت فيها مقيمة                      يكون لنا منها نجاة ومخـرج

وإني لمحجوب غداة أزورها                      وكنت إذا ما زرتها لا أعرج قال: ثم بكت، فوثبا عليه جميعا فقالا له: لعلك أربتها بشيء، عليك وعلينا إن لم تقم إليها حتى تقبل رأسها وتترضاها، ففعل.

نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء  صوت

 

تطاول هذا الليل مـا يتـبـلـج                      وأعيت غواشي عبرتي ما تفرج

أخطط في ظهر الحصير كأنني                      أسير يخاف القتل ولهان ملفـج الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيه لحن لمالك ذكره حماد عن أبيه في أخبار مالك ولم يجنسه. وحكي أن مالكا كان إذا سئل عنه يذكر أنه أخذه من حائد بن جرهد فقومه وأصلحه. وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش والهشامي.

صوت

 

لقد قطع الواشون ما كان بـينـنـا                      ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج

فطورا أمني النفس من عمرة المنى                      وطورا إذا ما لج بي الهم أنـشـج الغناء لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أن فيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى.

شعره في رثاء الحسين بن علي: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال: قال أبو دهبل في قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه وزكواته:

تبيت سكارى من أمـية نـومـا                      وبالطف قتلي ما ينام حميمهـا

وما أفسد الإسلام إلا عـصـابة                      تأمر نوكاها ودام نـعـيمـهـا

فصارت قناة الدين في كف ظالم                      إذا اعوج منها جانب لا يقيمهـا  قصيدته الدالية

قال الزبير وحدثني يحيى بن مقداد بن عمران بن يعقوب الزمعي قال حدثني عمي موسى بن يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قصيدته التي تقول فيها:

سقى الله جازانا فمن حل ولـيه                      فكل فسيل من سهام وسـردد

ومحصوله الدار التي خيمت بها                      سقاها فأروى كل ربع وفدفـد

فأنت التي كلفتني البرك شاتـيا                      وأوردتنيه فانظري أي مـورد  صوت

 

فواندمي أن لم أعج إذ تقـول لـي                      تقدم فشيعنا إلى ضحـوة الـغـد

تكن سكنا أو تقدر العـين أنـهـا                      ستبكي مرارا فآسل من بعد واحمد

فأصبحت مما كان بيني وبـينـهـا                      سوى ذكرها كالقابض الماء بالـيد الغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لبذل الكبير رمل عن الهشامي:

لعلك أن تلقى محبا فتشتفـي                      برؤية ريم بضة المتـجـرد

بلاد العدا لم تأتها غير أنهـا                      بها هم نفسي من تهام ومنجد

وما جعلت ما بين مكة ناقتي                      إلى البرك إلا نومة المتهجد

وكانت قبيل الصبح تنبذ رحلها                      بدومة من لغط القطا المتبدد قال فقلت: يا عمي فما يمنعك أن تكتري دابة بدرهمين فتشيعها وتصبح معك، فضحك وقال: نفع الله بك يا بن أخي، أما علمت أن الندم توبة، وعمك كان أشغل مما تحسب.

أنشد أبو السائب شعرا له فتهكم به

قال الزبير وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: أنشد رجل أبا السائب المخزومي قصيدة أبي دهبل:

سقى الله جازانا فمن حل وليه                      فكل فسيل من سهام وسردد فلما بلغ قوله:

فواندمي أن لم أعج إذ تقول لي                      تقدم فشيعنا إلى ضحوة الغـد قال أبو السائب: ما صنع شيئا ألا اكتري حمارا بدرهمين فشيعهم ولم يقل فواندمي أو اعتذر وإني أظن أنه قد كان له عذر. قال: وما هو? قال: أظنه كان مثلي لا يجد شيئا.

قصيدته الميمية

 

 

صفحة : 755

 

فقال الزبير وحدثني ابن مقداد قال حدثني عمي موسى بن يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قوله:  صوت

 

ألا علق القلب المتيم كـلـثـمـا                      لجاجا ولم يلزم من الحب ملزما

خرجت بها من بطن مكة بعدمـا                      أصات المنادي بالصلاة فأعتمـا

فما نام من راع ولا ارتد سامـر                      من الحي حتى جاوزت بي يلملما

ومرت ببطن الليث تهوي كأنمـا                      تبادر بالإدلاج نهبا مـقـسـمـا غنى في هذه الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي. قال: وفيه هزج يمان بالوسطى، وذكر عمرو بانة أن خفيف الثقيل هو اليماني. وفيه لفيل مولى العبلات رمل صحيح عن حماد عن أبيه عن الهشامي. وقال الهشامي: فيه لحكم ثقيل أول. وذكر أبو أيوب المديني في أغاني ابن جامع أن فيه لحنا ولم يجنسه:

وجازت على البزوء والليل كاسـر                      جناحين بالبزواء وردا وأدهـمـا

فما ذر قرن الشمس حتى تبـينـت                      بعليب نخلا مشرفا أو مـخـيمـا

ومرت على أشطان رونق بالضحى                      فما خزرت للماء عينا ولا فـمـا

وما شربت حتى ثنيت زمـامـهـا                      وخفت عليها أن تخر وتكـلـمـا

فقلت لها قد بنـت غـير ذمـيمة                      وأصبح وادي البرك غيثا مـديمـا قال: فقلت له: ما كنت إلا على الريح، فقال: يا بن أخي، إن عمك كان إذا هم فعل، وهي الحاجة . أما سمعت قول أخي بني مرة:

إذا أقبلت قلـت مـشـحـونة                      أطاعت لها الريح قلعا جفولا

وإن أدبرت قلـت مـذعـورة                      من الربد تتبع هيقـا ذمـولا

وإن أعرضت خال فيها البصي                      ر مالا تكـلـفـه أن يمـيلا

يدا سرح مائل ضـبـعـهـا                      تسوم وتقدم رجـلا زحـولا

فمرت على خـشـب غـدوة                      ومرت فـويق أريك أصـيلا

تخبـط بـالـلـيل حـزانـه                      كخبط القوي العزيز الذلـيلا استحسن ريان السواق شعره وقال ليس بعده شيء: وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جعفر بن الحسن اللهبي قال: أنشدت ريان السواق قول أبي دهبل:

أليس عجيبا أن نكون ببـلـدة                      كلانا بها ثاو ولا نتـكـلـم

ولا تصرميني أن تريني أحبكم                      أبوء بذنب إنني أنـا أظـلـم فقال: أحسن، أحسن الله إليه، ما بعد هذا شيء.

وفي هذه القصيدة يقول:  صوت

 

أمنا أناسا كنت قد تأمـنـينـهـم                      فزادوا علينا في الحديث وأوهموا

وقالوا لنا ما لم يقل ثـم كـثـروا                      علينا وباحوا بالذي كنـت أكـتـم

لقد كحلت عيني القذى لفراقـكـم                      وعاودها تهتانها فـيه تـسـجـم

وأنكرت طيب العيش مني وكدرت                      علي حياتي والهوى متـقـسـم الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن زرزور الطائفي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه خفيفا رمل أحدهما بالوسطى لمتيم والآخر بالبنصر لعريب.

حديث القاسم ابن المعتمر مع أبي السائب عن شعره: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عمي قال حدثني القاسم بن المعتمر الزهري قال: قلت لأبي السائب المخزومي: يا أبا السائب، أما أحسن أبو دهبل حيث يقول:  صوت

 

أأترك ليلى ليس بيني وبينـهـا                      سوى ليلة إني إذا لـصـبـور

هبوني امـرأ أضـل بـعـيره                      له ذمة إن الـذمـام كـبـير

وللصاحب المتروك أفضل ذمة                      على صاحب من أن يضل بعير قال: فقال لي: وبأبي أنت كنت والله لا أحبك وتثقل علي، فأنا الآن أحبك وتخف علي.

وفي هذه الأبيات غناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لعلويه رمل بالوسطى من جامع أغانيه. وفيه للمازني خفيف ثقيل آخر من رواية الهشامي وذكاء وغيرهما. وأول هذا الصوت بيت لم يذكر في الخبر، وهو:

عفا الله عن ليلى الغداة فإنها                      إذا وليت حكما علي تجور  توعد ابن صفوان عمه فقال

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمي مصعب ومحمد بن الضحاك عن أبيه:

 

صفحة : 756

 

أن أبا ريحانة عم أبي دهبل كان شديد الخلاف على عبد الله بن الزبير، فتوعده عبد الله بن صفوان، فلحق بعبد الملك بن مروان، فاستمده الحجاج فأمده عبد الملك بطارق مولى عثمان في أربعة آلاف، فأشرف أبو ريحانة على أبي قبيس فصاح أبو ريحانة: أليس قد أخزاكم الله يأهل مكة فقال له ابن أبي عتيق: بلى والله قد أخزانا الله. فقال له ابن الزبير: مهلا يا بن أخي فقال: قلنا لك ائذن لنا فيهم وهم قليل فأبيت حتى صاروا إلى ما ترى من الكثرة. قال: وقال أبو دهبل في وعيد عبد الله بن صفوان عمه أبا ريحانة واسمه علي بن أسيد بن أحيحة:

ولا توعد لتقـلـتـه عـلـيا                      فإن وعـيده كـلأ وبـــيل

ونحن ببطن مكة إذ تـداعـى                      لرهطك من بني عمرو رعيل

أولو الجمع المقدم حين ثابـوا                      إليك ومن يودعهـم قـلـيل

فلمـا أن تـفـانـينـا وأودى                      بثروتنا الترحـل والـرحـيل

جعلت لحومنا غرضا كـأنـا                      لتهلكنا عـروبة أو سـلـول  رثى ابن الأزرق وأوصى أن يدفن بجانبه

أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشيباني قال: مات ابن الأزرق وأبو دهبل حي فدفن بعليب، فلما احتضر أبو دهبل أيضا أوصى أن يدفن عنده. وفيه يقول أبو دهبل يرثيه - عن أبي عمرو الشيباني - :

لقد غال هذا اللحد من بطن عليب                      فتى كان من أهل الندى والتكرم

فتى كان فيما ناب يوما هو الفتى                      ونعم الفتى للطارق المـتـيمـم

أألحق أني لا أزال على مـنـى                      إذا صدر الحجاج عن كل موسم

سقى الله أرضا أنت ساكن قبرها                      سجال الغوادي من سحيل ومبرم خرج إلى مصر لطلب ميراث ثم عاد وقال شعرا: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني عمي قال حدثني إبراهيم بن أبي عبد الله قال: وقع لأبي دهبل ميراث بمصر فخرج يريده، ثم رجع من الطريق فقال:

اسلمي أم دهبل بعـد هـجـر                      وتقض من الزمـان وعـمـر

واذكري كري المطي إلـيكـم                      بعد ما قد توجهت نحو مصـر

لا تخالي أني نسـيتـك لـمـا                      حال بيش ومن به خلف ظهري

إن تكوني أنت المقدم قـبـلـي                      وأطع يثو عند قبرك قـبـري قال إبراهيم: فوقفت على قبره إلى جانب قبرها بعليب.

 

صوت من المائة المختارة

من رواية علي بن يحيى

ألا أيها الشادن الأكحـل                      إلى كم تقول ولا تفعل

إلى كم تجود بما لا نري                      د منك وتمنع ما نسأل الشعر للحسين بن الضحاك. والغناء لأبي زكار الأعمى، ولحنه المختار هزج بالبنصر.

 

أخبار حسين بن الضحاك ونسبه

منشؤه وشعره: الحسين بن الضحاك باهلي صليبة ، فيما ذكر محمد بن داود بن الجراح، والصحيح أنه مولى لباهلة. وهو بصري المولد والمنشأ، من شعراء الدولة العباسية، وأحد ندماء الخلفاء من بني هاشم. ويقال: إنه أول من جالس منهم محمد الأمين. شاعر أديب ظريف مطبوع حسن التصرف في الشعر حلو المذهب، لشعره قبول ورونق صاف. وكان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها. وإذا شاع له شعر نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس. وله معان في صفتها أبدع فيها وسبق إليها، فاستعارها أبو نواس، وأخبارهما في هذا المعنى وغيره تذكر في أماكنها. وكان يقلب الخليع والأشقر، وهاجى مسلم بن الوليد فانتصف منه. وله غزل كثير جيد. وهو من المطبوعين الذين تخلوا أشعارهم ومذاهبهم جملة من التكلف. وعمر عمرا طويلا حتى قارب المائة السنة، ومات في خلافة المستعين أو المنتصر.

وحدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: كان حسين بن الضحاك بن ياسر مولى لباهلة، وأصله من خراسان، فكان ربما اعترف بهذا الولاء وربما جحده، وكان يلقب بالأشقر، وهو ومحمد بن حازم الباهلي ابنا خالة.

 

 

صفحة : 757

 

وحدثني الصولي عن إبراهيم بن المعلى الباهلي: أنه سأله عن نسب حسين بن الضحاك فقال: هو حسين بن الضحاك بن ياسر، من موالي سليمان بن ربيعة الباهلي. قال الصولي: وسألت الطيب بن محمد الباهلي عنه فقال لي: هو الحسين بن الضحاك بن فلان بن فلان بن ياسر، قديم الولاء، وداره في بني مجاشع وفيها ولد الحسين، أرانيها صاحبنا سعيد بن مسلم.

قال قصيدته الخمرية فاستحسنها أبو نواس ونسبت إليه: أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب ومحمد بن يحيى الصولي قالا: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال: أنشدت أبا نواس لما حججت قصيدتي التي قلتها في الخمر وهي:

بدلت من نفحات الورد بـالآء                      ومن صبوحك در الإبل والشاء فلما انتهيت منها إلى قولي:

حتى إذا أسندت في البيت واحتضرت                      عند الصبوح ببسـامـين أكـفـاء

فضت خواتمها في نعت واصفـهـا                      عن مثل رقراقة في جفن مرهـاء قال: فصعق صعقة أفزعني، وقال: أحسنت والله يا أشقر فقلت: ويلك يا حسن إنك أفزعتني والله فقال: بلى والله أفزعتني ورعتني، هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بد أن ينتهي إليها أو أغوص عليها وأقولها فسبقتني إليه واختلسته مني، وستعلم لمن يروى ألي أم لك، فكان والله كما قال، سمعت من لا يعلم يرويها له.

أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الله بني هاشم أبو جعفر قال: سمعت الحسين بن الضحاك يقول: لما قلت قصيدتي:

بدلت من نفحات الورد بالآء أنشدتها أبا نواس، فقال: ستعلم لمن يرويها الناس ألي أم لك، فكان الأمر كما قال، رأيتها في دفاتر الناس في أول أشعاره.

أخبرني جعفر بن قدامه عن أحمد بن أبي طاهر بن صالح عن الحسين بن الضحاك، فذكر نحوا منه.

ذكر للمأمون فحجبه لشعره في الأمين

أخبرني الصولي قال حدثني عبد الله بن محمد الفارسي عن ثمامة بن أشرس، قال الصولي وحدثينه عون بن محمد عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: لما قدم المأمون من خراسان وصار إلى بغداد، أمر بأن يسمى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك، وكان من جلساء محمد المخلوع، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين، فقال: أليس هو الذي يقول في محمد:

هلا بقيت لسد فـاقـتـنـا                      أبدا وكان لغيرك التـلـف

فلقد خلفت خلائفا سلـفـوا                      ولسوف يعوز بعدك الخلف لا حاجة لي فيه، والله لا يراني أبدا إلا في الطريق. ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به. قال: وانحدر حسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون.

أخبرني عمي والكوكبي بهذا قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن الحارث المروزي عن إبراهيم بن عبد الله ابن أخي السندي بن شاهك، فذكر مثله سواء.

أنشد المأمون مدحه فيه فلم يرض عنه

قال ابن أبي طاهر فحدثني محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال أخبرني أبي عن صالح بن الرشيد قال: دخلت يوما على المأمون ومعي بيتان للحسين بن الضحاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين، فقال: أنشدهما فأنشدته:

حمدنا الله شكرا إذ حبـانـا                      بنصرك يا أمير المؤمنينـا

فأنت خليفة الرحمن حـقـا                      جمعت سماحة وجمعت دينا فقال: لمن هذان البيتان يا صالح? فقلت: لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحاك، قال: قد أحسن. فقلت: وله يا أمير المؤمنين أجود من هذا، فقال: وما هو? فأنشدته قوله:  صوت

 

أيبخل فرد الحسن فرد صفاته                      علي وقد أفردته بهوى فرد

رأى الله عبد الله خير عبـاده                      فملكه والله أعلم بالـعـبـد قال: فأطرق ساعة ثم قال: ما تطيب نفسي له بخير بعدما قال في أخي محمد وقال.

قال أبو الفرج: وهذه الأبيات تروى لابن البواب، وستذكر في أبوابه إن شاء الله تعالى، وعلى أن الذي رواها غلط في روايته غلطا بينا، لأنها مشهورة من شعر حسين بن الضحاك. وقد روي أيضا في أخباره أنه دفعها إلى ابن البواب فأوصلها إلى أن ابن المأمون، وكان له صديقا. ولعل الغلط وقع من هذه الجهة.

 

 

صفحة : 758

 

الغناء في الأبيات المذكورة المنسوبة إلى حسين بن الضحاك وإلى ابن البواب الدالية لإبراهيم بن المهدي خفيف ثقيل بالبنصر. وفيها لعبيد الله بن موسى الطائفي رمل بالبنصر.

أمر المأمون ابن بانة بالغناء بشعره

في الأمين:

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه عن عمرو بن بانة أنهم كانوا عند صالح بن الرشيد، فقال: لست تطرح على جواري وغلماني ما أستجيده فقال له: ويلك ما أبغضك ابعث إلى منزلي فجيء بالدفاتر واختر منها ما شئت حتى ألقيه عليهم، فبعث إلى منزلي فجيء إليه بدفاتر الغناء فأخذ منها دفترا ليتخير مما فيه، فمر به شعر الحسين بن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو:

أطل حزنا وابك الإمام محمـدا                      بحزن وإن خفت الحسام المهندا

فلا تمت الأشياء بعد مـحـمـد                      ولا زال شمل الملك منها مبددا

ولا فرح المأمون بالملك بعـده                      ولا زال في الدنيا طريدا مشردا فقال له صالح: أنت تعلم أن المأمون يجيء إلي في كل ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا ثم دعا بسكين فجعل يحكه، وصعد المأمون من الدرجة ورمى صالح الدفتر. فقال المأمون: يا غلام الدفتر، فأتي به، فنظر فيه ووقف على الحك فقال: إن قلت لكم: ما كنتم فيه تصدقوني? قلنا: نعم. قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث فجيء بدفاترك ليتخير ما تطرح، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه، قلنا: كذا كان. فقال: غنه يا عمرو، فقلت: يا أمير المؤمنين، الشعر لحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر، فقال: وما يكون غنه فغنيته، فقال: اردده فرددته ثلاث مرات، فأمر لي بثلاثين ألف درهم، وقال: حتى تعلم انه لم يضررك عندي.

قال: وسعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحاك، وكان نديمه وصديقه:

يا سعيد وأين مني سعيد  مراثيه في الأمين

ولحسين بن الضحاك في محمد الأمين مراث كثيرة جياد، وكان كثير التحقق به والموالاة له لكثرة أفضاله عليه وميله إليه وتقديمه إياه. وبلغ من جزعه عليه أنه خولط، فكان ينكر قتله لما بلغه ويدفعه ويقول: إنه مستتر وإنه قد وقف على تفرق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره والوفاء ببيعته ضنا به وشفقة عليه. ومن جيد مراثيه إياه قوله:  صوت

 

سألوني أن كيف نحن فقلنـا                      من هوى نجمه فكيف يكون

نحن قوم أصابنا حدث الـده                      ر فظلنا لريبه نسـتـكـين

نتمنـى مـن الأمـين إيابـا                      لهف نفسي وأين مني الأمين في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى. وفيها لعريب خفيف ثقيل.

ومن جيد قوله في مراثيه إياه

أعزى يا محمد عنك نفسـي                      معاذ الله والأيدي الجـسـام

فهلا مات قوم لم يمـوتـوا                      ودوفع عنك لي يوم الحمـام

كأن الموت صادف منك غنما                      أو استشفى بقربك من سقام أعجب المأمون ببيت من شعره وأجازه عليه بثلاثين ألف درهم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال قال لي محمد بن عباد: قال لي المأمون وقد قدمت من البصرة؛ كيف ظريف شعرائكم وواحد مصركم? قلت: ما أعرفه، قال: ذاك الحسين بن الضحاك، أشعر شعرائكم وأظرف ظرفائكم. أليس هو الذي قال:

رأى الله عبد الله خير عباده                      فملكه والله أعلم بالعـبـد قال: ثم قال لي المأمون: ما قال في أحد من شعراء زماننا بيتا أبلغ من بيته هذا، فاكتب إليه فاستقدمه، وكان حسين عليلا وكان يخاف بوادر المأمون لما فرط منه، فقلت للمأمون: إنه عليل يا أمير المؤمنين، علته تمنعه من الحركة والسفر. قال: فخذ كتابا إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم، فأخذت الكتاب بذلك وأنفذته إليه فقبض المال.

قال الأزدي هو أشعر المحدثين

حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال سمعت أبا العباس محمد بن يزيد الأزدي يقول: حسين بن الضحاك أشعر المحدثين حيث يقول:

أي ديباجة حـسـن                      هيجت لوعة حزني

إذ رماني القمر الزا                      هر عن فترة جفن

 

صفحة : 759

 

 

بأبي شـمـس نـهـار                      برزت فـي يوم دجـى

قربتني بـالـمـنـى ح                      تى إذا ما أخلفـتـنـي

تركتنـي بـين مـيعـا                      د وخلـف وتـجـنـي

ما أراني لي من الصب                      وة إلا حسـن ظـنـي

إنما دامت على الـغـد                      ر لما تعـرف مـنـي

أستعـيذ الـلـه مـن إع                      راض من أعرض عني  استقدمه المعتصم من البصرة

أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبو الفيض بن سوادة عن جدي قال: لما ولي المعتصم الخلافة سألني عن حسين بن الضحاك، فأخبرته بإقامته بالبصرة لانحراف المأمون عنه، فأمر بمكاتبته بالقدوم عليه فقدم. فلما دخل وسلم استأذن في الإنشاد له، فأنشده قوله:

هلا سألت تلذذ المشـتـاق                      ومننت قبل فراقه بتـلاق

إن الرقيب ليستريب تنفسـا                      صعدا إليك وظاهر الإقلاق

ولئن أربت لقد نظرت بمقلة                      عبري عليك سخينة الآماق

نفسي الفداء لخائف مترقب                      جعل الوداع إشارة بعنـاق

إذ لا جواب لمفحم متحـير                      إلا الدموع تصان بالإطراق حتى انتهى إلى قوله:

خير الوفود مبشر بـخـلافة                      خصت ببهجتها أبا إسـحـاق

وافته في الشهر الحرام سليمة                      من كل مشكلة وكل شقـاق

أعطته صفقتها الضمائر طاعة                      قبل الأكف بأوكد المـيثـاق

سكن الأنام إلى إمـام سـلامة                      عف الضمير مهذب الأخلاق

فحمى رعيته ودافع دونـهـا                      وأجار مملقها من الإمـلاق حتى أتمها. فقال له المعتصم: ادن مني فدنا منه، فملأ فمه جوهرا من جوهر بين يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه، وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رآيه ويعرفوا فعله. فكان أحسن ما مدح به يومئذ.

ومما قدمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحاك حيث قال:

قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى                      متعسفين تـعـسـف الـمـراق

إني أحـذركـم بـوادر ضـيغـم                      درب بحطـم مـوائل الأعـنـاق

متأهـب لا يسـتـفـز جـنـانـه                      زجل الرعـود ولامـع الإبـراق

لم يبق من متعـرمـين تـوثـبـوا                      بالشأم غـير جـمـاجـم أفـلاق

من بين منجدل تـمـج عـروقـه                      علـق الأخـادع أو أسـير وثـاق

وثنى الخيول إلى معاقل قـيصـر                      تخـتـال بـين أحـزة ورقــاق

يحملن كل مشـمـر مـتـغـشـم                      ليث هـزبـر أهـرت الأشـداق

حتى إذا أم الحـصـون مـنـازلا                      والمـوت بـين تـرائب وتـراق

هرت بطارقها هـرير قـسـاور                      بدهت بأكره مـنـظـر ومـذاق

ثم استكانت للحصار مـلـوكـهـا                      ذلا وناط حلـوقـهـا بـخـنـاق

هربت وأسلمت الصليب عـشـية                      لم يبق غير حـشـاشة الأرمـاق قال: فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم، وقال له: أنت تعلم يا حسين أن هذا أكثر ما مدحني به مادح في دولتنا. فقبل الأرض بين يديه وشكره وحمل المال معه.

أعجب الرياشي لبيتين له في الخمر

حدثني علي قال حدثني عثمان بن عمر الآجري قال: سمعت الرياشي ينشد هذين البيتين ويستحسنهما ويستظرفهما جدا وهما:

إذا ما الماء أمكنـنـي                      وصفو سلافة العنـب

صببت الفضة البيضـا                      ء فوق قراضة الذهب فقلت له: من يقولهما يا أبا الفضل? قال: أرق الناس طبعا وأكثرهم ملحا وأكملهم ظرفا حسين بن الضحاك.

أخذ أبو نواس معنى له في الخمر فأجاده

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني أبي عن حسين بن الضحاك قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي:

وشاطري اللسان مختلق التك                      ريه شاب المجون بالنسـك حتى بلغت إلى قولي :

كأنما نصب كاسه قـمـر                      يكرع في بعض أنجم الفلك قال: فأنشدني أبو نواس بعد أيام لنفسه:

 

صفحة : 760

 

 

إذا عب فيها شارب القوم خلته                      يقبل في داج من الليل كوكبا قال: فقلت له: يا أبا علي هذه مصالته . فقال لي: أتظن أنه يروي لك في الخمر معنى جيد وأنا حي. أخبرني به جعفر بن قدامة عن علي بن محمد بن نصر عن أحمد بن حمدون عن حسين بن الضحاك فذكر مثله.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال: أنشدت إبراهيم بن المدبر قول حسين بن الضحاك:

كأنما نصب كأسه قمـر                      حاسده بعض أنجم الفلك

حتى إذا رنحته سورتهـا                      وأبدلته السكون بالحرك

كشفت عن وزة مسنـمة                      في لين صينية من الفلك فقال لي إبراهيم بن المدبر: إن الحسين كان يزعم أن أبا نواس سرق منه هذا المعنى حين يقول: يقبل في داج من الليل كوكبا فإن كان سرقه منه فهو أحق به لأنه قد برز عليه، وإن كان حسين سرقه منه فقد قصر عنه.

مدح الواثق حين ولي الخلافة فأجازه

أخبرني محمد بن يحيى الخراساني قال حدثني محمد بن مخارق قال: لما بويع الواثق بالخلافة ودخل عليه الحسين بن الضحاك فأنشده قصيدته التي أولها: صوت

ألم يرع الإسلام مـوت نـصـيره                      بلى حق أن يرتاع من مات ناصره

سيسليك عما فات دولة مفـضـل                      أوائلـه مـحـمـودة وأواخـره

ثنى الله عطفيه وألف شـخـصـه                      على البر مذ شدت عليه مـآزره

يصب ببذل المال حتـى كـأنـمـا                      يرى بذله للمال نـهـبـا يبـادره

وما قدم الرحـمـن إلا مـقـدمـا                      موارده محـمـودة ومـصـادره فقال الواثق: إن كان الحسين لينطق عن حسن طوية ويمدح بخلوص نية. ثم أمر بأن يعطي لكل بيت قاله من هذه القصيدة ألف درهم. فأعجبته الأبيات، حتى أمر فصنعت فيها عدة ألحان، منها لعريب في طريقة الثقيل الأول.

سرقته من شعر أبي العتاهية وأخبرني محمد بن يحيى قال حدثني عون بن محمد قال حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: لما ولي الواثق الخلافة أنشده حسين بن الضحاك قصيدة منها:

سيسليك عما فات دولة مفضل                      أوائله محمـودة وأواخـره

وما قدم الرحمن إلا مقـدمـا                      موارده محمودة ومصـادره قال: فأنشدت إسحاق الموصلي هذا الشعر، فقال لي: نقل حسين كلام أبي العتاهية في الرشيد حتى جاء بألفاظه بعينها حيث يقول:

جرى لك من هارون بالسعد طائره                      إمام اعتزام لا تـخـاف بـوادره

إمام لـه رأي حـمـيد ورحـمة                      موارده محمـودة ومـصـادره قال: فعجبت من رواية إسحاق شعر المحدثين، وإنما كان يروى للأوائل ويتعصب على المحدثين وعلى أبي العتاهية خاصة.

في هذين الشعرين أغاني نسبتها:  صوت

 

جرى لك من هارون بالسعد طائره                      إمام اعتزام لا تـخـاف بـوادره

إمام لـه رأي حـمـيد ورحـمة                      موارده محمـودة ومـصـادره

هو الملك المجبول نفسا على التقى                      مسلمة من كل سوء عسـاكـره

لتغمد سيوف الحرب فاللـه وحـده                      ولي أمير المؤمنـين ونـاصـره الشعر لأبي العتاهية، على ما ذكره الصولي. وقد وجدت هذه القصيدة بعينها في بعض النسخ لسلم الخاسر. والغناء لإبراهيم، وله في لحنان خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي.

صوت

 

سيسليك عما فات دولة مفضـل                      أوائله محـمـودة وأواخـره

ثنى الله عطفيه وألف شخصـه                      على البر مذ شدت عليه مآزره الشعر لحسين بن الضحاك. والغناء لعريب ثقيل أول مطلق. وفيه لقلم الصالحية خفيف رمل، وهو أغرب اللحنين ولحن عريب المشهور.

مدح الواثق وهو في الصيد فأجازه أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني علي بن صالح كاتب الحسن بن رجاء قال حدثني إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنا مع الواثق بالقاطول وهو يتصيد، فصادر صيدا حسنا وهو في الزو من الإوز والدراج وطير الماء وغير ذلك، ثم رجع فتغدى، ودعا بالجلساء والمغنين وطرب، وقال: من ينشدنا? فقام الحسين بن الضحاك فأنشده:

 

صفحة : 761

 

 

سقى الله بالقاطول مسرح طرفكا                      وخص بسقياه مناكب قصركـا حتى انتهى إلى قوله:

تخين للـدراج فـي جـنـبـاتـه                      وللغر آجال قـدرن بـكـفـكـا

حتوفا إذا وجهتهـن قـواضـبـا                      عجالا إذا أغريتهن بـزجـركـا

أبحت حماما مصعدا ومـصـوبـا                      وما رمت في حاليك مجلس لهوكا

تصرف فيه بين ناي ومـسـمـع                      ومشمولة من كف ظبي لسقيكـا

قضيت لبـانـات وأنـت مـخـيم                      مريح وإن شطت مسافة عزمكـا

وما نال طيب العـيش إلا مـودع                      وما طاب عيش نال مجهود كدكا فقال الواثق: ما يعدل الراحة ولذة الدعة شيء. فلما انتهى إلى قوله:

خلقت أمين الله للخلـق عـصـمة                      وأمنا فكل فـي ذراك وظـلـكـا

وثقت بمن سماك بالغـيب واثـقـا                      وثبت بالتأييد أركـان مـلـكـكـا

فأعطاك معطيك الخلافة شكرهـا                      وأسعد بالتقوى سريرة قـلـبـكـا

وزادك من أعمـارنـا غـير مـنة                      عليك بها، أضعاف أضعاف عمركا

ولا زالت الأقدار فـي كـل حـالة                      عداة لمن عاداك سلما لسلـمـكـا

إذا كنت من جدواك في كل نعـمة                      فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا فطرب الواثق فضرب الأرض بمخصرة كانت في يده، وقال: لله درك يا حسين ما أقرب قلبك من لسانك فقال: يا أمير المؤمنين، جودك ينطق المفحم بالشعر والجاحد بالشكر. فقال له: لن تنصرف إلا مسرورا، ثم أمر له بخمسين ألف درهم.

رغب الواثق في الشراب في يوم غيم حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثنا أبو العباس الرياشي قال حدثنا الحسين بن الضحاك قال: دخلت على الواثق ذات يوم وفي السماء لطخ غيم، فقال لي: ما الرأي في هذا اليوم? فقلت: يا أمير المؤمنين، ما حكم به وأشار إليه قبلي أحمد بن يوسف، فإنه أشار بصواب لا يرد وجعله في شعر لا يعارض. فقال: وما قال? فقلت قال:

أرى غيما تؤلفه جـنـوب                      وأحسبه سيأتينا بهـطـل

فعين الرأي أن تدعو برطل                      فتشربه وتدعو لي برطل فقال: أصبتما، ودعا بالطعام وبالشراب والمغنين والجلساء واصطبحنا.

وصف ليلة لهو قضاها الواثق أخبرني علي بن العباس قال حدثني الحسين بن علوان قال حدثني العباس بن عبيد الله الكاتب قال: كان حسين بن الضحاك ليلة عند الواثق وقد شربوا إلى أن مضى ثلث من الليل، فأمر بأن يبيت مكانه. فلما أصبح خرج إلى الندماء وهم مقيمون، قال لحسين: هل وصفت ليلتنا الماضية وطيبها? فقال: لم يمض شيء وأنا أقول الساعة، وفكر هينهة ثم قال:

حثت صبوحي فكاهة اللاهي                      وطاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامـنـه                      من قبل يوم منغص ناهـي

بابنة كرم من كف منتطـق                      مؤزر بالـمـجـون تـياه

يسقيك من طرفه ومـن يده                      سقى لطيف مجرب داهـي

كأسا فكأسا كأن شـاربـهـا                      حيران بين الذكور والساهي قال: فأمر الواثق برد مجلسه كهيئته، واصطبح يومه ذلك معهم، وقال: نحقق قولك يا حسين ونقضي لك كل أرب وحاجة.

شعره في جارية للواثق غضبت عليه أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن مغيرة المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال: كانت لي نؤبة في دار الواثق أحضرها جلس أو لم يجلس. فبينا أنا نائم ذات ليلة في حجرتي، إذ جاء خادم من خدم الحرم فقال: قم فإن أمير المؤمنين يدعوك. فقلت له: وما الخبر? قال: كان نائما وإلى جانبه حظية له فقام وهو يظنها نائمة، فألم بجارية له أخرى ولم تكن ليلة نوبتها وعاد إلى فراشه، فغضبت حظيته وتركته حتى نام، ثم قامت ودخلت حجرتها، فانتبه وهو يرى أنها عنده فلم يجدها، فقال: اختلست عزيزتي، ويحكم أين هي? فأخبر أنها قامت غضبى ومضت إلى حجرتها، فدعا بك. فقلت في طريقي:

غضبت أن زرت أخرى خلسة                      فلها العتبى لدينـا والـرضـا

يا فدتك النفس كانـت هـفـوة                      فاغفريها واصفحي عما مضى

واتركي العذل على من قالـه                      وانسبي جوري إلى حكم القضا

 

صفحة : 762

 

 

فلقد نبهتني من رقـدتـي                      وعلى قلبي كنيران الغضا قال: فلما جئته خبرني القصة وقال لي: قل في هذا شيئا، ففكرت هنيهة كأني أقول شعرا ثم أنشدته الأبيات.

فقال: أحسنت وحياتي أعدها يا حسين، فأعدتها عليه حتى حفظها، وأمر لي بخمسمائة دينار، وقام فمضى إلى الجارية وخرجت أنا إلى حجرتي.

<H6 وأمره أن يقول شعرا في جارية له</H6 أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال قال لي حسين بن الضحاك: كان الواثق يتحظى جارية له فماتت فجزع عليها وترك الشرب أياما ثم سلاها وعاد إلى حاله، فدعاني ليلة فقال لي: يا حسين، رأيت فلانة في النوم، فليت نومي كان طال قليلا لأتمتع بلقائها، فقل في هذا شيئا. فقلت:

ليت عين الدهر عنا غفلت                      ورقيب الليل عنا رقـدا

وأقام النوم فـي مـدتـه                      كالذي كان وكنـا أبـدا

بأبي زور تلـفـت لـه                      فتنفست إليه الصـعـدا

بينما أضحك مسرورا به                      إذ تقطعت عليه كـمـدا قال: فقال لي الواثق: أحسنت ولكنك وصفت رقيب الليل فشكوته ولا ذنب لليل وإنما رأيت الرؤيا نهارا. ثم عاد إلى منامه فرقد.

سرق منه أبو نواس معنى في الخمر

أخبرني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني حسين بن الضحاك، وأخبرني به جعفر بن قدامة عن علي بن يحيى عن حسين بن الضحاك قال: لقيني أبو نواس ذات يوم عند باب أم جعفر من الجانب الغربي، فأنشدته:

أخوي حي على الصبوح صباحا                      هبا ولا تعدا الصبـاح رواحـا

هذا الشميط كأنـه مـتـحـير                      في الأفق سد طريقه فألاحـا

ما تأمران بـسـكـرة قـروية                      قرنت إلى درك النجاح نجاحا هكذا قال جحظة. والذي أحفظه:

ما تأمران بقهوة قروية قال: فلما كان بعد أيام لقيني في ذلك الموضع فأنشدني يقول:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا                      وأمله ديك الصباح صياحـا فقلت له: حسن يا بن الزانية? أفعلتها فقال: دع هذا عنك، فو الله لا قلت في الخمر شيئا أبدا وأنا حي إلا نسب لي.

شرب عند ابن المهدي فعربد عليه

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني أبو أمامة الباهلي عن الحسين بن الضحاك، قال محمد بن يحيى وحدثني المغيرة بن محمد المهلبي: أن الحسين بن الضحاك شرب يوما عند إبراهيم بن المهدي، فجرت بينهما ملاحاة في أمر الدين والمذهب، فدعا له إبراهيم بنطع وسيف وقد أخذ منه الشراب، فانصرف وهو غضبان. فكتب إليه إبراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يجيئه. فكتب إليه:

نديمي غير مـنـسـوب                      إلى شيء من الـحـيف

سقاني مثـل مـا يشـر                      ب فعل الضيف بالضيف

فلـمـا دارت الـكـأس                      دعا بالنطع والـسـيف

كذا من يشرب الخـمـر                      مع التنين في الصـيف قال: ولم يعد إلى منادمته مدة. ثم إن إبراهيم تحمل عليه ووصل فعاد إلى منادمته.

نشأ هو وأبو نواس بالبصرة

ثم رحل إلى بغداد واتصل بالأمين:

حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كنت أنا وأبو نواس تربين، نشأنا في مكان واحد وتأدبنا بالبصرة، وكنا نحضر مجالس الأدباء متصاحبين، ثم خرج قبلي عن البصرة وأقام مدة، واتصل بي ما آل إليه أمره، وبلغني إيثار السلطان وخاصته له، فخرجت عن البصرة إلى بغداد ولقيت الناس ومدحتهم وأخذت جوائزهم وعددت في الشعراء، وهذا كله في أيام الرشيد، إلا أني لم أصل إليه واتصلت بابنه صالح فكنت في خدمته. فغني يوما بهذا الصوت:

أأن زم أجمال وفـارق جـيرة                      وصاح غراب البين أنت حزين فقال لي صالح: قل أنت في هذا المعنى شيئا، فقلت:

أأن دب حساد ومـل حـبـيب                      وأورق عود الهجر أنت حبيب

ليبلغ بنا هجر الحبيب مرامـه                      هل الحب إلا عبرة ونحـيب

كأنك لم تسمع بـفـرقة ألـفة                      وغيبة وصل لا تـراه يؤوب فأمر بأن يغني فيه. واتصلت بمحمد ابن زبيدة في أيام أبيه وخدمته، ثم اتصلت خدمتي له في أيام خلافته.

جفاه صالح بن الرشيد فترضاه

 

 

صفحة : 763

 

بشعر فرضي عنه:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء عن الحسين بن الضحاك قال: كنت يوما عند صالح بن الرشيد، فجرى بيننا كلام على النبيذ وقد أخذ مني الشراب مأخذا قويا، فرددت عليه ردا أنكره وتأوله على غير ما أردت، فهاجرني، فكتبت إليه:  صوت

 

يا بن الإمام تركتني هملا                      أبكي الحياة وأندب الأملا

ما بال عينك حين تلحظني                      ما إن تقل جفونها ثقـلا

لو كان لي ذنب لبحت بـه                      كي لا يقال هجرتني مللا

إن كنت أعرف زلة سلفت                      فرأيت ميتة واحدى عجلا - فيه خفيف ثقيل ينسب إلى عبد الله بن العلاء وإلى عبد الله بن العباس الربيعي - قال: فكتب إلي: قد تلافى لسانك بشعرك، ما جناه في وقت سكرك. وقد رضيت عنك رضا صحيحا، فصر إلي على أتم نشاطك، وأكمل بساطك. فعدت إلى خدمته فما سكرت عنده بعدها. قال: وكانت في حسين عربدة.

أنشد ابن البواب شعره للمأمون

وشفع له فجفاه المأمون أولا ثم وصله:

وأخبرني ببعضه محمد بن مزيد بن أبي الأزهر ومحمد بن خلف بن المرزبان، وألفاظهما تزيد وتنقص. وأخبرني ببعضه محمد بن خلف وكيع عن آخره وقصة وصوله إلى المأمون ولم يذكر ما قبل ذلك. قال: وحدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه - ولم يقل وكيع: عن أبيه - واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر وحديثه أتم، قال: كنت بين يدي المأمون واقفا، فأدخل إليه ابن البواب، رقعة فيها أبيات وقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشادها، فظنها له فقال: هات، فأنشده:

أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد                      متى تنجز الوعد المؤكد بالعهـد

أعيذك من خلف الملوك وقد بدا                      تقطع أنفاسي عليك من الوجـد

أيبخل فرد الحسن عني بـنـائل                      قليل وقد أفردته بهـوى فـرد إلى أن بلغ إلى قوله:

رأى الله عبد الله خير عبـاده                      فملكه والله أعلم بالـعـبـد

ألا إنما المأمون للناس عصمة                      مميزة بين الضلالة والرشد فقال المأمون: أحسنت يا عبد الله فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن قائلها: قال: ومن هو? فقال: عبدك حسين بن الضحاك، فغضب ثم قال: لا حيا الله من ذكرت ولا بياه ولا قربه ولا أنعم به عينا أليس القائل:

أعيني جودا وابكيا لي محـمـدا                      ولا تذخرا دمعا عليه وأسعـدا

فلا تمت الأشياء بعد مـحـمـد                      ولا زال شمل الملك فيه مبـددا

لا فرح المأمون بالملك بـعـده                      ولا زال في الدنيا طريدا مشردا هذا بذاك، ولا شيء له عندنا. فقال له ابن البواب: فأين فضل إحسان أمير المؤمنين وسعة حلمه وعادته في العفو فأمره بإحضاره. فلما حضر سلم، فرد عليه السلام ردا جافيا، ثم أقبل عليه فقال: أخبرني عنك: هل عرفت يوم قتل أخي محمد هاشمية قتلت أو هتكت? قال لا. قال: فما معنى قولك:

وسرب ظباء من ذؤابة هاشم                      هتفن بدعة خير حي وميت

أرد يدا مني إذا ما ذكرتـه                      على كبد حري وقلب مفتت

فلا بات ليل الشامتين بغبطة                      ولا بلغت آمالهم ما تمنـت فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقك، وإن عفوت فبفضلك. فدمعت عينا المأمون وقال: قد عفوت عنك وأمرت بإدرار أرزاقك وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك.

شعره في ابن مسعدة ليشفع له

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: لم أعيت حسين بن الضحاك الحيلة في رضا المأمون عنه، رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه:

أنت طودي من بين هذي الهضاب                      وشهابي من دون كل شـهـاب

أنت يا عمرو قوتـي وحـياتـي                      ولساني وأنت ظفـري ونـابـي

أترانـي أنـسـى أياديك الـبـي                      ض إذا اسود نائل الأصـحـاب

أين عطف الكرام في مأقط الحـا                      جة يحـمـون حــوزة الآداب

أين أخلاقك الرضـية حـالـت                      في أم أين رقة الـكـتـــاب

 

صفحة : 764

 

 

أنا في ذمة السحاب وأظمـأ                      إن هذا لوصمة في السحاب

قم إلى سيد البـرية عـنـي                      قومة تستجر حسن خطاب

فلعل الآله يطفىء عـنـي                      بك نارا علي ذات التهـاب قال: فلم يزل عمرو يلطف للمأمون حتى أوصله إليه وأدر أرزاقه.

غضب المعتصم عليه فترضاه بشعر

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني الحسين بن الضحاك قال: غضب المعتصم علي في شيء جرى على النبيذ، فقال: والله لأؤبنه وحجبني أياما. فكتبت إليه:

غضبت الإمام أشـد مـن أدبـه                      وقد استجرت وعذت من غضبة

أصبحت معتصما بمعـتـصـم                      أثنى الآله عليه فـي كـتـبـه

لا والذي لم يبق لـي سـبـبـا                      أرجو النجاة به سوى سبـبـه

ما لي شفيع غـير حـرمـتـه                      ولكل من أشفى على عطـبـه قال: فلما قرىء عليه التفت إلى الواثق ثم قال: بمثل هذا الكلام، يتسعطف الكرام، ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه حتى أزالت ما في نفسي عليه. فقال له الواثق: هو حقيق بأن يوهب له ذنبه ويتجاوز عنه. فرضي عني وأمر بإحضاري.

هجا العباس ابن المأمون

قال الصولي فحدثني الحسين بن يحيى أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم، لأنه بلغه عنه أنه مدح العباس بن المأمون وتمنى له الخلافة، فطلبه فاستتر وكتب بها إلى المعتصم على يدي الواثق فأوصلها وشفع له فرضي عنه وأمنه فظهر إليه، وهجا العباس بن المأمون فقال:

خل اللعين وما اكتسـب                      لا زال منقطع السبـب

يا عرة الـثـقـلـين لا                      دينا رعيت ولا حسـب

حسد الإمـام مـكـانـه                      جهلا حذاك على العطب

وأبـوك قـدمـه لـهـا                      لما تخـير وانـتـخـب

ما تستطيع سوى الـتـن                      فس والتجرع للـكـرب

ما زلت عند أبـيك مـن                      تقص المـروءة والأدب  أمره صالح بن الرشيد أن يقول شعرا

يغني فيه ابن بانة:

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات وابن مهرويه قالا : كنا عند صالح بن الرشيد ليلة ومعنا حسين بن الضحاك وذلك في خلافة المأمون، وكان صالح يهوى خادما له، فغاضبه في تلك الليلة فتنحى عنه، وكان جالسا في صحن حوله نرجس في قمر طالع حسن، فقال للحسين: قل في مجلسنا هذا وما نحن فيه أبياتا يغني فيها عمرو بن بانة. فقال الحسين:

وصف البدر حسن وجهك حتى                      خلت أني ومـا أراك أراكـا

وإذا ما تنفس النرجـس الـغ                      ض توهمته نسـيم شـذاكـا

خدع للمنى تعلـلـنـي فـي                      ك بإشراق ذا ونفـحة ذاكـا

لأدومن يا حبيبي علـى الـع                      هد لهذا وذاك إذ حـكـياكـا قال عمرو: فقال لي صالح: تغن فيها ، فتغنيت فيها من ساعتي.

لحن عمرو في هذه الأبيات ثقيل بالبنصر من روايته.

شعره في محبوبه يسر

خادم أبي عيسى بن الرشيد:

وقد حدثني بهذا الخبر علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني عبيد الله بن زكريا الضرير قال حدثنا الجماز عن أبي نواس قال: كنت أتعشق ابنا للعلاء يقال له محمد، وكان حسين يتعشق خادما لأبي عيسى بن الرشيد يقال له يسر، فزارني يوما فسألته عنه فقال: قد كاد قلبي أن يسلو عنه وعن حبه. قال: وجاءني ابن العلاء صاحبي فدخل علي وفي يده نرجس، فجلسنا نشرب وطلع القمر، فقلت له: يا حسين أيما أحسن القمر أم محمد? فأطرق ساعة ثم قال: اسمع جواب الذي سألت عنه:

وصف البدر حسن وجهك حتى                      خلت أني ومـا أراك أراكـا

وإذا ما تنفس النرجـس الـغ                      ض توهمته نسـيم شـذاكـا

وأخال الذي لثمـت أنـيسـي                      وجليسي ما باشـرتـه يداكـا

خدع للمنى تعلـلـنـي فـي                      ك بإشراق ذا ونـفـحة ذكـا

لأقيمن ما حييت على الـشـك                      ر لهذا وذاك إذ حـكـياكـا قال: فقلت له: أحسنت والله ما شئت ولكنك يا كشخان هو ذا تقدر أن تقطع الطريق في عملي فقال: يا كشخان أو شعري الذي سمعته في حاضر أم بذكر غائب والله للنعل التي يطأ عليها يسر أحسن عندي من صاحبك ومن القمر ومن كل ما أنتم فيه.

مدح المتوكل شعره

 

 

صفحة : 765

 

أخبرني علي بن العباس قال حدثني أحمد بن سعيد بن عنبسة القرشي الأموي قال حدثني علي بن الجهم قال: دخلت يوما على المتوكل وهو جالس في صحن خلده وفي يده غصن آس وهو يتمثل بهذا الشعر:

بالشط لي سكن أفـديه مـن سـكـن                      أهدى من الآس لي غصنين في غصن

فقلت إذ نظما إلـفـين والـتـبـسـا                      سقيا ورعيا لفأل فـيكـمـا حـسـن

فالآس لا شك أس مـن تـشـوقـنـا                      شاف وآس لنا يبقى علـى الـزمـن

أبشرتماني بأسباب سـتـجـمـعـنـا                      إن شاء ربي ومهما يقـضـه يكـن قال: فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشق حسدا: لمن هذا الشعر يا علي? فقلت: للحسين بن الضحاك يا سيدي. فقال لي: هو عندي أشعر أهل زماننا وأملحهم مذهبا وأظرفهم نمطا . فقلت وقد زاد غيظي: في الغزل يا مولاي. قال: وفي غيره وإن رغم أنفك ومت حسدا. وكنت قد مدحته بقصيدة وأردت إنشادها يومئذ فلم أفعل، وعلمت أني لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشيء لا به ولا بالقصيدة، فأخرتها إلى وقت آخر.

قصته مع شفيع خادم المتوكل

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال: أحب المتوكل على الله أن ينادمه حسين بن الضحاك وأن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه وحياه بوردة، وكانت علي شفيع ثياب موردة، فمد الحسين يده إلى ذراع شفيع. فقال له المتوكل: يا حسين، أتجمش أخص خدمي عندي بحضرتي فكيف لو خلوت ما أحوجك إلى أدب وقد كان المتوكل غمز شفيعا على العبث به. فقال الحسين: يا سيدي، أريد دواة وقرطاسا، فأمر له بذلك، فكتب بخطه:

وكالوردة الحمراء حـيا بـأحـمـر                      من الورد يمشي في قراطق كالورد

له عبـثـات عـنـد كـل تـحـية                      بعينيه تستدعي الحليم إلى الـوجـد

تمنت أن أسقـى بـكـفـيه شـربة                      تذكرني ما قد نسيت من الـعـهـد

سقى الله دهرا لم أبـت فـيه لـيلة                      خليا ولكن من حبيب علـى وعـد ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له: ادفعها إلى مولاك. فلما قرأها استملحها وقال: أحسنت والله يا حسين لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك، ولكن بحياتي إلا كنت ساقيه باقي يومه هذا واخدمه كما تخدمني، وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف. قال أحمد بن يزيد فحدثني أبي قال: صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، ويلك أتدري ما صنعت? قال: نعم أدري، وما كنت لأدع عادتي بشيء، وقد قلت بعدك:  صوت

 

لا رأى عطـفة الأح                      بة مـن لا يصـرح

أصغر الساقـيين أش                      كل عندي وأمـلـح

لو تراه كالظبـي يس                      نح حـينـا ويبـرح

خلت غصنا على كثي                      ب بـنـور يرشـح غنى عمرو بن بانة في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالبنصر.

شعره في شفيع وقد حياه بتفاحة عنبر وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي وقال حدثني محمد بن أبي عون قال: حضرت المتوكل وعنده محمد بن عبد الله بن طاهر وقد أحضر حسين بن الضحاك للمنادمة، فأمر خادما كان واقفا على رأسه، فسقاه وحياه بتفاحة عنبر. وقال لحسين: قل في هذا شيئا، فقال:

وكالدرة البيضاء حـيا بـعـنـبـر                      وكالورد يسعى في قراطق كالورد

له عبثـات عـنـد كـل تـحـية                      بعينيه تستدعي الحليم إلى الـوجـد

تمنتي أن أسقى بـكـفـيه شـربة                      تذكرني ما قد نسيت من العـهـد

سقى الله عيشا لم أبـت فـيه لـيلة                      من الدهر إلا من حبيب على الوعد

 

صفحة : 766

 

فقال المتوكل: يحمل إلى حسين لكل بيت مائة دينار. فالتفت إليه محمد بن عبد الله بن طاهر كالمتعجب وقال: لم ذاك يا أمير المؤمنين فو الله لقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع، وأطرب فأمتع، ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو أحاط بالطارف والتالد. فخجل المتوكل وقال: يعطى حسين بكل بيت ألف دينار. وقد أخبرني بهذا الخبر ابن قاسم الكوكبي قال حدثنا بشر بن محمد قال وحدثني علي بن الجهم: أنه حضر المتوكل وقد أمر شفيعا أن يسقى حسين بن الضحاك، وذكر باقي الخبر نحو ما مضى من رواية غيره.

شعره في مقحم خادم ابن شغوف: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد، وحدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن مروان عن محمد بن عمرو الرومي قال: اجتمع حسين بن الضحاك وعمرو بن بانة يوما عند ابن شغوف الهاشمي فاحتبسهما عنده. وكان لابن شغوف خادم حسن يقال له مقحم، وكان عمرو بن بانة يتعشقه ويسر ذلك من ابن شغوف. فلما أكلوا ووضع النبيذ قال عمرو بن بانة للحسين: قل في مقحم أبياتا أغن فيها الساعة. فقال الحسين:

وابأبي مقحم لـعـزتـه                      قلت له إذ خلوت مكتتما

تحب بالله من يخصك بالو                      د فما قال لا ولا نعمـا  شعر إسحاق الموصلي في عمرو بن بانة

وغنى فيه عمرو. قال: فبيناهم كذلك إذ جاء الحاجب فقال: إسحاق الموصلي بالباب، فقال له عمرو: أعفنا من دخوله ولا تنغص علينا ببغضه وصلفه وثقله ففعل، وخرج الحاجب فاعتل على إسحاق حتى انصرف، وأقاموا يومهم وباتوا ليلتهم عند ابن شغوف. فلما أصبحوا مضى الحسين بن الضحاك إلى إسحاق فحدثه الحديث بنصه. فقال إسحاق:

يا بن شغوف أما علمت بمـا                      قد صار في الناس كلهم علما

دعوت عمرا فبات لـيلـتـه                      في كل ما يشتهي كما زعما

حتى إذا ما الظلام ألـبـسـه                      سرى دبيبا فضاجع الخدمـا

ثمت لم يرض أن يضاجعهـم                      سرا ولكن أبدى الذي كتمـا

ثم تغنى لفـرط صـبـوتـه                      صوتا شفى من غليله السقما:

وابأبي مقـحـم لـعـزتـه                      قلت له إذ خلوت مكتتـمـا

تحب بالله من يخصك بـالـو                      د فما قـال لا ولا نـعـمـا قال: وشاعت الأبيات في الناس وغنى فيها إسحاق أيضا فيما أظن، فبلغت ابن شغوف فحلف ألا يدخل عمرا داره أبدا ولا يكلمه، وقال: فضحني وشهرني وعرضني للسان إسحاق، فمات مهاجرا له. وقال ابن أبي سعد في خبره: إن إسحاق غنى فيها للمعتصم، فسأله عن خبرها فحدثه بالحديث، فضحك وطرب وصفق، ولم يزل يستعيد الصوت والحديث وابن شغوف يكاد أن يموت إلى أن سكر ونام.

لحن عمرو بن بانة في البيتين اللذين قالهما حسين في مقحم من الثقيل الثاني بالوسطى.

قال له أبو نواس أنت أشعر الناس

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال سمعت مهدي بن سابق يقول: التقى أبو نواس وحسين بن الضحاك، فقال أبو نواس: أنت أشعر أهل زمانك في الغزل، قال: وفي أي ذلك? قال: ألا تعلم يا حسين? قال لا، قال: في قولك:

وابأبي مقحـم لـعـزتـه                      قلت له إذ خلوت مكتتمـا

نحب بالله من يخصك بالـو                      د فما قال لا ولا نـعـمـا

ثم تولى بمقلتـي خـجـل                      أراد رجع الجواب فاحتشما

فكنت كالمبتغي بحـيلـتـه                      برءا من السقم فابتدا سقما فقال الحسين: ويحك يا أبا نواس  فأنت لا تفارق مذهبك في الخمر البتة، قال: لا والله، وبذلك فضلتك وفضلت الناس جميعا.

مدح أبو العباس ثعلب شعره

أخبرني علي بن العباس قال أنشدنا أبو العباس ثعلب قال أنشدني حماد بن المبارك صاحب حسين بن الضحاك قال أنشدني حسين لنفسه:

لا وحبـيك لا أصـا                      فح بالدمع مدمعـا

من بكى شجوه استرا                      ح وإن كان موجعا

كبدي من هواك أس                      قم من أن تقطـعـا

لم تدع سورة الضنى                      في للسقم موضعـا قال: ثم قال لن ثعلب: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا.

 

 

صفحة : 767

 

قال ابن الرومي عنه إنه أغزل الناس

أخبرني علي قال حدثني محمد بن الفضل الأهوازي قال سمعت علي بن العباس الرومي يقول: حسين بن الضحاك أغزل الناس وأظرفهم. فقلت: حين يقول ماذا? فقال: حين يقول:

يا مستعير سوالف الحشـف                      اسمع لحلفة صادق الحلف

إن لم أصح ليلي: ويا حربي                      ومن وجنتيك وفترة الطرف

فجحدت ربي فضل نعمتـه                      وعبدته أبدا علـى حـرف شعره في فتن محبوبته: أخبرني علي بن العباس الرومي قال حدثني قتيبة عن عمرو السكوني بالكوفة قال حدثني أبي قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كانت تألفني مغنية، وتجيئني دائما، وكنت أميل إليها وأستملحها، وكان يقال لها فتن. فكان يجيء معها خادم لمولاتها يحفظها يسمى نجحا، وكان بغيضا شرس الخلق، فإذا جاء معها توقيته، فمرض، فجاءتني ومعها غيره، فبلغت منها مرادي وتفرجت يومي وليلتي، فقلت:

لا تلمني علـي فـتـن                      إنها كاسمهـا فـتـن

فإذا لـم أهـم بـهــا                      فبمـن لا بـمـن إذن

أين لا أين مـثـلـهـا                      في جميع الورى سكن

طيب نشـر إذا لـثـم                      ت وغنج ومحتـضـن

وال عشرا من الصبـو                      ح على وجهها الحسن

وعلى لفـظـهـا الـم                      نون للام بـالـغـنـن

لست انسى من الغـري                      رة إذ بحت بالشـجـن

قولها إذ سـلـبـتـهـا                      عن كثيب وعن عكـن

ليس يرضيك يا فـتـى                      من هوى دون أن تهن

فامتزجنا معـا مـمـا                      زجة الروح للـبـدن

وكفينـا مـن أن نـرا                      قب نجحا إذا فـطـن

وأمـــنـــاه أن ي                      نم وما كان مؤتـمـن

كل ما كان من حـبـي                      بك مستظرف حسـن ناظر مخارقا في أبي نواس وأبي العتاهية فحكم له: حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي: أن مخارقا وحسين بن الضحاك تلاحيا في أبي العتاهية، وأبي نواس أيهما أشعر، فاتفقا على اختيار شعر من شعريهما يتخايران فيه، فاختار الحسين بن الضحاك شيئا من شعر أبي نواس جيدا قويا لمعرفته بذلك، واختار مخارق شيئا من شعر أبي العتاهية ضعيفا سخيفا غزلا كان يغنى فيه لا لشيء عرفه منه إلا لأنه استملحه وغنى فيه، فخاير به لقلة علمه ولما كان بينه وبين أبي العتاهية من المودة، وتخاطرا على مال، وتحاكما إلى من يرتضيه الواثق بالله ويختاره لهما، فاختار الواثق لذلك أبا محلم، وبعث فأحضره وتحاكما إليه بالشعرين فحكم لحسين بن الضحاك. فتلكأ مخارق وقال: لم أحسن الاختيار للشعر ولحسين أعلم مني بذلك، ولأبي العتاهية خير مما اخترت، وقد اختار حسين أجود ما قدر عليه لأبي نواس لأنه أعلم مني بالشعر، ولكنا نتخاير بالشاعرين ففيهما وقع الجدال، فتحاكما فحكم لأبي نواس، وقال: هو أشعر وأذهب في فنون الشعر وأكثر إحسانا في جميع تصرفه. فأمر الواثق بدفع الخطر إلى حسين، وانكسر مخارق فما انتفع به بقية يومه.

مدح الحسن بن سهل وطلب أن يصلح المأمون له: أخبرني ابن أبي طلحة قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال: لما اطرح المأمون حسين بن الضحاك لهواه كان في أخيه محمد وجفاه، لاذ الحسين بن الضحاك بالحسن بن سهل وطمع أن يصلحه له، فقال يمدحه:

أرى الآمال غير معـرجـات                      على أحد سوى الحسن بن سهل

يباري يومه غـده سـمـاحـا                      كلا اليومين بان بكل فـضـل

أرى حسنا تقـدم مـسـتـبـدا                      ببعد مـن رياسـتـه وقـبـل

فإن حضرتك مشكـلة بـشـك                      شفاك بحكمة وخطاب فصـل

سليل مرازب برعوا حلـومـا                      وراع صغيرهم بسداد كـهـل

ملوك إن جريت بـهـم أبـروا                      وعزوا أن توازنهـم بـعـدل

ليهنك أن مـا أرجـأت رشـد                      وما أمضيت من قول وفعـل

وأنك مؤثر لـلـحـق فـينـا                      أراك الله من قطـع ووصـل

وأنك للـجـمـيع حـيا ربـيع                      يصوب على قرارة كل محـل

 

صفحة : 768

 

قال: فاستحسنها الحسن بن سهل، ودعا بالحسين فقربه وآنسه ووصله وخلع عليه ووعده إصلاح المأمون له، فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه ولما عاجل الحسن من العلة.

سأله الحسن بن سهل عن شعر له فأجابه: قال علي بن العباس بن أبي طلحة وحدثني أبو العباس أحمد بن الفضل المروزي قال: سمعت الحسن بن سهل يقول لحسين بن الضحاك: ما عنيت بقولك:

يا خلي الذرع من شجني                      إنما أشكو لترحمـنـي قال: قد بينته، قال: بأي شيء? قال: قلت:

منعك الميسور يؤيسني                      وقليل اليأس يقتلنـي فقال له أبو محمد: إنك لتضيع بالخلاعة، ما أعطيته من البراعة.

عشق غلام الحسن بن سهل وتغزل فيه فوهبه له: أخبرني علي بن أبو العباس قال حدثني أحمد بن القاسم المري قال حدثني أبو هفان قال: سألت حسين بن الضحاك عن خبره المشهور مع الحسن بن سهل في اليوم الذي شرب معه فيه وبات عنده وكيف كان ابتداؤه، فقلت له: إني أشتهي أن أسمعه منك. فقال لي: دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف وقد جاء وسمي من المطر فرش رشا حسنا، واليوم في أحسن منظر وأطيبه، وهو جالس على سرير آبنوس وعليه قبة فوقها طارمة ديباج أصفر وهو يشرف على بستان في داره، وبين يديه وصائف يترددن في خدمته وعلى رأسه غلام كالدينار، فسلمت عليه فرد علي السلام، ونظر إلي كالمستنطق، فأنشأت أقول:

ألست ترى ديمة تهطل                      وهذا صباحك مستقبل فقال: بلى. فقلت:

وتلك المدام وقد شاقنا                      برؤيته الشادن الأكحل فقال: صدقت فمه، فقلت:

فعاد به وبنا سـكـرة                      تهون مكروه ما نسأل فسكت. فقلت:

فإني رأيت له نظرة                      تخبرني أنه يفعـل ثم قال: مه، فقلت:

وقد أشكل العيش في يومنا                      فيا حبذا عيشنا المشكـل فقال: العيش مشكل، فما ترى? فقلت: مبادرة القصف وتقريب الإلف. قال: على أن تقيم معنا وتبيت عندنا. فقلت: له: لك الوفاء وعليك مثله لي من الشرط. قال: وما هو? قلت: يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني. فضحك ثم قال: ذلك لك على ما فيه. ودعا بالطعام فأكلنا وبالشراب فشربنا أقداحا. ولم أر الغلام، فسألت عنه فقال لي: الساعة يجيء، فلم نلبث أن وافاني، أين كان? فقال: كنت في الحمام وهو الذي حبسني عنك. فقلت لوقتي:

وابأبي أبيض في صفرة                      كأنه تبر على فضـه

جرده الحمام على درة                      تلوح فيها عكن بضـه

غصن تبدى يتثنى على                      مأكمة مثقلة النهضـه

كأنما الرش على خـده                      طل على تفاحة غضه

صفاته فاتنة كـلـهـا                      فبعضه يذكرني بعضه

يا ليتني زودني قـبـلة                      أو لا فمن وجنته عضه فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت: لا وحياتك فقال: هذا شر من ذلك. فقلت:

اسقيانـي وصـرفـا                      بنت حولين قرقـفـا

واسقيا المرهف الغري                      ر سقى الله مرهفـا

لا تـقـولا نـراه أك                      لف نضوا مخفـفـا

نعم ريحـانة الـنـدي                      م وإن كان مخطـفـا

إن يكن أكـلـفـا ف                      إني أرى البدر أكلفـا

بأبي ما جن الـسـري                      رة يبدي تـعـفـفـا

حف أصداغه وعـق                      ر بها ثم صـفـفـا

وحشا مدرج القـصـا                      ص بمسك ورصفـا

فإذا رمـت مـنـه ذا                      ك تأبـى وعـنـفـا

ليس إلا بـــأن يرن                      حه السكر مسعـفـا

باكـرا لا تـسـوفـا                      ني عدمت المسوفـا

أعجلاه وبالـفـضـا                      ضة في السقي فاعنفا

واحملا شغـبـه وإن                      هو زنـى وأفـفــا

فإذا هـم لـلـمـنـا                      م فقومـا وخـفـفـا

 

صفحة : 769

 

فتغاضب الغلام وقام فذهب، ثم عاد فقال لي: أقبل على شرابك ودع الهذيان. وناولني قدحا. وقام أبو محمد ليبول، فشربت وأعطاني نقلا فقلت: اجعل بدله قبلة، فضحك وقال: أفعل، هذا وقته فبدا له وقال: لا أفعل، فعاودته فانتهرني. فقال له خادم للحسن يقال له فرج: بحياتي يا بني أسعفه بما طلب، فضحك ثم دنا مني كأنه يناولني نقلا وتغافل فاختلست منه قبلة، فقال لي: هي حرام عليك فقلت:

وبديع الدل قصري الغنـج                      مره العين كحيل بالدعـج

سمته شيئا وأصغـيت لـه                      بعد ما صرف كأسا ومزج

واستخفته على نـشـوتـه                      نبرات من خفيف وهـزج

فتأبى وتـثـنـى خـجـلا                      وذرا الدمع فنونا ونـشـج

لج في لولا وفي سوف ترى                      وكذا كفكف عني وخـلـج

ذهب الليل وما نـولـنـي                      دون أن أسفر صبح وانبلج

هون الأمر عـلـيه فـرج                      بتأتيه فـسـقـيا لـفـرج

وبنفسي نفس من قال وقـد                      كان ما كان حرام وحـرج قال: ثم أسفر الصبح. فانصرفت وعدت من غد إلى الحسن، فقال لي: كيف كنت في ليلتك وكيف كنت عند نومك? فقلت له: أأصف ذلك نثرا أم نظما? فقال: بل نظما فهو أحسن عندي، فقلت:

تألفت طيف غزال الـحـرم                      فواصلني بعد ما قد صـرم

وما زلت أقنع مـن نـيلـه                      بما تجتنيه بنـان الـحـلـم

بنفسي خيال عـلـى رقـبة                      ألم به الشوق فـيمـا زعـم

أتـانـي يجـاذب أردافــه                      من البهر تحت كسوف الظلم

تمج سـوالـفـه مـسـكة                      وعنبرة ريقـه والـنـسـم

تضمخ من بعد تـجـمـيره                      فطاب من القرن حتى القدم

يقول ونـازعـتـه تـوبـه                      على أن يقول لشيء نـعـم

فغض الجفون على خـجـلة                      وأعرض إعراضة المحتشم

فشبكت كفي علـى كـفـه                      وأصغيت ألثـم درا بـفـم

فنهنهنـي دفـع لا مـؤيس                      بجد ولا مطمع مـعـتـزم

إذا ما هممـت فـأدنـيتـه                      تثنى وقال لـي الـويل لـم

فما زلت أبسطـه مـازحـا                      وأفرط في اللهو حتى ابتسم

وحكمني الريم في نـفـسـه                      بشيء ولكنـه مـكـتـتـم

فواها لذلـك مـن طـارق                      على أن ما كان أبقى سقـم قال: فقال لي الحسن: يا حسين يا فاسق أظن ما ادعيته على الطيف في النوم كان في اليقظة مع الشخص نفسه، وأصلح الأشياء لنا بعد ما جرى أن نرحض العار عن أنفسنا بهبة الغلام لك، فخذه لا بورك لك فيه فأخذته وانصرفت.

شعره في غلام للحسن بن سهل: حدثني علي بن العباس قال حدثني أبو العيناء قال: أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه في الغلام للحسن بن سهل كان اجتمع معه في دار الحسن، ثم لقيه بعد ذلك فسلم عليه فلم يكلمه الغلام، فقال:

فديتك ما لوجهك صدعـنـي                      وأبديت التنـدم بـالـسـلام

أحين خليتني وقرنت قلـبـي                      بطرفك والصبابة في نظـام

تنكر ما عهدت لـغـب يوم                      فيا قرب الرضاع من الفطام

لأسرع ما نهيت إلى همومي                      سروري بالزيادة واللـمـام أخذ جبة من موسى بن عمران كجبة أبي نواس: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حسين بن الضحاك الخليع قال: كنت في المسجد الجامع بالبصرة، فدخل علينا أبو نواس وعليه جبة خز جديدة. فقلت له: من أين هذه يا أبا نواس? فلم يخبرني، فتوهمت أنه أخذها من موسى بن عمران لأنه دخل من باب بني تميم، فقمت فوجدت موسى قد لبس جبة خز أخرى، فقلت له:

كيف أصبحت يا أبا عمران فقال: بخير صبحك الله به. فقلت:

يا كريم الإخاء والإخوان فقال: أسمعك الله خيرا. فقلت:

إن لي حاجة فرأيك فيها                      إننا في قضائها سـيان فقال: هاتها على اسم الله وبركته. فقلت:

جبة من جبابك الخز حتـى                      لا يراني الشتاء حيث يراني قال: خذها على بركة الله، ومد كمه فنزعتها وجئت وأبو نواس جالس، فقال: من أين لك هذه? فقلت: من حيث جاءتك تلك.

 

 

صفحة : 770

 

وفد هو ومحمد بن عمرو على المعتصم وأنشده شعرا فأجازهما: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال أخبرني عبد الله بن الحارث عن إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم، فخرج علينا كالحا. قال: فتوهمنا أنه أراد النكاح فعجز عنه. قال: وجاء إيتاخ فقال: مخارق وعلويه وفلان وفلان من أشباههما بالباب، فقال: اعزب عني، عليك وعليهم لعنة الله قال: فتبسمت إلى محمد بن عمرو، وفهم المعتصم تبسمي فقال لي: مم تبسمت? فقلت: من شيء حضرني، فقال: هاته، فأنشدته: صوت

انف عن قلبك الحزن                      باقتراب من السكـن

وتمتع بـكـر طـر                      فك في وجهه الحسن

إن فيه شفـاء صـد                      رك من لاعج الحزن قال: فدعا بألفي دينار: ألف لي وألف لمحمد، فقلت: الشعر لي، فما معنى الألف لمحمد بن عمرو? قال: لأنه جاءنا معك. ثم أذن لمخارق وعلويه فدخلا، فأمرهما بأن يغنيا فيه ففعلا، فما زال يعيد هذا الشعر، ولقد قام ليبول فسمعته يردده.

الغناء في هذا الشعر اشترك فيه مخارق وعلويه وهو من الثقيل الأول بالبنصر.

أحب غلام أبي كامل المهندس وقال في شعرا: أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال: كان الحسين بن الضحاك عند أبي كامل المهندس وأنا معهم حاضر، فرأى خادما فاستحسنه وأعجبه. فقال له بعض أصحابه: أتحبه? قال: نعم والله، قال: فأعلمه، قال: هو أعلم بحبي له مني به. ثم قال:

عالـم بـحـبـيه                      مطرق من التـيه

يوسف الجمال وفر                      عونه في تعـديه

لا وحق ما أنا من                      عطفـه أرجـيه

ما الحياة نـافـعة                      لي علي تـأبـيه

النعيم يشـغـلـه                      والجمال يطغـيه

فهو غير مكتـرث                      للـذي ألاقــيه

تائه تـزهـــده                      في رغبتي فـيه قال محمد بن محمد: وغنى في هذا الشعر عمرو بن بانة وعريب وسليم وجماعة من المغنين.

أحب صديق له جارية وعارضه فيها غلام أمرد فمالت إليه فقال شعرا في ذلك: حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال: كان للحسين بن الضحاك صديق وكان يتعشق جارية مغنية، فزاحمه فيها غلام كان في مرودته حسن الوجه، فلما خرجت لحيته جعل ينتف ما يخرج منها، ومالت القينة إليه لشبابه، فشكا ذلك إلى الحسين بن الضحاك وسأله أن يقول فيها شعرا فقال:

خل الذي عنك لا تسطيع تدفـعـه                      يا من يصارع من لا شك يصرعه

جاءت طرائق شعر أنت ناتفـهـا                      فكيف تصنع لو قد جاء أجمعـه

الله أكبر لا أنفـك مـن عـجـب                      أأنت تحصد ما ذو العرش يزرعه

تبا لسعـيك بـل تـبـا لأمـك إذ                      ترعى حمى خالق الأحماء يمنعه وقال فيه أيضا:

ثكلتك أمك يا بن يوسـف                      حتام ويحك أنت تنتـف

لو قد أتى الصيف الـذي                      فيه رؤوس الناس تكشف

فكشف عن خـديك لـي                      لكشفت عن مثل المفوف

أو مثل زرع نـالـه ال                      يرقان أو نكباء حرجف

فغدا علـيه الـزارعـو                      ن ليحصدوه وقد تقصف

فظللت تأسف كـالألـى                      أسفوا ولم يغن التأسـف أحب غلاما فاشتراه صالح بن الرشيد: حدثني علي بن العباس قال حدثني عمير بن أحمد بن نصر الكوفي قال حدثني زيد بن محمد شيخنا قال: قلت لحسين بن الضحاك وقد قدم إلينا الكوفة: يا أبا علي شهرت نفسك وفضحتها في خادم، فألا اشتريته فقال: فديتك إن الحب لجاج كله، وكنت أحببت هذا الخادم ووافقني على أن يستبيع لأشتريه، فعارضني فيه صالح بن الرشيد فاختلسه مني ولم أقدر على الانتصاف منه، وآثره الخادم واختاره، وكلانا يحبه إلا أن صالحا يناك ولا أناك والخادم في الوسط بلا شغل. فضحكت من قوله، ثم سألته شيئا من شعره، فأنشدني:

إن من لا أرى ولـيس يرانـي                      نصب عيني ممثل بالأمـانـي

بأبي من ضميره وضـمـيري                      أبدا بالمـغـيب ينـتـجـيان

نحن شخصان إن نظرت وروحا                      ن إذا ما اختبرت يمتـزجـان

 

صفحة : 771

 

 

فإذا ما هممت بالأمر أو ه                      م بشيء بدأته وبـدانـي

كان وفقا ما كان منه ومني                      فكأني حكيته وحكـانـي

خطرات الجفون منا سواء                      وسواء تحـرك الأبـدان فسألته أن يحدثني بأسر يوم مر له معه، فقال: نعم اجتمعنا يوما فغنى مغن لنا بشعر قلته فيه فاستحسنه كل من حضر، ثم تغنى بغيره، فقال لي: عارضه، فقلت: بقبلة فقال: هي لك، فقلبته قبلة وقلت:

فديت من قال لي على خـفـره                      وغض من جفنه علـى حـوره

سمع بي شعرك الملـيح فـمـا                      ينفك شاد بـه عـلـى وتـره

حسبك بعض الـذي أذعـت ولا                      حسب لصب لم يقض من وطره

وقلت يا مستعير سالفة الـخـش                      ف وحسن الفتور من نـظـره

لا تنكرن الحنـين مـن طـرب                      عاود فيك الصبا على كـبـره لاطفه غلام أبي عيسى فقال فيه شعرا: حدثني الصولي وعلي بن العباس قالا حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: كان حسين بن الضحاك يتعشق خادما لأبي عيسى أو لصالح بن الرشيد أخيه، فاجتمعا يوما عند أخي مولى الخادم، فجعل حسين يشكو إليه ما به فلا يسمع به ويكذبه، ثم سكن نفاره وضحك إليه وتحدثا ساعة. فأنشدنا حسين قوله فيه:

سائل بطيفك عن ليلى وعن سهـري                      وعن تتابع أنفاسي وعن فـكـري

لم يخل قلبي من ذكراك إذ نظـرت                      عيني إليك على صحوى ولا سكرى

سقيا ليوم سروري إذ تنـازعـنـي                      صفو المدامة بين الأنس والخـفـر

وفضل كأسك يأتينـي فـأشـربـه                      جهرا وتشرب كأسي غير مستتـر

وكيف أشمله لـثـمـي وألـزمـه                      نحري وترفعه كفي إلى بصـري

فليت مدة يومي إذ مضى سـلـفـا                      كانت ومدة أيامـي عـلـى قـدر

حتى إذا ما انطوت عنا بشـاشـتـه                      صرنا جميعا كذا جارين في الحفر شعره في حادثة لصالح بن الرشيد مع غلام أخيه: حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كان صالح بن الرشيد يتعشق غلاما يسمى يسرا خادم أخيه أبي عيسى، فكان يراوده عن نفسه فيعده ولا يفي له. فأرسله أبو عيسى ذات يوم إلى صالح أخيه في السحر يقول له: يا أخي إني قد اشتهيت أن أصطبح اليوم، فبحياتي لما ساعدتني وصرت إلي لنصطبح اليوم جميعا. فسار يسر إلى صالح أخيه في السحر وهو منتش قد شرب في السحر، فأبلغه الرسالة، فقال: نعم وكرامة، اجلس أولا فجلس، فقال: يا غلام أحضرني عشرة آلاف درهم فأحضرها، فقال له: يا يسر دعني من مواعيدك ومطلك، هذه عشرة آلاف درهم فخذها واقض حاجتي، وإلا فليس ها هنا إلا الغضب، فقال له: يا سيدي، إني أقضي الحاجة ولا آخذ المال. ثم فعل ما أراد وطاوعه، فقضى حاجته، وأمر صالح بحمل العشرة الآلاف الدرهم معه. قال الحسين: ثم خرج إلي صالح من خلوته فقال: يا حسين، قد رأيت ما كنا فيه، فإن حضرك شيء فقل: فقلت: صوت

أيا من طرفه سحـر                      ومن ريقته خـمـر

تجاسرت فكاشفـت                      ك لما غلب الصبر

وما أحسن في مثـل                      ك أن ينهتك الستـر

وإن لامني الـنـاس                      ففي وجهك لي عذر

فدعني من مواعـيد                      ك إذ حينك الدهـر

فلا واللـه لا تـبـر                      ح أو ينقضي الأمر

فإما الغصب والـذم                      وإما البذل والشكـر

ولو شئت تـيسـرت                      كما سميت يا يسـر

وكن كاسمك لا تمن                      عك النخوة والكبـر

فلا فزت بحظي من                      ك إن داع له ذكـر قال الحسين: فضحك ثم قال: قد لعمري تيسر يسر كما ذكرت. فقلت: نعم ومن لا يتيسر بعد أخذه الدية لو أردتني أيضا بهذا لتيسرت. فضحك ثم قال: نعطيك يا حسين الدية لحضورك ومساعدتك، ولا نريدك لما أردنا له يسرا، فبئست المطية أنت، وأمر لي بها. ثم أمر عريب بعد ذلك فغنت في بعض هذا الشعر.

شعره في غلام عبد الله بن العباس: حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال:

 

صفحة : 772

 

كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبح وخادم له يسقيه، فقال لي: يا أبا علي، قد استحسنت سقي هذا الغلام، فإن حضرك شيء في قصتنا هذه فقل، فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاهي                      وطاب يومي لقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكـامـنـه                      من قبل يوم منغص ناهـي

بابنة كرم من كف منتـطـق                      مؤتزر بالـمـجـون تـياه

يسقيك من طرفه ومـن يده                      سقي لطيف مجرب داهـي

كأسا فكأسا كأن شـاربـهـا                      حيران بين الذكور والساهي قال: فاستحسنه عبد الله، وغنى فيه لحنا مليحا، وشربنا عليه بقية يومنا.

سكر فجمش يسرا فهدده بخنجره فقال شعرا: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبي قال: خرج حسين بن الضحاك إلى القفص متنزها ومعه جماعة من إخوانه ظرفاء. وبلغ يسرا الخادم خروجه، فشد في وسطه خنجرا وخرج إليه فجاءه وهو على غفلة، فسر به حسين وتلقاه وأقام معه إلى آخر النهار يشربان. فلما سكرا جمشه حسين، فأخرج خنجره عليه وعربد، فأمسك حسين وعاد إلى شرابه، وقال في ذلك:

جمشت يسرا على تسـكـره                      وقد دهاني بحسن منظـره

فهم بالفتك بـي فـنـاشـده                      في كريم من خير معشـره

يا من رأى مثل شادن خنـث                      يصول في خـدره بـزوره

يسحب ذيل القميص صعتره                      وواردات من هدب مـئزره

ولا يعاطي نديمـه قـدحـا                      إلا بإبهامـه وخـنـصـره

أخاف من كـبـره بـوادره                      أدالني الله مـن تـكـبـره

قد قلت للشرب إذ بدا فضلا                      في ريطتيه وفي ممصـره

ويلي على شادن توعـدنـي                      بسل سكينـه وخـنـجـره

أما كفاه ما حز في كـبـدي                      بسحر أجفانه ومـحـجـره

إذا نسيم الرياح قـابـلـنـا                      بالطيب من مسكه وعنبـره

هز قواما كـأنـه غـصـن                      وارتج ما انحط من مخصره شعر له في يسر: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال: حضرت حسين بن الضحاك يوما وقد جاءه يسر فجلس عنده وأخذنا نتحدث مليا ثم غازله حسين، فقال له يسر: إياك والتعرض لي، واربح نفسك، فقال حسين: صوت

أيها النفاث في الـعـقـد                      أنا مطوي على الكـمـد

إنما زخرفت لي خـدعـا                      قدحت في الروح والجسد

هات يا خـداع واحــدة                      من كثير قلـتـه وقـدى

ليت شعري بعد حلفك لي                      بوفاء العهد بـعـد غـد

ما الذي بالـلـه صـيره                      بعد قرب في مدى الأبـد

ما لأنس كان مـبـتـذلا                      منك لي بالأمس لم يعـد

إيه قل لي غير محتـشـم                      هل دهاني فيك من أحـد

حبـذا والـكــأس دائرة                      لهونا والصيد بالـطـرد

وحديث في القلـوب لـه                      أخذ يصدعن في الكـبـد

يوم تعطيني وتـأخـذهـا                      دون ندمـانـي يدا بـيد

فإذا ألـويت هـيجـنـي                      تلع من ظبـية الـبـلـد

وإذا أصعـيت ذكـرنـي                      نشر كافور علـى بـرد

ذاك يوم كان حـاسـدنـا                      فيه معذورا على الحسـد قال شعرا للمعتصم بدير مران سكر عليه وغنى به المغنون: حدثني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عمرو بن بانة قال: خرجنا مع المعتصم إلى الشأم لما غزا، فنزلنا في طريقنا بدير مران - وهو دير على تلعة مشرفة عالية تحتها مروج ومياه حسنة - فنزل فيه المعتصم فأكل ونشط للشرب ودعا بنا، فلما شربنا أقداحا قال لحسين بن الضحاك: أين هذا المكان من ظهر بغداد فقال: لا أين يا أمير المؤمنين والله لبعض الغياض والآجام هناك أحسن من هنا، قال: صدقت والله، وعلى ذلك فقل أبياتا يغن فيها عمرو، فقال: أما أن أقول شيئا في وصف هذه الناحية بخير فلا أحسب لساني ينطق به، ولكني أقول متشوقا إلى بغداد: فضحك وقال قل ما شئت: صوت

يا دير مديان لا عريت من سكن                      هيجت لي سقما يا دير مديانـا

 

صفحة : 773

 

 

هل عند قسك من علم فيخـبـرنـا                      أم كيف يسعف وجه الصبر من بانا

حث المدام فإن الكـأس مـتـرعة                      مما يهيج دواعي الشوق أحـيانـا

سقيا ورعيا لكرخايا وسـاكـنـهـا                      وللجنينة بالروحـاء مـن كـانـا فاستحسنها المعتصم، وأمرني ومخارقا فغنينا فيها وشرب على ذلك حتى سكر، وأمر للجماعة بجوائز. لحن عمرو بن بانة في هذه الأبيات رمل، ولحن مخارق هزج، ويقال: إنه لغيره.

عبث بخادم أبي عيسى فضربته فجفاه فقال شعرا: أخبرني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد قال: كان حسين بن الضحاك يميل إلى خادم لأبي عيسى بن الرشيد، فعبث به يوما على سكر، فأخذ قنينة فضرب بها رأسه فشجه شجة منكرة، وشاع خبره وتوجع له إخوانه وعولج منها مدة، فجفا الخادم واطرحه وأبغضه ولم يعرض له بعدها. فرآه بعد ذلك في مجلس مولاه فعبث به الخادم وغازله. فلما أكثر ذلك قال له الحسين: صوت

تعز بيأس عـن هـواي فـإنـنـي                      إذا انصرفت نفسي فهيهات عن ردي

إذا خنتم بالغـيب ودي فـمـا لـكـم                      تدلون إدلال المقم علـى الـعـهـد

ولي منك بد فاجتنبـنـي مـذمـمـا                      وإن خلت أني ليس لي منك من بـد الغناء في هذه الأبيات لعمرو بن بانة، وله فيه لحنان رمل وخفيف رمل.

هنأ الواثق بالخلافة فأجازه: حدثني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني عبد الله بن المؤمل العسكري قال: لما ولي الواثق الخلافة جلس للناس ودخل إليه المهنئون والشعراء فمدحوه وهنئوه، ثم استأذن حسين بن الضحاك بعدهم في الإنشاد، وكان من الجلساء فترفع عن الإنشاد مع الشعراء، فأذن له، فأنشده قوله:

أكاتم وجدي فما ينكـتـم                      بمن لو شكوت إليه رحم

وإني على حسن ظني به                      لأحذر إن بحت أن يحتشم

ولي عند لحظتـه روعة                      تحقق ما ظنه المتـهـم

وقد علم الناس أنـي لـه                      محب وأحسبه قد عـلـم وفي هذا رمل لعبد الله بن العباس بن الربيع:

وإني لمغض عـلـى لـوعة                      من الشوق في كبدي تضطرم

عشية ودعـت عـن مـقـلة                      سفوح وزفرة قـلـب سـدم

فما كان عند النوى مسـعـد                      سوى العين تمزج دمعا بـدم

سيذكر مـن بـان أوطـانـه                      ويبكي المقيمين من لـم يقـم

إلى خازن الله في خـلـقـه                      سراج النهار وبدر الظـلـم

رحلنـا غـرابـيب زفـافة                      بدجلة في موجها الملتـطـم

إذا ما قصدنا لقـاطـولـهـا                      ودهم قراقيرها تـصـطـدم

سكنا إلى خـير مـسـكـونة                      تيممهـا راغـب مـن أمـم

مبـاركة شـاد بـنـيانـهـا                      بخير المواطن خـير الأمـم

كأن بهـا نـشـر كـافـورة                      لبرد نداها وطيب الـنـسـم

كظهر الأديم إذا ما السـحـا                      ب صاب على متنها وانسجم

مبرأة من وحول الـشـتـاء                      إذا ما طمى وحله وارتـكـم

فمـا إن يزال بـهـا راجـل                      يمر الهوينى ولا يلـتـطـم

ويمشي على رسلـه آمـنـا                      سليم الشراك نقـي الـقـدم

وللنون والضب في بطنـهـا                      مراتع مسكـونة والـنـعـم

غدوت على الوحش مغتـرة                      رواتع في نورها المنتـظـم

ورحت عليها وأسـرابـهـا                      تحوم بأكنافهـا تـبـتـسـم ثم قال يمدح الواثق:

يضيق الفضاء به إن غـدا                      بطودي أعاريبه والعجـم

ترى النصر يقـدم راياتـه                      إذا ما خفقن أمام العـلـم

وفي الـلـه دوخ أعـداءه                      وجرد فيهم سيوف النقـم

وفي الله يكظم من غيظـه                      وفي الله يصفح عمن جرم

رأى شيم الجود محمـودة                      وما شيم الجود إلا قـسـم

فراح على نعم واغـتـدى                      كأن ليس يحسن إلا نعـم قال: فأمر له الواثق بثلاثين ألف لألف أدرهم، واتصلت أيامه بعد ذلك، ولم يزل من ندمائه.

أمره الواثق بأن يقول شعرا فأرتج عليه حينا ثم قال: حدثني أحمد بن العباس قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال:

 

صفحة : 774

 

قال الواثق لحسين بن الضحاك: قل الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا، فقال: في أي معنى يا أمير المؤمنين? فقال: امدد طرفك وقل فيما شئت مما ترى بين يديك وصفه. فالتفت فإذا ببساط زهره قد تفتحت أنواره وأشرق في نور الصبح، فأرتج علي ساعة حتى خجلت وضقت ذرعا. فقال لي الواثق: مالك ويحك ألست ترى نور الصباح، ونور أقاح فانفتح القول فقلت:

ألست ترى الصبح قد أسفـرا                      ومبتكر الغيث قد أمـطـرا

وأسفرت الأرض عن حـلة                      تضاحك بالأحمر الأصفـرا

ووافاك نـيسـان فـي ورده                      وحثك في الشرب كي تسكرا

وتعمل كأسـين فـي فـتـية                      تطارد بالأصغر الأكـبـرا

يحث كؤوسهم مـخـطـف                      تجاذب أردافـه الـمـئزرا

ترجل بالـبـان حـتـى إذا                      أدار غــدائره وفـــرا

وفضض في الجلنار البـهـا                      ر والآبنوسة والعـبـهـرا

فلما تـمـازج مـا شـذرت                      مقاريض أطرافـه شـذرا

فكـل ينـافـس فـي بـره                      ليفعل في ذاته المـنـكـرا قال: فضحك الواثق وقال: سنستعمل كل ما قلت يا حسين إلا الفسق الذي ذكرته فلا ولا كرامة. ثم أمر بإحضار الطعام فأكل وأكلوا معه. ثم قال: قوموا بنا إلى حانة الشط فقاموا إليها، فشرب وطرب، وما ترك يومئذ أحدا من الجلساء والمغنين والحشم إلا أمر له بصلة. وكانت من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق. قال حسين: فلما كان من الغد غدوت إليه، فقال: أنشدني يا حسين شيئا إن كنت قلته في يومنا الماضي، فقد كان حسنا، فأنشدته: شعره في حانة الشط وقد شرب فيها مع الواثق: صوت

يا حانة الشط قد أكرمت مثـوانـا                      عودي بيوم سرور كالـذي كـانـا

لا تفقدينـا دعـابـات الإمـام ولا                      طيب البطالة إسـرارا وإعـلانـا

ولا تخالعنا فـي غـير فـاحـشة                      إذا يطربنا الطـنـبـور أحـيانـا

وهاج زمر زنـام بـين ذاك لـنـا                      شجوا فأهدى لنا روحا وريحـانـا

وسلسل الرطل عمرو ثم عم به الس                      قيا فألـحـق أولانـا بـأخـرانـا

سقيا لشكلك من شكل خصصت به                      دون الدساكر من لـذات دنـيانـا

حفت رياضك جنـات مـجـاورة                      في كل مخترق نهرا وبسـتـانـا

لا زلت آهله الأوطـان عـامـرة                      بأكرم الناس أعراقا وأغـصـانـا قال: فأمر له الواثق بصلة سنية مجددة، واستحسن الصوت، وأمر فغنى في غدة أبيات منها، غنت فريدة في البيتين الأولين من هذه الأبيات، ولحنها هزج مطلق.

خاصم أبا شهاب ولاحاه: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال: اجتمعت أنا وحسين بن الضحاك وأبو شهاب الشاعر وهو الذي يقول:

لقد كنت ريحانة في الندى                      وتفاحة في يد الكاعـب وعمرو بن بانة يغنيها فتذاكرنا الدواب، واتصل الحديث إلى أن تلاحى حسين وأبو شهاب في دابتيهما وتراهنا على المسابقة بهما، فتسابقا فسبقه أبو شهاب. فقال حسين في ذلك:

كلـوا واشـربـوا هـنـئتـم وتـمــتـــعـــوا                      وعـيشـوا وذمـوا الـكـودنـين جـمـــيعـــا

فأقـسـم مـا كـان الـذي نـال مـنـهـــمـــا                      مدى الـسـبـق إذ جـد الـجـراء ســـريعـــا

وهي قصيدة معروفة في شعره. فقال أبو شهاب يجيبه:

أيا شاعر الخصيان حاولت خطة                      سبـقـت إلـيهـا وانـكـفـــأت ســـريعـــا

تحـاول سـبـقـي بـالـقــريض ســـفـــاهة                      لقـد رمـت جـهـلا مـن حـمـاي مـنـيعـــا وهي أيضا قصيدة. فكان ذلك سبب التباعد بينهما. وكنا إذا أردنا العبث بحسين نقول له: أيا شاعر الخصيان، فيجن ويشتمنا.

قصته مع أحد جند الشام وإيقاعه بينه وبين عشيقته:

 

صفحة : 775

 

حدثني جعفر قال حدثني علي بن يحيى قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كان يألفني إنسان من جند الشأم عجيب الخلقة والزي والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك كله له ويكون حظي التعجب به، وكان يأتيني بكتب من عشيقة له ما رأيت كتبا أحلى منها ولا أظرف ولا أبلغ ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي بأن الشامي بجهله لا يميز بين الخطأ والصواب، ولا يفرق بين الابتداء والجواب. فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت إلى إفساد حاله عندها. فسألته عن اسمها فقال: بصبص. فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها جاءني به:

أرقصني حبك يا بصبـص                      والحب يا سيدتي يرقـص

أرمصت أجفاني بطول البكا                      فما لأجفانك لا تـرمـص

وابأبي وجهـك ذاك الـذي                      كأنه من حسنه عصعـص فجاءني بعد ذلك فقال لي: يا أبا علي، جعلني الله فداءك، ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي? فقلت له: وما ذاك عافاك الله? فقال: ما هو والله إلا أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إلي: إني مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك، فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع. فبينا أنا واقف مكلما أو مشيرا إلي إذا شيء قد صب علي فملأني من قرني إلى قدمي وأفسد ثيابي وسرجي وصيرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر، وإذا به ماء قد خلط ببول وسواد سرجين ، فانصرفت بخزي. وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الضحك والطنز والصياح بي أغلظ مما مر بي، ولحقني من أهلي ومن في منزلي شر من ذلك وأوجع. وأعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عني جملة. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول له: إن الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته وفصاحته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر الشماتة به.

دعاه الحسن بن رجاء ودعاه ابن بسخنر فذهب له واعتذر للحسن: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون عن حسين بن الضحاك قال: كتب إلي الحسن بن رجاء في يوم شك وقد أمر الواثق بالإفطار، فقال:

هززتك للصبوح وقد نهانـي                      أمير المؤمنين عن الصـيام

وعندي من قيان المصر عشر                      تطيب بهن عاتقة الـمـدام

ومن أمثالهن إذا انتـشـينـا                      ترانا نجتني ثمـر الـغـرام

فكن أنت الجواب فليس شيء                      أحب إلي من حذف الكـلام قال: فوردت علي رقعته وقد سبقه إلي محمد بن الحارث بن بسخنر ووجه إلي بغلام نظيف الوجه كان يتحظاه، ومعه ثلاثة غلمة أقران حسان الوجوه ومعهم رقعة قد كتبها إلي كما تكتب المناشير، وختمها في أسفلها وكتب فيها يقول:

سر على اسم الله يا أش                      كل من غصن لجـين

في ثلاث من بني الرو                      م إلـى دار حـسـين

فاشخص الكهل إلى مو                      لاك يا قرة عـينـي

أره العنف إذا اسـتـع                      صى وطالبـه بـدين

ودع اللفظ وخـاطـب                      ه بغمز الحـاجـبـين

واحذر الرجعة من وج                      هك في خفي حنـين قال: فمضيت معهم، وكتبت إلى الحسن بن رجاء جواب رقعته:

دعوت إلى مماحكة الصـيام                      وإعمال الملاهي والـمـدام

ولو سبق الرسول لكان سعيي                      إليك ينوب عن طول الكلام

وما شوقي إليك بدون شوقي                      إلى ثمر التصابي والغـرام

ولكن حل في نفر عسـوف                      بمنشور محل المسـتـهـام

حسين فاستباح له حـريمـا                      بطرف باعث سبب الحمـام

وأظهر نخوة وسطا وأبـدى                      فظاظته بترك لـلـسـلام

وأزعجني بألـفـاظ غـلاظ                      وقد أعطيته طرفي زمامي

ولو خالفته لم يخش قتـلـي                      وقنعني سريعا بالـحـسـام لاعب الواثق بالنرد وغازل خافان خادمه فقال شعرا: أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدثني أبي قال:

 

صفحة : 776

 

كان الواثق يلاعب حسين بن الضحاك بالنرد وخاقان غلام الواثق واقف على رأسه، وكان الواثق يتحظاه، فجعل يلعب وينظر إليه. ثم قال للحسين بن الضحاك: إن قلت الساعة شعرا يشبه ما في نفسي وهبت لك ما تفرح به. فقال الحسين: صوت

أحبك حبا شابه بنـصـيحة                      أب لك مأمون عليك شفيق

وأقسم ما بيني وبينك قربة                      ولكن قلبي بالحسان علوق فضحك الواثق وقال: أصبت ما في نفسي وأحسنت. وصنع الواثق فيه لحنا، وأمر لحسين بألفي دينار. لحن الواثق في هذين البيتين من الثقيل الأول بالوسطى.

فضل نفسه على أبي نواس فرده أحمد بن خلاد: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال: أنشدني حسين بن الضحاك لنفسه:

بدلت من نفحات الورد بـالآء                      ومن صبوحك در الإبل والشاء حتى أتى على آخرها، وقال لي: ما قال أحد من المحدثين مثلها. فقلت: أنت تحوم حول أبي نواس في قوله:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء                      وداوني بالتي كانت هي الداء وهي أشعر من قصيدتك. فغضب وقال: ألي تقول هذا علي وعلي إن لم أكن نكت أبا نواس فقلت له: دع ذا عنك، فإنه كلام في الشعر لا قدح في نسب، لو نكت أبا نواس وأمه وأباه لم تكن أشعر منه. وأحب أن تقول لي: هل لك في قصيدتك بيت نادر غير قولك:

فضت خواتمها في نعت واصفها                      عن مثل رقراقة في عين مرهاء وهذه قصيدة أبي نواس يقول فيها:

دارت على فتية ذل الزمان لهم                      فما أصابهم إلا بـمـا شـاءوا

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها                      لو مسها حجر مستـه سـراء

فأرسلت من فم الإبريق صافية                      كأنما أخذها بالعقـل إغـفـاء والله ما قدرت على هذا ولا تقدر عليه، فقام وهو مغضب كالمقر بقولي.

تحاكم هو وأبو نواس إلى ابن مناذر فحكم له: حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال حدثني أحمد بن المعتصم قال: حج أبو نواس وحسين بن الضحاك فجمعهما الموسم، فتناشدا قصيدتيهما: قول أبي نواس:

دعك عنك لومي فإن اللوم إغراء                      وداوني بالتي كانت هي الـداء وقصيدة حسين:

بدلت من نفحات الورد بالآء فتنازعا أيهما أشعر في قصيدته، فقال أبو نواس: هذا ابن مناذر حاضر الموسم وهو بيني وبينك. فأنشده قصيدته حتى فرغ منها، فقال أبو مناذر: ما أحسب أن أحدا يجيء بمثل هذه وهم بتفضيله، فقال له الحسين: لا تعجل حتى تسمع، فقال: هات، فأنشده قوله:

بدلت من نفحات الورد بـالآء                      ومن صبوحك در الإبل والشاء حتى انتهى إلى قوله:

فضت خواتمها في نعت واصفها                      عن مثل رقراقة في عين مرهاء فقال له ابن مناذر: حسبك، قد استغنيت عن أن تزيد شيئا، والله لو لم تقل في دهرك كله غير هذا البيت لفضلتك به على سائر من وصف الخمر، قم فأنت أشعر وقصيدتك أفضل. فحكم له وقام أبو نواس منكسرا.

قال شعرا لكثير بن إسماعيل استرضى به المعتصم: أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني كثير بن إسماعيل التحتكار قال: لما قدم المعتصم بغداد، سأل عن ندماء صالح بن الرشيد وهو أبو الواسع وقنينة وحسين بن الضحاك وحاتم الريش وأنا، فأدخلنا عليه. فلشؤمي وشقائي كتبت بين عيني: سيدي هب لي شيئا. فلما رآني قال: ما هذا على جبينك? فقال حمدون بن إسماعيل: يا سيدي تطايب بأن كتب على جبينه: سيدي هب لي شيئا. فلم يستطب لي ذلك ولا استملحه، ودعا بأصحابي من غد ولم يدع بي. ففزعت إلى حسين بن الضحاك، فقال لي: إني لم أحلل من أنسه بعد بالمحل الموجب أن أشفع إليه فيك، ولكني أقول لك بيتين من الشعر وادفعهما إلى حمدون بن إسماعيل يوصلهما، فإن ذلك أبلغ. فقلت: أفعل. فقال حسين:

قل لدنيا أصبحت تلعب بي                      سلط الله عليك الآخـرة

إن أكن أبرد من قـنـينة                      ومن الريش فأمي فاجره قال: فأخذتهما وعرفت حمدون أنهما لي وسألته إيصالهما ففعل، فضحك المعتصم وأمر لي بألفي دينار واستحضرني وألحقني بأصحابي.

كان ابن بسخنر يكره الصبوح فقال فيه شعرا:

 

صفحة : 777

 

أخبرني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال لي أحمد بن حمدون: كان محمد بن الحارث بن بسخنر لا يرى الصبوح ولا يؤثر على الغبوق شيئا، ويحتج بأن من خدم الخلفاء كان اصطحابه استخفافا بالخدمة، لأنه لا يأمن أن يدعى على غفلة والغبوق يؤمنه من ذلك، وكان المعتصم يحب الصبوح، فكان يلقب ابن بسخنر الغبوقي. فإذا حضر مجلس المعتصم مع المغنين منعه الصبوح وجمع له مثل ما يشرب نظراؤه، فإذا كان الغبوق سقاه إياه جملة غيظا عليه، فيضج من ذلك ويسأل أن يترك حتى يشرب مع الندماء إذا حضروا فيمنعه ذلك. فقال فيه حسين بن الضحاك وفي حاتم الريش الضراط وكان من المضحكين:

حب أبي جعفر لـلـغـبـوق                      كقبحك يا حاتـم مـقـبـلا

فلا ذاك يعذر فـي فـعـلـه                      وحقك في الناس أن تقـتـلا

وأشبه شيء بـمـا اخـتـاره                      ضراطك دون الخلا في الملا استعطف أبا أحمد بن الرشيد وكان قد غضب عليه: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال: مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحاك مزاحا أغضبه، فجاوبه حسين جوابا غضب منه أبو أحمد أيضا. فمضى إليه حسين من غد فاعتذر إليه وتنصل وحلف، فأظهر له قبولا لعذره. ورأى ثقلا في طرفه وانقباضا عما كان يعهده منه، فقال في ذلك:

لا تعجبن لملة صـرفـت                      وجه الأمير فإنه بـشـر

وإذا نبا بك في سـريرتـه                      عقد الضمير نبا بك البصر حكى للنشار صحبته للأمين وإكرامه له: حدثني الصولي قال حدثني أبو أحمد بن النشار قال:

 

صفحة : 778

 

كان أبي صديقا للحسين بن الضحاك وكان يعاشره، فحملني معه يوما إليه، وجعل أبي يحادثه إلى أن قال له: يا أبا علي، قد تأخرت أرزاقك وانقطعت موادك ونفقتك كثيرة، فكيف يمشي أمرك? فقال له: بلى والله يا أخي، ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة وذخائره وهبات جارية له لم يسمها أغنتني للأبد لشيء ظريف جرى على غير تعمد، وذلك أن الأمين دعاني يوما فقال لي: يا حسين، إن جليس الرجل عشيره وثقته وموضع سره وأمنه، وإن جاريتي فلانة أحسن الناس وجها وغناء، وهي مني بمحل نفسي، وقد كدرت علي صفوها ونغصت علي النعمة فيها بعجبها بنفسها وتجنيها علي وإدلالها بما تعلم من حبي إياها. وإني محضرها ومحضر صاحبة لها ليست منها في شيء لتغني معها. فإذا غنت وأومأت لك إليها على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك فلا تستحسن الغناء ولا تشرب عليه، وإذا غنت الأخرى فاشرب واطرب واستحسن واشقق ثيابك، وعلي مكان كل ثوب مائة ثوب. فقلت: السمع والطاعة. فجلس في حجرة الخلوة وأحضرني وسقاني وخلع علي، وغنت المحسنة وقد أخذ الشراب مني، فما تمالكت أن استحسنت وطربت وشربت، فأومأ إلي وقطب في وجهي. ثم غنت الأخرى فجعلت أتكلف ما أقوله وأفعله. ثم غنت المحسنة ثانية فأتت بما لم أسمع مثله قط حسنا، فما ملكت نفسي أن صحت وشربت وطربت، وهو ينظر إلي ويعض شفتيه غيظا، وقد زال عقلي فما أفكر فيه، حتى فعلت ذلك مرارا، وكلما ازداد شربي ذهب عقلي وزدت مما يكره، فغضب فأمضني وأمر بجر رجلي من بين يديه وصرفي فجررت وصرفت، فأمر بأن أحجب. وجاءني الناس يتوجعون لي ويسألوني عن قصتي فأقول لهم: حمل علي النبيذ فأسأت أدبي، فقومني أمير المؤمنين بصرفي وعاقبني بمنعي من الوصول إليه. ومضى لما أنا في شهر، ثم جاءتني البشارة أنه قد رضي عني، وأمر بإحضاري فحضرت وأنا خائف. فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبلتها، وضحك إلي وقام وقال: اتبعني، ودخل إلى تلك الحجرة بعينها ولم يحضر غيري. وغنت المحسنة التي نالني من أجلها ما نالني فسكت فقال لي: قل ما شئت ولا تخف، فشربت واستحسنت. ثم قال لي: يا حسين، لقد خار الله لك بخلافي وجرى القدر بما تحب فيه. إن هذه الجارية عادت إلى الحال التي أريد منها ورضيت كل أفعالها، فأذكرتني بك وسألتني الرضا عنك والاختصاص لك، وقد فعلت ووصلتك بعشرة آلاف دينار، ووصلتك هي بدون ذلك. والله لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثم تحقد ذلك عليك فتسألني ألا تصل إلي لأجبتها. فدعوت له وشكرته وحمدت الله على توفيقه، وزدت في الاستحسان والسرور إلى أن سكرت وانصرفت وقد حمل معي المال. فما كان يمضي أسبوع إلا وصلاتها وألطافها تصل إلي من الجوهر والثياب والمال بغير علم الأمين، وما جالسته مجلسا بعد ذلك إلا سألته أن يصلني. فكل شيء أنفقته بعده إلى هذه الغاية فمن فضل مالها وما ذخرت من صلاتها. قال ابن النشار: فقال له أبي: ما سمعت بأحسن من هذا الحديث ولا أعجب مما وفقه الله لك فيه.

هنأ الأمين بظفر جيشه بطاهر بن الحسين: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: دخل حسين بن الضحاك على محمد الأمين بعقب رقعة أوقعها أهل بغداد بأصحاب طاهر فهزموهم وفضحوهم، فهنأه بالظفر ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له فأنشده:

أمين الله ثق بـالـل                      ه تعط العز والنصره

كل الأمر إلى الـلـه                      كلاك الله ذو القدره

لنا النصر بإذن الـل                      ه والكرة لا الفـره

وللـمـراق أعـدائ                      ك يوم السوء والدبره

وكأس تورد المـوت                      كريه طعمها مـره

سقونا وسقـينـاهـم                      فكانت بهم الـحـره

كذاك الحرب أحيانـا                      علينا ولـنـا مـره فأمر له بعشرة آلاف درهم، ولم يزل يتبسم وهو ينشده.

عابثه الأمين وركب ظهره: حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال:

 

صفحة : 779

 

قال لي الحسين بن الضحاك: شربنا يوما مع الأمين في بستان، فسقانا على الريق، وجد بنا في الشرب، وتحرز من أن نذوق شيئا. فاشتد الأمر علي، وقمت لأبول، فأعطيت خادما من الخدم ألف درهم على أن يجعل لي تحت شجرة أومأت إليها رقاقة فيها لحم، فأخذ الألف وفعل ذلك. ووثب محمد فقال: من يكون منك حماري? فكل واحد منهم قال له: أنا، لأنه كان يركب الواحد منا عبثا ثم يصله، ثم قال: يا حسين، أنت أضلع القوم. فركبني وجعل يطوف وأنا أعدل به عن الشجرة وهو يمر بي إليها حتى صار تحتها، فرأى الرقاقة فتطأطأ فأخذها فأكلها على ظهري، وقال: هذه جعلت لبعضكم، ثم رجع إلى مجلسه وما وصلني بشيء. فقلت لأصحابي: أنا أشقى الناس، ركب ظهري وذهب ألف درهم مني وفاتني ما يمسك رمقي ولم يصلني كعادتي، ما أنا إلا كما قال الشاعر:

ومطعم الصيد يوم الصيد مطعمه                      أنى توجه والمحروم محـروم أحب جارية لأم جعفر ووسط عاصما الغساني في استيهابها فأبت فقال شعرا: حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي المبرد قال: كان حسين بن الضحاك الأشقر، وهو الخليع، يهوى جارية لأم جعفر، وكانت من أجمل الجواري، وكان لها صدغان معقربان، وكانت تخرج إليه إذا جاء فتقول له: ما قلت فينا? أنشدنا منه شيئا، فيخرج إليها الصحيفة، فتقول له: اقرأ معي، فيقرأ معها حتى تحفظه ثم تدخل وتأخذ الصحيفة. فشكا ذلك إلى عاصم الغساني الذي كان يمدحه سلم الخاسر وكان مكينا عند أم جعفر، وسأله أن يستوهبها له فاستوهبها، فأبت عليه أم جعفر، فوجه إلى الخليع بألف دينار وقال: خذ هذا الألف، فقد جهدت الجهد كله فيها فلم تمكني حيلة. فقال الحسين في ذلك:

رمتك غداة السبت شمس من الخلـد                      بسهم الهوى عمدا وموتك في العمـد

مؤزرة السربال مهضومة الحـشـا                      غلامية التقطيع شـاطـرة الـقـد

محنأة الأطـراف رؤد شـبـابـهـا                      معقربة الصدغين كـاذبة الـوعـد

أقول ونفسـي بـين شـوق وزفـرة                      وقد شخصت عيني ودمعي على الخد

أجيزي علي من قد تـركـت فـؤاده                      بلحظته بين التـأسـف والـجـهـد

فقالت عذاب بالهوى مع قـربـكـم                      وموت إذا أقرحت قلبك بالـبـعـد

لقد فطنت للجور فـطـنة عـاصـم                      لصنع الأيادي الغر في طلب الحمـد

سأشكوك في الأشعار غير مقـصـر                      إلى عاصم ذي المكرمات وذي المجد

لعل فتى غسـان يجـمـع بـينـنـا                      فيأمن قلبي منـكـم روعة الـصـد أقطع المعتصم الناس دورا دونه فقال شعرا: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق قال: أقطع المعتصم الناس الدور بسر من رأى وأعطاهم النفقات لبنائها، ولم يقطع الحسين بن الضحاك شيئا.

فدخل عليه فأنشده قوله:

يا أمين الـلـه لا خـطة لـي                      ولقد أفردت صحبي بخطـط

أنا في دهياء من مـظـلـمة                      تحمل الشيخ على كل غـلـط

صعبة المسلك يرتـاع لـهـا                      كل من أصعد فيها وهـبـط

بوني منك كـمـا بـوأتـهـم                      عرصة تبسط طرفي ما انبسط

أبتني فيها لنفسـي مـوطـنـا                      ولعقبي فرطا بـعـد فـرط

لم يزل منك قريبا مسـكـنـي                      فأعد لي عادة القرب فـقـط

كل من قربتـه مـغـتـبـط                      ولمن أبعدت خزي وسـخـط قال: فأقطعه دارا وأعطاه ألف دينار لنفقته عليها.

حاز شعرا لأبي العتاهية: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني عمي الفضل عن الحسين بن الضحاك قال: كنت أمشي مع أبي العتاهية، فمررت بمقبرة وفيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها. فقال أبو العتاهية:

أما تنفك باكـية بـعـين                      غزير دمعها كمد حشاها أجز يا حسين، فقلت:

تنادي حفرة أعيت جـوابـا                      فقد ولهت وصم بها صداها نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه: حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني الحسين بن الضحاك قال:

 

صفحة : 780

 

كنت عازما على أن أرثي الأمين بلساني كله وأشفي لوعتي. فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل ولك محب، وقد علمت مكانك من الأمين، وإنه لحقيق بأن ترثيه، إلا أنك قد أطلقت لسانك من التلهف عليه والتوجع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه، وهذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك، فأبق على نفسك، يا ويحك أتجسر على أن تقول:

تركوا حريم أبيهـم نـفـلا                      والمحصنات صوارخ هتف

هيهات بعدك أن يدون لهـم                      عز وأن يبقى لهم شـرف أكفف غرب لسانك واطو ما انتشر عنك وتلاف ما فرط منك. فعلمت أنه قد نصحني فجزيته الخير، وقطعت القول فنجوت برأيه وما كدت أن أنجو.

أعرض عنه فتى جميل فقال فيه شعرا: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء قال: وقف علينا حسين بن الضحاك ومعنا فتى جالس من أولاد الموالي جميل الوجه، فحادثنا طويلا وجعل يقبل على الفتى بحديثه والفتى معرض عنه حتى طال ذلك، ثم أقبل عليه الحسين فقال:

تتيه علينا أن رزقـت مـلاحة                      فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر

لقد طالما كنا ملاحا وربـمـا                      صددنا وتهنا ثم غيرها الدهر وقام فانصرف.

عربد في مجلس الأمين فغضب عليه ثم استرضاه بشعر فرضي عنه: أخبرني الحسن بن القاسم الكوفي قال حدثني ابن عجلان قال: غنى بعض المغنين في مجلس محمد المخلوع بشعر حسين بن الضحاك، وهو: صوت

ألست ترى ديمة تهطل                      وهذا صباحك مستقبل

وهذي العقار وقد راعنا                      بطلعته الشادن الأكحل

فعاد به وبنا سـكـرة                      تهون مكروه ما نسأل

فإني رأيت له نظـرة                      تخبرنا أنـه يفـعـل قال: فأمر بإحضار حسين فأحضر، وقد كان محمد شرب أرطالا. فلما مثل بين يديه أمر فسقي ثلاثة أرطال، فلم يستوفها الحسين حتى غلبه السكر وقذف، فأمر بحمله إلى منزله فحمل. فلما أفاق كتب إليه:

إذا كنت في عصـبة                      من المعشر الأخـيب

ولم يك في مسـعـد                      نديم سوى جـعـدب

فأشرب مـن رمـلة                      وأسهر من قطـرب

ولما حباني الـزمـا                      ن من حيث لم أحسب

ونادمت بدر السـمـا                      ء في فلك الكوكـب

أبت لي غضوضيتـي                      ولؤم من المنصـب

فأسكرني مسـرعـا                      قوي من المشـرب

كذا النذل ينـبـوبـه                      منادمة المـنـجـب قال: فرده إلى منادمته وأحسن جائزته وصلته.

شعره في غلام أبي أحمد بن الرشيد: أخبرني الكوكبي قال حدثني علي بن محمد بن نصر عن خالد بن حمدون: أن الحسين بن الضحاك أنشده وقد عاتبه خادم من خدام أبي أحمد بن الرشيد كان حسين يتعشقه ولامه في أن قال فيه شعرا وغنى فيه عمرو بن بانة، فقال حسين فيه: صوت

فديت من قال لي على خفـره                      وغض جفنا له علـى حـوره

سمع بي شعرك المليح فـمـا                      ينفك شاد بـه عـلـى وتـره

فقلت يا مستعـير سـالـفة ال                      خشف وحسن الفتور من نظره

لا تنكرن الحنين مـن طـرب                      عاود فيك الصبا على كـبـره وغنى فيه عمرو بن بانة هزجا مطلقا.

كتب شعرا على قبر أبي نواس: أخبرني الكوكبي قال حدثني أبو سهل بن نوبخت عن عمرو بن بانة قال: لما مات أبو نواس كتب حسين بن الضحاك على قبره:

كابرنيك الزمان يا حـسـن                      فخاف سهمي وأفلح الزمن

ليتك إذ لم تكن بقيت لـنـا                      لم تبق روح يحوطها بدن هجا جراحا مخنثا اسمه نصير: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: كان في جوار الحسين بن الضحاك طبيب يداوي الجراحات يقال له نصير، وكان مخنثا، فإذا كانت وليمة دخل مع المخنثين، وإذا لم تكن عالج الجراحات. فقال فيه الحسين بن الضحاك:

نصير ليس لمرد من شأنه                      نصير طب بالنـكـاريش

يقول للنكريش في خلـوة                      مقال ذي لطف وتجميش

هل لك أن نلعب في فرشنا                      تقلب الطير المراعـيش

 

صفحة : 781

 

يعني المبادلة. فكان نصير بعد ذلك يصيح به الصبيان: يا نصير نلعب تقلب الطير المراعيش فيشتمهم ويرميهم بالحجارة.

عبث ابن مناذر بشعر له فشتمه: حدثني جعفر قال حدثني علي بن يحيى عن حسين بن الضحاك قال: أنشدت ابن مناذر قصيدتي التي أقول فيها:

لفقدك ريحانة العسكر وكانت من أول ما قلته من الشعر، فأخذ رداءه ورمى به إلى السقف وتلقاه برجله وجعل يردد هذا البيت. فقلنا لحسين: أتراه فعل ذلك استحسانا لما قلت? فقال لا، فقلنا، فإنما فعله طنزا بك، فشتمه وشتمنا. وكنا بعد ذلك نسأله إعادة هذا البيت فيرمي بالحجارة ويجدد شتم ابن مناذر بأقبح ما يقدر عليه.

وقف ببابه سلولي وغنوي ينتظران محاربيا فقيل اجتمع اللؤم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن المهرويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال: مررت بباب حسين بن الضحاك، وإذا أبو يزيد السلولي وأبو حزرة الغنوي وهما ينتظران المحاربي وقد استؤذن لهم على ابن الضحاك، فقلت لهما: لم لا تدخلان? فقال أبو يزيد: ننتظر اللؤم أن يجتمع، فليس في الدنيا أعجب مما اجتمع منا، الغنوي والسلولي ينتظران المحاربي ليدخلوا على باهلي.

كتب أبياتا عن الواثق يدعو الفتح بن خاقان للصبوح: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كان الواثق يميل إلى الفتح بن خاقان ويأنس به وهو يومئذ غلام، وكان الفتح ذكيا جيد الطبع والفطنة. فقال له المعتصم يوما وقد دخل على أبيه خاقان عرطوج: يا فتح أيما أحسن: داري أو دار أبيك? فقال له وهو غير متوقف وهو صبي له سبع سنين أو نحوها: دار أبي إذا كنت فيها، فعجب منه وتبناه. وكان الواثق له بهذه المنزلة، وزاد المتوكل عليهما. فاعتل الفتح في أيام الواثق علة صعبة ثم أفاق وعوفي، فعزم الواثق على الصبوح، فقال لي: يا حسين، اكتب بأبيات عني إلى الفتح تدعوه إلى الصبوح، فكتبت إليه:

لما اصطبحت وعين اللهو ترمقني                      قد لاح لي باكرا في ثوب بذلتـه

ناديت فتحا وبشرت الـمـدام بـه                      لما تخلص من مكروه عـلـتـه

ذب الفتى عن حريم الراح مكرمة                      إذا رآه امرؤ ضدا لنـحـلـتـه

فاعجل إلينا وعجل بالسرور لنـا                      وخالس الدهر في أوقات غفلتـه فلما قرأها الفتح صار إليه فاصطبح معه.

شعره في غلام عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: أخبرني عمي قال حدثني يعقوب بن نعيم وعبد الله بن أبي سعد قالا حدثنا محمد بن محمد الأنباري قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبح وخادم له يسقيه، فقال لي: يا أبا علي، قد استحسنت سقي هذا الخادم، فإن حضرك شيء في قصتنا هذه فقل، فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاهي                      وطاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكـامـنـه                      من قبل يوم منغص ناهـي

بابنة كرم من كف منتـطـق                      مؤتزر بالـمـجـون تـياه

يسقيك من طرفه ومـن يده                      سقي لطيف مجرب داهـي

كأسا فكأسا كأن شـاربـهـا                      حيران بين الذكور والساهي قال: فاستحسنه عبد الله وغنى فيه لحنا مليحا وشربنا عليه بقية يومنا.

وعده يسر بالسكر معه قبل رمضان ولم يف فقال فيه شعرا: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض عن أبيه قال: اتفق حسين بن الضحاك ويسر مرة عند بعض إخوانهما وشربا وذلك في العشر الأواخر من شعبان. فقال حسين ليسر: يا سيدي، قد هجم الصوم علينا، فتفضل بمجلس نجتمع فيه قبل هجومه فوعده بذلك، فقال له: قد سكرت وأخشى أن يبدو لك، فحلف له يسر أنه يفي. فلما كان من الغد كتب إليه حسين وسأله الوفاء، فجحد الوعد وأنكره. فكتب إليه يقول:

تجاسرت على الغـدر                      كعاداتك في الهجـر

فأخلفت وما استخلـف                      ت من إخوانك الزهر

لئن خست لـمـا ذل                      ك من فعلك بالنكـر

وما أقنعنـي فـعـل                      ك يا مختلق العـذر

بنفسي أنت إن سـؤت                      فلا بد من الصـبـر

وإن جرعني الـغـيظ                      وإن خشن بالصـدر

 

صفحة : 782

 

 

ولولا فرقـي مـنـك                      لسميتك في الشـعـر

وعنـفـتـك لا آلـو                      وإن جزت مدى العذر

أما تخرج مـن إخـلا                      ف ميعادك في العشر

غدا يفطمنا الـصـوم                      عن الراح إلى الفطر قال: فسألت الحسين بن الضحاك عما أثر له هذا الشعر وما كان الجواب، فقال: كان أحسن جواب وأجمل فعل، كان اجتماعنا قبل الصوم في بستان لمولاه، وتممنا سرورنا وقضينا أوطارنا إلى الليل، وقلت في ذلك:

سقى الله بطن الدير من مستوى السفح                      إلى ملتقى النهرين فالأثل فالطـلـح

ملاعب قدن القلب قسرا إلى الهـوى                      ويسرن ما أملت من درك النـجـح

أتنسى فلا أنسى عتـابـك بـينـهـا                      حبيبك حتى انقاد عفوا إلى الصلـح

سمحت لمن أهوى بصفو مـودتـي                      ولكن من أهواه صيغ على الـشـح شعره في يسر وفي أيام مضت له معه بالبصرة: قال علي بن العباس: وأنشدني سوادة بن الفيض عن أبيه لحسين بن الضحاك يصف أياما مضت له بالبصرة ويومه بالقفص ومجيء يسر إليه، وكان يسر سأله أن يقول في ذلك شعرا:

تيسري لـلـمـام مـن أمـم                      ولا تراعي حمامة الـحـرم

قد غاب لا آب من يراقبـنـا                      ونام لا قام سامـر الـخـدم

فاستصحبي مسعدا يفاوضـنـا                      إذا خلونا في كل مكـتـتـم

تبذلي بدلة تـقـر بـهـا ال                      عين ولا تحصري وتحتشمي

ليت نجوم السـمـاء راكـدة                      على دجى ليلنا فـلـم تـرم

ما لسروري بالشك ممتزجـا                      حتى كأني أراه فـي حـلـم

فرحت حتى استخفني فرحـي                      وشبت عين اليقين بالـتـهـم

أمسح عيني مستثبتا نـظـري                      أخالنـي نـائمـا ولـم أنـم

سقيا للـيل أفـنـيت مـدتـه                      ببارد الريق طيب الـنـسـم

أبـيض مـرتـجة روادفـه                      ما عيب من قرنه إلى القـدم

إذ قصبات العريش تجمعـنـا                      حتى تجلت أواخر الـظـلـم

ولـيلة بـتـهـا مـحـسـدة                      محفوفة بالظنون والـتـهـم

أبث عبراته على غـصـص                      يرد أنفاسه إلـى الـكـظـم

سقيا لقيطونها ومخـدعـهـا                      كم من لمام به ومـن لـمـم

لا أكفر السلـيحـين أزمـنة                      مطيعة بالنعـيم والـنـعـم

وليلة القفص إذا سألت بـهـا                      كانت شفاء لعـلة الـسـقـم

بات أنيسي صريع خمـرتـه                      وتلك إحدى مصارع الكـرم

وبت عن موعد سبـقـت بـه                      ألثم درا مـفـلـجـا بـفـم

وابأبي مـن بـدا بـروعة لا                      وعاد من بعدها إلـى نـعـم

أباحني نفـسـه ووسـدنـي                      يمنى يديه وبات ملتـزمـي

حتى إذا اهتاجت النوافس في                      سحرة أحوى أحم كالحـمـم

وقلت هبا يا صاحبـي ونـب                      هت أبانا فهـب كـالـزلـم

فاستنها كالشهاب ضـاحـكة                      عن بارق في الإناء مبتـسـم

صفـراء زيتـية مـوشـحة                      بأرجوان مـلـمـع ضـرم

أخذت ريحـانة أراح لـهـا                      دب سروري بها دبيب دمـي

فراجع العذر إن بدا لك في ال                      عذر وإن عدت لائما فـلـم حجب يسرا سيده فقال شعرا في ذلك: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني المعتمر بن الوليد المخزومي قال: قال لي الحسين بن الضحاك وهو على شراب له: ويحكم أحدثكم عن يسر بأعجوبة? قلنا: هات. قال: بلغ مولاه أنه جر له مع أخيه سبب، فحجبه كما تحجب النساء، وأمر بالحجر عليه، وأمره ألا يخرج عن داره إلا ومعه حافظ له موكل به. فقلت في ذلك:

ظن من لا كان ظنا                      بحبيبي فحـمـاه

أرصد الباب رقيبي                      ن له فاكتنـفـاه

فإذا ما اشتاق قربي                      ولقائي مـنـعـاه

جعل الله رقـيبـي                      ه من السوء فـداه

 

صفحة : 783

 

 

والذي أقرح في الشا                      دن قلبـي ولـواه

كل مشـتـاق إلـيه                      فمن السـوء فـداه

سيما من حالت الأح                      راس من دون مناه سأل أبا نواس أن يصلح بينه وبين يسر ففعل: أخبرني علي بن العباس قال حدثنا أحمد بن العباس الكاتب قال حدثنا عبد الله بن زكريا الضرير قال: قال أبو نواس: قال لي حسين بن الضحاك يوما: يا أبا علي، أما ترى غضب يسر علي فقلت له: وما كان سبب ذلك? قال: حال أردتها منه فمنعنيها فغضبت، فأسألك أن تصلح بيني وبينه. فقلت: وما تحب أن أبلغه عنك? قال: تقول له:

بحرمة السكر وما كانـا                      عزمت أن تقتل إنسانـا

أخاف أن تهجرني صاحيا                      بعد سروري بك سكرانا

إن بقلبي روعة كلـمـا                      أضمر لي قلبك هجرانا

يا ليت ظني أبدا كـاذب                      فإنه يصـدق أحـيانـا قال: فقلت له: ويحك أتجتنبه وتريد أن تترضاه وترسل إليه بمثل هذه الرسالة فقال لي: أنا أعرف به، وهو كثير التبذل ، فأبلغه ما سألتك، فأبلغته فرضي عنه وأصلحت بينهما.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال: جاءني يوما حسين بن الضحاك، فقلت له: أي شيء كان خبرك أمس? فقال لي: اسمعه شعرا ولا أزيدك على ذلك وهو أحسن، فقلت: هات يا سيدي، فقال:

زائرة زارت على غفـلة                      يا حبذا الزورة والـزائره

فلم أزل أخدعها ليلـتـي                      خديعة الساحر للساحـره

حتى إذا ما أذعنت بالرضا                      وأنعمت دارت بها الدائره

بت إلى الصبح بها ساهرا                      وباتت الجوزاء بي ساهره

أفعل ما شئت بها ليلـتـي                      وملء عيني نعمة ظاهره

فلم ننم إلا علـى تـسـعة                      من غلمة بي وبها ثـائره

سقيا لها لا لأخي شعـرة                      شعرته كالشعرة الوافـره

وبين رجلـيه لـه حـربة                      مشهورة في حقوه شاهره

وفي غد يتبعهـا لـحـية                      تلحقه بالكرة الخـاسـره قال فقلت له: زنيت يعلم الله إن كنت صادقا. فقال: قل أنت ما شئت.

أغرى الواثق بالصبوح: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أبو العيناء قال: دخل حسين بن الضحاك على الواثق في خلافة المعتصم في يوم طيب، فحثه على الصبوح فلم ينشط له. فقال: اسمع ما قلت، قال: هات، فأنشده:

استثر اللهو من مكـامـنـه                      من قبل يوم منغص ناهـي

بابنة كرم من كف منتطـق                      مؤتزر بالـمـجـون تـياه

يسقيك من لحظه ومـن يده                      سقى لطيف مجرب داهي

كأسا فكأسا كأن شاربـهـا                      حيران بين الذكور والساهي قال: فنشط الواثق وقال: إن فرصة العيش لحقيقة أن تنتهز، واصطبح ووصل الحسين.

شعره في جارية: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي قال: حج الحسين بن الضحاك، فمر في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين ، فإذا جارية تطلع في ثيابها وتنظر في حرها ثم تضربه بيدها وتقول: ما أضيعني وأضيعك فأنشأ يقول:

مررت بالقريتين مـنـصـرفـا                      من حيث يقضي ذوو النهى النسكا

إذا فـتـاة كـأنـهـا قـمــر                      للتم لمـا تـوسـط الـفـلـكـا

واضعة كفهـا عـلـى حـرهـا                      تقول يا ضيعتي وضـيعـتـكـا قال: فلما سمعت قوله ضحكت وغطت وجهها وقالت: وافضيحتاه أو قد سمعت ما قلت.

شعره في شفيع خادم المتوكل: حدثني محمد الصولي قال حدثني ميمون بن هارون قال: كان الحسين بن الضحاك صديقا لأبي، وكنت ألقاه معي كثيرا، وكانت نفسه قد تتبعت شفيعا بعد انصرافه من مجلس المتوكل، فأنشدنا لنفسه فيه:

وأبيض في حمر الثياب كأنـه                      إذا ما بدا نسرينة في شقـائق

سقاني بكفيه رحيقا وسامـنـي                      فسوقا بعينيه ولست بفـاسـق

وأقسم لولا خشية اللـه وحـده                      ومن لا أسمي كنت أول عاشق

وإني لمعذور على وجـنـاتـه                      وإن وسمتني شيبة في المفارق

 

صفحة : 784

 

 

ولا عشق لي أو يحدث الدهر شرة                      تعود بعادات الشباب المـفـارق

ولو كنت شكلا للصبا لاتبـعـتـه                      ولكن سني بالصـبـا غـير لائق توفي ابنه محمد فطلب من المتوكل أن يجري أرزاقه على زوجته وأولاده: حدثني الصولي قال حدثنا ميمون بن هارون قال: كان للحسين بن الضحاك ابن يسمى محمدا، له أرزاق، فمات فقطعت أرزاقه. فقال يخاطب المتوكل ويسأله أن يجعل أرزاق ابنه المتوفى لزوجته وأولاده:

إني أتيتـك شـافـعـا                      بولي عهد المسلمـينـا

وشبيهك المـعـتـز أو                      جه شافع في العالمينـا

يا بن الخلائق الأولـي                      ن ويا أبا المتأخـرينـا

إن ابن عبدك مـات وا                      لأيام تخترم القـرينـا

ومضى وخلف صبـية                      بعراصه متـلـددينـا

ومهيرة عبـرى خـلا                      ف أقارب مستعبرينـا

أصبحن في ريب الحوا                      دث يحسنون بك الظنونا

قطـع الـولاة جـراية                      كانوا بها مستمسكـينـا

فامنن برد جمـيع مـا                      قطعوه غير مراقبينـا

أعطاك أفضل مـا تـؤ                      مل أفضل المتفضلينـا قال: فأمر المتوكل له بما سأل. فقال يشكره:

يا خير مستخلف من آل عباس                      اسلم وليس على الأيام من باس

أحييت من أملي نضوا تعاوره                      تعاقب اليأس حتى مات بالياس هجا مغنية فهربت وانقطع خبرها: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: كنا في مجلس ومعنا حسين بن الضحاك ونحن على نبيذ، فعبث بالمغنية وجمشها ، فصاحت عليه واستخفت به. فأنشأ يقول:

لها في وجهها عكن                      وثلثا وجههـا ذقـن

وأسنـان كـريش ال                      بط بين أصولها عفن قال: فضحكنا، وبكت المغنية حتى قلت قد عميت، وما انتفعنا بها بقية يومنا. وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما. وكانت إذا حضرت في موضع أنشدوا البيتين فتجن. ثم هربت من سر من رأى، فما عرفنا لها بعد ذلك خبرا.

قال جعفر وحدثنا أبو العيناء أنه حضر هذا المجلس، وحكى مثل ما حكاه محمد.

حديثه عن سنه: حدثني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: سألت حسين بن الضحاك ونحن في مجلس المتوكل عن سنة، فاقل: لست أحفظ السنة التي ولدت فيها بعينها، ولكني أذكر وأنا بالبصرة موت شعبة بن الحجاج سنة ستين ومائة.

وشى به جماعة إلى المتوكل فاسترضاه بشعر فأجازه: حدثني الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي يعني أحمد بن حمدون قال: أمر المتوكل أن ينادمه حسين بن الضحاك ويلازمه، فلم يطق ذلك لكبر سنه. فقال للمتوكل بعض من حضر عنده: هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير والسكر فيها ويعجز عن خدمتك فبلغه ذلك، فدفع إلي أبياتا قالها وسألني إيصالها، فأوصلتها إلى المتوكل، وهي:

أمـا فـي ثـمـانـين وفـيتـهـا                      عذير وإن أنـا لـم أعـتـــذر

فكيف وقـد جـزتـهـا صـاعـدا                      مع الصاعـدين بـتـسـع أخـر

وقـد رفـع الـلـه أقـلامـــه                      عن ابن ثمـانـين دون الـبـشـر

سوى من أصـر عـلـى فـتـنة                      وألـحـد فـي دينـه أو كـفـر

وإنـي لـمــن أســـراء الإل                      ه في الأرض نصب صروف القدر

فإن يقض لي عـمـلا صـالـحـا                      أثـاب وإن يقـض شـرا غـفـر

فلا تـلـح فـي كـبـر هـدنـي                      فلا ذنب لي أن بلغـت الـكـبـر

هو الشيب حل بعقـب الـشـبـاب                      فأعقـبـنـي خـورا مـن أشـر

وقـد بـسـط الـلـه لـي عـذره                      فمـن ذا يلـوم إذا مـا عـــذر

وإنـي لـفـي كـنـف مـغـدق                      وعز بنصر أبي الـمـنـتـصـر

يباري الرياح بفـضـل الـسـمـا                      ح حتى تـبـلـد أو تـنـحـسـر

له أكـد الـوحـي مــيراثـــه                      ومن ذا يخالـف وحـي الـسـور

ومـا لـلـحـسـود وأشـياعــه                      ومن كذب الحـق إلا الـحـجـر قال ابن حمدون: فلما أوصلتها شيعتها بكلامي أعذره، وقلت: لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها. فقال المتوكل: صدقت، خذ له عشرين ألف درهم واحملها إليه، فأخذتها فحملتها إليه.

ضربه الخلفاء من الرشيد إلى الواثق:

 

صفحة : 785

 

حدثني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي عن حسين بن الضحاك قال: ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي ولده، ثم ضربني الأمين لممايلة ابنه عبد الله، ثم ضربني المأمون لميلي إلى محمد ، ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين العباس بن المأمون، ثم ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل، وكل ذلك يجري مجرى الولع بي والتحذير لي. ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعا بالولع بي، فتغاضب المتوكل علي. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد أن تضربني كما ضربني آباؤك، فاعلم أن آخر ضرب ضربته بسببك. فضحك وقال: بل أحسن إليك يا حسين وأصونك وأكرمك.

وصف حاله في أواخر أيامه بشعر: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثني محمد بن مروان الأبزاري قال: دخلت على حسين بن الضحاك، فقلت له: كيف أنت? جعلني الله فداءك فبكى ثم أنشأ يقول:

أصبحت من أسراء الله محتبـسـا                      في الأرض نحو قضاء الله والقدر

إن الثمانين إذ وفـيت عـدتـهـا                      لم تبق باقية مـنـي ولـم تـذر

أخبار أبي زكار الأعمى

مغن بغدادي قديم انقطع لآل برمك: قال أبو الفرج: أبو زكار هذا رجل من أهل بغداد من قدماء المغنين، وكان منقطعا إلى آل برمك، وكانوا يؤثرونه ويفضلون عليه إفضالا.

قتل جعفر البرمكي وهو يغنيه: فحدثني محمد بن جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: سمعت مسرورا يحدث أبي قال: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت عليه وعنده أبو زكار الأعمى وهو يغنيه بصوت لم أسمع بمثله:

فلا تبعد فكل فتى سـيأتـي                      عليه الموت يطرق أو يغادي

وكـل ذخـيرة لا بـد يومـا                      وإن بقيت تصير إلى نـفـاد

ولو يفدى من الحدثان شـيء                      فديتك بالطريف وبالـتـلاد طلب أن يقتل مع جعفر فأمر الرشيد بالإحسان إليه: فقلت له: في هذا والله أتيتك فأخذت بيده فأقمته وأمرت بضرب عنقه. فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلا ألحقتني به. فقلت: وما رغبتك في ذلك? قال: إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده. فقلت: أستأمر أمير المؤمنين في ذلك. فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصة أبي زكار، فقال لي: هذا رجل فيه مصطنع، فاضممه إليك وانظر ما كان يجريه عليه فأتممه له.

قال إسحاق الموصلي عن صوت له: هو معرق في العمى: حدثني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق قال: غنى علويه يوما بحضرة أبي، فقال أبي: مه هذا الصوت معرق في العمى. الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكار الأعمى، وأول الصوت عميت أمري.

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه

ما جرت خطرة على القلب مني                      فيك إلا استترت عن أصحابـي

من دموع تجري، فإن كنت وحدي                      خاليا أسعدت دموعي انتحـابـي

إن حبي إياك قد سل جـسـمـي                      ورماني بالشيب قبل الشـبـاب

لو منحت اللقا شفى بـك صـبـا                      هائم القلب قد ثوى في التـراب الشعر في الأبيات للسيد الحميري. والغناء لمحمد نعجة الكوفي، مغن غير مشهور ولا ممن خدم الخلفاء وليس له خبر. ولحنه المختار ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر. وذكر حبش أن لمحمد نعجة فيه أيضا خفيف رمل بالبنصر.

 

أخبار السيد الحميري

نسبه: السيد لقبه. واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. ويكنى أبا هاشم. وأمه امرأة من الأزد ثم من بني الحدان. وجده يزيد بن ربيعة، شاعر مشهور، وهو الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب، وحبسه عبيد الله بن زياد لذلك وعذبه، ثم أطلقه معاوية. وخبره في هذا طويل يذكر في موضعه مع سائر أخباره، إذ كان الغرض ها هنا ذكر أخبار السيد.

ووجدت في بعض الكتب عن إسحاق بن محمد النخعي قال: سمعت ابن عائشة والقحذمي يقولان: هو يزيد بن مفرغ، ومن قال: إنه يزيد بن معاوية فقد أخطأ. ومفرغ لقب ربيعة، لأنه راهن أن يشرب عسا من لبن فشربه حتى فرغه، فلقب مفرغا. وكان شعابا بسيالة، ثم صار إلى البصرة.

شاعر متقدم مطبوع، وترك شعره لذمة الصحابة:

 

صفحة : 786

 

وكان شاعرا متقدما مطبوعا. يقال: أن أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار، وأبو العتاهية، والسيد، فإنه لا يعلم أن أحد قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.

وإنما مات ذكره وهجر الناس شعره لما كان يفرط فيه من سب أصحاب رسول الله عليه وسلم وأزواجه في شعر ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره لذلك، وهجر الناس تخوفا وترقبا وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه. ولا يعرف له من الشعر كثير. وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم. ولولا أن أخباره كلها تجري هذا المجرى ولا تخرج عنه لوجب ألا نذكر منها شيئا؛ ولكنا شرطنا أن نأتي بأخبار من نذكره من الشعراء؛ فلم نجد بدا من ذكر أسلم ما وجدناه له وأخلاها من سيئ اختاره على قلة ذلك.

كان أبوه إباضيين ولما تشيع هما بقتله: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد، قال ابن عمار وحدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: أن أبوى السيد كانا إباضيين ، وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة، وكان السيد يقول: طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سئل عن التشيع من أين وقع له، قال: غاصت علي الرحمة غوصا.

وروي عن السيد أن أبويه لما علما بمذهبه هما بقتله، فأتى عقبة بن سلم الهنائي فأخبره بذلك، فأجاره وبوأه منزلا وهبه له، فكان فيه حتى ماتا فورثهما.

قال راويته: إنه على مذهب الكيسانية: وقد أخبرني الحسن بن علي البري عن محمد بن عامر عن القاسم بن الربيع عن أبي داود سليمان بن سفيان المعروف بالحنزق راوية السيد الحميري قال: ما مضى والله على مذهب الكيسانية . وهذه القصائد التي يقولها الناس مثل:

تجعفرت باسم الله والله أكبر و

تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا وقوله:

أيا راكبا نحو المدينة جسـرة                      عذافرة تهوي بها كل سبسب

إذا ما هداك الله لاقيت جعفرا                      فقل يا أمين الله وابن المهذب لغلام للسيد يقال له قاسم الخياط، قالها ونحلها للسيد، وجازت على كثير من الناس ممن لم يعرف خبرها، بمحل قاسم منه وخدمته إياه.

أوصافه الجسمية ومواهبه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل بن بشار قال: كان السيد أسمر، تام القامة، أشنب ، ذا وفرة ، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه.

حديث الفرزدق عنه وعن عمران بن حطان: أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن عباد عن أبي عمرو الشيباني عن لبطة بن الفرزدق قال: تذاكرنا الشعراء عند أبي، فقال: إن ها هنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شيء. فسألناه من هما? فقال: السيد الحميري وعمران بن حطان السدوسي ، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه.

كان نتن الإبطين: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر ابن بنت الفضيل بن بشار قال: كان السيد أسمر، تام الخلقة، أشنب، ذا وفرة، حسن الألفاظ، وكان مع ذلك أنتن الناس إبطين، لا يقدر أحد على الجلوس معه لنتن رائحتهما.

مدح الأصمعي شعره وذم مذهبه: قال حدثني التوزي قال: رأى الأصمعي جزءا فيه من شعر السيد، فقال: لمن هذا? فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم علي أن أخبره فأخبرته، فقال: أنشدني قصيدة منه، فأنشدته ثم أخرى وهو يستزيدني، ثم قال: قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته.

مدح أبو عبيده شعره: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيد الحميري وبشار.

قال راويته: إنه على مذهب محمد بن الحنفية: أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن أبي شراعة القيسي عن مسعود بن بشر.

 

 

صفحة : 787

 

أن جماعة تذاكروا أمر السيد، وأنه رجع عن مذهبه في ابن الحنفيه وقال بإمامة جعفر بن محمد. فقال ابن الساحر راويته: والله ما رجع عن ذلك ولا القصائد الجعفريات إلا منحولة له قيلت بعده. وآخر عهدي به قبل موته بثلاث وقد سمع رجلا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: إنه سيولد لك بعدي ولد وقد نحلته اسمي وكنيتي فقال في ذلك وهي آخر قصيدة قالها:

أشاقتك المنازل بعـد هـنـد                      وتربيهـا وذات الـدل دعـد

منازل أقفرت منهن مـحـت                      معالمهن من سبـل ورعـد

وريح حرجف تستـن فـيهـا                      بسافي الترب تلحم ما تسـدي

ألم يبلغك والأنبـاء تـنـمـي                      مقال محمـد فـيمـا يؤدي

إلى ذي علمه الهادي عـلـى                      وخولة خادم في البيت تردي

ألم تر أن خولة سوف تأتـي                      بواري الزند صافي الخيم نجد

يفوز بكنيتي واسمـي لأنـي                      نحلتهماه والمهـدي بـعـدي

يغيب عنهم حتـى يقـولـوا                      تضمنه بطيبة بطـن لـحـد

سنين وأشهرا ويرى برضوى                      بشعب بين أنـمـار وأسـد

مقـيم بـين آرام وعـــين                      وحفان تروح خـلال ربـد

تراعيها السباع وليس منـهـا                      ملاقيهن مفتـرسـا بـحـد

أمن به الردى فرتعن طـورا                      بلا خوف لدى مرعى وورد

حلفت برب مكة والمصلـى                      وبيت طاهر الأركـان فـرد

يطوف به الحجيج وكل عـام                      يحل لديه وفـد بـعـد وفـد

لقد كان ابن خولة غير شـك                      صفاء ولايتي وخلوص ودي

فما أحد أحـب إلـي فـيمـا                      أسر وما أبوح بـه وأبـدي

سوى ذي الوحي أحمد أو علي                      ولا أزكى وأطيب منه عندي

ومن ذا يا بن خولة إذ رمتني                      بأسهمها المنية حين وعـدي

يذبب عنـكـم ويسـد مـمـا                      تثلم من حصونكم كـسـدي

وما لي أن أمر بـه ولـكـن                      أؤمل أن يؤخر يوم فـقـدي

فأدرك دولة لك لست فـيهـا                      بجبار فتوصف بالـتـعـدي

على قوم بغوا فيكم عـلـينـا                      لتعدي منكم يا خـير مـعـد

لتعل بنا عليهم حيث كـانـوا                      بغور من تهامة أو بـنـجـد

إذا ما سرت من بلـد حـرام                      إلى من بالمدينة من مـعـد

وماذا غرهم والخير منـهـم                      بأشوس أعصل الأنـياب ورد

وأنت لمن بغى وعدا وأذكـى                      عليك الحرب واسترداك مرد في البيتين الأولين من هذه القصيدة غناء، نسبته: صوت

أشاقتك المنازل بعد هنـد                      وتربيها وذات الدل دعـد

منازل أقفرت منهن محت                      معالمهن من سبل ورعد عروضه من الوافر. الشعر للسيد الحميري. والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن يحيى المكي. وذكر الهشامي أنه لكردم. وذكر عمرو بن بانة أن اللحن لمالك ثقيل أول بالوسطى.

ذكر إسماعيل بن الساحر مذهبه وكان راويته: وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد: كنت عنده يوما في جناح له، فأجال بصره فيه ثم قال: يا إسماعيل، طال والله ما شتم أمير المؤمنين علي في هذا الجناح. قلت: ومن كان يفعل? قال: أبواي. وكان يذهب مذهب الكيسانية ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، وله في ذلك شعر كثير. وقد روى بعض من لم تصح روايته أنه رجع عن مذهبه وقال بمذهبه الإمامية ، وله في ذلك:

تجعفرت باسم الله والله أكبر                      وأيقنت أن الله يعفو ويغفر وما وجدنا ذلك في رواية محصل، ولا شعره أيضا من هذا الجنس ولا في هذا المذهب، لأن هذا شعر ضعيف يتبين التوليد فيه، وشعره في قصائده الكيسانية مباين لهذا جزالة ومتانة، وله رونق ومعنى ليسا لما يذكر عنه في غيره.

مدح الأصمعي شعره وذم مذهبه:

 

صفحة : 788

 

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الثمالي قال حدثني التوزي قال قال لي الأصمعي: أحب أن تأتيني بشيء من شعر هذا الحميري فعل الله به وفعل، فأتيته بشيء منه، فقرأه فقال: قاتله الله ما أطبعه وأسلكه لسبيل الشعراء والله لولا ما في شعره من سب السلف لما تقدمه من طبقته أحد.

مدح أبو عبيدة شعره وكان يرويه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوما وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتابا، فلما رآني أطبقه. فقال له أبو عبيدة: إن أبا زيد ليس ممن يحتشم منه، فأقرأ. فأخذ الكتاب وجعل يقرؤه، فإذا هو شعر السيد. فجعل أبو عبيدة يعجب منه ويستحسنه. قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه. قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدمي يقول: سمعت جعفر بن سليمان الضبعي ينشد شعر السيد.

أخبرني ابن دريد قال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين? قال: السيد وبشار.

كثرة شعره وعدم الإحاطة به: وقال الموصلي حدثني عمي قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة، فخلت أن قد استوعبت شعره، حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة، فسمعني أنشد شيئا من شعره، فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي. فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيبا، فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله.

رأي بشار فيه: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال: وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر، فأقبل عليه وقال:

أيها المادح العباد ليعـظـى                      إن لله ما بأيدي الـعـبـاد

فاسأل الله ما طلبت إلـيهـم                      وارج نفع المنزل العـواد

لا تقل في الجواد ما ليس فيه                      وتسمي البخيل باسم الجـواد قال بشار: من هذا? فعرفه، فقال: لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا. وروي في هذا الخبر أن عمران بن حطان الشاري خاطب الفرزدق بهذه المخاطبة وأجابه بهذا الجواب.

إذا قال في شعره دع ذا أتى بعده سب السلف: أخبرني علي بن سليمان الأخفش عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد السكري عن الطوسي قال: إذا رأيت في شعر السيد دع ذا فدعه، فإنه لا يأتي بعده إلا سب السلف أو بلية م بلاياه.

قال له ابن سيرين في رؤيا قصها عليه: تكون شاعرا: وروى الحسن بن علي بن المعتز الكوفي عن أبيه عن السيد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء، فقال: أتدري لمن هذا النخل? قلت: لا يا رسول الله، قال: لامرىء القيس بن حجر، فاقلعها واغرسها في هذه الأرض ففعلت. وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه، فقال: أتقول الشعر? قلت: لا، قال: أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرىء القيس إلا أنك تقوله في قوم بررة أطهار. قال: فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر.

أنشد غانم الوراق من شعره لجماعة فمدحوه: قال الحسن وحدثني غانم الوراق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم، فأثبتني بعضهم فقال: هذا الشيخ والله راوية. فجلسوا إلي وأنسوا بي، وأنشدتهم، وبدأت بشعر ذي الرمة فعرفوه، وبشعر جرير والفرزدق فعرفوهما، ثم أنشدتهم للسيد:

أتعرف رسما بـالـسـويين قـد دثـر                      عفته أهاضيب السحائب والـمـطـر

وجرت بـه الأذيال ريحـان خـلـفة                      صبا ودبور بالعـشـيات والـبـكـر

منازل قد كانت تـكـون بـجـوهـا                      هضيم الحشا ريا الشوى سحرها النظر

قطوف الخطا خمصـانة بـخـتـرية                      كأن محياها سـنـا دارة الـقـمـر

رمتني ببعد بعد قرب بـهـا الـنـوى                      فبانت ولما أقض من عبدة الـوطـر

ولما رأتني خشية الـبـين مـوجـعـا                      أكفكف مني أدمعـا فـيضـهـا درر

أشارت بأطـراف إلـي ودمـعـهـا                      كنظم جمان خانه السلك فـانـتـثـر

وقد كنت مما أحـدث الـبـين حـاذرا                      فلم يغن عني منه خوفـي والـحـذر

 

صفحة : 789

 

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا? فأعلمتهم، فقالوا: هو والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله.

له من الشعر ما يجوز أن يقرأ على المنابر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: سمعت عمي يقول: لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها:

إن يوم التطهير يوم عـظـيم                      خص بالفضل فيه أهل الكساء قرئت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عيبناه.

وأخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العباس بن ميمون طائع قال حدثنا نافع عن التوزي بهذه الحكاية بعينها فإنه قالها في:

إن يوم التطهير يوم عظيم قال: ولم يكن التوزي متشيعا.

سمع أعرابي شعره ففضله على جرير: قال علي بن المغيرة حدثني الحسين بن ثابت قال: قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأنشد في معناه للسيد حتى أكثرت. فقال لي: ويحك من هذا? هو والله أشعر من صاحبنا.

مدح السفاح فأمر له بما أراد: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن ابن عائشة قال: لما استقام الأمر لبني العباس قام السيد إلى أبي العباس السفاح حين نزل عن المنبر فقال:

دونكموها يا بني هـاشـم                      فجددوا من عهدها الدارسا

دونكموها لا علا كعب من                      كان عليكم ملكها نافـسـا

دونكموها فالبسوا تاجـهـا                      لا تعدموا منكم له لابسـا

لو خير المنبر فرسـانـه                      ما اختار إلا منكم فارسـا

قد ساسها قبلـكـم سـاسة                      لم يتركوا رطبا ولا يابسا

ولست من أن تملكوها إلى                      مهبط عيسى فيكـم آيسـا فسر أبو العباس بذلك، وقال له: أحسنت يا إسماعيل سلني حاجتك، قال: تولي سليمان بن حبيب الأهواز، ففعل.

أنشد لجعفر بن محمد شعرا فبكى: وذكر التميمي - وهو علي بن إسماعيل - عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله بن جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيد، فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر. ودخل فسلم وجلس. فاستنشده فأنشده قوله:

امرر على جدث الحسي                      ن فقل لأعظمه الزكيه

آأعظما لا زلـت مـن                      وطفاء سـاكـبة رويه

وإذا مررت بـقـبـره                      فأطل به وقف المطيه

وابك المطهـر لـلـم                      طهر والمطهرة النقيه

كبكاء معـلـولة أتـت                      يوما لواحدها المـنـيه قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك. قال: فحدثت أبي بذلك لما انصرفت، فقال لي: ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول:

فإذا مررت بقـبـره                      فأطل به وقف المطيه فقلت: يا أبت، وماذا يصنع? قال: أو لا ينحر أو لا يقتل نفسه فثكلته أمه.

يحاكم إليه رجلان من بني دارم في أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم: حدثني أبو جعفر الأعرج وهو - ابن بنت الفضيل بن بشار - عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد وهو الذي يقول فيه السيد في بعض قصائده:

وإسماعيل يبرز من فلان                      ويزعم أنه للنار صالي قال: تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في لمفاضلة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، فرضيا بحكم أول من يطلع. فطلع السيد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه منهما: إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علي بن أبي طالب. فقطع السيد كلامه ثم قال: وأي شيء قال هذا الآخر ابن الزانية فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا.

جعفر بن محمد وشعر السيد: وقال التميمي وحدثني أبي قال قال لي فضيل الرسان : أنشد جعفر بن محمد قصيدة السيد:

لأم عمرو باللوى مربع                      دارسة أعلامه بلقـع فسمعت النحيب من داره. فسألني لمن هي، فأخبرته أنها للسيد، وسألني عنه فعرفته وفاته، فقال: رحمه الله. قلت: إني رأيته يشرب النبيذ في الرستاق ، قال: قال: أتعني الخمر? قلت نعم. قال: وما خطر ذنب عند الله أن يغفره لمحب علي.

كان يقول بالرجعة:

 

صفحة : 790

 

وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال: جاء رجل إلى السيد فقال: بلغني أنك تقول بالرجعة ، فقال: صدق الذي أخبرك، وهذا ديني، قال: أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة? قال السيد: نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بأنك ترجع إنسانا. قال: وأي شيء أرجع قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي، فأفحمه.

جعفر بن عفان الطائي وعمر بن حفص: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال جعفر بن عفان الطائي الشاعر: أهدى إلي سليمان بن علي مهرا أعجبني وعزمت تربيته. فلما مضت علي أشهر عزمت على الحج، ففكرت في صديق لي أودعه المهر ليقوم عليه، فأجمع رأيي على رجل من أهلي يقال له عمر بن حفص، فصرت إليه فسألته أن يأمر سائسه بالقيام عليه وخبرته بمكانه من قلبي، ودعا بسائسه فتقدم إليه في ذلك، ووهبت للسائس دراهم وأوصيته به، ومضيت إلى الحج. ثم انصرفت وقلبي متعلق، فبدأت بمنزل عمر بن حفص قبل منزلي لأعرف حال المهر، فإذا هو قد ركب حتى دبر ظهره وعجف من قلة القيام عليه. فقلت له: يا أبا حفص، أهكذا أوصيتك من هذا المهر فقال: وما ذنبي لم ينجع فيه العلف. فانصرفت به وقلت:

من عاذري من أبي حفص وثقت به                      وكان عندي له في نفسه خـطـر

فلم يكن عند ظني فـي أمـانـتـه                      والظن يخلف والإنسان يخـتـبـر

أضاع مهري ولم يحسـن ولايتـه                      حتى تبين فيه الجهـد والـضـرر

عاتبته فيه في رفق فقـلـت لـه                      يا صاح هل لك من عذر فتعتـذر

فقال داء بـه قـدمـا أضـر بـه                      وداؤه الجوع والإتعاب والسـفـر

قد كان لي في اسمه عنه وكنـيتـه                      لو كنت معتبرا ناه ومـعـتـبـر

فكيف ينصحني أو كيف يحفظنـي                      يوما إذا غبت عنه واسمه عـمـر

لو كان لي ولد شتى لـهـم عـدد                      فيهم سميوه إن قلوا وإن كـثـروا

لم ينصحوا لي ولم يبقوا علي ولـو                      ساوى عديدهم الحصباء والشجـر أرسل إلى المهدي يهجو بني عدي وبني تيم ويطلب إليه أن يقطع عطاءهم: قال وحدثني أبو سليمان الناجي قال: جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو ولي عهد، فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش. فجاء السيد فرفع إلى الربيع رقعة مختومة وقال: إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه، فأوصلها، فإذا فيها:

قل لابن عباس سمي محـمـد                      لا تعطين بني عدي درهمـا

احرم بني تيم بن مرة إنـهـم                      شر البرية آخرا ومـقـدمـا

إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة                      ويكافئوك بأن تذم وتشـتـمـا

وإن ائتمنتهم أو استعملـتـهـم                      خانوك واتخذوا خراجك مغنما

ولئن منعتهم لـقـد بـدءوكـم                      بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلمـا

منعوا تراث محمد أعمـامـه                      وابنية وابنته عديلة مـريمـا

وتأمروا من غير أن يستخلفوا                      وكفى بما فعلوا هنالك مأثمـا

لم يشكروا لمحمد إنـعـامـه                      أفيشكرون لغيره إن أنعـمـا

والله من عليهم بـمـحـمـد                      وهداهم وكسا الجنوب وأطعما

ثم انبـروا لـوصـيه وولـيه                      بالمنكرات فجرعوه العلقمـا وهي قصيدة طويلة حذف باقيها لقبح ما فيه. قال: فرمى بها إلى أبي عبيد الله ثم قال: اقطع العطاء فقطعه، وانصرف الناس، ودخل السيد إليه، فلما رآه ضحك وقال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل، ولم يعطهم شيئا.

أخبرني به عمي عن محمد بن داود بن الجراح عن إسحاق النخعي عن أبي سليمان الرياحي مثله.

ناظره شيطان الطاق في الإمامة فقال شعرا: أخبرني الحسن بن محمد بن الجمهور القمي قال حدثني أبي قال حدثني أبو داود المسترق راوية السيد: أنه حضر يوما وقد ناظره محمد بن علي بن النعمان المعروف بشيطان الطاق في الإمامة، فغلبه محمد في دفع ابن الحنفية عن الإمامة، فقال السيد:

ألا يأيها الجدل المعـنـي                      لنا ما نحن ويحك والعناء

أتبصر ما تقول وأنت كهل                      تراك عليك من ورع رداء

ألا إن الأئمة مـن قـريش                      ولاة الحق أربعة سـواء

 

صفحة : 791

 

 

علي والثـلاثة مـن بـنـيه                      هم أسبـاطـه والأوصـياء

فأنى في وصيتـه إلـيهـم                      يكون الشك منا والـمـراء

بهم أوصاهـم ودعـا إلـيه                      جميع الخلق لو سمع الدعاء

فسبط سبط إيمـان وحـلـم                      وسبط غيبـتـه كـربـلاء

سقى جدثا تضمنـه مـلـث                      هتوف الرعد مرتجز رواء

تظل مظلة منـهـا عـزال                      عليه وتغتدي أخرى مـلاء

وسبط لا يذوق الموت حتـى                      يقود الخيل يقدمها الـلـواء

من البيت المحجب في سراة                      شراة لف بينـهـم الإخـاء

عصائب ليس دون أغر أجلى                      بمكة قائم لهـم انـتـهـاء رآه العبدي في النوم ينشد النبي صلى الله عليه وسلم شعرا: وهذه الأبيات بعينها تروى لكثير ذكر ذلك ابن أبي سعد فقال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني إبراهيم بن هاشم العبدي البصري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجد بآل فاطمة البـكـور                      فدمع العين منهمر غزير حتى أنشده إياها على آخره وهو يسمع. قال: فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا، فقال لي: والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وبين يديه رجل ينشد:

أجد بآل فاطمة البكور إلى آخرها، فاستيقطت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده.

أخبرني وكيع قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثنا أبو سليمان الناجي ومحمد بن حليم الأعرج قالا: كان السيد إذا استنشد شيئا من شعره لم يبدأ بشيء إلا بقوله:

أجد بآل فاطمة البـكـور                      فدمع العين مثهمر غزير مدح العتبي شعره وألفاظه في قصيدته اللامية: قال إسحاق: وسمعت العتبي يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهبا في شعره ولا أنقى ألفاظا من السيد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم، فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تـنـويل                      أم لا فإن اللـوم تـضـلـيل

أم في الحشى منك جوى باطن                      ليس تـداويه الأبـاطــيل

علقت يا مـغـرور خـداعة                      بالوعد منهـا لـك تـخـييل

ريا رداح النوم خـمـصـانة                      كأنهـا أدمـاء عـطـبـول

يشفيك منها حين تخلو بـهـا                      ضم إلى النحـر وتـقـبـيل

وذوق ريق طيب طـعـمـه                      كأنه بالمـسـك مـعـلـول

في نسوة مثل المـهـا خـرد                      تضيق عنهن الـخـلاخـيل يقول فيها:

أقـسـم بـالـلـه وآلائه                      والمرء عما قال مسؤول

إن علي بن أبي طالـب                      على التقى والبر مجبول فقال العتبي: أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.

في البيتين الأولين من هذه القصيدة لمخارق رمل بالبنصر عن الهشامي، وذكر حبش أنه للغريض. وفيه لحن لسليمان من كتب بذل غير مجنس.

كان لا يأتي في شعره بالغريب: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن إسحاق بن ثابت العطار قال: كنا كثيرا ما نقول للسيد: ما لك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأله عنه كما يفعل الشعراء? قال: لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذه من سمعه خير من أن أقول شيئا متعقدا تضل فيه الأوهام.

سب محارب بن دثار وترحم على أبي الأسود: أخبرني أحمد بن عمار قال أخبرنا يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن عبد الله الطلحي راوية الشعراء بالكوفة قال حدثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرباح ومحمد بن سلمة، يزيد بعضهم على بعض: إن السيد لما قدم الكوفة أتاه محمد بن سهل راوية الكميت، فأقبل عليه السيد فقال: من الذي يقول:

يعيب علي أقوام سفاهـا                      بأن أرجي أبا حسن عليا

وإرجائي أبا حسن صواب                      عن العمرين برا أو شقيا

فإن قدمت قوما قال قوم                      أسأت وكنت كذابـا رديا

 

صفحة : 792

 

 

إذا أيقنت أن الـلـه ربـي                      وأرسل أحمدا حقـا نـبـيا

وأن الرسل قد بعثوا بحـق                      وأن الله كان لـهـم ولـيا

فليس علي في الإرجاء بأس                      ولا لبس ولست أخاف شيا? فقال محمد بن سهل: هذا يقوله محارب بن دثار الذهلي: فقال السيد: لا كان الله وليا للعاض بظر أمه من ينشدنا قصيدة أبي الأسود:

أحب محمدا حبا شـديدا                      وعباسا وحمزة والوصيا فأنشده القصيدة بعض من كان حاضرا، فطفق يسب محارب بن دثار ويترحم على أبي الأسود. فبلغ الخبر منصورا النمري فقال: ما كان على أبي هاشم لو هجاه بقصيدة يعارض بها أبياته، ثم قال:

يود محارب لو قد رآهـا                      وأبصرهم حواليها جثـيا

وأن لسانه من ناب أفعـى                      وما أرجا أبا حسن علـيا

وأن عجوزه مصعت بكلب                      وكان دماء ساقيها جـريا

متى ترجىء أبا حسن عليا                      فقد أرجيت يا لكع نـبـيا كان جعفر بن سليمان كثيرا ما ينشد شعره: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي قال: دخلت على جعفر بن سليمان الضبعي ومعي أحاديث لأسأله عنها وعنده قوم لم أعرفهم، وكان كثيرا ما ينشد شعر السيد، فمن أنكره عليه لم يحدثه، فسمعته ينشدهم:

ما تعدل الدنيا جميعا كـلـهـا                      من حوض أحمد شربة من ماء ثم جاءه خبر فقام. فقلت للذين كانوا عنده: من يقول هذا الشعر? قالوا: السيد الحميري.

مرت به امرأة من آل الزبير فقال شعرا: حدثني عمي والكراني قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن عبد الله بن الحسين عن أبي عمرو الشيباني عن الحارث بن صفوان، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن السيد كان بالأهواز، فمرت به امرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل بن عبد الله بن العباس، وسمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها، فقال:

أتتنا تزف على بـغـلة                      وفوق رحالتها قـبـه

زبيرية من بنات الـذي                      أحل الحرام من الكعبه

تزف إلى ملك ماجـد                      فلا اجتمعا وبها الوجبة روى هذا الخبر إسماعيل بن الساحر فقال فيه: فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء، فنهشتها أفعى فماتت، فكان السيد يقول: لحقتها دعوتي.

خرج الناس للاستسقاء فجعل يدعو عليهم: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل عن أبي طالب الجعفري وهو محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر قال أخبرني أبي قال: خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبة ومطرف وعمامة، فجعل يجر مطرفه ويقول:

اهبط إلى الأرض فخذ جلمدا                      ثم ارمهم يا مزن بالجلمـد

لا تسقهم من سبل قـطـرة                      فإنهم حرب بنـي أحـمـد رأى لوحا في يد رجل فكتب فيه شعرا يعرض برواة الحديث من أهل السنة: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن إسحاق البغوي قال حدثنا الحرمازي قال حدثني رجل قال: كنت أختلف إلى ابني قيس، وكانا يرويان عن الحسن، فلقيني السيد يوما وأنا منصرف من عندهما، فقال: أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها. فأعطيته ألواحي فكتب فيها:

لشربة من سويق عند مسـغـبة                      وأكلة من ثريد لحـمـه واري

أشد مما روى حبا إلـي بـنـو                      قيس ومما روى صلت بن دينار

مما رواه فلان عن فـلانـهـم                      ذاك الذي كان يدعوهم إلى النار رآه زيد بن موسى في النوم ينشد النبي صلى الله عليه وسلم شعرا: أخبرني أحمد بن علي الخفاف قال حدثني أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وقدامه رجل جالس عليه ثياب بيض، فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا سيد، أنشدني قولك:

لأم عمرو في اللوى مربع

 

صفحة : 793

 

فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا، فحفظتها عنه كلها في النوم. قال أبو إسماعيل: وكان يزيد بن موسى لحانة رديء الإنشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن.

أنشد فضيل الرسان جعفر بن علي شعر فترحم عليه وترحم عليه أهله: وقال محمد بن داود بن الجراح في روايته عن إسحاق النخعي حدثني عبد الرحمن بن محمد الكوفي عن علي بن إسماعيل الهيثمي عن فضيل الرسان قال: دخلت على جعفر بن محمد أعزيه عن عمه زيد، ثم قلت له: ألا أنشدك شعر السيد? فقال: أنشد، فأنشدته قصيدة يقول فيها:

فالناس يوم البعث راياتهم                      خمس فمنها هالك أربع

قائدها العجل وفرعونهم                      وسامري الأمة المفظع

ومارق من دينه مخرج                      أسود عبد لكـع أوكـع

وراية قائدها وجـهـه                      كأنه الشمس إذا تطلـع فسمعت مجيبا من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر? فقلت: السيد فقال: رحمه الله. فقلت: جعلت فداك إني رأيته يشرب الخمر. فقال: رحمه الله فما ذنب على الله أن يغفره لآل علي إن محب علي لا تزل له قدم إلا تثبت له أخرى.

حدثني الأخفش عن أبي العيناء عن علي بن الحسن بن علي بن الحسين عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه ذكر السيد فترحم عليه وقال: إن زلت له قدم فقد تثبت الأخرى.

ماراه رجل في تفضيل علي فغرقه: نسخت من كتاب الشاهيني حدثني محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال: انحدر السيد الحميري في سفينة إلى الأهواز، فماراه رجل في تفضيل علي وباهله على ذلك. فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيد فغرقه، فصاح الملاحون: غرق والله الرجل فقال السيد: دعوه فإنه باهلي .

هجا قوما لم ينصتوا لشعره: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال حدثني التوزي قال: جلس السيد يوما إلى قوم، فجعل ينشدهم وهم يلغطون، فقال:

قد ضيع الله ما جمعت من أدب                      بين الحمير وبين الشاء والبقـر

لا يسمعون إلى قول أجيء بـه                      وكيف تستمع الأنعام للبـشـر

أقول ما سكتوا إنس فإن نطقـوا                      قلت الضفادع بين الماء والشجر اغتابه رجل عند قوم فهجاه: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثنا إسحاق بن محمد النخعي عن محمد بن الربيع عن سويد بن حمدان بن الحصين قال: كان السيد يختلف إلينا ويغشانا، فقام من عندنا ذات يوم، فخلفه رجل وقال: لكم شرف وقدر عند السلطان، فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف. فبلغ ذلك السيد فكتب إليه:

وصفت لك الحوض يا بن الحصين                      على صفة الـحـارث الأعـور

فإن تسـق مـنـه غـدا شـربة                      تفز من نـصـيبـك بـالأوفـر

فمـا لـي ذنـب سـوى أنـنـي                      ذكرت الذي فـرعـن خـيبـر

ذكرت امرأ فر عـن مـرحـب                      فرار الحمار مـن الـقـسـور

فأنـكـر ذاك جـلـيس لـكــم                      زنـيم أخـو خـلـق أعــور

لحانـي بـحـب إمـام الـهـدى                      وفـاروق أمـتـنـا الأكـبـر

سأحـلـق لـحـيتـه إنـهــا                      شهود على الزور والمـنـكـر قال: فهجر والله مشايخنا جميعا ذلك الرجل ولزموا محبة السيد ومجالسته.

رد سوار بن عبد الله شهادته فهجاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق.

أن السيد تقدم إلى سوار القاضي ليشهد عنده، وقد كان دافع المشهود له بذلك وقال: أعفني من الشهادة عند سوار، وبذل له مالا فلم يعفه. فلما تقدم إلى سوار فشهد قال : ألست معروف بالسيد قال: بلى، قال: استغفر الله من ذنب تجرأت به على الشهادة عندي، قم لا أرضى بك. فقام مغضبا من مجلسه وكتب إلى سوار رقعة فيها يقول:

إن سوار بن عبد الل                      ه من شر القضـاة فلما قرأها سوار وثب عن مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور وهو يومئذ نازل بالجسر، فسبقه السيد إليه فأنشده:

قل للإمام الذي ينجى بطاعتـه                      يوم القيامة من بحبوحة النـار

لا تستعينن جزاك الله صالـحة                      يا خير من دب في حكم بسوار

 

صفحة : 794

 

 

لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلـف                      جم العيوب عظيم الكبـر جـبـار

تضحي الخصوم لديه من تجـبـره                      لا يرفعون إليه لحـظ أبـصـار

تيها وكبرا ولولا ما رفـعـت لـه                      من ضبعه كان عين الجائع العاري ودخل سوار، فلما رآه المنصور تبسم وقال: أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه ثم أمر السيد بمصالحته.

مدح المنصور لما ولى ابنيه العهد: وقال إسحاق بن محمد النخعي عبد الله بن محمد الجعفري قال حدثني محمد بن عبد الله الحميري قال: دخل السيد علي المهدي لما بايع لابنيه موسى وهارون، فأنشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجـم                      أمن قذى بـات بـهـا لازم

أم من هوى أنت له سـاهـر                      صبابة من قلـبـك الـهـائم

آلـيت لا أمـدح ذا نـــائل                      من معشر غير بني هـاشـم

أولتهم عندي يد المصطـفـى                      ذي الفضل والمن أبي القاسم

فإنها بـيضـاء مـحـمـودة                      جزاؤها الشكر على العـالـم

جزاؤها حفظ أبي جـعـفـر                      خليفة الرحـمـن والـقـائم

وطاعة المهـدي ثـم ابـنـه                      موسى علي ذي الإربة الحازم

وللرشيد الرابع المرتـضـى                      مفترض من حقـه الـلازم

ملكهم خمـسـون مـعـدودة                      برغم أنف الحاسد الـراغـم

ليس علينا ما بقـوا غـيرهـم                      في هذه الأمة مـن حـاكـم

حتى يردوهـا إلـى هـابـط                      عليه عيسى منـهـم نـاجـم كان يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي بن أبي طالب: وقال علي بن المغيرة حدثني بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال: كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي رضي الله عنه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا. فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه، فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي. فجعلوا يحدثونه وينشدهم، حتى أتاهم رجل منهم وقال: سمع عن علي قصة فنظمها: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل جحرا، فلبس علي رضي الله عنه الخف. قال: ولم يكن قال في ذلك شيئا، ففكر هنيهة ثم قال:

ألا يا قوم للعجب العـجـاب                      لخف أبي الحسين وللحبـاب

أتى خفا له وانـسـاب فـيه                      لينهش رجله منـه بـنـاب

فخر من السماء له عـقـاب                      من العقبان أو شبه العقـاب

فطار به فحلق ثـم أهـوى                      به للأرض من دون السحاب

إلى جحر له فانسـاب فـيه                      بعيد القعر لم يرتج بـبـاب

كريه الوجه أسود ذو بصيص                      حديد الناب أزرق ذو لعـاب

ودوفع عن أبي حسن علـي                      نقيع سمامه بعد انـسـياب ثم حرك فرسه ومضى وجعل تشبيبها بعد ذلك:

صبوت إلى سليمى والرباب                      وما لأخي المشيب وللتصابي أخبرني أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني عبد الله بن أحمد بن مستورد قال: وقف السيد يوما بالكوفة، فقال: من أتاني بفضيلة لعلي بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار، وذكر باقي الحديث. فأما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد الهمذاني قال حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزعل المرادي قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة، ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى، فما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني به أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني محمد بن عبيد بن عقبة قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا حيان بن علي بن أبي سعيد بن عكرمة عن ابن عباس قال:

 

صفحة : 795

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجة تباعد حتى لا يراه أحد، فنزع خفه فإذا عقاب قد تدلى فرفعه فسقط منه أسود سالخ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:  اللهم إني أعوذ بك من شر ما يمشي على بطنه ومن شر ما يمشي على رجليه ومن شر ما يمشي على أربع ومن شر الجن والإنس  .

قال أبو سعيد وحدثنا محمد بن إسماعيل الراشدي قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حيان بن علي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس مثله.

بلغه أن الحسن والحسين ركبا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقال شعرا: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا حاتم بن قبيصة قال: سمع السيد محدثا يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجدا، فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر رضي الله عنه: نعم المطي مطيكما فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  ونعم الراكبان هما  . فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك:

أتى حسنا والحسين الـنـبـي                      وقد جلسا حجرة يلـعـبـان

ففداهـمـا ثـم حـياهـمـا                      وكانا لديه بذاك الـمـكـان

فراحا وتحتهمـا عـاتـقـاه                      فنعم المطية والـراكـبـان

ولـيدان أمـهـمـا بــرة                      حصان مطهرة للحـصـان

وشيخهما ابن أبـي طـالـب                      فنعم الولـيدان والـوالـدان

خليلي لا ترجـيا واعـلـمـا                      بأن الهدى غير ما تزعمـان

وأن عمى الشك بعد الـيقـين                      وضعف البصيرة بعد العيان

ضلال فلا تلججا فـيهـمـا                      فبئست لعمركما الخصلتـان

أيرجى علي إمـام الـهـدى                      وعثمان ما أعند المـرجـيان

ويرجى ابن حرب وأشياعـه                      وهوج الخوارج بالنهـروان

يكون إمامهم في الـمـعـاد                      خبيث الهوى مؤمن الشيصبان مدح المنصور وعنده سوار فعارضه فهجاه: وذكر إسماعيل بن الساحر قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن أبيه قال حدثني أبي وعمي عن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن يعقوب بن سعيد بن عمرو قال حدثنا الحارث بن عبد المطلب قال: كنت جالسا في مجلس أبي جعفر المنصور وهو بالجسر وهو قاعد مع جماعة على دجلة بالبصرة وسوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة جالس عنده والسيد بن محمد بين يديه ينشد قوله:

إن الأله الذي لا شيء يشـبـهـه                      أعطاكم الملك للـدنـيا ولـلـدين

أعطاكم الله ملـكـا لا زوال لـه                      حتى يقاد إليكم صاحب الـصـين

وصاحب الهند مأخوذا بـرمـتـه                      وصاحب الترك محبوسا على هون والمنصور يضحك سرورا بما ينشده، فحانت منه التفاتة فرأى وجه سوار يتربد غيظا ويسود حنقا ويدلك إحدى يديه بالأخرى ويتحرق، فقال له المنصور: ما لك أرابك شيء? قال: نعم، هذا الرجل يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله يا أمير المؤمنين ما صدقك ما في نفسه، وإن الذين يواليهم لغيركم. فقال المنصور: مهلا هذا شاعرنا وولينا، وما عرفت منه إلا صدق محبة وإخلاص نية. فقال له السيد: يا أمير المؤمنين، والله ما تحملت غضكم لأحد، وما وجدت أبوي عليه فافتتنت بهما، وما زلت مشهورا بموالاتكم في أيام عدوكم. فقال له: صدقت. قال: ولكن هذا وأهلوه أعداء الله ورسوله قديما والذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ، فنزلت فيهم آية من القرآن  أكثرهم لا يعقلون  . وجرى بينهما خطاب طويل. فقال السيد قصيدته التي أولها:

قف بنا يا صاح واربع                      بالمغاني الموحشـات أنشدها أحمد بن عبيد الله بن عمار عن النوفلي، وأخبرنا محمد بخبره مع سوار بالقصة من ها هنا إلى آخرها، وقال فيها:

يا أمين اللـه يا مـن                      صور يا خير الولاة

إن سوار بـن عـب                      د الله من شر القضاة

نعثلـي جـمـلـي                      لكـم غـير مـوات

جده سـارق عـنـز                      فجرة من فجـرات

لرسول الله والـقـا                      ذفه بالمـنـكـرات

وابن من كان ينـادي                      من وراء الحجرات

يا هناة اخرج إلـينـا                      إننا أهـل هـنـات

 

صفحة : 796

 

 

مدحنا المدح ومن نر                      م يصب بالزفرات

فاكفنيه لا كفـاه ال                      له شر الطارقـات اعتذر إلى سوار فلم يعذره: فشكاه سوار إلى أبي جعفر، فأمره بأن يصير إليه معتذرا، ففعل فلم يعذره، فقال:

أتيت دعي بني الـعـنـبـر                      أروم اعتذارا فـلـم أعـذر

فقلت لنفسي وعاتـبـتـهـا                      على اللؤم في فعلها أقصري

أيعتذر الحـر مـمـا أتـى                      إلى رجل من بني العنـبـر

أبوك ابن سارق عنز النبـي                      وأمك بنت أبـي جـحـدر

ونحن على رغمك الرافضو                      ن لأهل الضلالة والمنكـر بلغه أن سوارا يريد قطعه في سرقة فشكاه إلى المنصور: قال: وبلغ السيد أن سوارا قد أعد جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه، فشكاه إلى أبي جعفر، فدعا بسوار وقال له: قد عزلتك عن الحكم للسيد أو عليه. فما تعرض له بسوء حتى مات.

رماه أبو الخلال عند عقبة بن سلم بس الصحابة فقال شعرا: وروى عب الله بن أبي بكر العتكي أن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلال شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر فقال هل عقبة: ما علمت ذاك ولا أعطيته إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقهم ورعايتهم. فقال له أبو الخلال: فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض . فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل. فقال السيد:

إذا أنا لم أحفظ وصـاة مـحـمـد                      ولا عهده يوم الغدير الـمـؤكـدا

فإني كمن يشري الضلالة بالهـدى                      تنصر من بعد التقـى وتـهـودا

وما لي وتـيم أو عـدي وإنـمـا                      أولو نعمتي في الله من آل أحمـدا

تتم صلاتي بالـصـلاة عـلـيهـم                      وليست صلاتي بعد أن أتشـهـدا

بكاملة إن لـم أصـل عـلـيهـم                      وأدع لهم ربا كريمـا مـمـجـدا

بذلت لهم ودي ونصحي ونصرتـي                      مدى الدهر ما سميت يا صاح سيدا

وإن امرأ يلحى على صدق ودهـم                      أحق وأولـى فـيهـم أن يفـنـدا

فإن شئت فاختر عاجل الغم صـلة                      وإلا فأمسك كي تصان وتحـمـدا ثم نهض مغضبا. فقام أبو الخلال إلى عقبة فقال: أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الأمير، قال: قد فعلت على ألا تعرض له بعدها.

قصته مع امرأة تميمية إباضية تزوجها: ومما يحكى عنه أنه اجتمع في طريقه بامرأة تميمية إباضية، فأعجبها وقالت: أريد أن أتزوج بك ونحن على ظهر الطريق. قال: يكون كنكاح أم خارجة قبل حضور ولي وشهود. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت ? فقال:

إن تسألني بقومي تـسـألـي رجـلا                      في ذروة العز من أحـياء ذي يمـن

حولي بها ذو كلاع في مـنـازلـهـا                      وذو رعـين وهـمـــدان وذويزن

والأزد أزد عـمـان الأكـرمـون إذا                      عدت مآثرهم في سالـف الـزمـن

بانت كريمتـهـم عـنـي فـدارهـم                      داري وفي الرحب من أوطانهم وطني

لي منزلان بلـحـج مـنـزل وسـط                      منها ولي منزل للـعـز فـي عـدن

ثم الولاء الذي أرجـو الـنـجـاة بـه                      من كبة النار للهـادي أبـي حـسـن فقالت: قد عرفناك، ولا شيء أعجب من هذا: يمان وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان. فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، وظهرت خفيات الأمور قال: فأنا أعرض عليك أخرى. قالت: ما هي? قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنا. قال: أعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان قالت: فكيف? قال: قال الله تعالى:  فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة  .

 

 

صفحة : 797

 

فقالت: أستخير الله وأقلدك أن كنت صاحب قياس. ففعلت . فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة. فكانت هذه تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا.

عارضه ابن لسليمان بن علي في مذهبه بباب عقبة بن سلم فأجابه: وقال الحسن بن علي بن المغيرة حدثني أبي قال: كنت مع السيد على باب عقبة ومعنا ابن لسليمان بن علي ننتظره وقد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن علي يعرض بالسيد: أشعر الناس والله الذي يقول:

محمد خير من يمشي على قدم                      وصاحباه وعثمان بن عفانـا فوثب السيد وقال: أشعر والله منه الذي يقول:

سائل قريشا إذا ما كنت ذا عمه                      من كان أثبتها في الدين أوتادا

من كان أعلمها علما وأحلمهـا                      حلما وأصدقها قولا وميعـادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن                      إن أنت لم تلق للأبرار حسادا ثم أقبل على الهاشمي فقال: يا فتى، نعم الخلف أنت لشرف سلفك أراك تهدم شرفك، وتثلب سلفك، وتسعى بالعداوة على أهلك، وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله، وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك. فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلم. وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد.

جلس مع قوم يخوضون في ذكر الزرع والنخل فقام وقال شعرا: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا ابن القاسم البزي عن إسحاق بن محمد النخعي عن عقبة بن مالك الديلي عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: كنا جلوسا عند أبي عمرو بن العلاء، فتذاكرنا السيد، فجاء فجلس، وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض. فقلنا: يا أبا هاشم، مم القيام? فقال:

إني لأكره أن أطيل بمجلـس                      لا ذكر فيه لفضل آل محمد

لا ذكر فيه لأحمـد ووصـيه                      وبنيه ذلك مجلس نطف ردي

إن الذي ينساهم في مجلـس                      حتى يفارقه لغير مـسـدد سكر بالأهوازن فحبسه العسس وكتب شعرا لواليها فأطلقه وأجازه: وروى أبو سليمان الناجي: أن السيد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك الأسدي يتولاها، وكان له صديقا. وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد ينشده أبا بجير، وكان أبو بجير يتشيع. فذهب السيد إلى قوم من إخوانه بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم، فلما أمسى انصرف، فأخذه العسس فحبس. فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور. فدخل على أبي بجير وقال: قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به. قال: وما ذلك? قال: اسمع هذه الأبيات، كتبها السيد من الحبس، فأنشده يقول:

قف بالـديار وحـيهـا يا مـربـع                      واسأل وكيف يجيب من لا يسمـع

إن الديار خلت ولـيس بـجـوهـا                      إلا الضوابح والحـمـام الـوقـع

ولقد تكون بها أوانس كـالـدمـى                      جمل وعزة والـربـاب وبـوزع

حور نواعم لا ترى في مثـلـهـا                      أمثالهـن مـن الـصـيانة أربـع

فعرين بعـد تـألـف وتـجـمـع                      والدهر صاح مشتت ما تجـمـع

فاسلم فإنك قد نزلـت بـمـنـزل                      عند الأمير تضر فـيه وتـنـفـع

تؤتى هواك إذا نطقـت بـحـاجة                      فيه وتشفـع عـنـده فـيشـفـع

هب لي الذي أحببته فـي أحـمـد                      وبنيه إنك حـاصـد مـا تـزرع

يختص آل مـحـمـد بـمـحـبة                      في الصدر قد طويت عليها الأضلع في هذا الغناء لسعيد.

ضمن رثاءه لعباد بن حبيب هجوا لسوار القاضي بعد موته:

 

صفحة : 798

 

وحكى ابن الساحر: أن السيد دعي لشهادة عند سوار القاضي، فقال لصاحب الدعوى: أعفني من الشهادة عند سوار، فلم يعفه صاحبها منها حبااأوطالبه بإقامتها عند سوار. فلما حضر عنده وشهد قال له: ألم أعرفك وتعرفني وكيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي فقال له: إني تخوفت إكراهه، ولقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل مني فأقمتها ، فلا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا إن قبلتها، وقام من عنده، ولم يقدر سوار له على شيء لما تقدم به المنصور إليه في أمره، واغتاظ غيظا شديدا وانصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سوارا اعتل علته التي مات فيها فلم يقدر السيد على هجائه في حياته لنهي المنصور إياه عن ذلك. ومات سوار فأخرج عشيا وحفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. وكان بين الأزد وبين تميم عداوة، فمات عقب موته عباد بن حبيب بن المهلب، فهجا السيد سوارا في قصيدة رثى بها عبادا ودفعها إلى نواتج الأزد لما بينهم وبين تميم من العداوة ولقربهم من دار سوار ينحن بها، وأولها:

يا من غدا حاملا جثمان سـوار                      من داره طاعنا منها إلى النـار

لا قدس الله روحا كان هيكلهـا                      فقد مضت بعظيم الخزي والعار

حتى هوت قعر برهوت معـذبة                      وجسمه في كنيف بـين أقـذار

لقد رأيت من الرحمن معـجـبة                      فيه وأحكامه تجري بمـقـدار

فاذهب عليك من الرحمن بهلتـه                      يا شر حي براه الخالق البـاري مازح صديقا له زنجيا بشعر: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد البقال قال حدثنا شيبان بن محمد الحراني وكان يلقب بعوضة وصار من سادات الأزد قال: كان السيد جاري، وكان أدلم ، وكان ينادم فتيانا من فتيان الحي فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشفتين مزنج الخلقة. وكان السيد من أنتن الناس إبطين. وكانا يتمازحان، فيقول له السيد: أنت زنجي الأنف والشفتين، ويقول الفتى للسيد: أنت زنجي اللون والإبطين. فقال السيد:

أعارك يوم بعنـاه ربـاح                      مشافره وأنفك ذا القبيحـا

وكانت حصتي إبطي منه                      ولونا حالكا أمسى فضوحا

فهل لك في مبادلتيك إبطي                      بأنفك تحمد البيع الربيحـا

فإنك أقبح الفتـيان أنـفـا                      وإبطي أنتن الآباط ريحـا كان له صديق ينفق عليه من ماله فلامته امرأته لذلك فهجاها: أخبرني أحمد قال حدثني شيبان قال: مات منا رجل موسر وخلف ابنا له فورث ماله وأتلفه بالإسراف، وأقبل على الفساد واللهو، وقد تزوج امرأة تسمى ليلى، واجتمع على السيد وكان من أظرف الناس، وكان الفتى لا يصبر عنه، وأنفق عليه مالا كثيرا، وكانت ليلى تعذله على إسرافه وتقول له: كأني بك قد افتقرت فلم يغن عنك شيئا. فهجاها السيد. وكان مما قال فيها:

أقول يا ليت ليلي في يدي حنـق                      من العداوة من أعدى أعـاديهـا

يعلو بها فوق رعن ثم يحـدرهـا                      في هوة فتدهدى يومهـا فـيهـا

أوليتها في عمار البحر قد عصفت                      فيه الرياح فهاجت من أواذيهـا

أوليتها قرنت يوما إلى فـرسـي                      قد شد منها إلى هاديه هـاديهـا

حتى يرى لحمها من حضره زيما                      وقد أتى القوم بعد الموت ناعيهـا

فمن بكاها فلا جفت مـدامـعـه                      لا أسخن الله إلا عين بـاكـيهـا أهدى له بعض ولاة الكوفة رداء فقال شعرا يمدحه ويستزيده: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي وعبد الحميد بن عقبة قالا حدثنا الحسن بن علي بن المغيرة الكسلان عن محمد بن كناسة قال: أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداء عدنيا، فكتب إليه السيد فقال:

وقد أتانا رداء مـن هـديتـكـم                      فلا عدمتك طول الدهر من وال

هو الجمال جزاك الله صالـحة                      لو أنه كان موصولا بسـربـال فبعث إليه بخلعة تامة وفرس جواد وقال: يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا.

سمع قاصا بباب أبي سفيان يمدح الشيخين فسبهما: حدثني عمي قال حدثنا الكراني عن بعض البصريين عن سليمان بن أرقم قال:

 

صفحة : 799

 

كنت مع السيد، فمر بقاص على باب أبي سفيان بن العلاء وهو يقول: يوزن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في كفة بأمته أجمع فيرجع بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح. فأقبل على أبي سفيان فقال: لعمري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرجح على أمته في الفضل، والحديث حق، وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم، لأن من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. قال: فما أجابه أحد. فمضى فلم يبق أحد من القوم إلا سبه.

صادف بنت الفجاءة وأنشدها شعرا له متغزلا فيها: وقال أبو جعفر الأعرج حدثني إسماعيل بن الساحر قال: خرجت من منزل نصر بن مسعود أنا وكاتب عقبة بن سلم والسيد ونحن سكارى. فلما كنا بزهران لقيتنا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطري بن الفجاءة، وكانت امرأة برزة حسناء فصيحة، فواقفها السيد وتخاطب عليها وأنشدها من شعره بتجميش ، فأعجب كل واحد منهما صاحبه. فقال السيد :

من ناكثين وقاسـطـين الأروع                      حول الأمين وقال هات ليسمعوا

قم يا بن مذعور فأنشد نكـسـوا                      خضع الرقاب بأعين لا ترفـع

لولا حذار أبي بجير أظـهـروا                      شنآنهم وتفرقوا وتـصـدعـوا

لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبروا                      سبعين عاما والأنوف تـجـدع

إذ لا يزال يقـوم كـل عـروبة                      منكم بصاحبنا خطيب مصقـع

مسحنفر في غـيه مـتـتـايع                      في الشتم مثله بخيل يسـجـع

ليس مخلوقا ويسخط خـالـقـا                      إن الشقي بكل شـر مـولـع فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال: جنيت علي ما لا يد لي به، اذهب صاغرا إلى الحبس وقل: أيكن أبو هاشم، فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به ففعل. فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من أخذ معه. فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال: الحمد لله الذي لم يقل أخرجهم وأعط كل واحد منهم مالا، فما كنا نقدر على خلافه، افعل ما أحب برغم أنفك الآن. فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن أخذ في تلك الليلة، وأتي به إلى أبي بجير. فتناوله بلسانه وقال: قدمت علينا فلما تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى، فاعتذر من ذلك إليه، فأمر له أبو بجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدة.

عاتب قوم أبا بجير على التشيع فاستنشد مولاه شعر السيد وطردهم: قال النوفلي وحدثني أبي: أن جماعة من أهل الثغور قدموا على أبي بجير بتسبيب بهم فأطلقهم، ثم جاءوه فعاتبوه على التشيع وسألوه الرجوع، فغضب من ذلك ودعا بمولاه يزيد بن مذعور فقال: أنشدني ويلك لأبي هاشم. فأنشده قوله:

يا صاحبي لدمنتين عفاهمـا                      مر الرياح عليهما فمحاهما حتى فرغ. ثم قال: هات النونية، فأنشده:

يا صاحبي تروحا وذرانـي                      ليس الخلي كمسعر الأحزان فلما فرغ قال: أنشدني الدماغة الرائية، فأنشده إياها. فلما فرغ أقبل عليه الثغريون فقالوا له: ما أعتبتنا فيما عاتبناك عليه. فقال: يا حمير هل في الجواب أكثر مما سمعتم والله لولا أني لا أعلم كيف يقع فعلي من أمير المؤمنين لضربت أعناقكم قوموا إلى غير حفظ الله فقاموا. وبلغ السيد الخبر فقال:

إذا قال الأمير أبـو بـجـير                      أخو أسد لمـنـشـده يزيدا

طربت إلى الكرام فهات فيهم                      مديحا من مديحك أو نشـيدا

رأيت لمن بحضرته وجوهـا                      من الشكاك والمرجين سودا

كأن يزيد ينشد بـامـتـداح                      أبا حسن نصارى أو يهـودا نقد العبدي شعر له فصدقه وقال إنه أشعر منه: وروى أبو داود المسترق: أن السيد والعبدي اجتمعا، فأنشد السيد:

إني أدين بما دان الوصي به                      يوم الخريبة من قتل المحلينا

وبالذي دان يوم النهروان به                      وشاركت كفه كفي بصفينا فقال له العبدي: أخطأت، لو شاركت كفك كفه كنت مثله، ولكن قل: تابعت كفي كفه لتكون تابعا لا شريكا. فكان السيد بعد ذلك يقول: أنا أشعر الناس إلا العبدي.

سب الشيخين في شعر له وسكر فرفع أمره إلى أبي بجير فأهانه:

 

صفحة : 800

 

وقال إسحاق النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن أبي جعفر الأعرج عن إسماعيل بن الساحر قال: كنت مع السيد وقد اكترينا سفينة إلى الأهواز، فجلس فيها معنا قوم شراة، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيد رأسه إليهم وقال:

شفيت من نعثل في نحتت أثلتـه                      فاعمد هديت إلى نحت الغويين

اعمد هديت إلى نحت اللذين هما                      كانا عن الشر لو شاءا غنـيين قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيد وقد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسدي، وكان ابن النجاشي عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، وكان يعرفه باسمه ولم يعرفه. فقال له: يا شيخ السوء، تخرج سكران في هذا الوقت لأحسنن أدبك. فقال له: والله لا فعلت، ولتكرمني ولتخلعن علي وتحملني وتجيزني. قال: أو تهزأ أيضا قال: لا والله ثم اندفع ينشده فقال:

من كان معتذرا من شتمه عمرا                      فابن النجاشي منه غير معتـذر

وابن النجاشي براء غير محتشم                      في دينه من أبي بكر ومن عمر ثم أنشده قوله:

إحداهما نمت عـلـيه حـديثـه                      وبغت عليه نفسه إحـداهـمـا

فهما اللتان سمعت رب محـمـد                      في الذكر قص على العباد نباهما فقال: أبو هاشم? فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله وأجازه، وقال: والله لأصدقن قولك في جميع ما حلفت عليه.

أباح له أبو بجير شرب النبيذ: قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيد متغير اللون، فسأله عن حاله، فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إياه، قال: اشربه، فإننا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج . فقال له السيد: ليس هذا من البلاغة. قال: وما هي? قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما تحتاج إليه وتدع ما يستغنى عنه. قال: وكيف ذلك? قال: اكتب بمائتي دورق مي ولا تكتب بختج، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: والمي: النبيذ.

أظهرت المرجئة الشماتة بأبي بجير لما مرض فقال هو شعرا: قال إسماعيل: وبلغ السيد وهو بالأهواز أن أبا بجير قد أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشماتة به. فخرج السيد محترفا حتى اكترى سفينة وخرج إليها، وأنشأ يقول:

تباشر أهل تدمر إذ أتاهـم                      بأمر أميرنا لهـم بـشـير

ولا لأميرنا ذنـب إلـيهـم                      صغير في الحياة ولا كبير

سوى حب النبي وأقربـيه                      ومولاهم بحبـهـم جـدير

وقالوا لي لكيما يحزنونـي                      ولكن قولهم إفـك وزور

لقد أمسى أخوك أبو بجـير                      بمـنـزلة يزار ولا يزور

وظلت شيعة الهادي علـي                      كأن الأرض تحتهم تمـور

فبت كأنني مما رمـونـي                      به في قد ذي حلق أسـير

كأن مدامعي وجفون عيني                      توخز بالقتاد فهـن عـور

أقول علي للرحمـن نـذر                      صحيح حيث تحتبس النذور

بمكة إن لقيت أبا بـجـير                      صحيحا واللواء له يسـير وهي قصيدة طويلة.

رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأنشده قصيدته العينية: وروى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق عن السيد: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فاستنشده فأنشده قوله:

لأم عمرو باللوى مربع                      طامسة أعلامه بلقـع حتى انتهى إلى قوله:

قالوا له لو شئت أعلمتنا                      إلى من الغاية والمفزع فقال: حسبك ثم نقض يده وقال: قد والله أعلمتهم.

مرضه ووفاته: وروى أبو داود وإسماعيل بن الساحر: أنهما حضرا السيد عند وفاته بواسط وقد أصابه شرى وكرب فجلس ثم قال: اللهم أهكذا جزائي في حب آل محمد قال: فكأنها كانت نارا فطفئت عنه.

قال شعرا وهو يحتضر في التبرؤ من عثمان والشيخين: وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي بإسناد له لم يحضرني وأنا أخرجه إن شاء الله تعالى قال: حدثني من حضر السيد وقد احتضر فقال:

برئت إلى الأله من ابن أروى                      ومن دين الخوارج أجمعينـا

ومن فعل برئت ومن فعـيل                      غداة دعي أمير المؤمنـينـا ثم كأن نفسه كانت حصاة فسقطت.

بلغ المنصور أن أهل واسط لم يدفنوه فقال لئن صح لأحرقنها:

 

صفحة : 801

 

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي الهذيل العلاف عن أبي جعفر المنصور قال: بلغني أن السيد مات بواسط فلم يدفنوه. والله لئن تحقق عندي لأحرقنها.

ترحم عليه جعفر بن محمد: ووجدت في بعض الكتب: حدثني محمد بن يحيى اللؤلئي قال حدثني محمد بن عباد بن صهيب عن أبيه قال: كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيد، فدعا له وترحم عليه. فقال رجل: يا بن رسول الله، تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرجعة فقال: حدثني أبي عن جدي أن محبي آل محمد لا يموتون إلا تائبين وقد تاب، ورفع مصلى كانت تحته، فأخرج كتابا من السيد يعرفه فيه أنه قد تاب ويسأله الدعاء له.

عاش إلى خلافة الرشيد ومدحه: وذكر محمد بن إدريس العتبي أن معاذ بن يزيد الحميري حدثه أن السيد عاش إلى خلافة هارون الرشيد وفي أيامه مات، وأنه مدحه بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما. فبلغ ذلك الرشيد فقال: أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا.

لما مات أحضر له سبعون كفنا: أخبرني ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن نعيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله الطلحي قال حدثني إسحاق بن محمد بن بشير بن عمار الصيرفي عن جده بشير بن عمار قال: حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد، فوجه رسولا إلى صف الجزارين الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فغلط الرسول فذهب إلى صف السموسين ، فشتموه ولعنوه، فعلم أنه قد غلط، فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فوافاه سبعون كفنا. قال: وحضرناه جميعا وإنه ليتحسر تحسرا شديدا وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلم، إلى أنا أفاق إفاقة وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بوليك قالها ثلاث مرات مرة بعد أخرى. قال: فتجلى والله في جبهته عرق بياض، فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كله كالبدر ، وتوفي فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد، وذلك في خلافة الرشيد.

 

أخبار عبد الله بن علقمة وحبيشة

 

صوت من المائة المختارة

 

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها                      إلى بلد ناء قـلـيل الأصـادق

ولا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرة                      أثيبي بود قبل إحدى الـبـوائق عروضه من الطويل: قوله: فلا زلن حسرى: دعاء على الإبل التي ظعنت بها وأبعدتها عنه. وحسرى: قد حسرن أي بلغ منهن الجهد فلم يبقى فيهن بقية، يقال حسر ناقته فهو يحسرها، وهي حسرى، والذكر حسير ، قال الله عز وجل:  ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير  . وفي الحديث:  فإن أتعبتها حسرتها  . والظلع في كل شيء: أن تألم رجله فلا يقدر أن يمشي عليها فيغمز في مشيه كالأعرج إذا مشى، ويقال: ظلع فهو ظالع. والنائي: البعيد، والنية: الناحية التي تنوي إليها، والنوى: البعد، والتنائي: التباعد. والبوائق: الحوادث التي تأتي بما يحذر بغتة، وهي مثل المصائب والنوائب.

البيت الأول من الشعر لكثير، ويقال: إنه لأبي جندب الهذلي. والبيت الثاني لرجل من كنانة ثم من بني جذيمة، وزعم ابن دأب أنه عبد الله بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل أيضا: إنه يقال له عمرو الذي قتله خالد بن الوليد في بعض مغازيه التي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. الغناء في اللحن المختار لمتيم مولاة علي بن هشام وأم أولاده. ولحنها رمل بالبنصر، من رواية إسحاق وعمرو، وهو من الأرمال النادرة المختارة. وفيه خفيف ثقيل، يقال: إنه لحسين بن محرز، ويقال: إنه قديم من غناء أهل مكة.

أخبار عبد الله بن علقمة وتعشقه حبيشة: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني العباس بن بكار قال حدثنا ابن دأب قال: كان من حديث عبد الله بن علقمة أحد بني علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة أنه خرج مع أمه وهو مع ذلك غلام يفعه دون المحتلم لتزور جارة لها، وكان لها بنت يقال لها حبيشة بنت حبيش أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه، وانصرف وترك أمه عند جارتها، فلبثت عندها يومين.

ثم أتاها عبد الله بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زينت لأمر كان في الحي، فازداد بها عجبا، وانصرف بأمه في غداة تمطر، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول:

 

صفحة : 802

 

 

وما أدري بلـى إنـي لأدري                      أصوب القطر أحسن أم حبيش

حبيشة والذي خلـق الـهـدايا                      وما عن بعدها للصب عـيش فسمعت ذلك أمه فتغافلت عنه وكرهت قوله. ثم مشيا مليا، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:

يا أمتا أخبـرينـي غـير كـاذبة                      وما يريد مسول الحق بالـكـذب

أتلك أحسن أم ظـبـي بـرابـية                      لا بل حبيشة في عيني وفي أربي فزجرته أمه وقالت له: ما أنت وهذا نزوجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. وأتت امرأة عمه فأخبرتها خبره، وقالت: زيني ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمه: أيهما الآن أحسن? فقال:

إذا غيبت عـنـي حـبـيشة مـرة                      من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا

كأن الحشى حر السعـير يحـشـه                      وقود الغضى والقلب مسـتـعـرا وجعل يراسل الجارية وتراسله حتى علقته كما علقها، وكثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:

حبيشة هل جدي وجدك جـامـع                      بشملكم شملي وأهلكـم أهـلـي

وهل أنا ملتف بـثـوبـك مـرة                      بصحراء بين الأليتين إلى النخـل

وهل أشتفي من ريق ثغرك مـرة                      كراح ومسك خالطا ضرب النحل فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدة، وهو يزيد غراما بها ويكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك الله إن كنت أحببتني فو الله ما على الأرض شيء أبغض إلي منك، ونحن قريب نستمع ما تقولين. فوعدته وجلسوا قريبا يستمعون، وجلست عند السرحة، وأقبل عبد الله لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب فرجع. وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:

لو قلت ما قالوا لزدت جوى بكم                      على أنه لم يبق ستر ولا صبر

ولم يك حبي عن نوال بذلـتـه                      فيسليني عنه التجهم والهـجـر

وما أنس م الأشياء لا أنس دمعها                      ونظرتها حتى يغيبني القـبـر سرية خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة: وبعث النبي صلى الله عليه وسلم على أثر ذلك خالد بن الوليد بن بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوه وإلا قاتلهم . فصبحهم خالد بن الوليد بالغميصاء وقد سمعوا به فخافوه فظعنوا، وكانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد وعمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، وكانوا من أشد حي في كنانة بأسا يسمون لعقة الدم. فلما صبحهم خالد ومعه بنو سليم، وكانت بنو سليم طلبتهم بمالك بن خالد بن صخر بن الشريد وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم في موطن واحد. فلما صبحهم خالد في ذلك اليوم ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا. فقال لهم خالد: أسلموا تسلموا. قالوا: نحن قوم مسلمون. قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله. فقال جذيمة بن الحارث أحد بني أقرم: يا قوم، لا تضعوا سلاحكم، والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل. قالوا: لا والله لا نلقي سلاحنا ولا ننزل، ما نحن منك ولا لمن معك بآمنين. قال خالد: فلا أمان لكم إن لم تنزلوا. فنزلت فرقة منهم فأسرهم، وتفرق بقية القوم فرقتين، فأصعدت فرقة وسفلت فرقة أخرى.

رواية عبد الله بن أبي حدرد لما وقع لعبد الله بن علقمة مع حبيشة وهو يقتل: قال ابن دأب: فأخبرني من لا أتهم عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في جند خالد، فبعثنا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهن فتية، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم وقد مضوا، ووقف لنا غلام شاب على الطريق. فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا وهو يقول:

بين أطراف الذيول واربعن                      مشي حييات كأن لم يفزعن

إن يمنع اليوم نساء تمنعن فقاتلنا طويلا فقتلناه، ومضينا حتى لحقنا الظعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأول، فجعل يقاتلنا ويقول:

أقسم ما إن خادر ذو لبدة                      يزأر بين أيكة ووهـده

يفرس شبان الرجال وحده                      بأصدق الغداة مني نجده

 

صفحة : 803

 

فقاتلنا حتى قتلناه، وأدركنا الظعن فأخذناهن، فإذا فيهن غلام وضيء به صفرة في لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله، فقال لنا: هل لكم في خير? قلنا: وما هو? قال: تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلونني، قلنا، نفعل. فخرجنا حتى نعارض الظعن أسفل الوادي. فلما كان بحيث يسمعن الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش، عند نفاد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء فقالت: وأنت فاسلم على كثرة الأعداء، وشدة البلاء. فقال: سلام عليكم دهرا، وإن بقيت عصرا. قالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا تترى، وثلاثا وترا. فقال:

إن يقتلونـي يا حـبـيش فـلـم يدع                      هواك لهم مني سوى غلة الصـدر

وأنت التي أخليت لحمي مـن دمـي                      وعظمي وأسبلت الدموع على نحري فقالت له:

ونحن بكينا مـن فـراقـك مـرة                      وأخرى وآسيناك في العسر واليسر

وأنت فلا تبعد فنعم فتى الـهـوى                      جميل العفاف في المودة والستـر فقال لها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكـم                      بحلية أو أدركتكم بالخوانـق

ألم يك حقا أن ينول عاشـق                      تكلف إدلاج السرى والودائق فقال: بلى والله. فقال:

فلا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرة                      أثيبي بود قبل إحدى بالـبـوائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النـوى                      وينأى خليط بالحبيب المفـارق قال ابن أبي حدرد: فضربنا عنقه، فتقحمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه وإنها لتكسع بنفسها حتى ماتت مكانها. وأفلت من القوم غلام من بني أقرم يقال له السميدع حتى اقتحم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع خالد وشكاه.

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل خالد فأرسل عليا رضي الله عنه لأهل القتلى فوداهم: قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: هل أنكر عليه أحد ما صنع? فقال: نعم، رجل أصفر ربعة ورجل أحمر طويل. فقال عمر: أنا والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو ابني وصفته، وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة. وكان خالد قد أمر كل من أسر أسيرا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه بعد فراغه من حنين وبعث معه بإبل وورق وأمره أن يديهم فوداهم، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال علي: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى والجرحى وتحللوا رسول الله صلى الله عليه وسلم? قالوا نعم: فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الروع والفزع? قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثالث وتحللوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علم ومما لم يعلم? قالوا نعم. قال: فدفعته إليهم. وجعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغة الكلب، وفضلت فضلة فدفعتها إليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفقبلوها? قال نعم. قال: فو الذي أنا عبده لهي أحب إلي من حمر النعم.

وقالت سلمى بنت عميس:

وكم غادروا يوم الغميصاء من فتى                      أصيب فلم يجرح وقد كان جارحا

ومن سيد كهل عـلـيه مـهـابة                      أصيب ولما يعله الشيب واضحـا

أحاطت بخطاب الأيامى وطلقـت                      غداتئذ من كان منهن نـاكـحـا

ولولا مقال القوم للقوم أسلـمـوا                      للاقت سليم يوم ذلك نـاطـحـا ما وقع بين قريش وبين بني عامر بن عبد مناة في الجاهلية: قال ابن دأب: وأما سبب قتلهم القرشيين، فإنه كان نفر من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وكان يقال لهم لعقة الدم وكانوا ذوي بأس شديد. فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيين: إياكم أن يكون معكم رجل من فهم، لأنه كان له عندهم ذحل. قالوا: لا والله ما هو معنا، وهو معهم. فلما راحوا أدركهم العامريون ففتشوهم فوجدوا الفهمي معهم في رحالهم، فقتلوه وقتلوهم وأخذوا أموالهم. فقال راجزهم:

إن قريشا غـدرت وعـاده                      نحن قتلنا منهـم بـغـاده

عشرين كهلا ما لهم زيادة

 

صفحة : 804

 

وكان فيمن قتل يومئذ عفان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفان، وعوف بن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة، والفاكه بن الوليد بن المغيرة. فأرادت قريش قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم يفعلوا شيئا. وكان خالد بن عبيد الله أحد بني الحارث بن عبد مناة فيمن حضر الوقعة هو وضرار . فأشار إلى ذلك ضرار بن الخطاب بقوله:

دعوت إلى خطة خالـدا                      من المجد ضيعها خالد

فو الله أدري أضاهى بها                      بني العم أم صدره بارد

ولو خالد عاد في مثلهـا                      لتابعـه عـنـق وارد وقال ضرار أيضا:

أرى ابني لؤى أسرعا أن تسالما                      وقد سلكت أبناؤها كل مسلـك

فإن أنتم لم تثأروا برجـالـكـم                      فدوكوا الذي أنتم عليه بمـدوك

فإن أداة الحرب ما قد جمعتـم                      ومن يتق الأقرام بالشر يتـرك سرايا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح إلى قبائل كنانة: فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله، فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد الله الليثي، وإلى بني الدئل عمرو بن أمية الضمري، وبعث إلى بني مدلج عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وبعث إلى بني بغيض ومحارب بن فهر عبد الله بن نهيك أحد بني مالك بن حسل، وبعث إلى بني عامر بن عبد مناة خالدا.

فوافاهم خالد بماء يقال له الغميصاء، وقد كان خبره سقط إليهم، فمضى منهم سلف قتله بقوم منهم، يقال لهم بنو قيس بن عامر وبنو قعين بن عامر وهم خير القوم وأشرفهم، فأصيب من أصيب. فلما أقبل خالد ودخل المدينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد ما دعاك إلى هذا قال: يا رسول الله آيات سمعتهن أنزلت عليك. قال: وما هي? قال: قول الله عز ذكره:  قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم  وجاءني ابن أم أصرم فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تقاتل. فحينئذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوادهم.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا سعد بن أبي نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا ألا نقتل أحدا إن رأينا مسجدا أو سمعنا أذانا قال وكيع وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عاصم هذا عن أبيه بهذا الحديث قال: فبينا نحن نسير إذا بفتى يسوق ظعائن، فعرضنا عليه الإسلام فإذا هو لا يعرفه، فقال: ما أنتم صانعون بي إن لم أسلم? قلنا: نحن قاتلوك. قال: فدعوني ألحق هذه الظعائن، فتركناه، فأتى هودجا منها وأدخل رأسه فيه وقال: اسلمي حبيش، قبل نفاذ العيش. فقالت: وأنت فاسلم تسعا وترا، وثمانيا تترى، وعشرا أخرى. فقال لها:

فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة                      أثيبي بود قبل إحدى الـبـوائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النـوى                      وينأى أمير بالحبيب المـفـارق قال: ثم جاء فضربنا عنقه. فخرجت من ذلك الهودج جارية جميلة فجنأت عليه، فما زالت تبكي حتى ماتت.

حديث خالد للنبي صلى الله عليه وسلم عن غزوته بني جذيمة: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وعمرو بن عبد الله العتكي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: يروى أن خالد بن الوليد كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسئل عن غزوته بني جذيمة فقال: إن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثت. فقال: تحدث. فقال: لقيناهم بالغميصاء عند وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا الله أكتافهم فتبعناهم نطلبهم، فإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوب في أخريات القوم، فبوأت له الرمح فوضعته بين كتفيه، فقال: لا إله، فقبضت عنه الرمح، فقال: إلا اللات أحسنت أو أساءت. فهمسته همسة أذريته وقيذا ، ثم أخذته أسيرا فشددته وثاقا، ثم كلمته فلم يكلمني، واستخبرته فلم يخبرني. فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون، فقال:

 

صفحة : 805

 

أيا خالد قلت: ما تشاء? قال: هل أنت واقفي على هؤلاء النسوة? فأتيت على أصحابي ففعلت، وفيهن جارية تدعى حبيشة، فقال لها: ناوليني يدك فناولته يدها في ثوبها، فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: حييت عشرا، وتسعا وترا، وثمانيا تترى. فقال:

أريتك إن طالبتكم فوجدتـكـم                      بحلية أو أدركتكم بالخـوانـق

ألم يك حقا أن ينول عـاشـق                      تكلف إدلاج السرى والودائق

وقد قلت إذ أهلي لأهلك جيرة                      أثيبي بود قبل إحدى الصعائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النوى                      وينأ أمير بالحبيب المـفـارق

فإني لا ضيعت سر أمانـتـي                      ولا راق عيني بعد عينك رائق

سوى أن ما نال العشيرة شاغل                      عن الود إلا أن يكون التوامق فلما جاء على حاله تلك قدمته فضربت عنقه. فأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ترشفه وتقول:

لا تبعدن يا عمرو حيا وهـالـكـا                      فحق بحسن المدح مثلك من مثلي

لا تبعدن يا عمرو حيا وهـالـكـا                      فقد عشت محمود الثنا ماجد الفعل

فمن لطراد الخيل تشجر بالقـنـا                      وللفخر يوما عند قرقرة البـزل وجعلت تبكي وتردد هذه الأبيات حتى ماتت وإن رأسه لفي حجرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رفعت لي يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضونك على قتل عمرو حتى قتلته.

أبو السائب المخزومي وطربه بصوت شغله عن الفطور والسحور وكان صائما: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن المنذر عن صفية بنت الزبير بن هشام قالت: كان أبو السائب المخزومي رجلا صالحا زاهدا متقللا يصوم الدهر، وكان أرق خلق الله وأشدهم غزلا. فوجه ابنه يوما يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدو نفسه، ما أخرك إلى هذا الوقت? قال: جزت بباب بني فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هات يا بني، فو الله لئن كنت أحسنت لأحبونك، ولئن كنت أسأت لأضربنك. فاندفع يغني بشعر كثير:

ولما علوا شغبا تبـينـت أنـه                      تقطع من أهل الحجاز علائقي

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها                      إلى بلد ناء قلـيل الأصـادق فلم يزل يغنيه إلى نصف الليل. فقالت له زوجته. يا هذا، قد انتصف الليل وما أفطرنا. قال لها: أنت طالق إن كان فطورنا غيره. فلم يزل يغنيه إلى السحر. فلما كان السحر قالت له زوجته: هذا السحر وما أفطرنا فقال: أنت طالق إن كان سحورنا غيره. فلما أصبح قال لابنه: خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخ وأنا شاب وأنا أقوى على البرد منك. قال، يا بني، ما ترك صوتك هذا للبرد علي سبيلا ما حييت .

شعر لسليمان بن أبي دباكل: أخبرني وكيع قال أنشدنا أحمد بن يزيد الشيباني عن مصعب الزبيري لسليمان ابن أبي دباكل قال:

فهلا نظرت الصبح يا بعل زينـب                      فتقضى لبانات الحبيب المـفـارق

يروح إذا يمسي حنينـا ويغـتـدي                      وتهجيره عند احـتـدام الـودائق

فطر جاهدا أو كن حليفا لصخـرة                      ممنعة في رأس أرعن شـاهـق

فما زال هذا الدهر من شؤم صرفه                      يفرق بين العاشـقـين الأوامـق

فيبعدنا ممـن نـريد اقـتـرابـه                      ويدني إلينا من نـحـب نـفـارق

ولما علوا شغبـا تـبـينـت أنـه                      تقطع من أهل الحجاز عـلائقـي

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنـهـا                      إلى بلد نـاء قـلـيل الأصـادق

ذكر متيم الهشامية وبعض أخبارها

مغنية شاعرة اشتراها علي بن هشام وهي أم ولده:

 

صفحة : 806

 

كانت متيم صفراء مولدة من مولدات البصرة، وبها نشأت وتأدبت وغنت. وأخذت عن إسحاق وعن أبيه من قبله وعن طبقتهما من المغنين. وكانت من تخريج بذل وتعليمها. وعلى ما أخذت عنها كانت تعتمد. فاشتراها علي بن هشام بعد ذلك، فازدادت أخذا ممن كان يغشاه من أكابر المغنين. وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وأدبا. وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد، ولكنه يستحسن من مثلها. وحظيت عند علي بن هشام حظوة شديدة، وتقدمت على جواريه جمع عنده، وهي أم ولده كلهم.

كانت مولاة للبانة واشتراها منها علي بن هشام وأولدها: وقال عبد الله بن العنز فيما أخبرني عنه محمد بن إبراهيم قريش قال أخبرني الحسن بن أحمد المعروف بأبي عبد الله الهشامي قال: كانت متيم للبانة بنت عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولي عريب، فاشتراها علي بن هشام منها بعشرين ألف درهم وهي إذ ذاك جويرية، فولدت له صفية وتكنى أم العباس، ثم ولدت محمدا ويعرف بأبي عبد الله، ثم ولدت بعده ابنا يقال له هارون ويعرف بأبي جعفر، سماه المأمون وكناه لما ولد بهذا الاسم والكنية. قال: ولما توفي علي بن هشام عتقت.

كانت تغني المأمون والمعتصم: وكان المأمون يبعث إليها فتجيئه فتغنيه. فلما خرج المعتصم إلى سر من رأى أرسل إليها فأشخصها وأنزلها داخل الجوسق في دار كانت تسمى الدمشقي وأقطعها غيرها. وكانت تستأذن المعتصم في الدخول إلى بغداد إلى ولدها فتزورهم وترجع، ثم ضمها لما خرجت قلم. وقلم جارية كانت لعلي بن هشام. وكانت متيم صفراء حلوة الوجه.

فضلها عبد الله بن العباس على نفسه: فذكر محمد بن الحسن الكاتب أن الحسين بن يحيى بن أكثم حدثه عن الحسن بن إبراهيم بن رياح قال: سألت عبد الله بن العباس الربيعي: من أحسن من أدركت صنعة? قال: إسحاق. قلت: ثم من? قال: علويه. قلت: ثم من? قال: متيم. قلت: ثم من? قال: ثم أنا. فعجبت من تقديمه متيم على نفسه، فقال: الحق أحق أن يتبع.

أخبرني محمد بن الحسن قال حدثنا عمر بن شبة قال: سئل عبد الله بن العباس الربيعي عن أحسن الناس غناء. فذكر مثل هذه الحكاية، وزاد فيها أن قال له: أحسن أن أصنع كما صنعت متيم في قوله:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها ولا كما صنع علويه في قول الصمة:

فواحسرتي لم أقض منك لبانة                      ولم أتمتع بالجوار وبالقـرب قال: فأين عمرو بن بانة? قال: عمرو لا يضع نفسه في الصنعة هذا الموضع، ولكنه صنع لحنا في هذا الغناء.

نسبة صوت علويه صوت

فواحسرتي لم أقض منـك لـبـانة                      ولم أتمتع بالجـوار وبـالـقـرب

يقولون هذا آخر العهـد مـنـهـم                      فقلت وهذا آخر العهد من قلـبـي

ألا يا حمام الشعب شعب مراهـق                      سقتك الغوادي من حمام ومن شعب الشعر للصمة بن عبد الله القشيري. والغناء فيه لعلويه، ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى. وفيه لمخارق خفيف رمل بالوسطى، أوله: ألا يا حمام الشعب ثم الثاني ثم الأول. وذكر حبش أن فيه لإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر.

تطاول إبراهيم بن المهدي إلى منظرة كانت تغني بها وأخذ منها صوتا: وقال ابن المعتز أخبرني الهشامي قال: كانت متيم ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد وإبراهيم بن المهدي حاضر، فغنت متيم في الثقيل الأول:

لزينب طيف تعتريني طوارقـه                      هدوا إذا ما النجم لاحت لواحقه فأشار إليها إبراهيم إن تعيده، فقالت متيم للمعتصم: يا سيدي، إبراهيم يستعيدني الصوت وكأنه يريد أن يأخذه، فقال لها: لا تعيديه. فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا مجلس المعتصم ومتيم غائبة، فانصرف إبراهيم بعد حين إلى منزله ومتيم في منزلها بالميدان وطريقه عليها وهي في منظرة لها مشرفة على الطريق وهي تغني هذا الصوت وتطرحه على جواري علي بن هشام، فتقدم إلى المنظرة وهو على دابته فتطاول حتى أخذ الصوت، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته وقال: قد أخذناه بلا حمدك.

طلبها المأمون من علي بن هشام فلم يرض: وقال ابن المعتز: وحدثت أن المأمون سأل علي بن هشام أن يهبها له وكان بغنائها معجبا ، فدفعه بذلك ولم يكن له منها ولد. فلما ألح المأمون في طلبها حرص علي على أن تعلق منه حتى حبلت ويئس المأمون منها. فيقال إن ذلك كان سببا لغضبه عليه حتى قتله.

 

 

صفحة : 807

 

كان المعتصم يمازحها: وحدثني سليمان الطبال أنه رأى متيم في بعض مجالس المعتصم يمازحها ويجبذ بردائها.

غنت علي بن هشام صوتا أراد إسحاق انتحاله فعوضه عنه ببرذون: وحكى علي بن محمد الهشامي قال: أهدي إلى علي بن هشام برذون أشهب قرطاسي وكان في النهاية من الحسن والفراهة، وكان علي به معجبا، وكان إسحاق يشتهيه شهوة شديدة، وعرض لعلي بطلبه مرارا فلم يرض أن يعطيه له. فسار إسحاق إلى علي يوما بعقب صنعة متيم فلا زلن حسرى فاحتبسه علي وبعث إلى متيم أن تجعل صوتها هذا في صدر غنائها ففعلت، فأطرب إسحاق إطرابا شديدا، وجعل يسترده، فترده وتستوفيه ليزيد في إطرابه إسحاق وهو يصغي إليها ويتفهمه حتى صح له. ثم قال لعلي: ما فعل البرذون الأشهب? قال: علي ما عهدت من حسنه وفراهته. قال: فاختر الآن مني خلة من اثنتين: إما أن طبت لي نفسا به وحملتني عليه، وإما أن أبيت فأدعي والله هذا الصوت لي وقد أخذته، أفتراك تقول: إنه لمتيم وأقول: إنه لي ويؤخذ قولك ويترك قولي? قال: لا والله ما أظن هذا ولا أراه، يا غلام قد البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه ولجامه، لا بارك الله له فيه.

كان إسحاق يرى أنها ساوته: قال علي بن محمد وحدثني أحمد بن حمدون: أن إسحاق قال لمتيم لما سمع هذا الصوت منها: أنت أنا فأنا من يريد أنها قد حلت محله وساوته. قال علي بن محمد وقال جدي أبو جعفر: كانت متيم تقول: صوت

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها الرمل كله.

علي بن هشام وعتابه بذل جاريته: وحدثني الهشامي قال مد علي بن هشام يده إلى بذل جاريته في عتاب يعاتبها، ثم ندم على فعله ذلك، ثم أنشأ يقول:

فليت يدي بانت غداة مددتها                      إليك ولم ترجع بكف وساعد وغنت متيم جاريته فيه في الثقيل الأول، فكان يقال لبذل جارية علي بذل الصغيرة.

ضرب موسوس بذل بالعود فكان سبب موتها: وحدثني الهشامي قال: كان سبب موت بذل هذه أنها كانت ذات يوم جالسة عند المأمون فغنته، وكان حاضرا في ذلك المجلس موسوس يكنى بأبي الكركدن من أهل طبرستان يضحك منه المأمون، فعبثوا به فوثب عليهم وهرب الناس من بين يديه فلم يبق أحد حتى هرب المأمون، وبقيت بذل جالسة والعود في حجرها، فأخذ العود من يدها وضرب به رأسها فشجها في شابورتها اليمنى، فانصرفت وحمت، وكان سبب موتها.

تزوج المعتصم بذل الصغيرة وبقيت في قصره بعد موته: وحدثني الهشامي قال: لما مات علي بن هشام ومات المأمون، أخذ المعتصم جواري علي بن هشام كلهن فأدخلهن القصر، فتزوج ببذل المغنية وبقيت عنده إلى نأأن مات، فخرجت بذل الكبيرة والباقون إلا بذل الصغيرة لأنها كانت حرمته فلم يخرجوها .

ويقال: إنه لم يكن في المغنين أحسن صنعة من علويه وعبد الله بن العباس ومتيم.

شعر ابن الجهم في متيم الهشامية وأولادها: وفي أولادها يقول علي بن الجهم:

بني متيم هل تدرون ما الخبـر                      وكيف يستر أمر ليس يستتـر

حاجيتكم من أبوكم يا بني عصب                      شتى ولكنما للعاهر الحـجـر غضبت من علي بن هشام وصالحها بشعر: قال: وحدثني جدي قال: كلم علي بن هشام متيم فأجابته جوابا لم يرضه، فدفع يده في صدرها، فغضبت ونهضت، فتثاقلت عن الخروج إليه. فكتب إليها: صوت

فليت يدي بانت غداة مددتهـا                      إليك ولم ترجع بكف وساعـد

فإن يرجع الرحمن ما كان بيننا                      فلست إلى يوم التنادي بعـائد غنته متيم خفيف رمل بالبنصر.

عتبت على علي بن هشام وترضاها ثم كتب إليها فرضيت: قال: وعتبت عليه مرة فتمادى عتبها، وترضاها فلم ترض، فكتب إليها : الإدلال يدعو إلى الإملال، ورب هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه. ولقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول:

ما أراني إلا سأهجر من لـي                      س يراني أقوى على الهجران

قد حدا بي إلى الجفاء وفـائي                      ما أضر الوفاء بـالإنـسـان قال: فخرجت إليه من وقتها ورضيت .

كانت تهدي للهشامي نبقا لأنه يحبه: وحدثني الهشامي قال:

 

صفحة : 808

 

كانت متيم تحبني حبا شديدا يتجاوز محبة الأخت لأخيها، وكانت تعلم أني أحب النبق، فكانت لا تزال تبعث إلي منه. فإني لأذكر في ليلة من الليالي في وقت السحر إذا أنا ببابي يدق. فقيل: من هذا? فقالوا: خادم متيم يريد أن يدخل إلى أبي عبد الله. فقلت: يدخل. فدخل ومعه إلي صينية فيها نبق، فقال لي: تقرئك السلام وتقول لك: كنت عند أمير المؤمنين المعتصم بالله فجاءوه بنبق من أحسن ما يكون، فقلت له: يا سيدي، أطلب من أمير المؤمنين شيئا? فقال لي: تطلبين ما شئت. قالت: يطعمني أمير المؤمنين من هذا النبق، فقال لسمانة : اجعل من هذا النبق في صينية واجعلوها قدام متيم، فأخذته وذللته لك وقد بعثت به إليك معي، ثم دفعت إلي دراهم وقالت: هب للحراس هذه الدراهم لكي يفتحوا الدروب لك حتى تصير به إليه.

أراد إسحاق انتحال غناء متيم فعوضه علي بن هشام عن ذلك ببرذون: ثم حدثنا الهشامي قال: بعث علي بن هشام إلى إسحاق فجاء، فأخرج متيم جاريته إليه، فغنت بين يديه:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها                      إلى بلد ناء قلـيل الأصـادق فاستعاده إسحاق واستحسنه، ثم قال له: بكم تشتري مني هذا الصوت? فقال له علي بن هشام: جاريتي تصنع هذا الصوت وأشتريه منك قال: قد أخذته الساعة وأدعيه، فقول من يصدق، قولي أو قولك فافتداه منه ببرذون اختاره له.

سمع علي بن هشام من قلم جارية زبيدة صوتا فأخرجه لجواريه بمائة ألف دينار: وحدثني الهشامي قال: سمع علي بن هشام قدام المأمون من قلم جارية زبيدة صوتا عجيبا، فرشا لمن أخرجه من دار زبيدة بمائة ألف دينار حتى صار إلى داره وطرح الصوت على جواريه. ولو علمت بذلك زبيدة لاشتد عليها، ولو سألها أن توجه به ما فعلت.

ذكر إسحاق متيم في كتابه وكان يتعالى من ذكر غيرها: وحدثني يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن أبيه قال: لما صنعت متيم اللحن في قوله:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها أعجب به علي بن هشام، وأسمعه إسحاق فاستحسنه وقال: من أين لك هذا? فقال: من بعض الجواري.

فقال : إنه لعريب، ولم يزل يستعيده حتى قال: إنه لمتيم، فأطرق. وكان متحاملا على المغنين شديد النفاسة عليهم كثير الظلم لهم مسرفا في حط درجاتهم، وما رأيته في غنائه ذكر لعلويه ولا مخارق ولا عمرو بن بانة ولا عبد الله بن عباس وأولا محمد بن الحارث صوتا واحدا ترفعا عن ذكرهم منتصبا لهم، وذكر في آخر الكتاب قوله:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها                      إلى بلد ناء قلـيل الأصـادق ووقع تحته لمتيم. وذكر آخر كل صوت في الكتاب ونسب إلى كل مغن صوته غير مخارق وعلويه وعمرو بن بانة وعبد الله بن عباس فما ذكرهم بشيء.

سمعت شاهك جدة علي بن هشام صوتها فأعجبت بها وأمرت لها بجائزة: أخبرنا أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال قال لي علي بن هشام: لما قدمت علي شاهك جدتي من خراسان، قالت: اعرض جواريك علي، فعرضتهن عليها. ثم جلسنا على الشراب، وغنتنا متيم. وأطالت جدتي الجلوس فلم أنبسط إلى جواري كما كنت أفعل، فقلت هذين البيتين: صوت

أنبقى على هذا وأنت قـريبة                      وقد منع الزوار بعض التكلم

سلام عليكم لا سلام مـودع                      ولكن سلام من حبيب متـيم وكتبتهما في رقعة ورميت بها إلى متيم، فأخذتها ونهضت إلى الصلاة ، ثم عادت وقد صنعت فيه اللحن الذي يغنى فيه اليوم، فغنت. فقالت شاهك: ما أرانا إلا قد ثقلنا عليكم اليوم، وأمرت الجواري فحملن محفتها، وأمرت بجوائز للجواري وساوت بينهن، وأمرت لمتيم بمائة ألف درهم.

هي أول من عقد على الإزار زنارا: وأخبرني قال: أول من عقد من النساء في طرف الإزار زنارا وخيط إبريسم ثم تجعله في رأسها فيثبت الإزار ولا يتحرك ولا يزول متيم.

مرت بقصر مولاها بعد قتله فرثته: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال: مرت متيم في نسوة وهي مستخفية بقصر علي بن هشام بعد أن قتل، فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس عليه وقد علاه التراب والغبرة وطرحت في أفنيته المزابل، وقفت عليه وتمثلت: صوت

يا منزلا لم تبل أطلالـه                      حاشا لأطلالك أن تبلـى

لم أبك أطلالك لكنـنـي                      بكيت عيشي فيك إذ ولى

 

صفحة : 809

 

 

قد كان لي فيك هوى مرة                      غيبه التراب ومـا مـلا

فصرت أبكي جاهدا فقده                      عند اذكاري حيثما حـلا

فالعيش أولى ما بكاه الفتى                      لا بد للمحزون أن يسلى فيه رمل بالوسطى لا بن جامع قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يناشدنها ويقلن: الله الله في نفسك فإنك تؤخذين الآن، فبعد لأي ما حملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع.

أمرها المعتصم بالغناء فعرضت بمولاها: نسخت من كتاب أبي سعيد السكري حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثني محمد بن الحسن عن عبد الله بن العباس الربيعي قال: قالت لي متيم: بعث إلي المعتصم بعد قدومه بغداد، فذهبت إليه، فأمرني بالغناء فغنيت:

هل مسعد لبكاء                      بغبرة أو دماء فقال: اعدلي عن هذا البيت إلى غيره، فغنيته غيره من معناه، فدمعت عيناه وقال: غني غير هذا. فغنيت في لحني:

أولئك قومي بعد عز ومنعة                      تفانوا وإلا تذرف العين أكمد فبكى وقال: ويحك لا تغنيني في هذا المعنى شيئا البتة . فغنيت في لحني:

لا تأمن الموت في حل وفي حرم                      إن المنايا تغشى كـل إنـسـان

واسلك طريقك هونا غير مكترث                      فسوف يأتيك ما يمني لك الماني فقال: والله لولا أني أعلم أنك إنما غنيت بما في قلبك لصاحبك وأنك لم تريدني لمثلت بك، ولكن خذوا بيدها فأخرجوها، فأخذوا بيدي فأخرجت.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

هل مسعد لبكاء                      بعبرة أو دماء

وذا لفقد خلـيل                      لسادة نجبـاء الشعر لمراد شاعرة علي بن هشام ترثيه لما قتله المأمون. والغناء لمتيم. ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى. منها:

ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني وقد أخرج في أخبار إبراهيم بن المهدي لأنه من غنائه وشعره، وشرحت أخباره فيه. ولحنه رمل بالوسطى. ومنها: صوت

أولئك قومي بعد عز ومنعة                      تفانوا وإلا تذرف العين أكمد وقد أخرج في أخبار أبي سعيد مولى فائد والعبلي وغنيا فيه من مراثيهما في بني أميه. ولحن متيم هذا الذي غنت فيه المعتصم ثاني ثقيل بالوسطى.

ومنها: صوت

لا تأمن الموت في حل وفي حرم ذك الهشامي أنه مما وجده من غناء متيم، غير أن لها لحنا فيه يذكر في موضع غير هذا على شرح إن شاء الله تعالى، وإنما ألفت صوتا تولعت به وغنته فنسبه إليها .

كانت تغني لنفسها خفيف رمل: وأخبرني قال: كنا في مجلسنا نياما. فلما كان مع الفجر إذا متيم قد دخلت علينا وقالت: أطعموني شيئا، فأخرجوا إليها شيئا تأكله، فأكلت، ودعت بنبيذ وابتدأت الشرب، ودعت بعود فاندفعت تغني لنفسها وتشرب. وكان مما غنت:

كيف الثواء بأرض لا أراك بها                      يا أكثر الناس عندي منة ويدا خفيف رمل وقال: ما رأيت أحدا من المغنين والمغنيات إذا غنوا لأنفسهم يكادون يغنون إلا خفيف رمل.

نوحها على سيدها: وأخبرني قال حدثني بعض أهلها قال: لما أصبنا بعلي بن هشام، جاء النوائح، فطرح بعض من حضر من مغنياته عليهن نوحا من نوح متيم، وكان حسنا جيدا، فأبطأ نوح النوائح اللاتي جئن لحسنه وجودته. وكانت زين حاضرة فاستحسنته جدا، وقالت: رضي الله عنك يا متيم كنت علما في السرور، وأنت علم في المصائب.

وأخبرني قال: إني لأذكر من بعض نوحها:

لعلي وأحمد وحسـين                      ثم نصر وقبله للخليل هزج.

أرسلت لها مؤنسة هدية يوم حجامتها: قال ابن المعتز: وأخبرني الهشامي قال: وجهت مؤنسة جارية المأمون إلى متيم جارية علي بن هشام في يوم احتجمت في مخنقة في وسطها حبة لها قيمة جليلة كبيرة وعن يمين الحبة ويسارها أربع يواقيت وأربع زمردات وما بينها من شذور الذهب، وباقي المخنقة قد طيب بغالية.

كانت تحب البنفسج وتؤثره على غيره: وأخبرني قال: كانت متيم يعجبها البنفسج جدا، وكان عندها آثر من كل ريحان وطيب، حتى إنها من شدة إعجابها به لا يكاد يخلو من كمها الريحان ولا نراه إلا كما قطف من البستان .

لما ماتت هي وإبراهيم بن المهدي وبذل قالت جارية للمعتصم أظن أن في الجنة عرسا: وقد أخبرني رحمه الله قال حدثنا أبو جعفر بن الدهقانة:

 

صفحة : 810

 

أن جارية للمعتصم قالت له لما ماتت متيم وإبراهيم بن المهدي وبذل: يا سيدي، أظن أن في الجنة عرسا، فطلبوا هؤلاء إليه. فنهاها المعتصم عن هذا القول وأنكره. فلما كان بعد أيام، وقع حريق في حجرة هذه القائلة فاحترق كل ما تملكه. وسمع المعتصم الجلبة فقال: ما هذا? فأخبر عنه، فدعا بها فقال: ما قصتك? فبكت وقالت: يا سيدي، احترق كل ما أملكه. فقال: لا تجزعي، فإن هذا لم يحترق وإنما استعاره أصحاب ذلك العرس.

أمرها المأمون بأن تجيز شعرا: وقد ذكرت في متقدم أخبار متيم أنها كانت تقول الشعر ولم أذكر شيئا. فمن ذلك ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني الفضل بن العباس بن يعقوب قال حدثني أبي قال: قال المأمون لمتيم جارية علي بن هشام: أجيزي لي هذين البيتين:

تعالي تكون الكتب بيني وبينكم                      ملاحظة نومي بها ونشـير

ورسلي بحاجاتي وهن كثيرة                      إليك إشارات بهـا وزفـير صوت من المائة المختارة

إن العيون التي في طرفها مرض                      قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له                      وهن أضعف خلق الله أركـانـا عروضه من البسيط. والشعر لجرير. والغناء لابن محرز. ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل. وفي هذه القصيدة أبيات أخر تغنى فيه ألحان سوى هذا اللحن، منها قوله: صوت من المائة المختارة

أتبعتهم مقلة إنسـانـهـا غـرق                      هل ما ترى تارك للعين إنسانـا

إن العيون التي في طرفها مرض                      قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا الغناء في هذين البيتين ثقيل أول مطلق بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

ومنها أيضا: صوت

بان الأخلا وما ودعت من بـانـا                      وقطعوا من حبال الوصل أركانـا

أصبحت لا أبتغي من بعدهم بـدلا                      بالدار دارا ولا الجيران جـيرانـا

وصرت مذ ودع الأظعان ذا طرب                      مروعا من حذار البين محـزانـا في الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف رمل بالبنصر. وفيها للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، من رواية عمرو بن بانة والهشامي. وذكر حبش أن فيه لمالك خفيف رمل بالوسطى، ولابن سرجس في الأول والثاني وبعدهما:

أتبعتهم مقلة إنسانها غرق رمل بالوسطى. وذكر الهشامي أن لابن محرز في الأول والثاني بعدهما أتبعتهم مقلة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، وذكر المكي أنه لمعبد.

 

الجزء الثامن

 

نسب جرير وأخباره

نسبه من قبل أبويه: جرير بن عطية بن الخطفى. والخطفى لقب، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. ويكنى أبا حزرة. ولقب الخطفى لقوله:

يرفعن لليل إذا ما أسدفا                      أعناق جنان وهاما رجفا

وعنقا بعد الكلل خيطفا ويروى: خطفى.

وهو والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعا. ومختلف في أيهم المتقدم، ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلا تعرض لهم فافتضح وسقط وبقوا يتصاولون، على أن الأخطل إنما دخل بين جرير والفرزدق في آخره أمرهما وقد أسن ونفد أكثر عمره. وهو وإن كان له فضله وتقدمه فليس نجره من نجار هذين في شيء، وله أخبار مفردة عنهما ستذكر بعد هذا مع ما يغنى من شعره.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي، وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش قالا حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب وأبي غسان دماذ وإبراهيم بن سعدان عن أبيه جميعا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، بنسب جرير على ما ذكرته وسائر ما أذكره في الكتاب من أخباره فأحكيه عن أبي عبيدة أو عن محمد بن سلام. قالوا جميعا: وأم جرير أم قيس بنت معيد بن عمير بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب بن يربوع. وأم عطية النوار بنت يزيد بن عبد العزى بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب.

 

 

صفحة : 811

 

قال أبو عبيدة ومحمد بن سلام ووافقهما الأصمعي فيما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عنه: اتفقت العرب على أن أشعر أهل الإسلام ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل، واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. قال محمد بن سلام: والراعي معهم في طبقتهم ولكنه آخرهم، والمخالف في ذلك قليل. وقد سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وكان يونس فرزدقيا.

قال ابن سلام: وقال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة، قال أبو عبيدة: يحتج من قدم جريرا بأنه كان أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظا، وأقلهم تكلفا، وأرقهم نسيبا، وكان دينا عفيفا. وقال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما وأنسبهما.

ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق، قال الفرزدق بيتا مدح فيه قبيلتين وهجا قبيلتين، قال:

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها                      كما آل يربوع هجوا آل دارم يعني بعبيدها بني حنيفة. وقال جرير بيتا هجا فيه أربعة:

إن الفرزدق والبعيث وأمه                      وأبا البعيث لشر ما إستار قال: وقال جرير: لقد هجوت التيم في ثلاث كلمات ما هجا فيهن شاعر شاعرا قبلي، قلت:

من الأصلاب ينزل لؤم تيم                      وفي الأرحام يخلق والمشيم جرير وطبقته من الشعراء: وقال محمد بن سلام: قال العلاء بن جرير العنبري وكان شيخا قد جالس الناس: إذا لم يجيء الأخطل سابقا فهو سكيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا، وجرير يجيى سابقا ومصليا وسكيتا. قال محمد بن سلام: ورأيت أعرابيا من بني أسد أعجبني ظرفه وروايته، فقلت له: أيهما عندكم أشعر? قال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب، وفي كلها غلب جرير، قال في الفخر:

إذا غضبت عليك بنو تميم                      حسبت الناس كلهم غضابا والمديح:

ألستم خير من ركب المطايا                      وأندى العالمين بطون راح والهجاء:

فغض الطرف إنك من نمير                      فلا كعبا بلغت ولا كلابـا والنسب:

إن العيون التي في طرفها حور                      قتلننا ثم لم يحـيين قـتـلانـا قال أبو عبد الله محمد بن سلام: وبيت النسيب عندي:

فلما التقى الحيان ألقيت العصـا                      ومات الهوى لما أصيبت مقاتله قال كيسان: أما والله لقد أوجعكم يعني في الهجاء. فقال: يا أحمق أو ذاك يمنعه أن يكون شاعرا تفضيله عبيدة بن هلال على الفرزدق: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة، وأخبرنا أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام الجمحي قال حدثني أبان بن عثمان البلخي قال: تنازع في جرير والفرزدق رجلان في عسكر المهلب، فارتفعا إليه وسألاه، فقال: لا أقول بينهما شيئا ولكني أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيدة بن هلال اليشكري وكان بإزائه مع قطري وبينهما نهر. وقال عمر بن شبة: في هؤلاء الخوارج من تهون عليه سبال كل واحد منهما فأما أنا فما كنت لأعرض نفسي لهما. فخرج أحد الرجلين وقد تراضيا بحكم الخوارج، فبدر من الصف ثم دع بعبيدة بن هلال للمبارزة فخرج إليه.

فقال: إني أسألك عن شيء تحاكمنا إليك فيه، فقال: وما هو? عليكما لعنة الله. قال: فأي الرجلين عندك أشعر: أجرير أم الفرزدق? فقال: لعنكما الله ولعن جريرا والفرزدق أمثلى يسأل عن هذين الكلبين قالا: لا بد من حكمك. قال: فإني سائلكم قبل ذلك عن ثلاث. قالوا: سل. قال: ما تقولون في إمامكم إذا فجر? قالوا: نطيعه وإن عصى الله عز وجل. قال: قبحكم الله فما تقولون في كتاب الله وأحكامه قالوا: ننبذه وراء ظهورنا ونعطل أحكامه. قال: لعنكم الله إذا فما تقولون في اليتيم? قالوا: نأكل ماله وننيك أمه. قال: أخزاكم الله إذا والله لقد زدتموني فيكم بصيرة. ثم ذهب لينصرف، فقالوا له: إن الوفاء يلزمك، وقد سألتنا فأخبرناك ولم تخبرنا، فرجع فقال: من الذي يقول:

إنا لنذعر يا قفـير عـدونـا                      بالخيل لاحقة الأياطل قـودا

وتحوط حوزتنا وتحمي سرحنا                      جرد ترى لمغارها أخـدودا

 

صفحة : 812

 

 

أجرى قلائدها وقدد لحـمـهـا                      ألا يذقن مع الشـكـائم عـودا

وطوى القياد مع الطراد متونها                      طي التجار بحضر موت برودا قالا: جرير، فهو ذاك، فانصرفا.

حديث الأصمعي وغيره عنه: أخبرني عم أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا الرياشي قال قال الأصمعي وذكر جريرا فقال: كان ينهشه ثلاثة أوربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدا واحدا، ومنهم من كان ينفحه فيرمي به، وثبت له الفرزدق والأخطل. وقال جرير: والله ما يهجوني الأخطل وحده وإنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلهم عزيز ليس بدون الأخطل، وذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا، وينتحل هو القصيدة بعد أن يتمموها.

قال ابن سلام: وحدثني أبو البيداء الرياحي قال قال الفرزدق: إني وإياه لنغترف من بحر واحد وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني زيرك بن هبيرة المناني قال: كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، وكان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب.

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس بن معاوية بن أبي عمر بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر ابنا عبد الملك المسمعيان، فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير والله أنسبهما وأسبهما وأشبههما.

سمع الراعي شعره فأقر بأنه جدير بالسبق: قال ابن سلام: وحدثني أبو البيداء قال: مر راكب بالراعي وهو يغني بيتين لجرير، وهما:

وعاو عوى من غير شيء رميته                      بقارعة أنفاذها تقطر الـدمـا

خروج بأفواه الرواة كـأنـهـا                      قرا هندواني إذ هز صمـمـا فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان? قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجن والإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا.

رأي بشار فيه وفي صاحبيه ورثاؤه ابنه: قال ابن سلام: وسألت بشارا المرعث: إي الثلاثة أشعر? فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. قلت: فهذان? قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشار: وأي شيء لجرير من المراثي إلا التي رثى بها امرأته فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشأم:

قالوا نصيبـك مـن أجـر لـهـم                      كيف العزاء وقد فارقت أشبـالـي

فارقتني حين كف الدهر من بصري                      وحين صرت كعظم الرمة البالـي

أمس سوادة يجلو مقلـتـي لـحـم                      باز يصرصر فوق المربأ العالـي

قد كنت أعرفه مني إذا غـلـقـت                      رهن الجياد ومد الغاية الـغـالـي

إن الثوي بذي الزيتون فاحتسـبـي                      قد أسرع اليوم في عقلي وفي حالي

إلا تكن لـك بـالـديرين مـعـولة                      فرب باكية بـالـرمـل مـعـوال

كأم بو عجـول عـنـد مـعـهـده                      حنت إلى جلـد مـنـه وأوصـال

حتى إذا عرفـت أن لا حـياة بـه                      ردت هماهم حرى الجوف مثكـال

زادت على وجدها وجدا وإن رجعت                      في الصدر منها خطوب ذات بلبال أخبرني عبد الواحد بن عبيد عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المغيرة بن حجناء وعمارة بن عقيل قالا: خرج جرير إلى دمشق يؤم الوليد، فمرض ابن له يقال له سوادة، وكان به معجبا، فمات بالشأم، فجزع عليه ورثاه جرير فقال:

أودى سوادة يجلو مقلتي لـحـم                      باز يصرصر فوق المربأ العالي حديث الفرزدق عنه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثني رجل من أصحاب الحديث يقال له الحسن قال حدثني أبو نصر اليشكري عن مولى لبني هاشم قال: إمترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيهما أشعر، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى قال:

 

صفحة : 813

 

يا نوار، أدركت برنيتك? قالت: قد فعلت أو كادت. قال: فابثعي بدرهم فاشتري لحما، ففعلت وجعلت تشرحه وتلقيه على النار ويأكل. ثم قال: هاتي برنيتك، فشرب قدحا ثم ناولني، وشرب آخر ثم ناولني. ثم قال: هات حاجتك يا بن أخي، فأخبرته، قال: أعن ابن الخطفى تسألني ثم تنفس حتى قلت: انشقت حيازيمه، ثم قال: قاتله الله فما أخشن ناحيته وأشرد قافيته والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابجا وعند الجراء قارحا، وقد قال بيتا لأن أكون قلته أحب إلى مما طلعت عليه الشمس:

إذا غضبت عليك بنو تميم                      حسبت الناس كلهم غضابا أثنى عليه الفرزدق أمام الأحوص: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة، قالا: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة. فقال الأحوص: ما تشتهي? قال: شواء وطلاء وغناء. قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة بالمدينة، فغنته: صوت

ألا حي الديار بسـعـد إنـي                      أحب لحب فاطـمة الـديارا

إذا ما حل أهلك يا سلـيمـى                      بدارة صلصل شحطوا مزارا

أراد الظاعنون ليحزنـونـي                      فهاجوا صدع قلبي فاستطار غناه أبو محرز خفيف ثقيل أول بالبنصر فقال الفرزدق: ما أرق أشعاركم يأهل الحجاز وأملحها قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر? قال: لا والله. قال: فهو والله لجرير يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره.

قدم المدينة وتحدث مع الأحوص حتى أخزاه وأقبل على أشعب وأجازه: أخبرني أحمد قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي، وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه قال قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، وجاء الأحوص فقال: أين هذا? فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه? قال: أخزيه، والله إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف. فأقبل جرير علينا وقال: من الرجل? قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قال: هذا الخبيث بن الطيب. ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:

يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا                      وأحسن شيء ما به العين قرت فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك? قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة. وأقبلنا نسأل جريرا وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب، فأقبل أشعب يسأله، فقال له جرير: والله إنك لأقبحهم وجها ولكني أراك أطولهم حسبا، وقد أبرمتني. فقال: أنا والله أنفعهم لك. فانتبه جرير فقال: كيف? قال: إني لأملح شعرك، واندفع يغنيه قوله: صوت

يا أخت ناجية السلام عليكـم                      قبل الفراق وقيل لوم العذل

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم                      يوم الفراق فعلت ما لم أفعل قال: فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته وجعله قريبا منه، ثم قال: أجل والله إنك لأنفعهم لي وأحسنهم تزيينا لشعري، أعد، فأعاده عليه وجرير يبكي حتى اخضلت لحيته، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه وكساه حلة من حلل الملوك. وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب ويعطيه جرير شعره فيغني فيه قال: وكان أشعب من أحسن الناس صوتا. قال حماد: والغناء الذي غناه فيه أشعب لابن سريج.

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه عن جده يحيى بن أعين، وذكر ذلك هشام بن الكلبي قال حدثني النهشلي من بني مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل قال حدثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفى، وأمه الربداء بنت جرير - وهذا الخبر وإن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتن بينه وبين الفرزدق وغيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ واختصار - : أن جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل، وهو خليفة للحجاج يومئذ، فمدحه جرير فقال:

أقبلت من ثهلان أو جنبي خيم                      على قلاص مثل خيطان السلم

 

صفحة : 814

 

ثهلان: جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس، به ماء ونخل:

قد طويت بطونها طـي الأدم                      يبحثن بحثا كمضلات الخـدم

إذا قطعن علمـا بـدا عـلـم                      حتى تناهين إلى باب الحكـم

خليفة الحجاج غير المتـهـم                      في معقد العز وبؤبؤء الكرم

بعد انفضاج البدن واللحم زيم فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج: إنه قدم علي أعرابي شيطان من الشياطين. فكتب إليه أن ابعث به إلي، ففعل، فقدم عليه فأكرمه الحجاج وكساه جبة صبرية وأنزله فمكث أياما. ثم أرسل إليه بعد نومه فقالوا: أجب الأمير، فقال: ألبس ثيابي، فقالوا: لا والله لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها، ففزع جرير وعليه قمبص غليظ وملاءة صفراء. فلما رأى ما به رجل من الرسل دنا منه وقال: لا بأس عليك، إنما دعاك للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدو الله علام تشتم الناس وتظلمهم? فقلت: جعلني الله فداء الأمير، والله إني ما أظلمهم ولكنهم يظلمونني فأنتصر. ما لي ولابن أم غسان وما لي وللبعيث وما لي وللفرزدق وما لي وللأخطل وما لي وللتيمي حتى عددهم واحدا واحدا. فقال الحجاج: ما أدري ما لك ولهم قال: أخبر الأمير أعزه الله: أما غسان بن ذهبل فإنه رجل من قومي هجاني وهجا عشيرتي وكان شاعرا. قال: فقال: لك ماذا? قال قال لي:

لعمري لئن كانت بجيلة زانـهـا                      جرير لقد أخزي كليبا جريرهـا

رميت نضالا عن كليب فقصرت                      مراميك حتى عاد صفرا جفيرها

ولا يذبحون الشاة إلا بـمـيسـر                      طويل تناجيها صغار قـدورهـا قال: فما قلت له? قال قلت:

ألا ليت شعري عن سليط ألم تـجـد                      سليط سوى غسان جارا يجـيرهـا

فقد ضمنوا الأحساب صاحب سـوءة                      يناجي بها نفسا خبيثا ضـمـيرهـا

كأن سليطا في جواشنها الخـصـى                      إذا حل بين الأملـحـين وقـيرهـا

أضجوا الروايا بالمـزاد فـإنـكـم                      ستكفون ركض الخيل تدمى نحورها

كأن السليطيات مـجـنـاة كـمـأة                      لأول جان بالعصا يسـتـثـيرهـا

عضاريط يشوون الفراسن بالضحـى                      إذا ما السرايا حث ركضا مغيرهـا

فما في سليط فـارس ذو حـفـيظة                      ومعقلها يوم الهـياج جـعـورهـا

عجبت من الداعي جحيشـا وصـائدا                      وعيساء يسعى بالعلاب نـفـيرهـا قال: ثم من? قال: البعيث. قال: ما لك وله? قال: اعترض دونه ابن أم غسان يفضله علي ويعينه. قال: فما قال لك? قال قال لي:

كليب لئام الناس قد تعلمونـه                      وأنت إذا عدت كليب لئيمها

أترجو كليب أن يجيء حديثها                      بخير وقد أعيا كليبا قديمهـا قال: فما قلت له? قال قلت:

ألم ترأني قد رميت ابن فرتنى                      بصماء لا يرجو الحياة أميمها

له أم سوء بئس ما قدمت لـه                      إذا فرط الأحساب عد قديمها قال: ثم من? قلت: الفرزدق. قال: وما لك وله? قلت: أعان البعيث علي.

قال: فما قلت له? قال قلت:

تمنى رجال من تميم لي الـردى                      وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلـي

كأنهم لا يعلمـون مـواطـنـي                      وقد جربوا أني أنا السابق المبلى

فلو شاء قومي كان حلمي فيهـم                      وكان على جهال أعدائهم جهلي

قد زعموا أن الفـرزدق حـية                      وما قتل الحيات من أحد قبلـي قال: ثم من? قلت: الأخطل. قال: ما لك وله? قلت: رشاه محمد بن عمير ابن عطارد زقا من خمر وكساه حلة على أن يفضل علي الفرزدق ويهجوني. قال: فما قال لك? قال قال:

إخسأ إليك كليب إن مجاشـعـا                      وأبا الفوارس نهشـلا أخـوان

وإذا وردت الماء كـان لـدارم                      جماته وسهـولة الأعـطـان

وإذا قذفت أباك في ميزانـهـم                      رجحوا وشال أبوك في الميزان قال: فما قلت له? قال قلت:

ياذا العباءة إن بشرا قد قضى                      ألا تجوز حكومة النشـوان

 

صفحة : 815

 

 

فدعوا الحكومة لستم من أهلها                      إن لحكومة في بني شيبـان

قتلوا كليبكم بلقحة جـارهـم                      يا خزر تغلب لستم بهجـان قال: ثم من? قلت: عمر بن لجأ التيمي. قال: ما لك وله? قال: قلت بيتا من شعر فقبحه وقاله على غير ما قلته? قلت:

لقومي أحمى للحقيقة منـكـم                      وأضرب للجبار والنقع ساطع

وأوثق عند المردفات عشـية                      لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فزعم أني قلت:

وأوثق عند المرهفات عشـية                      لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فقال: لحقتهن عند العشي وقد أخذن غدوة، والله ما يمسين حتى يفضحن.

قال: فما قلت له? قال قلت:

يا تـيم تـيم عـدي لا أبـا لـكـم                      لا يوقعنكم فـي سـوءة عـمـر

خل الطريق لمن يبني المنـار بـه                      وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر حتى أتى على الشعر. قال: ثم من? قلت: سراقة بن مرداس البارقي. قال: ما لك وله? قال قلت: لا شيء، حمله بشر بن مروان وأكرهه على هجائي، ثم بعث إلي رسولا وأمرني أن أجيبه. قال: فما قال لك? قال قال:

إن الفرزدق برزت أعراقـه                      عفوا وغودر في الغبار جرير

ما كنت أول محمر قعدت بـه                      مسعاته إن الـلـئيم عـثـور

هذا قضاء البـارقـي وإنـه                      بالميل في ميزانكم لبـصـير قال: فما قلت له? قال قلت:

يا بشر حق لوجهك التبشـير                      هلا غضبت لنا وأنت أمـير

بشر أبو مروان إن عاسرتـه                      عسر وعند يساره ميسـور

إن الكريمة ينصر الكرم ابنها                      وابن اللئيمة للئام نـصـور

قد كان حقك أن تقول لبارق                      يا آل بارق فيم سب جـرير

وكسحت باستك للفخار وبارق                      شيخان أعمى مقعد وكسـير قال: ثم من? قلت: البلتع وهو المستنير بن سبرة العنبري. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي ابن لجأ. قال: فما قال لك? قلت قال:

إن التي ربتك لـمـا طـلـقـت                      قعدت على جحش المراغة تمرغ

أتعيب من رضيت قريش صهره                      وأبوك عبد بالخـورنـق أذلـغ قال: فما قلت له? قال قلت:

فما مستنير الخبـث إلا فـراشة                      هوت بين مؤتج الحريقين ساطع

نهيت بنات المستنير عن الرقـى                      وعن مشيهن الليل بين المزارع ويروى:

بين مؤتج من النار ساطع قال: ثم من? قلت: راعي الإبل. قال: ما لك وله? قلت: قدمت البصرة وكان بلغني أنه قال لي:

يا صاحبي دنا الـرواح فـسـيرا                      غلب الفرزدق في الهجاء جريرا وقال أيضا:

رأيت الجحش جحش بني كليب                      تيمم حوض دجلة ثم هـابـا فقلت: يا أبا جندل، إنك شيخ مضر وشاعرها، وقد بلغني أنك تفضل علي الفرزدق، وأنت تسمع قولك، وهو ابن عمي دونك، فإن كان لا بد من تفضيل فأنا أحق به لمدحي قومك وذكري إياهم. قال: وابنه جندل على فرس له، فأقبل يسير بفرسه حتى ضرب عجز دابتي وأنا قائم فكاد يقطع أصبع رجلي وقال: لا أراك واقفا على هذا الكلب من بني كليب، فمضى، وناديته: أنا ابن يربوع إن أهلك بعثوك مائرا من هبود وبئس المائر، وإنما بعثني أهلي لأقعد على قارعة هذا المربد فلا يسبهم أحد إلا سببته، وإن علي نذرا إن جعلت في عيني غمضا حتى أخزيك. قال: فما أصبحت حتى هجوته فقلت:

فغض الطرف إنك من نمير                      فلا كعبا بلغت ولا كلابـا قال فغدوت عليه من الغد فأخذته بعنانه، فما فارقته حتى أنشدته إياها. فلما مررت على قولي:

أجندل ما تقول بـنـو نـمـير                      إذا ما الأير في است أبيك غابا قال: فأرسل يدي وقال: يقولون والله شرا.

قال: ثم من? قلت: العباس بن يزيد الكندي قال: ما لك وله? قال لما قلت:

إذا غضبت عليك بنو تميم                      حسبت الناس كلهم غضابا قال:

ألا رغمت أنوف بني تمـيم                      فساة التمر إن كانوا غضابا

لقد غضبت عليك بنو تمـيم                      فما نكأت بغضبتها ذبـابـا

لو اطلع الغراب على تميم                      وما فيها من السوءات شابا

 

صفحة : 816

 

قال: فتركته خمس سنين لا أهجوه، ثم قدمت الكوفة فأتيت مجلس كندة، فطلبت إليهم أن يكفوه عني، فقالوا: ما نكفه وإنه لشاعر وأوعدوني، فقلت:

ألا أبلغ بني حجر بن وهب                      بأن التمر حلو في الشتاء

فعودوا للنخيل فأبـروهـا                      وعيثوا بالمشقر فالصفـاء قال: فمكثت قليلا، ثم بعثوا إلي راكبا فأخبروني بمثالبه وجواره في طيء حيث جاور عتابا، وحبل أخته هضيبة حيث حبلت. قال: فقلت ماذا? قال قلت:

إذا جهل الشقي ولـم يقـدر                      لبعض الأمر أوشك أن يصابا

أعبدا حل في شعبى غـريبـا                      ألؤما لا أبا لك واغـتـرابـا

فما خفيت هضيبة حين جرت                      ولا إطعام سخلتها الكـلابـا

تخرق بالمشاقص حالبـيهـا                      وقد بلت مشيمتها التـرابـا

فقد حملت ثمـانـية وأوفـت                      بتاسعها وتحسبها كـعـابـا قال: ثم من? قلت: جفنة الهزاني بن جعفر بن عباية بن شكس من عنزة. قال: وما لك وله? قال: أقبل سائلا حتى أتاني وأنا أمدر حوضا لي، فقال: يا جرير، قم إلي ها هنا، قلت نعم. ثم أتيته فقلت: ما حاجتك? قال: مدحتك فاستمع مني. قلت: أنشدني فأنشد، فقلت: قد والله أحسنت وأجملت، فما حاجتك? قال: تكسوني الحلة التي كساكها الوليد بن عبد الملك العام. فقلت: أني لم أقف فيها بالموسم، ولا بد من أن أقف فيها العام، ولكني أكسوك حلة خيرا منها كان كسانيها الوليد عاما أول. فقال: ما أقبل غيرها بعينها. فقلت: بلى، فاقبل وأزيدك معها دنانير نفقة. فقال: ما أفعل، ومضى فأتى المرار بن منقذ أحد بني العدوية، فحمله على ناقة له يقال لها القصواء. فقال جفنة:

لعمرك للـمـرار يوم لـقـيتـه                      على الشحط خير من جرير وأكرم قال: فما قلت له? قال قلت:

لقد بعثت هزان جـفـنة مـائرا                      فآب وأحذى قومه شر مغـنـم

فيا راكب القصواء ما أنت قـائل                      لهزان إذ أسلمتها شر مـسـلـم

أظن عجان التيس هزان طالـبـا                      علالة سباق الأضاميم مـرجـم

كأن بني هزان حـين رديتـهـم                      وبار تضاغت تحت غار مهـدم

بني عبد عمرو قد فرغت إليكـم                      وقد طال زجري لو نهاكم تقدمي

ورصعاء هزانية قد تحفـشـت                      على مثل حرباء الفلاة المعمـم قال: ثم من? قلت: المرار بن منقذ. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:

بني منقذ لا صلح حتى تضمكـم                      من الحرب صماء القناة زبون

وحتى تذوقوا كأس من كان قبلكم                      ويسلح منكم في الحبال قـرين

فإن كنتم كلبى فعندي شفـاؤكـم                      وللجن إن كان اعتراك جنـون قال: ثم من? قلت: حكيم بن معية من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قال: وما لك وله? قلت: بلغني أنه أعان علي غسان السليطي. قال: فما قلت له? قال قلت:

إذا طلع الركبان نجدا وغـوروا                      بها فارجزا يا بني معية أو دعا

أتسمن أستاه المجـر وقـد رأوا                      مجرا بو عساوي رماح مصرعا

ألا إنما كانت غضوب محـامـيا                      غداة اللوى لم تدفع الضيم مدفعا قال: ثم من? قلت: ثور بن الأشهب بن رميلة النهشلي. قال: وما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:

سيخزى إذا ضنت حلائب مالك                      ثوير ويخزى عاصم وجمـيع

وقبلك ما أعيا الرماة إذا رموا                      صفا ليس في قاراتهن صدوع قال: ثم من? قلت: الدلهمس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:

لقد نفخت منك الوريدين علـجة                      خبيثة ريح المنكبـين قـبـوع

ولو أنجبت أم الدلهمس لم يعـب                      فوارسنا لا عاش وهو جـمـيع

أليس ابن حمراء العجان كأنمـا                      ثلاثة غربـان عـلـيه وقـوع

فلا تدنيا رحل الدلهـمـس إنـه                      بصير بما يأتي اللـئام سـمـيع

هو النخبة الخوار ما دون قلبـه                      حجاب ولا حول الحجاب ضلوع

 

صفحة : 817

 

قال: ثم مررت على مجلس لهم فاعتذرت إليهم فلم يقبلوا عذري، وأنشدوني شعرا لم يخبروني من قاله:

غضبت علينا أن علاك ابن غالب                      فهلا على جديك في ذاك تغضب

هما إذ علا بالمرء مسعاة قومـه                      أناخا فشداك العقال الـمـؤرب قال: فعلمت أنه شعر قبضة الكلب. قال: فجمعتهم في شعري فقلت:

و أكثر ما كانت ربيعة أنهـا                      خباءان شتى لا أنيس ولا قفر

محالفهم فـقـر شـديد وذلة                      وبئس الحليفان المذلة والفقر

فصبرا على ذل ربيع بن مالك                      وكل ذليل خير عادته الصبر قال: ثم من? قلت: هبيرة بن الصلت الربعي من ربيعة بن مالك أيضا، كان يروي شعر الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:

يمشي هبيرة بعد مقتل شيخـه                      مشي المراسل أوذنت بطـلاق

ماذا أردت إلي حين تحـرقـت                      ناري وشمر مئزري عن ساقي

إن القراف بمنخـريك لـبـين                      وسواد وجهك يا بن أم عفـاق

سيروا فرب مسبحـين وقـائل                      هذا شقا لبني ربـيعة بـاقـي

أبني ربيعة قد أخس بحظـكـم                      لؤم الـجـدود ودقة الأخـلاق قال: ثم من? قلت: علقة والسرندى من بني الرباب كانا يعينان ابن لجأ. قال: فما قلت لهما? قال قلت:

عض السرندي على تثليم نـاجـذه                      من أم علقه بظرا غمه الشـعـر

وعض علقة لا يألو بـعـرعـرة                      من بظر أم السرندى وهو منتصر قال: ثم من? قلت: الطهوي، كان يروي شعر الفرزدق. قال: ما قلت له? قال قلت:

أتنسون وهبا يا بني زبد استهـا                      وقد كنتم جيران وهب بن أبجرا

فما تتقون الشر حتى يصيبـكـم                      ولا تعرفون الأمر إلا تـدبـرا

ألا رب أعشى ظالم متخـمـط                      جعلت لعينيه جلاء فأبـصـرا قال: ثم من? قلت: عقبة بن السنيع الطهوي وكان نذر دمي. قال: فما قلت له: قال قلت:

يا عقب يا بن سنيع ليس عنـدكـم                      مأوى الرفاق ولا ذو الراية الغادي

يا عقب يا بن سنيع بعض قولكـم                      إن الوثاب لكم عندي بمـرصـاد

ما ظنكم بيني ميثـاء إن فـزعـوا                      ليلا وشد عليهـم حـية الـوادي

يغدو علي أبو ليلى ليقـتـلـنـي                      جهلا علي ولـم يثـأر بـشـداد

إرووا علي وأرضوا بي صديقكـم                      واستسمعوا يا بني ميثاء إنشـادي ميثاء هي بنت زهير بن شداد الطهوي وهي أم عوف بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة.

وقال أيضا لبني ميثاء:

نبئت عقبة خصافا تـوعـدنـي                      يا رب آدر من ميثاء مـأفـون

لو في طهية أحلام لما اعترضوا                      دون الذي كنت أرميه ويرميني قال: ثم من? قلت: سمحة الأعور النبهاني، كانت له امرأة من طيىء ولدت في بني سليط فأعطوه وحملوه علي. فسألني فاشتط، ولم يكن عندي فحرمته، فقال:

أقول لأصحابي النـجـاء فـإنـه                      كفى الذم أن يأتي الضيوف جرير

جرير ابن ذات البظر هل أنت زائل                      لقدرك دون النـازلـين سـتـور

وهل يكرم الأضياف كلب لكـلـبة                      لها عند أطناب الـبـيوت هـرير

فلو عند غسان السليطي عـرسـت                      رغا قرن منها وكـاس عـقـير

فتى هو خير منك نفـسـا ووالـدا                      عليك إذا كـان الـجـوار يجـير فقال جرير:

وجدنا بني نبهان أذناب طـيء                      وللناس أذناب ترى وصـدور

تغنى ابن نبهانية طال بظرهـا                      وباع ابنها عند الهياج قصـير

وأعور من نبهان أما نـهـاره                      فأعمى وأما ليله فـبـصـير

ستأتي بني نبهان مني قصـائد                      تطلع من سلمى وهن وعـور

ترى قزم المعزى مهور نسائهم                      وفي قزم المعزى لهن مهور قال: وطلع الصبح فنهض ونهضت. قال: فأخبرني من كان قاعدا معه أنه قال: قاتله الله أعرابيا إنه لجروهراش.

قصته مع الراعي وابنه جندل:

 

صفحة : 818

 

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه قال: كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير ويفضله، وكان راعي الإبل قد ضخم أمره وكان من شعراء الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هلا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم قال جرير: فضربت رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي ولم يركب دابته، وقال: والله ما يسرني أن يعلم أحد. وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. قال: فخرجت أتعرض له لألقاء من حيال حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه، وما يسرني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مر على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السبب، فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جندل وضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل إن قولك يستمع وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلا قبيحا وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم وهو ابن عمي، ويكفيك في ذاك هين: إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة. قلا: فبينا أنا وهو كذاك واقفا علي. وما رد علي بذلك شيئا حتى لحق ابنه جندل، فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرا أو ترجو منه خيرا وضرب البغلة ضربة، فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي، فو الله لو يعرج علي الراعي لقلت سفيه غوى - يعني جندلا ابنه - ولكن لا والله ما عاج علي، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت:

أجندل ما تقول بـنـو نـمـير                      إذا ما الأير في است أبيك غابا فسمعت الراعي قال لابنه: أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة. قال جرير: ولا والله ما القلنسوة بأغيظ أمره إلي لو كان عاج علي، فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلى العشاء بمنزله في علية له قال: ارفعوا إلي باطية من نبيذ وأسرجوا لي، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ. قال: فجعل يهمهم، فسمعت صوته عجوز في الجار فاطلعت في الدرجة حتى نظرت إليه، فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون رأيت منه كذا وكذا فقالوا لها: اذهبي لطيتك، نحن أعلم به وبما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السحر، ثم إذا هو يكبر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:

فغض الطرف إنك من نمير                      فلا كعبا بلغت ولا كلابـا كبر ثم قال: أخزيته ورب الكعبة. ثم أصبح، حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق، دعا بدهن فادهن وكف رأسه، وكان حسن الشعر، ثم قال: يا غلام، أسرج لي، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلسهم، حتى إذا كان بموضع السلام قال: يا غلام - ولم يسلم - قل لعبيد: أبعثك نسوتك تكسبهن المال بالعراق أما والذي نفس جرير بيده لترجعن إليهن بمير يسوءهن ولا يسرهن ثم اندفع فيها فأنشدها. قال: فنكسر الفرزدق وراعى الإبل وأرم القوم، حتى إذا فرغ منها سار، وثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشر وعر وخلى المجلس حتى ترقى إلى منزله الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم، فليس لكم ها هنا مقام، فضحكم والله جرير فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك وشؤم ابنك. قال: فما كان إلا ترحلهم. قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد، وهم بالشريف وهو أعلى دار بني نمير. فيحلف بالله راعى الإبل إنا وجدنا في أهلنا:

فغض الطرف إنك من نمير وأقسم بالله ما بلغه إنسي قط، وإن لجرير لأشياعا من الجن. فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.

قال قصيدته في هجو الراعي عند رجل من أنصاره: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال حدثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرطب بالبصرة أنسيت اسمه قال:

 

صفحة : 819

 

كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه. فجاءني ليلة فقال: إن راعى الإبل النميري قد هجاني، وإني آتيك الليلة فأعد لي شواء رشراشا ونبيذا مخفسا، فأعددت له ذلك. فلما أعتم جاءني فقال: هلم عشاءك، فأتيته به، فأكل ثم قال: هلم نبيذك، فأتيته به، فشرب أقداحا ثم قال: هات دواة وكتفا، فأتيته بهما، فجعل يملي علي قوله:

أقلي اللوم عاذل والعتـابـا                      وقولي إن أصبت لقد أصابا حتى بلغ إلى قوله:

فغض الطرف إنك من نمير فجعل يردده ولا يزيد عليه حتى حملتني عيني، فضربت بذقني صدري نائما، فإذا به قد وثب حتى أصاب السقف رأسه وكبر ثم صاح: أخزيته والله أكتب:

فلا كعبا بلغت ولا كلابا غضضته وقدمت إخوته عليه والله لا يفلح بعدها أبدا. فكان والله كما قال ما أفلح هو ولا نميري بعدها.

أنشد الفرزدق أشطار شعر له فأخبر بتواليها: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس في المربد، فقال له: من أين أقبلت? قال: من اليمامة. فقال: هل رأيت ابن المراغة? قال نعم? قال: فأي شيء أحدث بعدي? فأنشده:

هاج الهوى لفؤادك المهتاج فقال الفرزدق:

فانظر بتوضح باكر الأحداج فأنشده الرجل:

هذا هوى شغف الفؤاد مبرح فقال الفرزدق:

ونوى تقاذف غير ذات خلاج فأنشده الرجل:

إن الغراب بما كرهت لمولع فقال الفرزدق:

بنوى الأحبة دائم التشحاج فقال الرجل: هكذا والله، قال أفسمعتها من غيري? قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أو ما علمت أن شيطاننا واحد ثم قال: أمدح بها الحجاج? قال نعم: قال. إياه أراد.

أجاب الفرزدق في الحج جوابا حسنا: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني أبو عبيدة قال: إلتقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير:

فإنك لاق بالمنازل من منـى                      فخارا فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: بلبيك اللهم لبيك. قال إسحاق: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه.

هجا التيم فلم يؤثر فيهم من لؤم أصلهم: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام، وأخبرني وكيع عن محمد بن إسماعيل عن ابن سلام قال حدثنا أبو الخطاب عن أبيه عن حجباء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما إلا أفسدتهم سوى التيم. فقال: إني لم أجد حسبا أضعه، ولا بناء أهدمه.

حديثه مع ابنه عن درجات الشعراء: قال ابن سلام أخبرني أبو قيس عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، من أشعر الناس? فقال: ألجاهلية تريد أم الإسلام? قلت: أخبرني عن الجاهلية. قال: شاعر الجاهلية زهير. قلت: فالإسلام? قال: نبعة الشعر الفرزدق. قلت: فالأخطل? قال: يجيد صفة الملوك ويصيب نعت الخمر. قلت: فما تركت لنفسك? قال: دعني فإني نحرت الشعر نحرا.

سمعه الفرزدق ينشد بائيته فتوقع فيها نصف بيت فيه هجو له فكان كما ظن: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي عن عمارة بن عقيل عن جده قال: وقف الفرزدق على أبي بمربد البصرة وهو ينشد قصيدته التي هجا بها الراعي، فلما بلغ إلى قوله:

فغض الطرف إنك من نمير                      فلا كعبا بلغت ولا كلابـا أقبل الفرزدق على روايته فقال: غضه والله فلا يجيبه أبدا ولا يفلح بعدها. فلما بلغ إلى قوله:

بها برص بجانب إسكتيها وضع الفرزدق يده على فيه وغطى عنفقته، فقال أبي:

كعنفقة الفرزدق حين شابا فانصرف الفرزدق وهو يقول: اللهم أخزه والله لقد علمت حين بدأ بالبيت أنه لا يقول غير هذا، ولكن طمعت ألا يأبه فغطيت وجهي، فما أغناني ذلك شيئا. قال العنزي حدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال قال يونس: ما أرى جريرا قال هذا المصراع إلا حين غطى الفرزدق عنفقته، فإنه نبهه عليه بتغطيته إياها.

سئل الفرزدق عمن يجاريه في الشعر فلم يعترف إلا به: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي قال:

 

صفحة : 820

 

قال رجل من بني دارم للفرزدق وهو بالبصرة: يا أبا فراس، هل تعلم اليوم أحدا يرمي معك? فقال: لا والله ما أعرف نابحا إلا وقد استكان ولا ناهشا إلا وقد انجحر إلا القائل:

فإن لم أجد في القرب والبعد حاجتي                      تشأمت أو حولت وجهي يمـانـيا

فردي جمال الحي ثم تحمـلـنـي                      فما لك فيهم من مـقـام ولا لـيا

فإني لمغرور أعلـل بـالـمـنـى                      ليالي أرجـو أن مـالـك مـالـيا

وقائلة والدمع يحـدر كـحـلـهـا                      أبعد جرير تكرمـون الـمـوالـيا

بأي نجاد تحمل السيف بـعـد مـا                      قطعت القوى من محمل كان باقيا

بأي سنان تطعن القـرم بـعـدمـا                      نزعت سنانا من قناتـك مـاضـيا

لساني وسيفي صارمان كلاهـمـا                      وللسيف أشوى وقعة من لسـانـيا قال: وهذا الشعر لجرير.

وفد على يزيد بن معاوية وأخذ جائزته: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد بن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: قال جرير: وفدت إلى يزيد بن معاوية وأنا شاب يومئذ، فاستؤذن لي عليه في جملة الشعراء، فخرج الحاجب إلي وقال: يقول لك أمير المؤمنين: إنه لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه ولا نسمع بشيء من شعره، وما سمعنا لك بشيء فنأذن لك على بصيرة. فقلت له: تقول لأمير المؤمنين: أنا القائل:

وإني لعف الفقر مشترك الغنـى                      سريع إذا لم أرض داري انتقاليا

جريء الجنان لا أهاب من الردى                      إذا ما جعلت السيف قبض بنانيا

وليس لسيفي في العظام بـقـية                      وللسيف أشوى وقعة من لسانـيا فدخل الحاجب عليه فأنشده الأبيات، ثم خرج إلي وأذن لي، فدخلت وأنشدته وأخذت الجائزة مع الشعراء، فكانت أول جائزة أخذتها من الخليفة، وقال لي: لقد فارق أبي الدنيا وما يظن أبياتك التي توسلت بها إلي إلا لي.

موازنة حماد الراوية بينه وبين الفرزدق: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: أتيت الفرزدق فأنشدني، ثم قال لي: هل أتيت الكلب جريرا? قلت نعم. قال: فأنا أشعر أو هو? فقلت: أنت في بعض الأمر وهو في بعض. فقال: لم تناصحني. فقلت: هو أشعر إذا أرخى من خناقه، وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت. فقال: وهل الشعر إلا في الخوف والرجاء وعند الخير والشر.

حكم له بشر بن مروان وقد تفاخر هو والفرزدق بحضرته: أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني عن يحيى بن عنبسة القرشي وعوانة بن الحكم: أن جريرا والفرزدق اجتمعا عند بشر بن مروان، فقال لهما بشر: إنكما قد تقارضتما الأشعار وتطالبتما الآثار وتقاولتما الفخر وتهاجيتما. فأما الهجاء فليست بي إليه حاجة، فجددا بين يدي فخرا ودعاني مما مضى. فقال الفرزدق:

نحن السنام والمناسـم غـيرنـا                      فمن ذا يساوي بالسنام المناسما فقال جرير:

على موضع الأستاه أنتم زعمتم                      وكل سنام تابع للـغـلاصـم فقال الفرزدق:

على محرث للفرث أنتم زعمتـم                      ألا إن فوق الغلصمات الجماجما فقال جرير:

وأنبأتمونا أنكم هام قومكم                      ولا هام إلا تابع للخراطم فقال الفرزدق:

فنحن الزمام القائد المقتدى بـه                      من الناس ما زلنا ولسنا لهازما فقال جرير:

فنحن بني زيد قطعنا زمامـهـا                      فتاهت كسار طائش الرأس عارم فقال بشر: غلبته يا جرير بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. وأحسن الجائزة لهما وفضل جريرا.

جرير وسكينة بنت الحسين: قال المدائني وحدثني عوانة بن الحكم قال: جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السلام يستأذن عليها فلم تأذن له، وخرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيدتي: أنت القائل:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا                      حين الزيارة فارجعي بسـلام قال نعم. قالت: فألا أخذت بيدها فرحبت به وأدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها أنت عفيف وفيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك.

تفضيل سكينة بنت الحسين له على الفرزدق:

 

صفحة : 821

 

قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو يعقوب الثقفي عن الشعبي: أن الفرزدق خرج حاجا، فلما قصى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلم. فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس? قال: أنا. قلت: كذبت أشعر منك الذي قال:

بنفسي من تجنبـه عـزيز                      علي ومن زيارته لمـام

ومن أمسي وأصبح لا أراه                      ويطرقني إذا هجع النيام فقال: والله لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:

لولا الحياء لعادني استعـبـار                      ولزرت قبرك والحبيب يزار

كانت إذا هجر الضجيع فراشها                      كتم الحديث وعفت الأسـرار

لا يلبث القرناء أن يتفـرقـوا                      ليل يكر علـيهـم ونـهـار فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس? قال: أنا. قالت: كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إن العيون التي في طرفها مرض                      قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به                      وهن أضعف خلق الله أركـانـا

أتبعتهم مقلة إنسـانـهـا غـرق                      هل ما ترى تارك للعين إنسانـا فقال: والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فأمرت بإخراجه. فالتفت إليها وقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي عليك حقا عظيما. قالت: وما هو? قال: ضربت إليك اباط الإبل من مكة إرادة التسليم عليك، فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير علي ومنعك إياي أن أنشدك شيئا من شعري، وبي ما قد عيل منه صبري، وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإذا أنا مت فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه يغني الجارية التي أعجبته. فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية، فخرج بها آخذا بريطتها، وأمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما، ونادته. يا فرزدق احتفظ بها وأحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي.

حضر أعرابي مائدة عبد الملك بن مروان ووصف له طعاما أشهى من طعامه ثم سأله عن أحسن الشعر فأجاب من شعر جرير.

قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو عمران بن عبد الملك بن عمير عن أبيه، وحدثنيه عوانة أيضا قالا:

 

صفحة : 822

 

صنع عبد الملك بن مروان طعاما فأكثر وأطاب ودعا إليه الناس فأكلوا. فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه ولا أكل أطيب منه. فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر فلا، وأما أطيب فقد والله أكلت أطيب منه، فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك فأدني منه، فقال: ما أنت بمحق فيما تقول إلا أن تخبرني بما يبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا بهجر في برث أحمر في أقصى حجر، إذ توفي أبي وترك كلا وعيالا، وكان له نخل، فكانت فيه نحلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن تمرها أخفاف الرباع لم ير تمر قد أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوى ولا أحلى حلاوة منه. وكانت تطرقها أتان وحشية قد ألفتها تأوي الليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها وترفع يديها وتعطو بفيها فلا تترك فيها إلا النبيذ والمتفرق، فأعظمني ذلك ووقع مني كل موقع، فانطلقت بقوسي وأسهمي وأنا أظن أني أرجع من ساعتي، فمكثت يوما وليلة لا أراها، حتى إذا كان السحر أقبلت، فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها وأجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرتها فاقتددتها، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف وعمدت إلى زندي فقدحت وأضرمت النار في ذلك الحطب، وألقيت سرتها فيها، وأدركني نوم الشباب فلم يوقظني إلا حر الشمس في ظهري، فانطلقت إليها فكشفتها وألقيت ما عليها من قذى وسواد ورماد، ثم قلبت منها مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزعة والمنصفة، فسمعت لها أطيطا كتداعي عامر وغطفان، ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي إلى فمي، فيما أحلف إني ما أكلت طعاما مثله قط. فقال له عبد الملك : لقد أكلت طعاما طيبا، فمن أنت? قال: أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وأسد وكشكشة ربيعة وحوشي أهل اليمن وإن كنت منهم. فقال: من أيهم أنت? قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس، فهل لك علم بالشعر? قال: سلني عما بدا لك يا أمير المؤمنين. قال: أي بيت قالته العرب أمدح? قال: قول جرير:

ألستم خير من ركب المطايا                      وأندى العالمين بطون راح قال: وكان جرير في القوم، فرفع رأسه وتطاول لها. ثم قال: فأي بيت قالته العرب أفخر? قال: قول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميم                      حسبت الناس كلهم غضابا قال: فتحرك لها جرير. ثم قال له: فأي بيت أهجى? قال: قول جري:

فغض الطرف إنك من نمير                      فلا كعبا بلغت ولا كلابـا قال: فاستشرف لها جرير. قال: فأي بيت أغزل? قال: قول جرير:

إن العيون التي في طرفها مرض                      قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا قال: فاهتز جرير وطرب. ثم قال له: فأي بيت قالته العرب أحسن تشبيها? قال: قول جرير:

سرى نحوهم ليل كأن نجومه                      قناديل فيهن الذبالى المفتـل فقال جرير: جائزتي للعذري يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: وله مثلها من بيت المال، ولك جائزتك يا جرير لا تنتقص منها شيئا. وكانت جائزة جرير آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة. فخرج العذري وفي يده اليمنى ثمانية آلاف درهم وفي اليسرى رزمة ثياب.

تفضيل عبيدة بن هلال لجرير على الفرزدق: أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عياش الهمداني قال:

 

صفحة : 823

 

بينا المهلب ذات يوم أو ليلة بفارس وهو يقاتل الأزارقة إذ سمع في عسكره جلبة وصياحا، فقال: ما هذا? قالوا: جماعة من العرب تحاكموا إليك في شيء. فأذن لهم فقالوا: إنا اختلفنا في جرير والفرزدق، فكل فريق منا يزعم أن أحدهما أشعر من الآخر، وقد رضينا بحكم الأمير. فقال: كأنكم أردتم أن تعرضوني لهذين الكلبين فيمزقا جلدتي لا أحكم بينهما، ولكني أدلكم على من يهون عليه سبال جرير وسبال الفرزدق، عليكم بالأزارقة، فإنهم قوم عرب يبصرون بالشعر. ويقولون فيه بالحق. فلما كان الغد خرج عبيدة بن هلال اليشكري ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر المهلب كان لقطري صديقا، فقال له: يا عبيدة، سألتك الله إلا أخبرتني عن شيء أسألك عنه. قال: سل. قال: أو تخبرني? قال: نعم إن كنت أعلمه. قال: أجرير أشعر أم الفرزدق? قال: قبحك الله أتركت القرآن والفقه وسألتني عن الشعر إنا تشاجرنا في ذلك ورضينا بك. فقال من الذي يقول:

وطوى الطراد مع القياد بطونها                      طي التجار بحضرموت برودا فقال: جرير. قال: هذا أشعر الرجلين.

لم ينزع في شعره إلى الغزل ولا إلى الرجز: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي عن العتبي قال: قال جرير: ما عشقت قط، ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها، وإني لأرى من الرجز أمثال آثار الخيل في الثرى، ولولا أني أخاف أن يستفرغني لأكثرت منه.

جرير في ضيافة عبد العزيز بن الوليد: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي قالا حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن بيهس بن صهيب الجرمي عن عامر بن شبل الجرمي قال: قدم جرير على عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مران، فكنا نغدو إليه بكرا، فيخرج إلينا ويجلس في برنس خز له لا يكلمنا كلمة حتى يجيء طباخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخن يفور، وبكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه، ثم يدفعه إليه فيأتي عليه، ويقبل علينا ويحدثنا في كل فن، وينشدنا لنفسه ولغيره، حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا. وكان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل. فقال له رجل: ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات فتبسم وقال: يا بن أخي خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم، إنهم والله يا بن أخي يبدءوني ثم لا أحلم.

وفد رجل من قبيلة الفرزدق على امرأة من بني حنيفة فأسمعته هجو جرير لهم وقصة عشقها لابن عم محمد: أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى قال حدثني الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول: وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إبراهيم بن محمد الطائفي قال حدثني محمد بن مسعدة الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر، فحدثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أريد اليمامة، فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران ارتفعت سحابة فرعدت ويرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى فأجابوا فدخلت دارا لهم وأنخت الناقة وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل، وفي الدار جويرية لهم سوداء، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان دريان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء? تعني ناقتي فقالت: لضيفكم هذا. فعدلت إلي فقالت: السلام عليك، فرددت عليها السلام. فقالت لي: ممن الرجل? فقلت: من بني حنظلة. فقالت: من أيهم? فقلت: من بني نهشل. فتبسمت وقالت: أنت إذا ممن عناه الفرزدق بقوله:

إن الذي سمك السماء بنى لنـا                      بيتا دعائمـه أعـز وأطـول

بيتا بناه لنا المليك وما بـنـى                      ملك السماء فإنه لا ينـقـل

بيتا زرارة محتب بـفـنـائه                      ومجاشع وأبو الفوارس نهشل قال: فقلت: نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها. فضحكت وقالت: فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول:

أخزى الذي رفع السماء مجاشعا                      وبنى بناءك بالحضيض الأسفل

 

صفحة : 824

 

 

بيتا يحمم قينكم بـفـنـائه                      دنسا مقاعده خبيث المدخل قال: فوجمت. فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك، فإن الناس يقال فيهم ويقولون: ثم قالت: أين تؤم? قلت: اليمامة. فتنفست الصعداء ثم قالت: ها هي تلك أمامك، ثم أنشأت تقول:

تذكرني بلادا خير أهـلـي                      بها أهل المروءة والكرامة

ألا فسقى الإله أجش صوبا                      يسح بدره بلـد الـيمـامة

وحيا بالسلام أبـا نـجـيد                      فأهل للتحية والـسـلامة قال: فأنست بها وقلت لها: أذات خدن أم ذات بعل? فأنشأت تقول:

إذا رقد النيام فـإن عـمـرا                      تؤرقه الهموم إلى الصبـاح

تقطع قلبه الذكرى وقلـبـي                      فلا هو بالخلي ولا بصـاح

سقى الله اليمـامة دار قـوم                      بها عمرو ويحن إلى الرواح فقلت لها: من عمرو هذا? فأنشأت تقول:

سألت ولو علمت كففت عنـه                      ومن لك بالجواب سوى الخبير

فإن تك ذا قبـول إن عـمـرا                      هو القمر المضيء المستنـير

وما لي بالتبعل مـسـتـراح                      ولو رد التبعل لـي أسـيري قال: ثم سكتت سكتة كأنها تتسمع إلى كلام، ثم تهافتت وأنشأت تقول:

يخيل لي هيا عمرو بن كعب                      كأنك قد حملت على سرير

يسير بك الهوينى القوم لمـا                      رماك الحب بالعلق العسير

فإن تك هكذا يا عمرو إنـي                      مبكرة عليك إلى القـبـور ثم شهقت شهقة فخرت ميتة. فقلت لهم: من هذه? فقالوا: هذه عقيلة بنت الضحاك بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء. فقلت لهم: فمن عمرو هذا? قالوا: ابن عمها عمرو بن كعب بن محرق بن النعمان بن المنذر، فارتحلت من عندهم. فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قلت فيه ما قالت.

قصته مع عمر بن عبد العزيز حين وفد عليه: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطار قال حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه، فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل، فصاح به جرير:

يأيها القارىء المرخى عمامـتـه                      هذا زمانك إني قد مضى زمنـي

أبلغ خليفتـنـا إن كـنـت لاقـيه                      أني لدى الباب كالمصفود في قرن قال: فدخل على عمر فاستأذن له، فأدخله عليه. وقد كان هيأ له شعرا، فلما دخل عليه غيره وقال:

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخـلـفـنـا                      من الخليفة ما نرجو من المـطـر

نال الخلافة إذ كـانـت لـه قـدرا                      كما أتى ربه موسى عـلـى قـدر

أأذكر الجهد والبلوى التـي نـزلـت                      أم تكتفي بالذي بلغت من خـبـري

ما زلت بعدك في دار تعـرفـنـي                      قد طال بعدك إصعادي ومنحـدري

لا ينفع الحاضر المجـهـود بـادينـا                      ولا يجود لنا باد عـلـى حـضـر

كم بالمواسم من شـعـثـاء أرمـلة                      ومن يتيم ضعيف الصوت والبصـر

يدعوك دعوة ملـهـوف كـأن بـه                      خبلا من الجن أو مسا من النـشـر

ممن يعدك تـكـفـي فـقـد والـده                      كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر

 

صفحة : 825

 

قال: فبكى عمر ثم قال: يا بن الخطفى، أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقهم، أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم، أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك? فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا، وأحسنهم حالا، ولكني أسألك ما عودتنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان. فقال له عمر: كل امرىء يلقى فعله، وأما أنا فما أرى لك في مال الله حقا، ولكن انتظر، يخرج عطائي، فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفنها إليك. فقال جرير: لا، بل يوفر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا، قال: فذلك أحب إلي، فخرج. فلما ولى قال عمر: إن شر هذا ليتقى، ردوه إلي، فردوه فقال: إن عندي أربعين دينارا وخلعتين إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أن الله جل وعز يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفرك الله يا أمير المؤمنين وأنا والله راض. قال: أما وقد حفلت فإن ما وفرته علي ولم تضيق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا، فخرج. فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة? قال: خرجت من عند رجل يقرب الفقراء ويباعد الشعراء وأنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته وأتى قومه. فقالوا له: ما صنع بك يا أمير المؤمنين أبا حزرة? فقال:

تركت لكم بالشأم حبل جـمـاعة                      أمين القوى مستحصد العقد باقيا

وجدت رقى الشيطان لا تستفزه                      وقد كان شيطاني من الجن راقيا هذه رواية عمر بن شبة. وأما اليزيدي فإنه قال في خبره: فقال له جرير يا أمير المؤمنين، فإني ابن سبيل. قال: لك ما لأنباء السبيل، زادك ونفقة تبلغك وتبدل راحلتك إن لم تحملك. فألح عليه، فقالت له بنو أمية: يا أبا حزرة، مهلا عن أمير المؤمنين، ونحن نرضيك من أموالنا عنه، فخرج. وجمعت له بنو أمية مالا عظيما، فما خرج من عند خليفة بأكثر مما خرج من عند عمر.

رؤيا أمه وهي حامل به: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: رأت أم جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير، فانتبهت فزعة فأولت الرؤيا فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس. فلما ولدته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها. قال: والجرير: الحبل.

قال إنه أشعر الناس لأنه فاخر بأبيه وهو دنيء: قال إسحاق وقال الأصمعي حدثني بلال بن جرير - أو حدثت عنه - أن رجلا قال لجرير: من أشعر الناس? قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: ألا ترى هذا? قال نعم. قال: أو تعرفه? قال لا. هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز? قلت لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم به فغلبهم جميعا.

إخوته: حدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدثني عمارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال: ولد جرير لسبعة أشهر، فكان الفرزدق يعيره ذلك، وفيه يقول:

وأنت ابن صغرى لم تتم شهورها قال وولد عطية جريرا - وأمه أم قيس بنت معيد من بني كليب - وعمرا وأبا الورد. فأما أبو الورد فكان يحسد جريرا، فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير:

أبا الورد أبقى الله منها بقية                      كفت كل لوام خذول وحاسد وأما عمرو فكان أكبر من جرير، وكان يقارضه الشعر. فقال له جرير:

وعمرو قد كرهت عتاب عمرو                      وقد كثر المعاتب والـذنـوب

وقد صدعت صخرة من رماكم                      وقد يرمى بي الحجر الصليب

وقد قطع الحديد فلا تـمـاروا                      فرنـد لا يفـــل ولا يذوب شعر قاله ليزيد ابن معاوية يعاتب به أباه: قال: وأول شعر قاله جرير في زمن معاوية، قال لابنه:

 

صفحة : 826

 

 

فردي جمال البين ثم تحـمـلـي                      فما لك فيهم من مـقـام ولا لـيا

لقد قادني الجيران يوما وقدتـهـم                      وفارقت حتى ما تصب جمـالـيا

وإني لمغرور أعلل بـالـمـنـى                      ليالي أرجو أن مـالـك مـالـيا

بأي سنان تطعن القرم بـعـدمـا                      نزعت سنانا من قناتك مـاضـيا

بأي نجاد تحمل السيف بـعـدمـا                      قطعت القوى من محمل كان باقيا قال: وكان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات ونسبها إلى نفسه، لأن جريرا لم يكن شعره شهر حيئنذ. فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له مع الشعراء، فأمر يزيد ألا يدخل عليه شاعر إلا من عرف شعره، فقال جرير: قولوا له: أنا القائل:

فرديي جمال الحي ثم تحملي                      فما لك فيهم من مقام ولا ليا فأمر بإدخاله. فلما أنشده قال يزيد: لقد فارق أبي الدنيا وما يحسب إلا أني قائلها، وأمر له بجائزة وكسوة.

استعار من أبيه فحلا ولما استرده منه عرض به: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال قال أبو عبيدة قال أبو عمرو: استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله، فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بت خلق يسترده، فدفعه إليه وقال: يا أبت، هذا ترد إلى عطية تعتل. يعرض بقول الفرزدق فيه:

ليس الكرام بناحليك أباهم                      حتى ترد عطية تعتـل اتعاظه بجنازة مرت عليه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي وعمر بن شبة قالا حدثنا الأصمعي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: جلس جرير يملي على رجل قوله:

ودع أمامة حان منك رحيل                      إن الوداع لمن تحب قليل فمروا عليه بجنازة، فقطع الأنشاد وجعل يبكي، ثم قال: شيبتني هذه الجنازة. قال أبو عمرو: فقلت له: فعلام تقذف المحصنات منذ كذا وكذا فقال: إنهم يبدءونني ثم لا أعفو.

قيل إنه فضل لمقاومته الفرزدق: أخبرني عمي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عبد الله بن المعذل قال: كان أبي وجماعة من علمائنا يقولون: إنما فضل جرير لمقاومته الفرزدق، وأفضل شعر قاله جرير:

حي الهدملة من ذات المواعيس هجا بني الهجيم لأنهم منعوه الإنشاد في مسجدهم: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو الغراف قال: أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم، وبلغ ذلك جريرا فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق. فقال له شيخ منهم: يا هذا اتق الله فإن هذا المسجد إنما بني لذكر الله والصلاة. فقال جرير: أقررتم للفرزدق ومنعتموني وخرج مغضبا وهو يقول:

إن الهجيم قبـيلة مـعـلـونة                      حص اللحى متشابهو الألوان

هم يتركون بنيهم وبنـاتـهـم                      صعر الأنوف لريح كل دخان

لو يسمعون بأكـلة أو شـربة                      بعمان أصبح جمعهم بعمـان قال: وخفة اللحى في بني هجيم ظاهرة. وقيل لرجل منهم: ما بالكم يا بني الهجيم حص اللحى? قال: إن الفحل واحد.

حديثه مع عبد الملك أو الوليد ابنه عن الشعراء وعن نفسه: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم قال سمعت عمارة بن عقيل يحدث عن أبيه عن جده قال: قال عبد الملك أو الوليد انبه لجرير: من أشعر الناس? قال فقال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابني أبي سلمى? قال: كان شعرهما نيرا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرىء القيس? قال: اتخذ الخبيث الشعر نعلين، وأقسم بالله لو أدركته لرفعت ذلاذله. قال: فما تقول في ذي الرمة? قال: قدر من ظريف الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل? قال: ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق? قال: في يده والله يا أمير المؤمنين نبعة من الشعر قد قبض عليها. قال: فما أراك أبقيت لنفسك شيئا قال: بلى والله يا أمير المؤمنين إني لمدينة الشعر التي منها يخرج وإليها يعود، نسبت فأطربت، وهجوت فأرديت، ومدحت فسنيت ، وأرملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروب الشعر كلها، وكل واحد منهم قال نوعا منها. قال: صدقت.

طلبت جاريه له أن يبيعها فعيره الفرزدق ذلك:

 

صفحة : 827

 

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: كانت لجرير أمة وكان بها معجبا، فاستخفت المطعم والملبس والغشيان واستقلت ما عنده، وكانت قبله عند قوم يقال لهم بنو زيد، أهل خصب ونعمة، فسامته أن يبيعها وألحت في ذلك، فقال فيها:

تكلفـنـي مـعـيشة آل زيد                      ومن لي بالمرفق والصنـاب

تقول ألا تضـم كـضـم زيد                      وما ضمي وليس معي شبابي فقال الفرزدق يعير ذلك:

فإن تفقرك علـجة آل زيد                      ويعجزك المرقق والصناب

فقدما كان عيش أبيك مـرا                      يعيش بما تعيش به الكلاب قصته مع ذي الرمة عند المهاجر بن عبد الله: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا العباس بن ميمون قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة عن أيوب بن كسيب قال: دخل جرير على المهاجر بن عبد الله وهو والي اليمامة وعنده ذو الرمة ينشده. فقال المهاجر بن عبد الله لجرير: كيف ترى? قال: لقد قال وما أنعم. فغضب ذو الرمة ونهض وهو يقول:

أنا أبو الحارث واسمي غيلان فنهض جرير وقال:

إني امرأ خلقت شكسا أشوسـا                      إن تضرساني تضرسا مضرسا

قد لبس الدهر وأبقى ملبـسـا                      من شاء من نار الجحيم اقتبسا قال: فجلس ذو الرمة وحاد عنه فلم يجبه.

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا ابن النطاح عن أبي عبيدة قال: كان ذو الرمة ممن أعان على جرير ولم يصحر له، فقال جرير فيه:

أقول نصاحة لبني عدي                      ثيابكم ونضح دم القتيل وهي قصيدة. قال: وكانوا يتعاونون عليه ولا يصحرون له.

حديثه مع ذي الرمة وهشام المرئي: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال: قال الفرزدق لذي الرمة: ألهاك البكاء في الديار وهذا العبد يرجز بك يعني هشاما المرئي بمقبرة بني حصن. قال: وكان السبب في الهجاء بين ذي الرمة وهشام أن ذا الرمة نزل بقرية لبني امرىء القيس يقال لها: مرأةنأ، فلم يقروه ولم يعلفوا له، فارتحل وهو يقول:

نزلنا وقد طال النـهـار وأوقـدت                      علينا حصى المعزاء شمس تنالهـا

أنخنا فظلـلـنـا بـأبـراد يمـنة                      رقاق وأسياف قديم صـقـالـهـا

فلما رآنا أهل مـرأة أغـلـقـوا                      مخادع لم ترفع لخير ظـلالـهـا

وقد سميت باسم امرىء القيس قرية                      كرام صواديها لـئام رجـالـهـا

يظل الكرام المرملون بـجـوهـا                      سواء عليهم حملهـا وحـيالـهـا

ولو وضعت أكوارها عند بـيهـس                      على ذات غسل لم تشمس رحالها فقال جرير لهشام، وكان يتهم ذا الرمة بهجائه التيم وهم إخوة عدي: عليك العبد يعني ذا الرمة. قال: فما أصنع يا أبا حزرة وهو يقول القصيد وأنا أقول الرجز، والرجز لا يقوم للقصيد? فلو رفدتني قال: قل له:

عجبت لرجل من عدي مشمـس                      وفي أي يوم لم تشمس رحالهـا

وفيم عدي عند تيم مـن الـعـلا                      وأيامنا اللاتي يعد فـعـالـهـا

مددت بكف من عدي قـصـيرة                      لتدرك من زيد يدا لا تنـالـهـا

وضبة عمي يا بن جل فلا تـرم                      مساعي قوم ليس منك سجالهـا

يماشي عديا لؤمها ما تـجـنـه                      من الناس ما ماشت عديا ظلالها

فقل لعدي تستعن بـنـسـائهـا                      علي فقد أعيا عديا رجـالـهـا

أذا الرم قد قلدت قـومـك رمة                      بطيئا بأيدي المطلقين انحلالهـا

ترى اللؤم ما عاشت عدي مخلدا                      سرابيلها منه ومنه نعـالـهـا قال: فلج الهجاء بين ذي الرمة وهشام. فلما أنشد المرئي هذه الأبيات وسمعها ذو الرمة قال: كذب العبد السوء ليس هذا الكلام له، هذا كلام نجدي حنظلي، هذا كلام ابن الأتان. قال: ولم يزل ذو الرمة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدثني أبو صخر من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال:

 

صفحة : 828

 

أتى هشام بن قيس المرئي أبي يعني جريرا فاسترفده على ذي الرمة، وقد كانا تهاجيا دهرا، وكان سبب ذلك أن ذا الرمة نزل على أهل قرية لبني امرىء القيس فلم يدخلوا رحله، فذمهم في القرى، ومدح بيهسا صاحب ذات غسل - وهو مرئي. وذات غسل: قرية له - فقال ذو الرمة:

ولما وردنا مرأة اللوم أغـلـقـت                      دساكر لم تفتح لخير ظـلالـهـا

ولو عريت أصلابها عند بـهـيس                      على ذات غسل لم تشمس رحالها

إذا ما امرؤ القيس ابن لؤم تطعمت                      بكأس الندامى خبثتها سبـالـهـا فقال جرير للمرئي: قل له.

 

غضبت لرحل من عدي مشمس                      وفي أي يوم لم تشمس رحالها وذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة. قال: فلقى ذو الرمة جريرا فقال له: تعصب للمرئي وأنا خالك قال: حين قلت ماذا? قال: حين قلت له أن يقول لي:

عجبت لرحل من عدي مشمس فقال له جرير: لا بل ألهاك البكاء في دارمية حتى أبيحت محارمك. قال: وكان بلغ جريرا ميل ذو الرمة عليه، فجعل يعتذر إليه ويحلف له. فقال له جرير: اذهب الآن فقل للمرئي:

يعد الناسبون إلـى تـمـيم                      بيوت المجد أربعة كبـارا

يعدون الرباب وآل سـعـد                      وعمرا ثم حنظلة الخـيارا

ويهلك بينها المرئي لـغـوا                      كما ألغيت في الدية الحوارا فقال ذو الرمة قصيدته التي أولها:

نبت عيناك عن طلل بجزوى                      عفته الريح وامتنح القطارا وألحق فيها هذه الأبيات. فلما أنشدها وسمعها المرئي جعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بويله وحربه ويقول: ما لي ولجرير فقيل له: وأين جرير منك هذا رجل يهاجيك وتهاجيه فقال: هيهات لا والله ما يحسن ذو الرمة أن يقول:

ويذهب بينها المرئي لغـوا                      كما ألغيت في الدية الحوارا هذا والله كلام جرير ما تعداه قط. قال: ومر الفرزدق بذي الرمة وهو ينشده هذه القصيدة، فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق: أعد يا غيلان، فأعاد، فقال له: أأنت تقول هذا? نعم يا أبى فراس. قال: كذب فوك والله لقد نحلكها أشد لحيين منك، هذا شعر ابن الأتان. قال وجاء المرئيون إلى جرير فقالوا: يا أبا حزره، قد استعلى علينا ذو الرمة، فأعنا على عادتك الجميلة. فقال: هيهات قد والله ظلمت خالي لكم مرة وجاءني فاعتذر وحلف، وما كنت لأعينكم عليه بعدها. قال: ومات ذو الرمة في تلك الأيام.

أقر له نصيب بالسبق عليه وعلى جميل: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن لقيط قال حدثني أبو بكر بن نوفل قال حدثني من سأل النصيب قال: قلت له: يا أبا محجن، بيت قلته نازعك فيه جرير وجميل، فأحب أن تخبرني أيكم فيه أشعر? قال: وما هو? قلت قولك:

أضر بها التهجير حتى كأنها                      أكب عليها جازر معتـرق وقال جميل:

أضر بها التهجير حتى كأنها                      بقايا سلال لم يدعها سلالها وقال جرير:

إذا بلغوا المنازل لم تـقـيد                      وفي طول الكلال لها قيود فقال: نصيب: قاتل الله ابن الخطفى ما أشعره. قال: فقال له الرجل: أما أنت فقد فضلته؛ فقال: هو ما أقول لك.

قال عنه ابن مناذر هو أشعر الناس: أخبرني ابن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم العجلي قال حدثني الحسن بن علي المنقري قال قال مسعود بن بشر: قلت لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس? قال: من إذا شئت لعب، وإذا شئت جد، فإذا لعب أطعمك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا جد فيما قصد له أيأسك من نفسه. قلت: مثل من? قال: مثل جرير حين يقول إذا لعب:

إن الذين غدوا بلبك غادروا                      وشلا بعينك ما يزال معينا ثم قال حين جد:

إن الذي حرم المكارم تغلـبـا                      جعل الخلافة والنبـوة فـينـا

مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم                      يا آل تغلب من أب كـأبـينـا

هذا ابن عمي في دمشق خليفة                      لو شئت ساقكم إلي قـطـينـا اعترض عليه عبد الملك بن مروان في هذا الشعر: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال: لما بلغ عبد الملك قول جرير:

 

صفحة : 829

 

 

هذا ابن عمي في دمشق خليفة                      لو شئت ساقكم إلي قطـينـا قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيا أما إنه لو قال:

لو شاء ساقكم إلي قطينا لسقتهم إليه كما قال.

فضله بشار على الأخطل وعلى الفرزدق: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال: سألت بشارا العقيلي عن الثلاثة فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق? قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق، وفضل جريرا عليه.

مقارنة بينه وبين الأخطل والفرزدق: وقال ابن سلام : قال العلاء بن جرير - وكان قد أدرك الناس وسمع -: كان يقال: الأخطل إذا لم يجيء سابقا فهو سكيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا فهو بمنزله المصلى أبدا، وجرير يجيء سابقا ومصليا وسكيتا. قال ابن سلام: وتأويل قوله: إن الأخطل خمسا أو ستا أو سبعا طوالا روائع غررا جيادا هو بهن سابق، وسائر شعره دون أشعارهما، فهو فيما بقي بمنزلة السكيت - والسكيت: آخر الخيل في الرهان - والفرزدق دونه في هذه الروائع وفوقه في بقية شعره، فهو كالمصلى أبدا - وهو الذي يجيء بعد السباق وقبل السكيت - وجرير له روائع هو بهن سابق، وأوساط هو بهن مصل، وسفسافات هو بهن سكيت.

مناقضة بينه وبين الفرزدق: أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة

لقد قادني من حب ماوية الـهـوى                      وما كنت تلقاني الجـنـيبة أقـودا

أحب ثرى نجد وبالـغـور حـاجة                      فغار الهوى يا عبد قيس وأنـجـدا

أقول له يا عـبـد قـيس صـبـابة                      بأي ترى مستوقـد الـنـار أوقـدا

فقال أرى نـارا يشـب وقـودهـا                      بحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا فأعجب الناس وتناشدوها. قال: فحدثني جابر بن جندل قال: فقال لنا جرير: أعجبتكم هذه الأبيات? قالوا: نعم. قال: كأنكم بابن القين وقد قال:

أعد نظرا يا عبد قيس لعلـمـا                      أضاءت لك النار الحمار المقيدا قال: فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده:

حمار بمروت السحامة قاربـت                      وظيفيه حول البيت حتى تـزددا

كلبية لم يجعل اللـه وجـهـهـا                      كريما ولم يسنح بها الطير أسعدا قال: فتناشدها الناس. فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:

وما عبت من نار أضاء وقودها                      فراسا وبسطام بن قيس مقـيدا قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه:

وأوقدت بالـسـيدان نـارا ذلـيلة                      وأشهدت من سوءات جعثن مشهدا جرير والأخطل في حضرة عبد الملك بن مروان: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه، فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلم ثم جلس وقد عرفه الأخطل، فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له: من أنت? فقال: أنا الذي منعت نومك وتهضمت قومك. فقال له جرير: ذلك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال: من هذا يا أمير المؤمنين? جعلني الله فداك فضحك ثم قال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فرد عليه بصره ثم قال: فلا حياك الله يا بن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عندك لكان خيرا لك. وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليه الذلة وباء بغضب من الله وأدى الجزية عن يد وهو صاغر. وكيف تتهضم لا أم لك فيهم النبوة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه لا حاكم. ثم أقبل على عبد الملك فقال: ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية، فقال لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي.

تحاكم هو وبنو حمان إلى إبراهيم بن عدي في بئر فحكم له: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال: نازع جرير بني حمان في ركية لهم، فصاروا إلى إبراهيم بن عدي باليمامة يتحاكمون إليه؛ فقال جرير:

أعوذ بالأمير غير الجـبـار                      من ظلم حمان وتحويل الدار

 

صفحة : 830

 

 

ما كان قبل حفرنا من محـفـار                      وضربي المنقار بعد المنـقـار

في جبـل أصـم غـير خـوار                      يصيح بالجب صياح الـصـرار

له صهيل كصـهـيل الأمـهـار                      فاسأل بني صحب ورهط الجرار

والسلميين العـظـام الأخـطـار                      والجار قد يخبر عن دار الجـار فقال الحماني:

ما لكليب من حمـى ولا دار                      غير مـقـام أتـن وأعـيار

قعس الظهور داميات الأثفار قال فقال جرير: فعن مقامهن، جعلت فداك، أجادل. فقال ابن عدي للحماني: لقد أقررت لخصمك، وحكم بها لجرير.

نزل ببني مازن وبني هلال فمدحهم بعد أن هجاهم: قال ابن سلام وأخبرني أبو يحيى الضبي قال: بينا جرير يسير على راحته إذ هجم على أبيات من مازن وهلال - وهما بطنان من ضبة - فخافهم، لسوء أثره في ضبة، فقال:

فلا خوف عليك ولن تراعي                      بعقوة مازن وبني هـلال

هما الحيان إن فزعا يطيرا                      إلى جرد كأمثال السعالـي

أمازن يا بن كعب إن قلبي                      لكم طول الحياة لغير قالي

غطاريف يبيت الجار فيهـم                      قرير العين في أهل ومال قال: أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك.

وفد على عبد الملك في دمشق فالتف الناس حوله في المسجد دون الفرزدق: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال شعيب بن صخر حدثني هارون بن إبراهيم قال: رأيت جريرا والفرزدق في مسجد دمشق وقد قدماها على الوليد بن عبد الملك والناس عنق واحد على جرير: قيس وموالي بني أمية يسلمون عليه ويسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك، وكيف أهلك وأسبابك. وما يطيف بالفرزدق إلا نفر من خندف جلوس معه. قال شعيب: فقلت لهارون: ولم ذلك? قال: لمدحه قيسا وقوله في العجم:

فيجمعنا والغر أولاد سـارة                      أب لا نبالي بعده من تعذرا قال شعيب: بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلة، أهداها إليه الموالي سوى غيرهم، وأخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلام عن شعيب بن صخر، فذكر نحوا من حكاية أبي زيد، إلا أنها أتم من حكاية ابن سلام. وقال أبو خليفة في خبره: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول: وافته في يومه ذلك مائة حلة من بني الأحرار.

رأي الأحوص في قباء فعرض به لئلا يعين عليه: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي قال: بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص وجرير ينشد قوله:

لولا الحياء لعادني استعبـار                      ولزرت قبرك والحبيب يزار فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر ورفع صوته يقول:

عوى الشعراء بعضهم لبعض                      علي فقد أصابهم انـتـقـام

إذا أرسلت قـافـية شـرودا                      رأوا أخرى تحرق فاستداموا

فمصطلم المسامع أو خصي                      وآخر عظم هامته حـطـام ثم عاد من حيث قطع. فلما فرغ قيل له: ولم قلت هذا? قال: قد نهيت الأحوص أن يعين علي الفرزدق، فأنا والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوذت من شاعر قط، ولولا حقكم ما تعوذت منه.

أوفده الحجاج على عبد الملك مع ابنه محمد وأوصاه به: أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال: قال عمارة بن عقيل حدثني أبي عن أبيه: أن الحجاج أوفد ابنه محمد بن الحجاج إلى عبد الملك وأوفد إليه جريرا معه ووصاه به وأمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه ومعاونته عليه. فلما وردا استأذن له محمد على عبد الملك، فلم يأذن له، وكان لا يسمع من شعراء مضر ولا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيرية. فلما استأذن له محمد على عبد الملك ولم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره ويقول: إنه لم يكن ممن والى ابن الزبير ولا نصره بيده ولا لسانه، وقال له محمد: يا أمير المؤمنين: إن العرب لتحدث أن عبدك وسيفك الحجاج شفع في شاعر قد لاذ به وجعله وسيلته ثم رددته، فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد، فقال له: وما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجاج ألست القائل:

من سد مطلع النفاق علـيكـم                      أم من يصول كصولة الحجاج إن الله لم ينصرني بالحجاج وإنما نصر دينه وخليفته. أو لست القائل:

أم من يغار على النساء حفيظة                      إذ لا يثقن بـغـيرة الأزواج

 

صفحة : 831

 

يا عاض كذا وكذا من أمه والله لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها، أخرج عني، فأخرج بشر. فلما كان بعد ثلاث شفع إلي محمد لجرير وقال له: يا أمير المؤمنين، إني أديت رسالة عبدك الحجاج وشفاعته في جرير، فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبه منه وأشمت به عدوه، ولو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع. فإن رأيت أن تهب كل ذنب له لعبدك الحجاج ولي فافعل، فإذن له. فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لا تنشدني إلا في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصة. فسأله أن ينشده مديحه فيه، فأبى وأقسم ألا ينشده إلا من قوله في الحجاج، فأنشده وخرج بغير جائزة. فلما أزف الرحيل قال جرير لمحمد: إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع مني ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر، ولست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد. وأمسك عبد الملك عن الإذن له. فقال جرير: إرحل أنت وأقيم أنا. فدخل محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له وسأله أن يسمع منه وقبل يده ورجله، فإذن له. فدخل فاستأذن في الإنشاد، فأمسك عبد الملك. فقال له محمد: أنشد ويحك فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

ألستم خير من ركب المطايا                      وأندى العالمين بطون راح فتبسم عبد الملك وقال: كذلك نحن وما زلنا كذلك. ثم اعتمد على ابن الزبير فقال:

دعوت الملحدين أبـا خـبـيب                      جماحا هل شفيت من الجماح

وقد وجدوا الخليفة هـبـرزيا                      ألف العيص ليس من النواحي

وما شجرات عيصك في قريش                      بعشات الفروع ولا ضواحـي قال: ثم أنشده إياها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال:

تعزت أم حزرة ثم قالـت                      رأيت الموردين ذوي لقاح

تعلل وهي ساغبة بنـيهـا                      بأنفاس من الشبم القـراح فقال عبد الملك: هل ترويها مائة لقحة? فقال: إن لم يروها ذلك فلا أرواها الله فهل إليها - جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين - من سبيل? فأمر له بمائة لقحة وثمانية من الرعاء. وكانت بين يديه جامات من ذهب، فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بواحدة منهن تكون محلبا? فضحك وندس إليه واحدة منهن بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك فأخذها وقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لينفعني كل ما منحتنيه، وخرج من عنده. قال: وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك.

 

أعطوا هنيدة يحدوها ثمانـية                      ما في عطائهم من ولا سرف هجا سراقة البارقي بأمر بشر بن مروان لأنه فضل الفرزدق عليه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني دماذ أبو غسان عن أبي عبيدة قال: بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم وفرسا لمن فضل من الشعراء الفرزدق على جرير، فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقي فإنه قال يفضل الفرزدق:

أبلغ تميما غثها وسـمـينـهـا                      والحكم يقصد مـرة ويجـور

أن الفرزدق برزت أعـراقـه                      سبقا وخلف في الغبار جرير

ذهب الفرزدق بالفضائل والعلا                      وابن المراغة مخلف محسور

هذا قضاء البارقـي وإنـنـي                      بالميل في ميزانهم لبـصـير قال أبو عبيدة فحدثني أيوب بن كسيب قال حدثني أبي قال: كنت مع جرير، فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه، وقال له: إنه قد أمرني أن أوصله إليك ولا أبرح حتى تجيب عن الشعر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا، وأخرج إليه كتاب بشر وقد نسخ له القصيدة وأمره بأن يجيب عنها. فأخذها ومكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه، فهتف به صاحبه من الجن من زلوية البيت فقال له: أزعمت أنك تقول الشعر ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا فهلا قلت:

يا بشر حق لوجهك التبشير                      هلا قضيت لنا وأنت أمير فقال له جرير: حسبك كفيتك. قال: وسمع قائلا يقول لآخر: قد أنار الصبح، فقال جرير:

يا صاحبي هل الصباح منير                      أم هل للوم عواذلي تفتـير إلى أن فرغ منها. وفيها يقول:

قد كان حقك أن تقول لبـارق                      يا آل بارق فيم سب جـرير

يعطى النساء مهورهن كرامة                      ونساء بارق ما لهن مهـور

 

صفحة : 832

 

فأخذها الرسول ومضى بها إلى بشر، فقرئت بالعراق وأفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشيء من مناقضته.

مناقضته عمر بن لجأ وسبب ذلك: أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام حدثني أبو يحيى الضبي قال: كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله وجرير حاضر، فقال فيها:

قد وردت قبل إنا ضحـائهـا                      تفرس الحيات في خرشائهـا

جر العجوز الثني من ردائها فقال له جرير: أخفقت. فقال: كيف أقول? قال تقول:

جر العروس الثني من ردائها فقال له التيمي أنت أسو قولا مني حيث تقول:

وأوثق عند المردفات عـيشة                      لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهن عشية. فقال: كيف أقول? قال تقول:

وأوثق عند المرهفات عشية فقال جرير: والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حزرة، ولكنك مجلب للفرزدق. وقال فيه جرير:

هلا سوانا ادرأتم يا بـنـي لـجـأ                      شيئا يقارب أو وحشا لهـا غـرر

أحين كنت سماما يا بـنـي لـجـأ                      وخاطرت بي عن أحسابها مضر

خل الطريق لمن يبني المنـار بـه                      وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر

أنت ابن برزة منسوبا إلـى لـجـأ                      عند العصارة والعيدان تعتـصـر ويروي:

ألست نزرة خوار علـى أمة                      عند العصارة والعيدان تعتصر فقال ابن لجأ يرد عليه:

لقد كذبت وشر الـقـول أكـذبـه                      ما خاطرت بك عن أحسابها مضر

بل أنت نزرة خـوار عـلـى أمة                      لا يسبق الحلبات اللؤم والـخـور

ما قلت من هذه إلا سأنقـضـهـا                      يا بن الأتان بمثلى تنقض المـرر وقال عمر بن لجأ:

عجبت لما لاقت رياح من الأذى                      وما اقتبسوا من ي وللشر قابس

غضابا لكلب من كليب فرستـه                      هوى ولشدات الأشود فـرائس

إذا ما ابن يربوع أتاك لمـأكـل                      على مجلس إن الأكيل مجالس

فقل لابن يربوع ألست براحض                      سبالك عنا إنـهـن نـجـائس

تمسح يربـوع سـبـالا لـئيمة                      بها من مني العبد رطب ويابس قال: ثم اجتمع جرير وابن لجأ بالمدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك، وكان يتأله في نفسه، فقال: أتقذفان المحصنات وتغضبانهن ثم أمر أبا بكر محمد بن حزم الأنصاري - وكان واليا له بالمدينة - بضربهما، فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين، والتيمي يومئذ أشب من جرير، فجعل يشول بجرير وجرير يقول وهو المشول به:

فلست مفارقا قرني حـتـى                      يطول تصعدي بك وانحداري فقال ابن لجأ:

ولما أن قرنت إلى جرير                      أبى ذو بطنه إلا انحدارا فقال له قدامه بن إبراهيم الجمحي: وبئسما قلت جعلت نفسك المقرون إليه قال: فكيف أقول? قال تقول:

ولما لز في قرني جرير فقال: جزيت خيرا، لا أقوله والله أبدا إلا هكذا.

هو والأخطل في حضرة عبد الملك ابن مروان: حدثني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي قال حدثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال:

 

صفحة : 833

 

وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم يلق أحدهما صاحبه. فلما استأذنوا لجرير أذن له فسلم وجلس، وقد عرفه الأخطل، فطمح بصر جرير إليه فقال له: من أنت? فقال: أنا الذي منعت نومك وهضمت قومك. فقال له جرير: ذاك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك فقال: من هذا يا أمير المؤمنين? فضحك وقال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فرد بصره إليه وقال: فلا حياك الله يا بن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله إيذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية. فقال: لا يكون لك بين يدي. فوثب جرير مغضبا. فقال عبد الملك: قم يا أخطل واتبع صاحبك، فإنما قام غضبا علينا فيك، فنهض الأخطل. فقال عبد الملك لخادم له: انظر ما يصنعان إذ برز له الأخطل. فخرج جرير فدعا بغلام له فقدم إليه حصانا له أدهم فركبه وهدر والفرس يهتز من تحته، وخرج الأخطل فلاذ بالباب وتوارى خلفه، ولم يزل واقفا حتى مضى جرير. فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره، فضحك وقال: قاتل الله جريرا ما أفحله أما والله لو كان النصراني برز إليه لأكله.

سئل عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل فأجاب: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال: سئل جرير أي الثلاثة أشعر? فقال: أما الفرزدق فيتكلف مني ما لا يطيقه، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للغرض، وأما أنا فمدينة الشعر. وقد حدثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن الأصمعي فذكر نحو ما ذكره الرياشي، وقال في خبره: وأما الأخطل فأنعتنا للخمر وأمدحنا للملوك.

فضله أبو مهدي على جميع الشعراء: أخبرنا عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب قال: قلت لأبي مهدي الباهلي وكان من علماء العرب: إيما أشعر أجرير أم الفرزدق? فغضب ثم قال: جرير أشعر العرب كلها، ثم قال: لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجيء جرير فيحكم بينهم: لم يحفل بنو طهية بهجائه حتى هجاهم في قصيدة الراعي فجزعوا: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازني يقول: قال جرير: هجوت بني طهية أنواع الهجاء، فلم يحفلوا بقولي حتى قلت في قصيدة الراعي:

كأن بني طهية رهط سلمى                      حجارة خارىء يرمي كلابا فجزعوا حينئذ ولاذوا بي.

كان عاقا لأبيه وابنه عاق له: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال: كان جرير من أعق الناس بأبيه، وكان بلال ابنه أعق الناس به. فراجع جرير بلالا الكلام يوما، فقال له بلال: الكاذب مني ومنك ناك أمه. فأقبلت أمه عليه وقالت له: يا عدو الله أتقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه، فو الله لكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي.

هجا عمر بن يزيد لتعصبه للفرزدق عليه: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط قال: كان عمر بن يزيد بن عمير الأسدي يتعصب للفرزدق على جرير. فتزوج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فقال جرير:

نكحت إلى بني عدس بن زيد                      فقد هجنت خيلهم العرابـا

أتنسى يوم مسكن إذ تنـادي                      وقد أخطأت بالقدم الركابـا وهي قصيدة، فاجتمعوا على عمر بن يزيد. ولم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه.

استشفع عنبسة بن سعيد إلى الحجاج ثم أنشده فأجازه: أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الهيثم قال حدثني عمي أبو فراس قال حدثني ودقة بن معروف قال:

 

صفحة : 834

 

نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط، ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجاج. فلما دخل على عنبسة، قال له: ويحك لقد غررت بنفسك فما حملك على ما فعلت? قال: شعر قلته اعتلج في صدري وجاشت به نفسي وأحببت أن يسمعه الأمير. قال: فعنفه وأدخله بيتا في جانب داره وقال: لا تطلعن رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك. قال: فأتاه رسول الحجاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ، وهو قاعد في الخضراء وقد صب فيها ماء استنقع في أسفلها وهو قاعد على سرير وكرسي موضوع ناحية. قال عنبسة: فقعدت على الكرسي، وأقبل علي الحجاج يحدثني. فلما رأيت تطلقه وطيب نفسه قلت: أصلح الله أمير رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا أجاد فيه، فاستخفه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له. قال: ومن هو? قلت: ابن الخطفى. قال: وأين هو? قلت: في المنزل. قال: يا غلام فأقبل الغلمان يتسارعون. قال: صف لهم موضعه من دارك، فوصفت لهم البيت الذي هو فيه، فانطلقوا حتى جاءوا به، فأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء، فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفش كما يتنفش الفرخ. فقال له: هيه ما أقدمك علينا بغير إذننا لا أم لك? قال: اصلح الله الأمير قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد، فجاش به صدري وأحيبت أن يسمعه مني الأمير، فأقبلت به إليه. قال: فتطلق الحجاج وسكن، واستنشده فأنشده. ثم قال: يا غلام فجاءوا يسعون. فقال: علي بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة، فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال: إن أصبت صفتها فهي لك. فقال: ما اسمها? قال: أمامة، فأنشأ يقول:

ودع أمامة حان منك رحيل                      إن الوداع لمن تحب قلـيل

مثل الكئيب تهليت أعطافـه                      فالريح تجبر متنه وتهـيل

تلك القلوب صواديا تيمتهـا                      وأرى الشفاء وما إليه سبيل فقال: خذ بيدها. فبكت الجارية وانتحبت. فقال: ادفعوها إليه بمتاعها وبغلها ورحالها.

أمره الحجاج وأمر الفرزدق بأن يدخلا عليه بلباس آبائهما في الجاهلية: أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال: قال الحجاج لجرير والفرزدق وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية. فلبس الفرزدق الديباج والخز وقعد في قبة. وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا له: ما لباس آبائنا إلا الحديد، فلبس جرير درعا وتقلد سيفا وأخذ رمحا وركب فرسا لعباد بن الحصين يقال له المنحاز وأقبل في أربعين فارسا من بن يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير:

لبست سلاحي والفرزدق لعبة                      عليه وشاحا كرج وجلاجله

أعدوا مع الحلي الملاب فإنما                      جرير لكم بعل وأنتم حلائله ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن ووقف الفرزدق في المربد. قال: فأخبرني أبي عن محمد بن زياد قال: كنت أختلف إلى جرير والفرزدق، وكان جرير يومئذ كأنه أصغرهما في عيني.

هجا الفرزدق حين نوى أن ينال جائزة المهاجر فثناه عن ذلك: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قدم الفرزدق اليمامة وعليها المهاجر بن عبد الله الكلابي فقال: لو دخلت على هذا فأصبت منه شيئا ولم يعلم بي جرير فلم تستقر به الدار حتى قال جرير:

رأيتك إذ لم يغنك الله بالـغـنـى                      رجعت إلى قيس وخدك ضـارع

وما ذاك إن أعطى الفرزدق باسته                      بأول ثغر ضيعتـه مـجـاشـع فلما بلغ ذلك الفرزدق قال: لا جرم والله لا أدخل عليه ولا أرزؤه شيئا ولا أقيم باليمامة، ثم رحل.

انتصار الفرزدق له على التيمي ثم صلحه مع التيمي: أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال قال أبو البيداء: لقي الفرزدق عمر بن عطية أخا جرير، وهو حينئذ يهاجي ابن لجأ، فقال له: ويلك قل لأخيك: ثكلتك أمك إيت التيمي من عل كما أصنع أنا بك. وكان الفرزدق قد أنف لجرير وحمي من أن يتعلق به التيمي. قال ابن سلام. فأنشدني له خلف الأحمر يقوله للتيمي:

وما أنت إن قرما تميم تسـامـيا                      أخا التيم إلا كالوشيظة في العظم

 

صفحة : 835

 

 

فلو كنت مولى العز أو في ظلاله                      ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلـم فقال له التيمي:

كذبت أنا القرم الذي دق مالكا                      وأفناء يربوع وما أنت بالقرم قال ابن سلام فحدثني أبو الغراف: أن رجال تميم مشت بين جرير والتيمي وقالوا: والله ما شعراءنا إلا بلاء علينا ينشرون مساوينا ويهجون أحياءنا وموتانا، فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة ألا يعودا في هجاء. فكف التيمي، وكان جرير لا يزال يسل الواحدة بعد الواحدة فيه، فيقول التيمي: والله ما نقضت هذه ولا سمعتها، فيقول جرير: هذه كانت قبل الصلح.

قال ابن سلام فحدثني عثمان بن عثمان عن عبد الرحمن بن حرملة قال: لما ورد علينا هجاء جرير والتيمي، قال لي سعيد بن المسيب ترو شيئا مما قالا، فأتيته وقد استقبل القبلة يريد أن يكبر، فقال لي: أرويت? قلت نعم. فأقبل علي بوجهه فأنشدته للتيمي وهو يقول: هيه هيه ثم أنشدته لجرير، فقال: أكله أكله.

لم يؤثر هجاؤه في التيم للؤمهم: قال ابن سلام وحدثني الرازي عن حجناء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما قط إلا فضحتهم إلا التيم. يا بني، لم أجد بناء أهدمه ولا شرفا أضعه وكانت تيم رعاء غنم يغدون في غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كل رجل منهم بأبيات فينتحلها ابن لجأ. فقيل لجرير: ما صنعت في التيم شيئا، فقال: إنهم شعراء لئام.

هو أشعر عند العامة والفرزدق عند الخاصة: أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني ابن النطاح قال حدثني أبو اليقظان قال: قال جرير لرجل من بني طهية: أيما أشعر أنا أم الفرزدق? فقال له: أنت عند العامة والفرزدق عند العلماء. فصاح جرير: أنا أبو حزرة غلبته ورب الكعبة والله ما في كل مائة رجل عالم واحد.

هو وعدي بن الرقاع في حضرة الوليد بن عبد الملك: حدثنا أحمد بن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني ابن النطاح قال، وحدثني أبو الأخضر لمخارق بن الأخضر القيسي قال: إني كنت والله الذي لا إله إلا هو أخص الناس بجرير، وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عدي بن الرقاع خاصا بالوليد مداحا له، فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحدا من النزارية ولا يجلس إلا إلى رجل من اليمن بحيث يقرب من مجلس بن الرقاع إلى أن يأذن الوليد للناس فيدخل. فقلت له: يا أبا حزرة، اختصصت عدوك بمجلسك فقال: إني والله ما أجلس إليه إلا لأنشده أشعارا تخزيه وتخزي قومه. قال: ولم يكن ينشده شيئا من شعره، وإنما كان ينشده شعر غيره ليذله ويخوفه نفسه. فأذن الوليد للناس ذات عشية فدخلوا ودخلنا، فأخذ الناس مجالسهم، وتخلف جرير فلم يدخل حتى دخل الناس وأخذوا مجالسهم واطمأنوا فيها. فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السماطين يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرقاع المتفرقة أؤلف بعضها إلى بعض - قال: وأنا جالس أسمع - فقال الوليد: والله لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس. فقال جرير وهو قائم كما هو:

فإن تنهني عنه فسمعا وطاعة                      وإلا فإني عرضة للمراجـم قال فقال له الوليد: لا كثر الله في الناس أمثالك. فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت الأمة، فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا. قال: فنظرت والله إلى الوليد تبسم حتى بدت ثناياه تعجبا من جرير وجلده. قال: ثم أمره فجلس.

أخبرني ابن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا ابن النطاح عن أبي عبيدة قال:

 

صفحة : 836

 

كان جرير عند الوليد وعدي بن الرقاع ينشده. فقال الوليد لجرير: كيف تسمع? قال: ومن هو يا أمير المؤمنين? قال: عدي بن الرقاع. قال: فإن شر الثياب الرقاع، ثم قال جرير:  عاملة ناصبة تصلى نارا حامية  ، فغضب الوليد وقال: يا بن اللخناء ما بقي لك إلا أن تتناول كتاب الله والله ليركبنك يا غلام أوكفه حتى يركبه. فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف. فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلمه وطلب إليه وقال: هذا شاعر مضر ولسانها، فإن رأى أمير المؤمنين ألا يغض منه ولم يزل به حتى أعفاه، وقال له: والله لئن هجوته أو عرضت به لأفعلن بك ولأفعلن فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها:

أقصر فإن نزارا لن يفاخرهـا                      فرع لئيم وأصل غير مغروس وذكر وقائع نزار في اليمن، فعلمنا أنه عنا. ولم يجبه الآخر بشيء.

وصف شبة بن عقال وخالد بن صفوان له وللفرزدق والأخطل: حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: قال هشام بن عبد الملك لشبة بن عقال وعنده جرير والفرزدق والأخطل، وهو يومئذ أمير ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزقوا أعراضهم، وهتكوا أستارهم وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا بر ولا نفع أيهم أشعر? فقال شبة: أما جرير فيغرف من بحر، وأما الفرزدق فينحت من صخر، وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر. فقال هشام: ما فسرت لنا شيئا نحصله. فقال ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يا بن الأهتم، فقال: أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلا، وأقلهم غزلا، وأحلاهم عللا، الطامي إذا زخر، والحامي إذا زأر، والسامي إذا خطر، الذي إن هدر قال، وإن خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم فوتا، الذي إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقهم شعرا، وأهتكهم لعدوه سترا، الأغر الأبلق، الذي أن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير. وكلهم ذكي الفؤاد، رفيع العماد، وراي الزناد. فقال له مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين ولا رأينا في الآخرين، وأشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأعفهم مقالا، وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتم الله عليك نعمه، وأجزل لديكم قسمه، وآنس بكم الغربة، وفرج بكم الكربة. وأنت، والله ما علمت أيها الأمير، كريم الغراس، عالم بالناس، جواد في المحل، بسام عند البذل، حليم عند الطيش، في ذروة قريش، ولباب عبد شمس، ويومك خير من أمس. فضحك هشام وقال: ما رأيت كتخلصك يا بن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم.

جرير وابن لجأ وقد قرنهما عمر بن عبد العزيز حين تقاذفا: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني مصعب الزبيري قال حدثني إبراهيم بن عبد الله مولى بني زهرة قال: حضرت عمر بن لجأ وجرير بن الخطفى موقوفين للناس بسوق المدينة لما تهاجيا وتقاذفا وقد أمر بهما عمر بن عبد العزيز فقرنا وأقيما. قال: وعمر بن لجأ شاب كأنه حصان، وجرير شيخ قد أسن وضعف. قال فيقول ابن لجأ:

رأوا قمرا بساحتهم منـيرا                      وكيف يقارن القمر الحمارا قال: ثم ينزو به وهما مقرونان في حبل فيسقطان إلى الأرض، فأما ابن لجأ فيقع قائما، وأما جرير فيخر لركبتيه ووجهه، فإذا قام نفض الغبار عنه. ثم قال بغنته قولا يخرج الكلام به من أنفه - وكان كلامه كأن فيه نونا -:

فلست مفارقا قرني حـتـى                      يطول تصعدي بك وانحداري قال فقال رجل من جلساء عمر له حين حضر غداؤه: لو دعا الأمير بأسيريه فغداهما معه ففعل ذلك عمر. وإنما فعله بهما لأنهما تقاذفا، وكان جرير قال له:

تقول والعبد مسكين يجررهـا                      أرفق فديتك أنت الناكح الذكر قال: وهذه قصيدته التي يقول فيها:

يا تيم تيم عدي لا أبا لكـم                      لا يوقعنكم في سوءة عمر قال ابنه: أجود شعره قصيدته الدالية: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني على بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال:

 

صفحة : 837

 

كنت باليمامة وأنا واليها فكان ابن لجرير يكثر عندي الدخول وكنت أوثره فلم أقل له قط أنشدني أجود شعر لأبيك إلا أنشدني الدالية:

أهوى أراك برامتين وقودا                      أم بالجنينة من مدافع أودا فأقول له: ويحك لا تزيدني على هذه فيقول سألتني عن أجود شعر أبي وهذه أجود شعره، وقد كان يقدمها على جميعه.

ذهب إلى الشأم ونزل على نميري فأكرمه: حدثني ابن عمار قال حدثني النوفلي قال حدثني علي بن عبد الملك الكعبي من ولد كعب مولى الحجاج قال حدثني فلان العلامة التميمي يرويه عن جرير قال: ما ندمت على هجائي بني نمير قط إلا مرة واحدة، فإني خرجت إلى الشأم فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم، وقد نظرت إليه من بين القصور مشيدا حسنا وسألت عن صاحبه فقيل لي: هو رجل من بني نمير. فقلت: هذا شآم وأنا بدوي لا يعرفني، فجئت فاستضفت. فلما أذن لي ودخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين، فلما أصبحت جلست، ودعا بنية له فضمها إليه وترشفها، فإذا هي أحسن الناس وجها ولها نشر لم أشم أطيب منه. فنظرت إلى عينيها فقلت: تالله ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبية ولا من حورها قط، وعوذتها: فقال لي: يا أبا حزرة أسوداء المحاجر هي? فذهبت أصف طيب رائحتها. فقال: أصن وبر هي? فقلت: يرحمك الله إن الشاعر ليقول، ووالله لقد ساءني ما قلته، ولكن صاحبكم بدأني فانتصرت، وذهبت أعتذر. فقال: دع ذا عنك أبا حزرة، فو الله ما لك عندي إلا ما تحب. قال: وأحسن والله إلي وزودني وكساني، فانصرفت وأنا أندم الناس على ما سلف مني إلى قومه.

كان المفضل من أنصار الفرزدق فحاجه محاج بقصيدته السينية: أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود قال حدثني ابن أبي علقمة الثقفي قال: كان المفضل يقدم الفرزدق، فأنشدته قول جرير:

حي الهدملة من ذات المواعيس                      فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس وقلت أنشدني لغيره مثلها فسكت. قال: وكان الفرزدق إذا أنشدها يقول: مثلها فليقل ابن اللخناء.

رثاء الفرزدق ابن أخيه وجرير ابنه: أخبرنا أبو خليفة بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي عن المحرر بن أبي هريرة قال: إني لفي عسكر سليمان بن عبد الملك وفيه جرير والفرزدق في غزاة، إذ أتانا الفرزدق في غداة، ثم قال، اشهدوا أن محمد ابن أخي، ثم أنشأ يقول:

فبت بـديري أريحـاء بـلـيلة                      خدارية يزداد طولا تمامـهـا

أكابد فيها نفس أقرب من مشى                      أبوه بأم غاب عنها نـيامـهـا

وكنا نرى من غالب في محمـد                      شمائل تعلو الفاعلين كرامـهـا

وكان ذا ما حل أرضا تـزينـت                      بزينتها صحراؤها وإكامـهـا

سقى أريحاء الغيث وهي بغيضة                      إلينا ولكن بي لتسقاه هامـهـا قال: ثم انصرف. وجاء جرير فقال: قد رأيت هذا وسمعت ما قال في ابن أخيه، وما ابن أخيه فعل الله به وفعل قال: ومضى جرير، فو الله ما لبثنا إلا جمعا حتى جاءنا فقام مقامه ونعى ابنه سوادة فقال:

أودى سوادة يجلو مقلـتـي لـحـم                      باز يصرصر فوق المربأ العالـي

فارقتني حين كف الدهر من بصري                      وحين صرت كعظم الرمة البالـي

إلا تكن لـك بـالـديرين بـاكـية                      فرب باكية بالـرمـل مـعـوال

قالوا نصيبك من أجر فقلت لـهـم                      كيف العزاء وقد فارقت أشبـالـي هجا الفرزدق لزواجه حدراء بنت زيق وجواب الفرزدق له: أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد وأبو الغراف قالا: تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس على حكم أبيها، فاحتكم مائة من الإبل. فدخل على الحجاج يسأله ذلك، فعذله وقال له: أتتزوج امرأة على حكمها فقال عنبسة بن سعيد وأراد نفعه: إنما هي من حواشي إبل الصدقة، فأمر له الحجاج بها. فوثب جرير فقال:

يا زيق قد كنت من شيبان في حسب                      يا زيق ويحك من أنكحـت يا زيق

أنكحت ويحك قينا باستـه حـمـم                      يا زيق ويحك هل بارت بك السوق

 

صفحة : 838

 

 

غاب المثنى فلم يشهـد نـجـيكـمـا                      والحوفزان ولم يشـهـدك مـفـروق

يا رب قائلة بـعـد الـبـنـاء بـهـا                      لا الصهر راض ولا ابن القين معشوق

أين الألى استنزلوا النعمـان ضـاحـية                      أم أين أبنـاء شـيبـان الـغـرانـيق قال: فلم يجبه الفرزدق عنها. فقال جرير أيضا:

فلا أنا معطي الحكم عن شف منصب                      ولا عن بنات الحنظـلـيين راغـب

وهن كماء المزن يشفى به الصـدى                      وكانت ملاحا غيرهن المـشـارب

فلو كنت حرا كان عشرا سياقـكـم                      إلى آل زيق والوصيف المـقـارب فقال الفرزدق:

فنل مثلها من مثلهم ثم لـمـهـم                      على دارمي بين ليلى وغـالـب

هم زوجوا قبلي لقيطا وأنكحـوا                      ضرارا وهم أكفاؤنا في المناسب

ولو قبلوا مني عطية سـقـتـه                      إلى آل زيق من وصيف مقارب

ولو تنكح الشمس النجوم بناتـهـا                      إذا لنكحناهن قبل الـكـواكـب قال ابن سلام فحدثني الرازي عن أبيه قال: ما كانت امرأة من بني حنظلة إلا ترفع لجرير اللوية في عظمها لتطرفه بها لقوله:

وهن كماء يشفى به الـصـدى                      وكانت ملاحا غيرهن المشارب فقلت للرازي: ما اللوية? قال: الشريحة من اللحم، أو الفدرة من التمر، أو الكبة من الشحم، أو الحفنة من الأقط، فإذا ذهب الألبان وضاقت المعيشة كانت طرفة عندهم.

قال: وقال جرير أيضا في شأن حدراء:

أثائرة حدراء من جر بـالـنـقـا                      وهل لأبي حدراء في الوتر طالب

أتثأر بسطاما إذا ابتلت اسـتـهـا                      وقد بولت في مسمعيه الثعـالـب قال ابن سلام: والنقا الذي عناه جرير هو الموضع الذي قتلت فيه بنو ضبة بسطاما، وهو بسطام بن قيس. قال: فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم. فلما أراد الفرزدق نقل حدراء اعتلوا عليه وقالوا له إنها ماتت. فقال جرير:

فأقسم ما ماتت ولكنما التـوى                      بحدراء قوم لم يروك لها أهلا

رأوا أن صهر القين عار عليهم                      وأن لبسطام على غالب فضلا مدح قوما عاوده في مرضه: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي ابن أبي سعد قال حدثنا محمد ابن إدريس اليمامي قال حدثنا علي بن عبد الله بن محمد بن مهاجر عن أبيه عن جده قال: دخلنا على جرير في نفر من قريش نعوده في علته التي مات فيها، فالتفت إلينا فقال:

أهلا وسهلا بقوم زينوا حسبـي                      وإن مرضت فهم أهلي وعوادي

إن تجر طير بأمر فيه عـافـية                      أو بالفراق فقد أحسنـتـم زادي

لو أن ليثا أبا شبلـين أوعـدنـي                      لم يسلموني لليث الغابة العـادي نعي الفرزدق إليه فشمت به ثم رثاه: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو جناح بني كعب بن عمرو بن تميم قال: نعي الفرزدق إلى المهاجر بن عبد الله وجرير عنده فقال:

مات الفرزدق بعد ما جدعتـه                      ليت الفرزدق كان عاش قليلا فقال له المهاجر: بئس لعمر الله ما قلت في ابن عمك أتهجو ميتا أما والله لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها. فقال: إن رأى الأمير أن يكتمها علي فإنها سوءة، ثم قال من وقته:

فلا وضعت بعد الفرزدق حامل                      ولا ذات بعل من نفاس تعلـت

هو الوافد الميمون والرائق الثأي                      إذا النعل يوما بالعشيرة زلـت قال: ثم بكى ثم قال: أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحدا وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا تبعه صاحبه. فكان كذلك، مات بعد سنة. وقد زاد الناس في بيتي جرير هذين أبياتا أخر، ولم يقل غيرهما وإنما أضيف إلى ما قاله.

صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى

رحل الخليط جمالهم بـسـواد                      وحدا على إثر البخيلة حادي

ما إن شعرت ولا علمت بينهم                      حتى سمعت به الغراب ينادي الشعر لجميل. والغناء لإبراهيم، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

 

نسب جميل وأخباره

 

 

صفحة : 839

 

هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن ظبيان وقيل ابن معمر بن حن بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد وهو هذيم، وسمي بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه ابن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. والنسابون مختلفون في قضاعة، فمنهم من يزعم أن قضاعة ابن معد وهو أخو نزار بن معد لأبيه وأمه، وهي معانة بنت جوسم بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عدي بن دب بن جرهم، ومنهم من يزعم أنهم من حمير. وقد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معديا فقال:

أنا جميل في السنـام مـن مـعـد                      في الأسرة الحصداء والعيص الأشد وقال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير:

قضاعة الأثرون خير معشر                      قضاعة بن مالك بن حمير ولهم في هذا أراجيز كثيرة. إلا أن قضاعة اليوم تنسب كلها في حمير، فتزعم أن قضاعة ابن مالك بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال القحذمي: اسم سبأ عامر، وإنما قيل له سبأ لأنه أول من سبى النساء. وكان يقال له عب الشمس، أي عديل الشمس، سمي بذلك لحسنه. ومن زعم من هؤلاء أن قضاعة ليس ابن معد ذكر أن أمه عكبرة امرأة من سبأ كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها وهي حامل، فخلفه عليها معد بن عدنان، فولدت قضاعة على فراشه. وقال: مؤرج بن عمرو: هذا قول أحدثوه بعد وصنعوا شعرا ألصقوه به ليصححوا هذا القول، وهو:

يأيها الداعي ادعنـا وأبـشـر                      وكن قضاعـيا ولا تـنـزر

قضاعة الأثرون خير معشـر                      قضاعة بن مالك بن حـمـير

النسب المعروف غير المنكر قال مؤرج: وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أمية. وشعراء قضاعة في الجاهلية والإسلام كلها تنتمي إلى معد. قال جميل:

وأي معد كان فيء رماحهـم                      كما قد أفانا والمفاخر منصف وقال زيادة بن زيد يهجو بني عمه بني عامر رهط هدبة بن خشرم:

وإذا معـد أوقـدت نـيرانـهـا                      للمجد أغضت عامر وتضعضعوا كان راوية هدبة بن خشرم وكان كثير راويته: وجميل شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية، كان راوية هدبة بن خشرم، وكان هدبة شاعرا راوية للحطيئة، وكان الحطيئة شاعرا راوية لزهير وابنه. وقال أبو محلم: آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثير، وكان راوية جميل، وجميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير.

نسب بثينة عشيقته: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال: كان جميل يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة تلتقي هي وجميل في حن من ربيعة في النسب.

كان كثير راويته يقدمه على نفسه: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي وهاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد قال: كان كثير راوية جميل، وكان يقدمه على نفسه ويتخذه إماما، وإذا سئل عنه قال: وهل علم الله عز وجل ما تسمعون إلا منه أخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية الزبيري قال: كان كثير إذا ذكر له جميل قال: وهل علم الله ما تسمعون إلا منه مر على جماعة بشعب سلع فاستنشدوه من شعره فأنشدهم فمدحوه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلمي، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر. فإنا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين طوال يقود راحلة عليها بزة حسنة. فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا جبير، هذا جميل، فادعه لعله أن ينشدنا. فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل هيا جميل فالتفت فقال: من هذا? فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر. فقال: قد علمت أنه لا يجترىء علي إلا مثلك. فأتاه فقال له أنشدنا، فأنشدهم:

نحن منعنا يوم أول نساءنا                      ويوم أفي والأسنة ترعف

 

صفحة : 840

 

 

ويوم ركابا ذي الجـذاة ووقـعة                      ببنيان كانت بعض ما قد تسلفـوا

يحب الغواني البيض طل لوائنـا                      إذا ما أتانا الصارخ المتلـهـف

نسير أمام الناس والناس خلفـنـا                      فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فأي معد كـان فـيء رمـاحـه                      كما قد أفأنا والمفاخر ينـصـف

وكنا إذا ما معشر نصبـوا لـنـا                      ومرت جواري طيرهم وتعيفـوا

وضعنا لهم صاع القصاص رهينة                      بما سوف نوفيها إذا الناس طففوا

إذا استبق الأقوام مجدا وجدتـنـا                      لنا مغرفا مجد وللناس مغـرف قال: ثم قال له: أنشدنا هزجا. قال: وما الهزج? لعله هذا القصير? قال نعم، فأنشده - قال الزبير: لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين، وأنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي - : صوت

رسم دار وقفت في طللـه                      كدت أقضي الغداة من جلله

موحشا ما ترى به أحدا تـن                      تسج الريح ترب معتـدلـه

وصريعا من الثمـام تـرى                      عارمات المدب في أسلـه

بين علياء وابـش فـبـلـي                      فالغميم الذي إلى جـبـلـه

واقفا في ديار أم جـسـير                      من ضحى يومه إلى أصله

يا خلـيلـي إن أم جـسـير                      حين يدنو الضجيع من غلله

روضة ذات حنوة وخزامى                      جاد فيها الربيع من سبـلة

بينما هن بـالأراك مـعـا                      إذ بدا راكب على جمـلـه

فتأطرن ثـم قـلـن لـهـا                      أكرميه حييت في نـزلـه

فظللنا بنعـمة واتـكـأنـا                      وشربنا الحلال من قلـلـه

قد أصون الحديث دون خليل                      لا أخاف الأذاة من قبـلـه

غير ما بغضة ولا لآجتنـاب                      غير أني ألحت من وجلـه

وخليل صاقبت مرتـضـيا                      وخليل فارقت من ملـلـه قال: فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته موليا. فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام. فقال ابن حسان: نعم والله وأشعر أهل الجاهلية، والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه. فقال عبد الرحمن بن الأزهر: صدقت.? قال نصيب: وأنشدت الوليد فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، والله ما زاد عليها. فقلت: يا أبا محجن، أفرضيت منه بأن تكون أشعر السودان? قال: وددت والله يا بن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، ولكنه لم يفعل، ولست بكاذبك.

كان صادق الصبابة وكان كثير يتقول: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان لكثير في النسيب حظ وافر وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان كثير راوية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول. وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسب:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل قال: ورأيت من يفضل عليه بيت جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما                      قتيلا بكى من حب قاتله قبلي قال ابن سلام: وهذا البيت الذي لكثير أخذه من جميل حيث يقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنـمـا                      تمثل لي ليلى على كل مرقب عرض الفرزدق لكثير بأنه سرق منه فرد عليه بمثله: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: لقي الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي نزيد المسجد، فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب حين تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل يعرض له بسرقته من جميل. فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا                      وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

 

صفحة : 841

 

قال عبد العزيز: وهذا البيت أيضا لجميل سرقه الفرزدق فقال الفرزدق لكثير: هل كانت أمك مرت بالبصرة قال: لا ولكن أبى، فكان نزيلا لأمك. قال طلحة بن عبد الله. فو الذي نفسي بيده لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت أحدا قط أحمق منه، رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنا كثيرا ما نتهزأ به، فقلنا: كيف تجدك يا أبا صخر? قال: بخير، أما سمعتم الناس يقولون شيئا? قلنا: نعم، يتحدثون أنك الدجال. فقال: والله لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام.

كان كثير يفضله على نفسه ويبدأ بإنشاد شعره: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال كتب إلي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: كان أبو صخر كثير صديقا لي، وكان يأتيني كثيرا، فقلما استنشدته إلا بدأ بجميل وأنشد له ثم أنشد لنفسه، وكان يفضله ويتخذه إماما.

قال الزبير وكتب إلي إسحاق يقول حدثني صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير ذكر جميل لكثير، فقالوا: ما تقول فيه?. فقال: منه علم الله عز وجل.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن إسحاق بن قبيصة الكوفي عن رجل سماه قال: سألت نصيبا: أجميل أنسب أم كثير? فقال: أنا سألت كثيرا عن ذاك فقال: وهل وطأ لنا النسيب إلا جميل قال عمر بن شبة وقال إسحاق حدثني السعيدي عن أبي مالك النهدي قال: جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلا، فقال: ذاك إمام المحبين، وهل هدى الله عز وجل لما ترى إلا بجميل.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: ما استنشدت كثيرا قط إلا بدأ بجميل وأنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه، وكان يفضله ويتخذه إماما.

أول عشقه بثينة: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي قال: كان جميل ينسب بأم الجسير، وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له بغيض، فاضطجع وأرسل إبله مصعدة، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء، فمرتا على فصال له بروك فعرمتهن بثينة - يقول: نفرتهن - وهي إذ ذاك جويرية صغيرة، فسبها جميل، فافترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:

وأول ما قاد المودة بينـنـا                      بوادي بغيض يا بثين سباب

وقلنا لها قولا فجاءت بمثله                      لكل كلام يا بثين جـواب قال الزبير وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذري وكانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود، وإياه يعني جميل بقوله:

لقد أنكحوا جهلا نبيهـا ظـعـينة                      لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل قال الزبير وحدثني أيضا الأسباط بن عيسى بن عبد الجبار العذري أن جميل بن معمر خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال، وأن جميلا وقف على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني الأحب وهن بنات عم عبيد الله بن قطبة أخي أبيه لحا، فرأى منهن منظرا وأعجبنه وعشق بثينة وقعد معهن، ثم راح وقد كان معه فتيان من بني الأحب، فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه، فراح وهو يقول:

عجل الفراق وليته لم يعـجـل                      وجرت بوادر دمعك المتهلـل

طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف                      بين الحبيب غداة برقة مجـول

وعرفت أنك حين رحت ولم يكن                      بعد اليقين وليس ذاك بمشكـل

لن تستطيع إلى بثـينة رجـعة                      بعد التفرق دون عام مـقـبـل قال: وإن بثينة لما أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه وتتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث إليها ومع أخواتها، حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدث إليها إذا خلا منهم، وكانوا أصلافا غيرا - أو قال غيارى - فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف على بثينة وأم الجسير وهما يحدثانه وهو ينشدهما يومئذ:

حلفت برب الراقصات إلى منى                      هوي القطا يجتزن بطن دفـين

 

صفحة : 842

 

 

لقد ظن هذا القلب أن ليس لاقيا                      سليمى ولا أم الجسير لحـين

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي                      وهموا بقتلي يا بثين لقـونـي فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به وهو يقول

إذا جوع الإثنان جمعا رميتهم                      بأركانها حتى تخلى سبيلهـا فكان هذا أول سبب المهاجاة بينه وبين عبد الله بن قطبة.

واعدته بثينة فمنعها أهلها فقرعه نساء الحي، وشعره في ذلك: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة: أن بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها. وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر، وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم، فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيىء الظن بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها. فقال في ذلك: صوت

أبثين إنك قد ملكت فأسجحـي                      وخذي بحظك من كريم واصل

فأجبتها في القول بعد تسـتـر                      حبي بثينة عن وصالك شاغلي

فلرب عارضة علينا وصلـهـا                      بالجد تخطله بقول الـهـازل

لو كان في صدري كقدر قلامة                      فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه: صوت

ويقلن إنك قد رضيت ببـاطـل                      منها فهل لك في اجتناب الباطل

ولباطل ممـا أحـب حـديثـه                      أشهى إلي من البغيض البـاذل

ليزلن عنك هواي ثم يصلنـنـي                      وإذا هويت فما هـواي بـزائل الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو، وذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء. وروى حماد عن أبيه في أخبار ابن سريج أن لابن سريج فيه لحنا ولم يجنسه:

صادت فؤادي يا بثين حبـالـكـم                      يوم الحجون وأخطأتك حبائلـي

منيتني فلويت مـا مـنـيتـنـي                      وجعلت عاجل ما وعدت كآجـل

وتثاقلت لما رأت كلفـي بـهـا                      أحبب إلي بذاك من متـثـاقـل

وأطعت في عواذلا فهجرتـنـي                      وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي

حاولنني لأبت حبل وصـالـكـم                      مني ولست وإن جهدن بفاعـل

فرددتهن وقد سبعين بهجـركـم                      لما سعين له بأفـوق نـاصـل

يعضضن من غيظ علي أنامـلا                      ووددت لو يعضضن صم جنادل

ويقلن إنـك يا بـثـين بـخـيلة                      نفسي فداؤك من ضنين بـاخـل قالوا: وقال جميل في وعد بثينة بالتلاقي وتأخرها قصيدة أولها:

يا صاح عن بعض الملامة أقصر                      إن المنى للقـاء أم الـمـسـور فمما يغنى فيه منها قوله: صوت

وكأن طارقها على علل الكرى                      والنجم وهنا قد دنا لتـغـور

يستاف ريح مدامة معـجـونة                      بذكي مسك أو سحيق العنبـر الغناء لابن جامع ثقيل أول بالبنصر من رواية الهشامي. وذكر عمرو بن بانة أنه لآبن المكي.

ومما يغنى فيه منها قوله: صوت

إني لأحفظ غيبكم ويسـرنـي                      إذ تذكرين بصالح أن تذكري

ويكون يوم لا أرى لك مرسلا                      أو نلتقي فيه علي كأشـهـر

يا ليتني ألقى المنـية بـغـتة                      إن كان يوم لقائكم لـم يقـدر

أو أستطيع تجلدا عن ذكركـم                      فيفيق بعض صبابتي وتفكري الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. وفيه يقول:

لو قد تجن كما أجن من الهوى                      لعذرت أو لظلمت إن لم تعذر

والله ما للقلب من علـم بـهـا                      غير الظنون وغير قول المخبر

لا تحسبي أني هجرتك طائعـا                      حدث لعمرك رائع أن تهجري

فلتبكين الـبـاكـيات وإن أبـح                      يوما بسرك معلنا لـم أعـذر

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت                      يتبع صداي صداك بين الأقبـر صوت

 

صفحة : 843

 

 

إني إليك بما وعدت لنـاظـر                      نظر الفقير إلى الغني المكثر

يعد الديون وليس ينجز موعدا                      هذا الغريم لنا وليس بمعسر

ما أنت والوعد الذي تعديننـي                      إلا كبرق سحابة لم تمطـر

قلبي نصحت له فرد نصيحتي                      فمتى هجرتيه فمنه تكثـري الغناء في هذه الأبيات لسليم رمل عن الهشامي. وفيه قدح طنبوري أظنه لجحظة أو لعلي بن مودة. قالوا: وقال في إخلافها إياها هذا الموعد: صوت

ألا ليت ريعان الشباب جديد                      ودهرا تولى بها بثين يعود

فنغني كما كنا نكون وأنتـم                      قريب وإذ ما تبذلين زهيد ويروى:

ومما لا يزيد بعيد وهكذا يغنى فيه: الغناء لسليم خفيف ثقيل أول بالوسطى. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة.

صوت

ألا ليت شعري هل أبيتن لـيلة                      بوادي القرى إني إذا لسـعـيد

وهل ألقين فردا بـثـينة مـرة                      تجود لنا من ودهـا ونـجـود

علقت الهوى منها وليدا فلم يزل                      إلى اليوم ينمي حبـهـا ويزيد

وأفنيت عمري بانتظاري وعدها                      وأبليت فيها الدهر وهو جـديد

فلا أنا مردود بما جئت طالبـا                      ولا حبها فـيمـا يبـيد يبـيد الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى. ومما يغنى فيه منها: صوت

وما أنس م الأشياء لا أنس قولها                      وقد قربت بصرى أمصر تريد

ولا قولها لولا العيون التي ترى                      لزرتك فاعذرني فدتك جـدود

خليلي ما ألقى من الوجد قاتلي                      ودمعي بما قلت الغداة شهـيد

يقولون جاهد يا جميل بغـزوة                      وأي جهـاد غـيرهـن أريد

لكل حديث بينـهـن بـشـاشة                      وكل قتيل عنـدهـن شـهـيد الغناء للغريض خفيف ثقيل من رواية حماد عن أبيه. وفي هذه القصيدة يقول:

إذا قلت ما بي يا بثـينة قـاتـلـي                      من الحب قـالـت ثـابـت ويزيد

يا جـمـــيل بـــغـــزوة                      وأي جـهـاد غـيرهـــن أريد

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به                      مع الناس قالت ذاك منـك بـعـيد

ألا قد أرى واللـه أن رب عـبـرة                      إذا الدار شطت بينـنـا سـتـرود

إذا فكرت قالت قـد ادركـت وده                      وما ضرني بخلي فكـيف أجـود

فلو تكشف الأحشاء صودف تحتهـا                      لبـثـنة حـب طـارف وتـلـيد

تذكـرينـهـا كـل ريح مـريضة                      لها بـالـتـلاع الـقـاويات وئيد

وقد تلتقي الأشتات بـعـد تـفـرق                      وقد تدرك الحاجات وهي بـعـيد عاتبته بثينة لشعر قاله فيها: أخبرني علي بن صالح قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته، فتعاتبا طويلا فقالت له: ويحك يا جميل أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:

رمى الله في عيني بثينة بالقذى                      وفي الغر من أنيابها بالقوادح فأطرق طويلا يبكي ثم قال: بل أنا القائل:

ألا ليت أعمى أصم تقودني                      بثينة لا يخفى علي كلامها فقالت له: ويحك ما حملك على هذه المنى أو ليس في سعة العافية ما كفانا جميعا.

تجسس أبوهما وأخوها كلامه مع بثينة فلم يريا ريبة: قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال: سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدثها ويشكو إليه بثة، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه? قالت: بماذا? قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل، أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:

 

صفحة : 844

 

 

وإني لأرضى من بثينة بـالـذي                      لو ابصره الواشي لقرت بلابلـه

بلا وبأن لا أستطيع وبالـمـنـى                      وبالأمل المرجو قد خاب آملـه

وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي                      أواخره لا نلـتـقـي وأوائلـه قال فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.

قابلها مرة بسعي صديق له: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عناية عن رجل من عذرة قال: كنت تربا لجميل وكان يألفني، فقال لي ذات يوم: هل تساعدني على لقاء بثينة? فمضيت معه، فكمن لي في الوادي وبعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه، فدفعته إليه، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه. فلما كان الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته. فلما استوى في غرزها وهي باركة قالت له: ادن مني يا جميل: صوت

إن المنازل هيجت أطرابـي                      واستعجمت آياتها بجـوابـي

قفرا تلوح بذي اللجين كأنهـا                      أنضاء رسم أو سطور كتاب

لما وقفت بها القلوص تبادرت                      مني الدموع لفرقة الأحبـاب

وذكرت عصرا يا بثينة شاقني                      وذكرت أيامي وشرخ شبابي الغناء في هذه الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أرسل كثيرا إلى بثينة ليستجد منها موعدا: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق الموصلي عن السعيدي، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثنا أبو مالك النهدي قال: جلس إلينا كثير ذات يوم فتذاكرنا جميلا، فقال: لقيني مرة فقال لي: من أين أقبلت? قلت: من عند أبي الحبيبة أعني بثينة. فقال: وإلى أين تمضي? قلت: إلى الحبيبة أعني عزة. فقال: لا بد من أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة. فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع. فقال: لا بد من ذلك. فقلت له: فمتى عهدك ببثينة? فقال: في أول الصيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها، فلما أبصرتني أنكرتني، فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية، فأعادت الثوب في الماء، وتحدثنا حتى غاب الشمس. وسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون، وما وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها. فقال له كثير: فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها? قال: ذلك الصواب، فأرسله إليها، فقال له: انتظرني ثم خرج كثير حتى أناخ بهم. فقال له أبوها: ما ردك? قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثير: فأنشدته وبثينة تسمع:

فقلت لها يا عز أرسل صاحبـي                      إليك رسولا والموكل مرسـل

بأن تجعلي بيني وبينك مـوعـدا                      وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل

وآخر عهدي منك يوم لقيتـنـي                      بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: إخسأ إخسأ فقال أبوها: مهيم يا بثينة? قالت: كلب يأتينا إذا نؤم الناس من وراء الرابية. ثم قالت للجارية:أ ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له. فقال كثير: أنا أعجل من ذلك. وراح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدومات. وقالت لأم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن: إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلا معه. وخرج كثير وجميل حتى أتيا الدومات، وجاءت بثينة ومن معها، فما برحوا حتى برق الصبح. فكان كثير يقول: ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ما أدري أيهما كان أفهم وصف صالح بن حسان بيتا من شعره: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي، وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث من أهل العقيق يتقصف تقصفا? قلت: لا. قال: قد أجلتك حولا. قلت: لا أدري ما هو فقال قول جميل:

ألا أيها النوام ويحكم هبوا كأنه أعرابي في شملة. ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال:

 

صفحة : 845

 

 

أسائلكم هل يقتل الرجل الحب كأنه من كلام مخنثي العقيق.

أهدر السلطان لأهل بثينة دمه إن لقيها وما كان منه بعد ذلك: أخبرني الحسبن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال: عشق جميل بثينة وهو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر وطرد، فكان يأتيها سرا ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعي على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتها، فاحتبس حينئذ.

أن حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدثني إبراهيم الرماح قال حدثنا جابر أبو العلاء التنوخي قال: لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل على قور رمل يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول:

أيا ريح الشمال أما ترينـي                      أهيم وأنني بادي النحـول

هبي لي نسمة من ريح بثن                      ومني بالهبوب إلى جميل

وقولي يا بثينة حسب نفسي                      قليلك أو أقل من القلـيل فإذا بدا وضح الصبح انصرف. وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران فيقلن لها: اتقي لها فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له.

تذاكر هو وكثير شعريهما في العشق وبكيا: حدثني أحمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني أحمد بن يعلى قال حدثني سويد بن عصام قال حدثني روح أبو نعيم قال: التقى جميل وكثير فتذاكرا النسيب، فقال كثير: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع بقولك:

يقيك جميل كل سوء أمـا لـه                      لديك حديث أو إلـيك رسـول

وقد قلت في حبي لكم وصبابتي                      محاسن شعر ذكرهن يطـول

فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي                      هبوب الصبايا بثن كيف أقـول

فما غاب عن عيني خيالك لحظة                      ولا زال عنها، والخـيال يزول فقال جميل: أترى عزة قد حال يا كثير لم تسمع بقولك:

يقول العدا يا عز قد حال دونـكـم                      شجاع على ظهر الطريق مصمم

فقلت لها والله لو كـان دونـكـم                      جهنم ما راعت فؤادي جـهـنـم

وكيف يروع القلـب يا عـز رائع                      ووجهك في الظلماء للسفر معلـم

وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى                      فلا تنقمي حبي فما فيه مـنـقـم قال: فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا.

واعد بثينة وعرف ذلك أهلها فلم تذهب: وقال الهيثم بن عدي ومن ذكر روايته معه من أصحابه:

 

صفحة : 846

 

زار جميل بثينة ذات يوم، فنزل قريبا من الماء يترصد أمة لها أو راعية، فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشية معها قربة، وكانت به عارفة وبما بينها وبينه. فسلمت عليه وجلست معه، وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويحدثها بخبره بعدها ويحملها رسائله. ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعد عليها، ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم. فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها، فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعللت، فضربوها ضربا مبرحا، فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه. ومر بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصة كلها وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبا أن يثبطا عنه فقالا للقوم: إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه، وأهل بثينة أعز عذرة، فدعوا الأمة توصل خاتمه إلى بثينة، فإذا زارها بيتموهما جميعا، قالوا: صدقتما لعمري إن هذا الرأي. فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذروها أن تخبر بثنية بأنهم علموا القصة، ففعلت. ولم تعلم بثينة بما جرى. ومضى الفتيان فأنذرا جميلا، فقال: والله ما أرهبهم، وإن في كنانتي ثلاثين سهما والله لا أخطأ كل واحد منها رجلا منهم، وهذا سيفي والله ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان. فناشداه الله وقالا: البقية أصلح، فتقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب، ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما غير مؤبن. فقال أما الآن فابعثا إليها من ينذرها، فأتياه براعية لهما وقالا له: قل بحاجتك، فقال: ادخلي إليها وقولي لها: إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة. فمضت فأعلمتها ما قال لها، فعرفت قصته وبحثت عنها فعرفتها، فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصون أثره فرأوا بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم، فقال جميل في ذلك:

خليلي عوجا اليوم حتى تسلـمـا                      على عذبة الأنياب طيبة النشـر

ألما بها ثم اشفعا لي وسـلـمـا                      عليها سقاها الله من سبل القطر

إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت                      جرعت لنأي الدار منها وللبعـد

أبى القلب إلا حب بثنة لـم يرد                      سواها وحب القلب بثنة لا يجدي قال: وقال أيضا: ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة، وفيها أبيات معادة القوافي تدل على أنها مفردة عنها، وهي:

ألم تسأل الدار القديمة هل لها                      بأم جسير بعد عهدك من عهد وفيها يقول: صوت

سلى الركب هل عجنا لمغنـاك مـرة                      صدور المطايا وهي موقرة تـخـدي

وهل فاضت العين الشروق بـمـائهـا                      من اجلك حتى اخضل من دمعها بردي الغناء لأحمد بن المكي ثاني ثقيل بالوسطى:

وإني لأستجري لك الطير جـاهـدا                      لتجري بيمن من لقائك من سـعـد

وإني لأستبكي إذا الركـب غـردوا                      بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي

فهل تجزيني أم عـمـرو بـودهـا                      فإن الذي أخفي بها فوق مـا أبـدي

وكل محب لـم يزد فـوق جـهـده                      وقد زدتها في الحب مني على الجهد قصته مع أم منظور وقد أبت عليه أن تريه إياها: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم وغيره وبهلول بن سليمان البلوي: أن رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها أم منظور. فجاءها جميل فقال لها: يا أم منظور، أريني بثينة. فقالت: لا والله لا أفعل، قد ائتمنوني عليها. فقال: أما والله لأضرنك، فقالت: المضرة والله في أن أريكها. فخرج من عندها وهو يقول:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت                      بالحجر يوم جلتها أم منـظـور

ولا انسلابتها خرسا جبـائرهـا                      إلي من ساقط الأوراق مستور قال: فما كان إلا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان. قال: فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها. هكذا ذكر الزبير بن بكار في خبر أم منظور، وقد ذكر فيه غير ذلك.

استدعى مصعب أم منظور وسألها عن قصتها مع جميل وبثينة:

 

صفحة : 847

 

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي: أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت                      بالحجر يوم جلتها أم منـظـور فقال: لوددت أني عرفت كيف جلتها. فقيل له: إن أم منظور هذه حية. فكتب في حملها إليه مكرمة فحملت إليه. فقال لها: أخبريني عن قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت                      بالحجر يوم جلتها أم منـظـور كيف كانت هذه الجلوة? قالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة، وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق. ومر بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا. فقال لها مصعب: فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت: وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع.

زارها مرة متنكرا في زي سائل: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول عن بعض مشايخه: أن جميلا جاء إلى بثنية ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحي، فوجد عندها ضيفانا لها، فانتبذ ناحية، فسألته: من أنت، فقال: مسكين مكاتب، فجلس وحده، فعشت ضيفانها وعشته وحده. ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين. فقال جميل: واعدته مرة وأحس أهلها فمنعوها فقال في ذلك شعرا:

هل البائس المقرور دان فمصطل                      من النار أو معطى لحافا فلابس فقالت لجاريتها: صوت جميل والله اذهبي فانظري فرجعت إليها فقالت: هو والله جميل فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك? فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم. وأرسلت جاريتها إلى جميل، فجاءتها به، فحبسته عندها ثلاث ليال، ثم سلم عليها وخرج.

وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع، فأتى لوعدها. وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلوا بعض إبلكم. فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيء الظن بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها، فقال في ذلك:

أبثين إنك قد ملك فأسجـحـي                      وخذي بحظك من كريم واصل صوت

فلرب عارضة علينا وصلهـا                      بالجد تخلطه بقول الـهـازل

فأجبتها بالقول بعـد تـسـتـر                      حبي بثينة عن وصالك شاغلي

لو كان في قلبي كقدر قـلامة                      فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية أحمد:

ويقلن أنك قد رضيت ببـاطـل                      منها فهل لك في اجتناب الباطل

ولباطل ممـن أحـب حـديثـه                      أشهى إلي من البغيض البـاذل الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو. وذكر عمر أنه ليزيد حوراء.

قصته مع بثينة وقد علم زوجها بمقامه معها وما قيل في ذلك من الشعر:

 

صفحة : 848

 

وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه أن جماعة من بني عذرة حدثوا أن جميلا رصد بثينة ذات ليلة في نجعة لهم، حتى إذا صادف منها خلوة سكر ودنا منها وذلك في ليلة ظلماء ذات غيم وريح ورعد، فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها، ففزعت وقالت: والله ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجن فقالت لها بثينة وقد فطنت: إن جميلا فعل ذلك فانصرفي ناحية إلى منزلك حتى ننام، فانصرفت وبقيت مع بثينة أم الجسير وأم منظور، فقامت إلى جميل فأدخلته الخباء معها وتحدثا طويلا، ثم اضطجع إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها، فرآها نائمة مع جميل، فمضى لوجهه حتى خبر سيده. ورأته ليلى والصبوح معه وقد عرفت خبر جميل وبثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارية لها وقالت حذري بثينة وجميلا، فجاءت الجارية فنبهتهما. فلما تبينت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين ارتاعت وقالت: يا جميل نفسك نفسك فقد جاءني غلام نبيه بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين فقال لها جميل وهو غير مكترث لما خوفته منه:

لعمرك ما خوفتني من مـخـافة                      بثين ولا حذرتني موضع الحـذر

فأقسم لا يلقى لـي الـيوم غـرة                      وفي الكف مني صارم قاطع ذكر فأقسمت عليه أن يلقى نفسه تحت النضد وقالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك، ففعل ذلك ونامت كما كانت، واضطجعت أم الجسير إلى جانبها وذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال له: إني رأيت بثينة مضطجعة وجميل إلى جانبها. فجاء نبيه إلى أخيها وأبيها بأيديهما وعرفهما الخبر وجاءوا بأجمعهم إلى بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الجسير إلى جانبها نائمة. فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه الله وإياكما وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح. وأقام جميل عند بثينة حتى أجنه الليل ثم ودعها وانصرف. وحذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إياها فتحامته مدة، فقال في ذلك: صوت

أأن هتفت ورقاء ظلـت سـفـاهة                      تبكي على جمل لورقاء تهـتـف

فلو كان لي بالصرم يا صاح طـاقة                      صرمت ولكني عن الصرم أضعف للهذلي في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وذكر غيره لابن جامع. وفيه لبذل الكبرى خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكي. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة قوله: صوت

لها في سواد القلـب بـالـحـب مـيعة                      هي الموت أو كادت على الموت تشرف

وما ذكرتك الـنـفـس يا بـثـن مـرة                      من الدهر إلا كادت النفـس تـتـلـف

وإلا اعترتـنـي زفـرة واسـتـكـانة                      وجاد لها سجـل مـن الـدمـع يذرف

وما استطرفت نفسـي حـديثـا لـخـلة                      أسـر بـه إلا حـديثـك أطـــرف الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وأول هذه القصيدة:

أمن منزل قفر تعـفـت رسـومـه                      شمال تغاديه ونكـبـاء حـرجـف

فأصبح قفرا بعـد مـا كـان آهـلا                      وجمل المنى تشتو بـه وتـصـيف

ظللت ومستن من الدمـع هـامـل                      من العين لما عجت بالـدار ينـزف

أمنصفتي جمل فـتـعـدل بـينـنـا                      إذا حكمت والحاكم العدل ينـصـف

تعلقتها والجسم مـنـي مـصـحـح                      فما زال ينمي حب جمل وأضعـف

إلى اليوم حتى سل جسمي وشفـنـي                      وأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف

قناة من المران ما فوق حـقـوهـا                      وما تحته منها نـقـا يتـقـصـف

لها مـقـلـتـا ريم وجـيد جـداية                      وكشح كطي الـسـابـرية أهـيف

ولست بناس أهلها حـين أقـبـلـوا                      وجالوا علينا بالسـيوف وطـوفـوا

وقالوا جميل بات في الحي عنـدهـا                      وقد جردوا أسيافهـم ثـم وقـفـوا

وفي البيت ليث الغاب لولا مـخـافة                      على نفس جمل والإله لأرعـفـوا

 

صفحة : 849

 

 

هممت وقد كادت مرارا تطلـعـت                      إلى حربهم نفسي وفي الكف مرهف

وما سرني غير الذي كان مـنـهـم                      ومني وقد جاءوا إلـي وأوجـفـوا

فكم مرتج أمـرا أتـيح لـه الـردى                      ومن خائف لم ينتقصه الـتـخـوف له بيت كان نصفه أعرابي ونصفه مخنث: حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال، قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق? فقلت: لا أدري. قال: قد أجلتك فيه حولا. فقلت: لو أجلتني حولين ما علمت. قال: قول جميل:

ألا أيها النوام ويحكم هبوا هذا أعرابي في شملة. ثم قال:

نسائلكم هل يقتل الرجل الحب كأنه والله من مخنثي العقيق. في هذا الشعر غناء، نسبته وشرحه: صوت

ألا أيها النوام ويحـكـم هـبـوا                      نسائلكم هل يقتل الرجل الحـب

ألا رب ركب قد دفعت وجيفهـم                      إليك ولولا أنت لم يوجف الركب الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد. وفيه لسليم ما خوري عن الهشامي. وفيه لمالك ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وقيل: إنه لمعبد. وفيه لعريب هزج من رواية ابن المعتز. وذكر عبد الله بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأول وأن خفيف الرمل لابن سريج وأن الهزج لحمدونه بنت الرشيد.

جفا بثينة لما علقت حجنة الهلالي: أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب ابن عباية المحرزي عن شيخ من رهط جميل من عذرة: أن بثينة لما علقت حجنة الهلالي جفاها جميل. قال: وأنشدني لجميل في ذلك: صوت

بينا حبال ذات عـقـد لـبـثـنة                      أتيح لها بعض الغواة فحلـهـا

فعدنا كأنا لم يكن بينـنـا هـوى                      وصار الذي حل الحبال هوى لها

وقالوا نراها يا جميل تـبـدلـت                      وغيرها الواشي فقلت لعلـهـا الغناء للهذلي خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. وذكره إسحاق في هذه الطريقة والإصبع ولم ينسبه إلى أحد.

تمثل إفريقي بشعر له يعرض فيه بفتى من آل عثمان: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرن قال: بعثني المنصور لأبتاع له جارية من المدينة وقال لي: اعمل برأي ابن نفيس، فكنت أفعل ذلك، وأغشى ابنه، وكانت له جارية مغنية قد كلف بها فتى من آل عثمان بن عفان، فكان يبيع عقدة عقدة من ماله وينفق ثمنها عليها. وابتلي برجل من أهل إفريقية ومعه ابن له، فغشي ابن الإفريقي بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية وأهلها ويبرهم حتى حظي عندهم وغلب عليهم وتثاقلوا العثماني. فقضي أن اجتمعنا عشية عندها وحضر ابن الإفريقي والعثماني، فنزع ابن الإفريقي خفه فتناثر المسك منه، وأراد العثماني أن يكيده بفعله. فجلسنا ساعة، فقال لها ابن الإفريقي: غني:

بينا حبال ذات عقد لبـثـنة                      أتيح لها بعض الغواة فحلها يعرض بالعثماني. فقال لها العثماني: لا حاجة لنا في هذا، ولكن غني:

ومن يرع نجدا يلفني قد رعيتـه                      بجنيته الأولى ويورد على وردي قال: فنكس ابن الإفريقي رأسه وخرج العثماني فذهب، وخمد أهل البيت فما انتفعوا بقية يومهم.

شعره حين زوجت بثينة نبيها: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وبهلول بن سليمان البلوي: أن جميلا قال لما زوجت بثينة نبيها: صوت

ألا ناد عيرا من بثينة ترتـعـي                      نودع على شحط النوى ونـودع

وحثوا على جمع الركاب وقربوا                      جمالا ونوقا جلة لم تضعضـع في هذين البيتين رمل لابن سريج عن الهشامي. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة: صوت

أعيذك بالرحمن من عيش شقـوة                      وأن تطمعي يوما إلى غير مطمع

إذا ما ابن معلون تحدر رشـحـه                      عليك فموتي بعد ذلـك أودعـي

مللن ولم أملل وما كنت سـائمـا                      لأجمال سعدى ما أنخن بجعجـع

 

صفحة : 850

 

 

وحثوا على جمع الركاب وقربوا                      جمالا ونوقا جلة لم تضعضـع

ألا قد أرى إلا بثينة هـا هـنـا                      لنا بعد ذا المصطاف والمتربع لمعبد في الثالث والرابع من هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولابن سريج في الأول والثاني والخامس خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وللأبجر في الأول والخامس والثالث والرابع رمل بالبنصر. وفي الأول والثاني خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وغيره، ولم تعرف صحته من جهة يوثق بها.

شعره لما أبعده السلطان عن بثينة: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة وخاف السلطان، وكان بهلول يعجب به:

ألا قد أرى إلا بثينة لـلـقـلـب                      بوادي بدا لا بحسمى ولا الشغب

ولا ببصاق قد تيممت فاعتـرف                      لما أنت لاق أو تنكب عن الركب

أفي كل يوم أنت محدث صبـوة                      تموت لها بدلت غيرك من قلـب حديث عبد الملك معها عن عشق جميل لها: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزهري عن سليمان بن صخر الحرشي قال حدثنا سليمان بن زياد الثقفي: أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان. فرأى امرأة خلفاء مولية، فقال لها: ما الذي رأى فيك جميل?. قالت: الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك: فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها.

شعره في جمله جديل: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم العويثي: أن جمل جميل الذي كان يزور عليه بثينة يقال له جديل وفيه يقول:

أنخب جديلا عند بثنة لـيلة                      ويوما أطال الله رغم جديل

أليس مناخ النضو يوما وليلة                      لبثنة فيما بيننا بـقـلـيل? مهاجاته قومها بنى الأحب وإهدار السلطان لهم دمه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى المكي: أن جميلا لما اشتهرت بثينة بحبه إياها اعترضه عبيد الله بن قطبة أحد بني الأحب وهو من رهطها الأدنين فهجاه، وبلغ ذلك جميلا فأجابه، وتطاولا فغلبه جميل وكف عن ابن قطبة، واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب فهجاه. وإياه عنى جميل بقوله:

إذا الناس هابوا خزية ذهبت بهـا                      أحب المخازي كهلها وولـيدهـا

لعمر عجوز طرقت بك إنـنـي                      عمير بن رمل لابن حرب أقودها

بنفسي فلا تقطع فـؤداك ضـلة                      كذلك حزني وعثها وصعودهـا قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعي بن دجاجة، وكانت إليه بلاد عذرة، وقالوا: يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا فأباحهم دمه، وطلب فهرب منه. وغضبت بثينة لهجائه أهلها جميعا. فقال جميل:

وما صائب من نابل قذفـت بـه                      يد وممر العـقـدتـين وثـيق

له من خوافي النسر حم نظـائر                      ونصل كنصل الزاعبي فـتـيق

على نبعة زوراء أما خطامـهـا                      فمتن وأما عودهـا فـعـتـيق

بأوشك قتلا منك يوم رميتـنـي                      نوافذ لم تظهر لـهـن خـروق

تفرق أهلانا بثـين فـمـنـهـم                      فريق أقاموا استـمـر فـريق

فلو كنت خوارا لقد باح مضمري                      ولكنني صلب القـنـاة عـريق

كأن لم نحارب يا بثين لـو انـه                      تكشف غماها وأنـت صـديق قال ويدل على طلب عامر بن ربعي إياه قوله:

أضر بأخفاف البغلية أنهـا                      حذار ابن ربعي بهن رجوم لما أهدر دمه هرب إلى اليمن ثم رجع بعد عزل عامر إلى الشأم: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال حدثني بعض رواة عذرة: أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم. فحذرهم مدة، ثم وجدوه عندها، فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا أن ينشب بينهم وبين قومه حرب في دمه، وكان قومه أعز من قومها، فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلبا شديدا، فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة. وأنشدني له في ذلك:

ألم خيال من بثـينة طـارق                      على النأي مشتاق إلي وشائق

 

صفحة : 851

 

 

سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت                      إلي ودوني الأشعـرون وغـافـق

كأن فتيت المسك خالط نـشـرهـا                      تغل به أردانـهـا والـمـرافـق

تقوم إذا قامت به عن فـراشـهـا                      ويغدو به من حضنها من تعـانـق قال أبو عمرو وحدثني هذا العذري: أن جميلا لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم، وانتجعوا ناحية الشام فرحل إليهم. قال: فلقيته فسألته عما أحدث بعدي، فأنشدني:

سقى منزلينا يا بثين بـحـاجـر                      على الهجر منا صيف وربـيع

ودورك يا ليلى وإن كن بعـدنـا                      بلين بلى لم تبـلـهـن ربـوع

وخيماتك اللاتي بمنعرج اللـوى                      لقمريها بالمشرقـين سـجـيع

تزعزع منها الريح كل عـشـية                      هزيم بسلاف الـرياح رجـيع

وإني أن يعلى بك اللوم أو تـري                      بدار أذى من شامت لـجـزوع

وإني على الشيء الذي يلتوى به                      وإن زجرتني زجـرة لـو ريع

فقدتك من نفس شعاع فـإنـنـي                      نهيتك عن هذا وأنـت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت                      هناك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

يقولون صب بالغواني مـوكـل                      وهل ذاك من فعل الرجال بديع

وقالوا رعيت اللهو والمال ضائع                      فكالناس فيهم صالح ومـضـيع الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشامي وابن خرداذبه وإبراهيم. وذكر حبش أن في هذه الأبيات لإسحاق لحنا من الثقيل بالوسطى، ولم يذكر هذا أحد غيره ولا سمعناه ولا قرأناه إلا في كتابه. ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على روي وقافية هذه القصيدة، وليست له.

أنشد كثير من شعره وقال هو أشعر الناس: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن أبي عبيدة عن أبيه قال: دخل علينا كثير يوما وقد أخذ بطرف ريطته وألقى طرفها الآخر وهو يقول: هو والله أشعر الناس حيث يقول:

وخبرتمانـي أن تـيمـاء مـنـزل                      لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسـيا

فهذي شهور الصيف عني قد انقضت                      فما للنوى ترمي بليلى الـمـرامـيا ويجر ربطته حتى يبلغ إلينا، ثم يولي عنا ويجرها ويقول: هو والله أشعر الناس حيث يقول:

وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي                      وإن شئت بعد الله أنعمت بـالـيا

وأنت التي ما من صديق ولا عدا                      يرى نضو ما أبقيت إلا رثى لـيا ثم يرجع إلينا ويقول: هو والله أشعر الناس. فقلنا: من تعني يا أبا صخر? فقال: ومن أعني سوى جميل هو والله أشعر الناس حيث يقول هذا وتيماء خاصة. منزل لبنى عذرة، وليس من منازل عامر، وإنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه.

وفي هذه القصيدة يقول جميل:

وما زلتم يا بثن حتى لـو أنـنـي                      من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا

إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤهـا                      دعاء حبيب كنـت أنـت دعـائيا

وما زادني النأي المفرق بعدكـم                      ولا كثرة الناهـين إلا تـمـاديا

ألم تلعمي يا عذبة الريق أنـنـي                      أظل إذا لم ألق وجهـك صـاديا

لقد خفت أن ألقى المنية بـغـتة                      وفي النفس حاجات إليك كما هيا أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاري عن الأصبغ بن عبد العزيز قال: كنت عند طلحة بن عبد الله بن عوف، فدخل عليه كثير، فلما دخل من الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش وهو يقول: جميل والله أشعر العرب حيث يقول:

وخبرتماني أن تيماء منزل ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد.

يوم ذي ضال: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم السعدي.

 

 

صفحة : 852

 

أن رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميل أمة لنا. فواعد جميل بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال، فتحاثا ليلا طويلا حتى أسحرا. ثم قال لها: هل لك أن ترقدي? قالت: ما شئت، وأنا خائفة أن نكون قد أصبحنا. فوسدها جانبه ثم اضطجعا ونامت، فانسل واستوى على راحلته فذهب، وأصبحت في مضجعها، فلم يرع الحي إلا بها راقدة عند مناخ راحلة جميل. فقال جميل في ذلك:

فمن يك في حبي بثينة يمتري                      فبرقاء ذي علـي شـهـيد أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة، وزاد فيها: فلما انتبهت بثينة علمت ما أراده جميل بها، فهجرته وآلت ألا تظهر له، فقال:

ألا هل إلى إلـمـامة أن ألـمـهـا                      بثينة يوما فـي الـحـياة سـبـيل?

فإن هي قالت لا سبيل فقـل لـهـا                      عناء على العذري مـنـك طـويل

على حين يسلو الناس عن طلب الصبا                      وينسى اتباع الوصل منـه خـلـيل شكاه أهلها إلى قومه فلاموه، وشعره في ذلك: وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: تشكى زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها. فوجهوا إلى جميل وأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم فيه وتوعدوه، وأتاهم فلامه أهله وعنفوه وقالوا: إنا نستحلف إليهم ونتبرأ منك ومن جريرتك. فأقام مذة لا يلم بها، ثم لقي ابني عمه روقا ومسعودا، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله:

وإني على الشيء الذي يلتوى به                      وإن زجرتني زجـرة لـوريع

فقدتك من نفس شعاع فإنـنـي                      نهيتك عن هذا وأنت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت                      هناك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

يقولون صب بالغواني مـوكـل                      وهل ذاك من فعل الرجال بديع

وقالوا رعيت اللهو والمال ضائع                      فكالناس فيهم صالح ومـضـيع تمثل محمد بن عبد الله بن حسن بشعره لزوجته: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: كانت تحت محمد بن عبد الله بن حسن امرأة من ولد الزبير يقال لها فليحة، وكانت لها صبية يقال لها رخية، قد ربتها لغير رشدة، وكانت من أجمل النساء وجها. فرأت محمدا وقد نظر إليها ذات يوم نظرا شديدا، ثم تمثل قول جميل:

بثنية من صنف يقلبن أيدي الرم                      اة وما يحملن قوسا ولا نـبـلا

ولكنما يظفرن بالصيد كـلـمـا                      جلون الثنايا الغر والأعين النجلا

يخالسن ميعادا يرعن لقولـهـا                      إذا نطقت كانت مقالتها فصـلا

يرين قريبا بيتها وهي لا تـرى                      سوى بيتها بيتا قريبا ولا سهـلا فقالت له فليحة: كأنك تريد رخية قال: إي والله قالت: إني أخشى أن تجيء منك بولد وهي لغير رشدة. فقال لها: إن الدنس لا يلحق الأعقاب ولا يضر الأحساب. فقالت له: فما يضر إذا والله ما يضر إلا الأعقاب والأحساب، وقد وهبتها لك. فسر بذلك وقال: أما والله لقد أعطيتك خيرا منها. قالت: وما هو? قال: أبيات جميل التي أنشدتها إياها، لقد مكثت أسعى في طلبها حولين. فضحكت وقالت: ما لي ولأبيات جميل والله ما ابتغيت إلا مسرتك. قال: فولدت منه غلاما. وكانت فليحة تدعو الله ألا يبقيه. فبينا محمد في بعض هربه من المنصور والجارية وابنها معه إذ رهقهما الطلب، فسقط الصبي من الجبل فتقطع. فكان محمد بعد ذلك يقول: أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة.

نصح أبوه فرد عليه ردا أبكاه وأبكى الحاضرين، وشعره في ذلك: وقال الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم: لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله. وكانت منازلهم متجاورة، إنما هم بيوتات يفترقون كما يفترق البطون والأفخاذ والقبائل غير متباعدين، ألم تر إلى قول جميل:

أبيت مع الهلاك ضيفا لأهـلـهـا                      وأهلي قريب موسعون أولو فضل

 

صفحة : 853

 

فمشت مشيخة الحي إلى أبيه - وكان يلقب صباحا وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله - فشكوه إليه وناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له ويفضحهم به في فتاتهم، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع، ثم انصرفوا. فدعا به فقال له: يا بني حتى متى أنت عمه في ظلالك، لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرك بخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون قولها لك تعليلا وغرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة، إن هذا لذل وضيم ما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك. فأنشدك الله إلا كففت وتأملت أمرك، فإنك تعلم أن ما قلته حق، ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له، وفي النساء عوض. فقال له جميل: الرأي ما رأيت، والقول كما قلت، فهل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام بهم ولو مت كمدا، وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه. وقام وهو يبكي، فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه. فذلك حين يقول جميل: صوت

ألا من لقلب لا يمـل فـيذهـل                      أفق فالتعزي عن بثينة أجمـل

سلا كل ذي ود علمت مكـانـه                      وأنت بها حتى الممات موكـل

فما هكذا أحببت من كان قبلهـا                      ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل الغناء لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق

فيا قلب دع ذكري بـثـينة إنـهـا                      وإن كنت تهواها تضن وتـبـخـل

وقد أيأست من نيلها وتجـهـمـت                      ولليأس إن لم يقدر النـيل أمـثـل

وإلا فسلها نـائلا قـبـل بـينـهـا                      وأبخل بها مسؤولة حيت تـسـأل

وكيف ترجي وصلها بعد بعـدهـا                      وقد جد حبل الوصل ممن تـؤمـل

وإن التي أحببت قد حـيل دونـهـا                      فكن حازما والحازم المـتـحـول

ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلة                      وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل

بدا كلف مني بها فـتـثـاقـلـت                      وما لا يرى من غائب الوجد أفضل

هبيني بـريئا نـلـتـه بـظـلامة                      عفاها لكم أو مذنـبـا يتـنـصـل

قناة من المران ما فوق حقـوهـا                      وما تحته منـهـا نـقـا يتـهـيل قال وقال أيضا في هذه الحال.

صوت

أعن ظعن الحي الألى كنت تسأل                      بليل فردوا عيرهم وتحمـلـوا

فأمسوا وهم أهل الديار وأصبحوا                      ومن أهلها الغربان بالدار تحجل في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لآبن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو

على حين ولى الأمر عنا وأسمحت                      عصا البين وانبت الرجاء المؤمل

فما هو إلا أن أهـيم بـذكـرهـا                      ويحظى بجدواها سـواي ويجـذل

وقد أبقت الأيام مني على الـعـدا                      حساما إذا مس الصريبة يفصـل

ولست كمن إن سيم ضيما أطاعـه                      ولا كامرىء إن عضه الدهر ينكل

لعمري لقد أبدى لي البين صفحـه                      وبين لي ما شئت لو كنت أعقـل

وآخر عهدي من بثـينة نـظـرة                      على موقف كادت من البين تقتـل

فلله عينا من رأى مـثـل حـاجة                      كتمتكها والنفس منها تمـلـمـل

وإني لأستبكي إذا ذكـر الـهـوى                      إليك وإني مـن هـواك لأوجـل

نظرت ببشر نظرة ظلت أمتـري                      بها عبرة والعين بالدمع تكـحـل

إذا ما كررت الطرف نحـوك رده                      من البعد فياض من الدمع يهمـل ودع بثينة حين خروجه من الشأم: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال:

 

صفحة : 854

 

لما أراد جميل الخروج إلى الشأم، هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة. فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف فقال لها: هذا وجهي إلى الشأم، إنما جئتك مودعا. فحادثها طويلا ثم ودعها، وقال: يا بثينة، ما أرانا نلتقي بعد هذا، وبكيا طويلا. ثم قال لها وهو يبكي:

ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا                      لنا منك رأي يا بثين جمـيل

وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي                      بنا بدلا أو كان منك ذهـول

وإني وتكراري الزيارة نحوكم                      بثين بذي هجر بثين يطـول

وإن صباباتي بكم لـكـثـيرة                      بثين ونسيانـيكـم لـقـلـيل أمره مروان وأمر جواس بن قطبة بالحداء لمدحه فقالا شعرا في الفخر: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني شيوخ من عذرة: أن مروان بن الحكم خرج مسافرا في نفر من قريش ومعه جميل بن معمر وجواس بن قطبة أخو عبيد الله بن قطبة. فقال مروان لجواس: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جواس وقال:

يقول أميري هل تسوق ركابـنـا                      فقلت له حـاد لـهـن سـوائيا

تكرمت عن سوق المطي ولم يكن                      سياق المطي همتـي ورجـائيا

جعلت أبي رهنا وعرضي سادرا                      إلى أهل بيت لم يكونوا كـفـائيا

إلى شر بيت من قضاعة منصبـا                      وفي شر قوم منهم قـد بـدالـيا فقال مروان: اركب لا ركبت ثم قال لجميل: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جميل فقال:

أنا جميل في السنام الأعـظـم                      الفارع الناس الأعـز الأكـرم

أحمي ذماري ووجدت أقرمـي                      كانوا على غارب طود خضرم

أعيا على الناس فلـم يهـدم فقال: عد عن هذا. فقال جميل:

لهفا على البيت المعدي لهفا                      من بعد ما كان قد استكفـا

ولو دعا الله ومد الـكـفـا                      لرجفت منه الجبال رجفـا فقال له اركب لا ركبت أمره الوليد بالحداء ليمدحه فقال شعرا في الفخر، ولم يمدح أحدا قط: قال الزبير وحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال: كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب، فرجز به مكين العذري فقال:

يا بكر هل تعلم من علاكا                      خليفة الله علـى ذراكـا فقال الوليد لجميل: انزل فارجز، وظن الوليد أنه يمدحه. فنزل فقال:

أنا جميل في السنام من مـعـد                      في الذروة العلياء والركن الأشد

والبيت من سعد بن زيد والعـدد                      ما يبتغي الأعداء مني ولـقـد

أضري بالشتم لسـانـي ومـرد                      أقود من شئت وصعب لم أقـد فقال له الوليد: اركب لا حملك الله قال: وما مدح جميل أحدا قط.

هدده الحزين الديلي فهجاه: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا يونس بن عبد الله بن سالم قال: وقف جميل على الحزين الديلي والحزين ينشد الناس. فقال له الحزين وهو لا يعرفه: كيف تسمع شعري? قال: صالح وسط. فغضب الحزين وقال له: ممن أنت? فو الله لأهجونك وعشيرتك فقال جميل: إذا تندم. فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه. فقال جميل:

الديل أذناب بكر حين تنسبهـم                      وكل قوم لهم من قومهم ذنب فقامت له بنو الديل وناشدوه الله إلا كف عنهم، ولم يزالوا به حتى أمسك وانصرف.

راجز جواس بن قطبة حين ذكر أخته فغلبه: أخبرني الحرمي ومحمد بن مزيد - واللفظ له - قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: لما هاجى عبيد الله بن قطبة جميلا واستعلى عليه جميل، أعرض عنه، واعترضه أخوه جواس بن قطبة فهجاه وذكر أختا لجميل. وكان جميل قبل ذلك يحتقره ولا ينصب له، حتى هجا أخته فقال فيهما ذكرها به من شعره:

إلى فخذيها العبلتين وكانتا                      بعهدي لفاوين أردفتا ثقلا فغضب جميل حينئذ فواعده للمراجزة. قال الزبير فحدثني بعض آل العباس بن سهل بن سعد عن عباس قال:

 

صفحة : 855

 

قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني بردا، كان ذلك البرد أفضل جائزتي، فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي الذي من عند عبد الملك وقلت أصلي مع الناس، فلقيني جميل، وكان صديقا لي، فسلم بعضا على بعض وتساءلنا ثم افترقنا. فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي فقال: البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمل به، فإن بيني وبين جواس مراجزة، وتحضر فتسمع. قال قلت: لا بل هو لك كسوة، فكسوته إياه، وقلت لأصحابي: ما من شيء أحب إلي من أن أسمع مراجزتهما. فلما أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير، وحضرت وأصحابي، فإذا بجميل قد جاء وعليه حلتان ما رأيت مثلهما على أحد قط، وإذا بردي الذي كسوته إياه قد جعله جلا لجمله، فتراجزا فرجز جميل، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك، فقال:

يا أم عبد الملك اصرمـينـي                      فبيني صرمى أوصـلـينـي

أبكي وما يدريك ما يبكـينـي                      أبكي حذار أن تفـارقـينـي

وتجعلي أبعد مـنـي دونـي                      إن بني عمـك أوعـدونـي

إن يقطعوا رأسي إذا لقونـي                      ويقتلـونـي ثـم لا يدونـي

كلا ورب البيت لو لقـونـي                      شفعا ووترا لتـواكـلـونـي

قد علـم الأعـداء أن دونـي                      ضربا كإيزاغ المخاض الجون

ألا أسب القوم إذ سـبـونـي                      بلى وما مر عـلـي دفـين

وسابحات بلوي الـحـجـون                      قد جربوني ثم جـربـونـي

حتى إذا شابـوا وشـيبـونـي                      أخزاهم اللـه ولا يخـزينـي

أشباه أعيار عـلـى مـعـين                      أحسن حـس أسـد حـرون

فهن يضرطن مـن الـيقـين                      أنا جميل فـتـعـرفـونـي

وما تقنعت فـتـنـكـرونـي                      وما أعينكم لـتـسـألـونـي

أنمى إلـى عـادية طـحـون                      ينشق عنها السيل ذو الشؤون

غمر يدق رجـح الـسـفـين                      ذو حدب إذا يرى حـجـون

تنحل أحقاد الرجـال دونـي قال: ورجز جميل أيضا:

أنا جميل في السنام من معد وقد تقدمت هذه الأرجوزة. ثم رجز بعده جواس فلم يصنع شيئا. قال: فما رأيت غلبة مثلها قط.

هجا خواتا العذري وبني الأحب: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلوي وجماعة غيره من قومه: أن رجلا من بني عذرة كان يقال له خوات، أمه بلوية، وكان شاعرا، وكان جميل ابن جذامية. فخرج جميل إلى أخواله بجذام وهو يقول:

جذام سيوف الله في كل مـوطـن                      إذا أزمـت يوم الـلـقـاء أزام

هم منعوا ما بين مصر فذي القرى                      إلى الشأم من حـل بـه وحـرام

بضرب يزيل الهام عن سكنـاتـه                      وطعن كإيزاغ المخـاض تـؤام

إذا قصرت يوما أكـف قـبـيلة                      عن المجد نالـتـه أكـف جـذام فأعطوه مائة بكرة. قال: وخرج خوات إلى أخواله من بلي وهو يقول:

إن بليا غـرة يهـتـدى بـهـا                      كما يهتدي الساري بمطلع النجم

هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهم                      ولم أتخول جذم قوم بلا عـلـم قال: فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة، ففخر على صاحبه، وذكر أن الغرة الواحدة مما أتى به مما معه تعدل كل شيء أتى به جميل. فقال عبيد الله بن قطبة:

ستقضي بيننا حكماء سعـد                      أقطبة كان خيرا أم صباح قال: وكان عبد الله بن معمر أبو جميل يلقب صباحا. وكان عبيد الله بن قطبة يلقب حماظا. فقال النخار العذري أحد بني الحارث بن سعد: قطبة كان خيرا من صباح. فقال جميل يهجو بني الأحب رهط قطبة ويهجو النخار:

إن أحب سفـل أشـرار                      حثالة عودهـم خـوار

أذل قوم حين يدعى الجار                      كما أذل الحارث النخار وقال الأبيرق العتبي: قطبة كان خيرا من صباح. فقال جميل:

يا بن الأبيرق وطب بت مسنـده                      إلى وسادك من حم الذرى جون

وأكلتان إذا ما شئت مرتـفـقـا                      بالسير من نغل الدفين مدهـون

 

صفحة : 856

 

 

أذكر وأمك مني حين تنكبني                      جني فيغلب جني كل مجنون وقال جماعة من شعراء سعد بن تفضيل قطبة على صباح أقوالا أجابهم عنها جميل فأفحمهم، حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرة:

نحن منعنا ذا القرى من عدونـا                      وعذرة إذ نلقى يهودا ويعشـرا

منعناه من عليا مـعـد وأنـتـم                      سفاسيف روح بين قرح وخيبرا

فريقان رهبان بأسفل ذي القرى                      وبالشأم عرافون فيمن تنصـرا فلما بلغت جميلا اتقاه وعلم أنه سيعلو عليه، فقال جميل:

بني عامر أنى انتجعتم وكـنـتـم                      إذا حصل الأقوام كالخصية الفرد

فأنتم ولأي موضع الذل حجـرة                      وقرة أولى بالعلاء وبالـمـجـد فأعرض عنه جعفر قال الزبير: بنو عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد. وزيادة ابن زيد بن مالك بن عامر بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم. ولأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم قال: فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد، وأهدى له بردين من ثياب كساه إياهما سعيد بن العاصي، وجاءه بنفقة، فلما دخل عليه عرض ذلك عليه، فقال هدبة: أنت يا بن قميئة الذي تقول:

بني عامر أنى انتجعتم وكنتـم                      إذا عدد الأقوام كالخصية الفرد أما والله لئن خلص الله لي ساقي لأمدن لك مضمارك، خذ برديك ونفقتك. فخرج جميل، فلما بلغ باب السجن خارجا قال: اللهم أغن عني أجدع بني عامر وكانت بنو عامر قد قلوا فحالفوا لأيا.

لقي عمر بن أبي ربيعة وتناشدا الشعر وفضله على نفسه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي قال حدثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائر قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي                      بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

يقولون مهلا يا جـمـيل وإنـنـي                      لأقسم ما بي من بثينة من مـهـل

أحلما فقبـل الـيوم كـان أوانـه                      أم اخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل

لقد أنكحوا حربي نبيهـا ظـعـينة                      لطيفة طي البطن ذات شوى خدل

وكم قد رأينا سـاعـيا بـنـمـيمة                      لآخر لم يعمد بـكـف ولا رجـل

إاذ ما تراجعنا الذي كان بـينـنـا                      جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل صوت

كلانا بكى أو كاد يبـكـي صـبـابة                      إلى إلفه واستعجلت عبرة قـبـلـي

فلو تركت عقلي معي ما طلبـتـهـا                      ولكن طلابيها لما فات من عقـلـي

فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بهـا                      ويا ويح أهلي ما أصيب به أهـلـي

وقالت لأتراب لـهـا لا زعـانـف                      قصار ولا كس الثنـايا ولا ثـعـل

إذا حميت شمس النهار اتـقـينـهـا                      بأكسية الديباج والخز ذي الخـمـل

تداعين فاستعجمن مشيا بذي الغضـا                      دبيب القطا الكدري في الدمث السهل

إذا ارتعن أو فزعن قمن حـوالـهـا                      قيام بنات الماء في جانب الضـحـل

أجـدي لا ألـقـى بـثـينة مــرة                      من الدهر إلا خائفا أو علـى رجـل

خليلي فيما عشتمـا هـل رأيتـمـا                      قتيلا بكى من حب قاتلـه قـبـلـي قال: وأنشده عمر قوله:

جرى ناصح بالود بيني وبـينـهـا                      فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي

فما أنس م الأشياء أنس موقـفـي                      وموقفها وهنا بقارعة الـنـخـل

فلما تواقفنا عرفت الـذي بـهـا                      كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

فقلن لها هذا عشـاء وأهـلـنـا                      قريب ألما تسأمي مركب البغـل

 

صفحة : 857

 

 

فقالت فما شئتن قلن لهـا انـزلـي                      فللأرض خير من وقوف على رحل

فأقبلن أمثال الدمى فاكتـنـفـنـهـا                      وكل يفـدي بـالـمـودة والأهـل

نجوم دراري تـكـنـفـن صـورة                      من البدر وافت غير هوج ولا ثجل

فسلمت واستأنسـت خـيفة أن يرى                      عدو مكاني أو يرى كاشح فعـلـي

فقالت وألقت جانب السـتـر إنـمـا                      معي فتحدث غير ذي رقبة أهلـي

فقلت لها ما بي لهم مـن تـرقـب                      ولكن سري ليس يحملـه مـثـلـي

فلما اقتصرنا دونـهـن حـديثـنـا                      وهن طبيبات بحاجة ذي الـتـبـل

عرفن الذي نهوى فقلن ائذني لـنـا                      نطف ساعة في برد ليل وفي سهل

فقالت فلا تلبثن قـلـن تـحـدثـي                      أتيناك وانسبن انسياب مها الـرمـل

وقمن وقد أفهمن ذا الـلـب أنـمـا                      أتين الذي يأتين من ذاك من أجلـي فقال جميل: هيهات يا أبا الخطاب: لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي وما خاطب النساء مخاطبتك أحد، وقام مشمرا.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني صوت

خليلي فيما عشتما هـل رأيتـمـا                      قتيلا بكى من حب قاتله قبـلـي

أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلـهـا                      وأهلي قريب موسعون ذوو فضل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتهـا                      ولكن طلابيها لما فات من عقلي الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وذكر حماد والهشامي أن فيه لنافع الخير مولى عبد الله بن جعفر لحنا من الثقيل الأول.

ومنها: صوت

ألا أيها البيت الذي حـيل دونـه                      بنا أنت من بيت وأهلك من أهل

ثلاثة أبـيات فـبـيت أحـبـه                      وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي

كلانا بكى أو كاد يبكي صبـابة                      إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر.

ومنها: صوت

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي                      بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

يقولون مهلا يا جـمـيل وإنـنـي                      لأقسم ما بي عن بثنية من مـهـل الغناء لابن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه، وذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز وابن مسجح، ولم يصح عنده لأيهما هو ولا ذكر طريقته.

غنى نافع الخير يزيد بن معاوية من شعره: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسان قال أخبرني نافع مولى عبد الله بن جعفر - وما رأيت أحدا قط كان أشكل ظرفا ولا أزين في مجلس ولا أحسن غناء منه - قال:

 

صفحة : 858

 

قدمنا مع عبد الله بن جعفر مرة على معاوية، فأرسل إلي يزيد يدعوني ليلا، فقلت: أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر. قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك ونخلو نحن بما نريد قبل قيامهما. فأتيته فغنيته، فو الله ما رأيت فتى أشرف أريحية منه، والله لألقى علي من الكسا الخز والوشي وغيره ما لم أستطع حمله، ثم أمر لي بخمسمائة دينار. قال: وذهب بنا الحديث وما كنا فيه، حتى قام معاوية ونهض ابن جعفر معه، وكان باب يزيد في سقيفة معاوية، فسمع صوتي، فقال لابن جعفر: ما هذا يا بن جعفر? قال: هذا والله صوت نافع. فدخل علينا، فلما أحس بن يزيد تناوم. فقال له معاوية: ما لك يا بني? قال: صدعت فرجوت أن يسكن عني بصوت هذا. قال: فتبسم معاوية وقال: يا نافع، ما كان أغنانا عن قدومك فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن هذا في بعض الأحايين يذكي القلب. قال: فضحك معاوية وانصرف. فقال لي ابن جعفر: ويلك هل شرب شيئا? قلت: لا والله. قال: والله إني لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم. قال نافع: ثم قدمنا على يزيد مع عبد الله بن جعفر بعد ما استخلف، فأجلسه معه على سريره ودخلت حاشيته تسلم عليه ودخلت معهم. فلما نظر إلي تبسم. ثم نهض ابن جعفر وتبعناه. فقيل له: نظر إلى نافع وتبسم. فقال ابن جعفر: هذا تأويل تلك الليلة. فقضى حوائج ابن جعفر وأضعف ما كان يصله به معاوية. فلما أراد الانصراف أتاه يودعه ونحن معه، فأرسل إلي يزيد فدخلت عليه. قال: ويحك يا نافع ما أخرتك إلا لأتفرغ لك. هات لحنك:

خليلي فما عشتما هل رأيتمـا                      قتيلا بكى من حب قاتله قبلي فأسمعته، فقال: أعد ويلك فأعدته، ثم قال: أعد فأعدته ثلاثا. فقال: أحسنت، فسل حاجتك، فما سألته في ذلك اليوم شيئا إلا أعطانيه. ثم قال: إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزبير فلعلنا أن نحج فتلقانا بالمدينة فإن هذا الأمر لا يصلح إلا هناك. قال نافع: فمنعنا والله من ذلك شؤم ابن الزبير.

سأله عمر بن أبي ربيعة عن بثينة فذهب إليها وحدثها: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا القاسم بن أبي الزناد قال: خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشأم، فلما كان بالجناب لقيه جميل، فقال له عمر: أنشدني، فأنشده:

خليلي فما عشتما هل رأيتمـا                      قتيلا بكى من حب قاتله قبلي ثم قال جميل: أنشدني يا أبا الخطاب، فأنشده:

ألم تسأل الأطلال والمتربعا                      ببطن حليات دوارس بلقعا فلما بلغ إلى قوله:

فلما تواقفنا وسلمت أشرقـت                      وجوه زهاها الحسن أن تنقنعا

تبالهن بالعرفان لما عرفننـي                      وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم                      يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا قال: فصاح جميل واستخذى وقال: ألا إن النسيب أخذ من هذا، وما أنشده حرفا، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلم عليها. فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، وهاتيك أبياتها. فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها وتأنس حتى كلم، فقال: يا جارية، أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني. فخرجت إليه بثينة في مباذلها وقالت: والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك، فانكسر عمر، قال وإذا امرأة أدماء طوالة.

وأخبرني بهذا الخبر علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبير فذكر مثل ما ذكره الزبير وزاد فيه قال: فقال لها قول جميل:

وهما قالتا لو أن جمـيلا                      عرض اليوم نظرة فرآنا

بينما ذاك منهما وإذا بـي                      أعمل النص سيرة زفيانا

نظرت نحو تربها ثم قالت                      قد أتانا وما علمنا منانـا فقالت: إنه استملى منك فما أفلح، وقد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه.

لقي بثينة ورصده أهلها فهددهم ثم هجرته بثينة وشعره في ذلك:

 

صفحة : 859

 

وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم: أن جميلا طال مقامه بالشأم ثم قدم، وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه، وواعدته لموضع يلتقيان فيه، فسار إليها وحدثها طويلا وأخبرها خبره بعدها. وقد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل فانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب، وناشدته بثينة الله إلا انصرف، وقالت له: إن أقمت فضحتني، ولعل الحي أن يلحقوك. فأبى وقال: أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا ما أحبوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف. وقال في ذلك وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة:

ألم تسأل الربع الخلاء فـينـطـق                      وهل تخبرنك اليوم بيداء سمـلـق

وقفت بها حتى تجلت عـمـايتـي                      ومل الوقوف الأرحبي المـنـوق

تعز وإن كانـت عـلـيك كـريمة                      لعلك من رق لبـثـنة تـعـتـق

لعمركم إن الـبـعـاد لـشـائقـي                      وبعض بعاد البين والنـأي أشـوق

لعلك محـزون ومـبـد صـبـابة                      ومظهر شكوى من أناس تفرقـوا

وبيض غريرات تثني خصـورهـا                      إذا قمن أعجاز ثـقـال وأسـؤق

غرائر لم يلقـين بـؤس مـعـيشة                      يجن بهن الناظـر الـمـتـنـوق

وغلغلت من وجد إليهن بـعـدمـا                      سريت وأحشائي من الخوف تخفق

معي صارم قد أخلص القين صقله                      له حين أغشيه الضـريبة رونـق

فلولا احتيالي ضقن ذرعـا بـزائر                      به من صبابـات إلـيهـن أولـق

تسوك بقضبان الأراك مـفـلـجـا                      يشعشع فيه الفارسـي الـمـروق

أبثنة للوصل الـذي كـان بـينـنـا                      نضا مثل ما ينضوا الخضاب فيخلق

أبثـنة مـا تـنـأين إلا كـأنـنـي                      بنجم الثريا مـا نـأيت مـعـلـق أنشد إسحاق الرشيد أحسن شعره من العتاب: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على الرشيد يوما فقال لي: يا إسحاق، أنشدني أحسن ما تعرف في عتاب محب وهو ظالم متعتب. فقلت: يا أمير المؤمنين قول جميل:

رد الماء ما جاءت بصفو ذنائبـه                      ودعه إذا خيضت بطرق مشاربه

أعاتب من يحلو لدي عـتـابـه                      وأترك من لا أشتهي وأجانـبـه

ومن لذة الدنيا وإن كنت ظالـمـا                      عناقك مظلوما وأنت تعـاتـبـه فقال: أحسن والله أعدها علي، فأعدتها حتى حفظها، وأمر لي بثلاثين ألف درهم وتركني وقام فدخل إلى دار الحرم.

ذهب معه صديق له إلى بثينة فطارده أهلها فرجع: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن السعيدي قال: حدثني رجل كان يصحب جميلا من أهل تيماء قال:

 

صفحة : 860

 

كنت يوما جالسا مع جميل وهو يحدثني وأحدثه، إذ ثار وتربد وجهه، فأنكرته ورأيت منه غير ما كنت أرى، ووثب نافرا مقشعر الشعر متغير اللون، حتى أتي بناقة له قريبة من الأرض مجتمعة موثقة الخلق فشد عليها رحله، ثم أتي بمحلب فيه لبن فشربه، ثم ثنى فشربت حتى رويت، ثم قال لي: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت. فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا كله، لا والله ما نزلنا إلا للصلاة، فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهن، ووجدنا الرجال خلوفا، وإذا قدر لبن ثم وقد جهدت جوعا وعطشا. فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركته جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرها حتى رويت، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت علي وإذا هي على رأسي قلنسية، فضحكن مني وغسلن ما أصابني. وأتي جميل بقرى فو الله ما التفت إليه. فبينا هو يحدثهن إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحل لهم دمه إن وجدوه في بلادهم، وجاء الناس فقالوا له: ويحك انج وتقدم فو الله ما أكبرهم كل الإكبار. وغشيه الرجال فجعلوا يرمونه ويطردونه، فإذا قربوا منه قاتلهم ورمى فيهم. وهام بي جملي، فقال له يسر: لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه. ولا والله ما انكسر ولا انحل عن فرصته حتى رجع إلى أهله، وقد سار ست ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام.

لامه فيها روق ابن عمه ولما رأى ما به احتال في زيارته لها وشعره في ذلك: وشكا زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها، فوجهوا إلى جميل فأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم وتوعدوه وإياهم. فلامه أهله وعنفوه وقالوا: استخلص إليهم ونبرأ منك ومن جريرتك. فأقام مدة لا يلم بها. ثم لقي ابني عمه روقا ومسعدة، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله: صوت

زورا بثينة فالحبيب مزور                      إن الزيارة للمحب يسير

إن الترحل إن تلبس أمرنا                      واعتاقنا قدر أحم بكـور الغناء لعريب رمل بالوسطى صوت

إني عشية رحت وهي حزينة                      تشكو إلي صبابة لصـبـور

وتقول بت عندي فديتك لـيلة                      أشكو إليك فإن ذاك يسـير الغناء لسليم خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيل أول بالبنصر ذكر الهشامي أنه لمخارق، وذكر حبش أنه لإبراهيم. وذكر حبش أن لحن مخارق خفيف رمل

غراء مبسـام كـأن حـديثـهـا                      در تحدر نظـمـه مـنـثـور

محطوطة المتنين مضمرة الحشى                      ريا الروادف خلقها ممـكـور

لا حسنها حسن ولا كـدلالـهـا                      دل ولا كـوقـارهـا تـوقـير

إن اللسان بذكرهـا لـمـوكـل                      والقلب صاد والخواطر صـور

ولئن جزيت الود مني مـثـلـه                      إني بـذلـك يا بـثـين جـدير

 

صفحة : 861

 

فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها، وإنك منها بين فجور أرفعك عنه، أو ذل لا أحبه لك، أو كمد يؤديك إلى التلف، أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعرضت لها بعد أعذارهم إليك. وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم حتى تألفها وتصبر نفسك عليها طائعة أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. فبكى جميل وقال: يا أخي، لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا، ولكني لا أملك الاختيار ولا أنا كالأسير لا يملك للنفسه نفعا، وقد جئتك لأمر أسألك ألا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم، وأن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا، فإنها تخرج مع بنات عم لها إلى ملعب لهن، فأجيء معك حينئذ سرا، ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحب، نأوي عنده نهارا، وأسأله مساعدتك على هذا، فتقيم عنده أياما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك، فشكره. ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة، فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه. فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم، ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن فطن به. فقال: أنا أتحرز في أمره من أن يظهر ، فواعده في ذلك، ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة، فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده. وأرسل إلى بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها، فلما رأته عرفت، فتبعتها وجاءته فتحدثا ليلتهما. وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها، وقال لها: عن غير قلى والله ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك، ولكني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه، وأقمت عنده ثلاثا ولا مزيد على ذلك، ثم انصرف. وقال في عذل روق ابن عمه إياه:

لقد لامني فـيهـا أخ ذو قـرابة                      حبيب إليه في ملامتـه رشـدي

وقال أفق حتى متى أنـت هـائم                      ببثنة فيها قد تعيد وقـد تـبـدي

فقلت له فيها قضى الله ما تـرى                      علي وهل فيما قضى الله من رد

فإن بك رشدا حبهـا أو غـواية                      فقد جئته ما كان مني على عمد صوت

لقد لج ميثاق من الله بـينـنـا                      وليس لمن لم يوف لله من عهد

فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها                      ولا لي علم بالذي فعلت بعدي

وما زادها الواشون إلا كـرامة                      علي وما زالت مودتها عنـدي الغناء لمتيم ثقيل أول عن الهشامي. وذكر ابن المعتز أنه لشارية، وذكر ابن خرداذبه أنه لقلم الصالحية

أفي الناس أمثالي أحب فحالهـم                      كحالي أم أحببت من بينهم وحدي

وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما                      لقيت بها أم لم يجد أحد وجـدي وقال جميل فيها:

خليلي عوجا اليوم حتى تـسـلـمـا                      على عذبة الأنياب طيبة الـنـشـر

ألما بها ثم اشفعـا لـي وسـلـمـا                      عليها سقاها الله من سائغ القـطـر

وبوحا بذكرى عند بثـنة وانـظـرا                      أترتاح يوما أم تهش إلـى ذكـرى

فإن لم تكن تقطع قوى الود بينـنـا                      ولم تنس ما أسلفت في سالف الدهر

فسوف يرى منها اشتـياق ولـوعة                      ببين وغرب من مدامعهـا يجـري

وإن تك قد حالت عن العهد بعـدنـا                      وأصغت إلى قول المؤنب والمزري

فسوف يرى منها صدود ولم تـكـن                      بنفسي من أهل الخـيانة والـغـدر

أعوذ بك اللهم أن تشحـط الـنـوى                      ببثنة في أدنى حياتي ولا حـشـري

وجاور إذا ما مت بينـي وبـينـهـا                      فيا حبذا موتي إذا جاورت قـبـري

عدمتك من حب أمـا مـنـك راحة                      وما بك عني من تـوان ولا فـتـر

ألا أيها الحب المبـرح هـل تـرى                      أخا كلف يغري بحب كما أغـري

أجدك لا تبلى وقد بـلـى الـهـوى                      ولا ينتهي حبي بثـينة لـلـزجـر

أغري أجدك لا تبلى وقد بلي الهوى                      ولا ينتهي حبي بثـينة لـلـزجـر صوت

هي البدر حسنا والنساء كواكـب                      وشتان ما بين الكواكب والبـدر

لقد فضلت حسنا على الناس مثلما                      على ألف شهر فضلت ليلة القدر

 

صفحة : 862

 

غنت شارية في هذين البيتين خفيف رمل من رواية ابن المعتز.

تهاجرا مدة ثم اصطلحا: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا إسحاق بن محمد بن أبان قال حدثني الرحال بن سعد المازني قال: وقع بين جميل وبثينة هجر في غيرة كان غارها عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها، فكان جميل يتحدث إلى غيرها، فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل، وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه. فدخل جميل يوما وقد غلبه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة. فلما رأته بثينة جاءت إلى البيت ولم تبرز له، فجزع لذلك جميل، وجع كل واحد منهما يطالع صاحبه، وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ، فأنشأ يقول:

لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة                      وفي النفس حاجات إليك كما هيا

وإني لتثنيني الحفيظة كـلـمـا                      لقيتك يوما أن أبـثـك مـا بـيا

ألم تعملي يا عذبة الريق أنـنـي                      أظل إذا لم أسق ريقك صـاديا قال: فرقت له بثينة، وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله ثم اصطلحا. فقالت له بثينة: أنشدني قولك:

تظل وراء الستر ترنو بلحظها                      إذا مر من أترابها من يروقها فأنشدها إياها، فبكت وقالت: كلا يا جميل ومن ترى أنه يروقني غيرك نعي جميل وحزن بثينة عليه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر أيوب بن عباية قال: خرجت من تيماء في أغباش السحر، فرأيت عجوزا على أتان، فتكلمت فإذا أعرابية فصيحة. فقلت: ممن أنت? فقالت: عذرية. فأجريت ذكر جميل وبثينة، فقالت: والله إنا لعلى ماء لنا بالجناب وقد تنكبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشأم تريد الحجاز، وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا، فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، فلم يبق غيري وغير بثينة، إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا، فسلم ونحن مستوحشون وجلون. فتأملته ورددت السلام فإذا جميل. فقلت: أجميل? قال: أي والله، وإذا به لا يتماسك جوعا، فقمت إلى قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب، فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا، فأصاب منه، وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه وتراجعت نفسه. فقلت: له: لقد بلغت ولقيت شرا، فما أمرك? قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة، فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامد إلى مصر. فتحدثنا ساعة ثم ودعنا وشخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه. فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة:

صدع النعي وما كنى بجمـيل                      وثوى بمصر ثواء غير قفـول

ولقد أجر الذيل في وادي القرى                      نشوان بين مزارع ونـخـيل

قومي بثينة فاندبـي بـعـويل                      وابكي خليك دون كل خـلـيل أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن القاسم عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك? فقال قلت: اللهم نعم. قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا ثم كل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بني الأحب من عذرة - وهو رهط بثينة - فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم. ثم أنشدني هذه الأبيات:

صدع النعي وما كني بجميل                      وثوى بمصر ثواء غير قفول وذكر الأبيات المتقدمة فلما قضى وواريته أتيت رهط بثنية ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتممت الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني، فقالت: يا هذا، والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني، ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني. قلتك والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته. فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة، ثم قامت وهي تقول:

وإن سلوي عن جمـيل لـسـاعة                      من الدهر ما حانت ولا حان حينها

 

صفحة : 863

 

 

سواء علينا يا جميل بن معمر                      إذا مت بأساء الحياة ولينهـا قال: فلم أر يوما كان أكثر باكيا وباكية منه يومئذ.

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه

أمسى الشباب مودعا محمودا                      والشيب مؤتنف المحل جديدا

وتغير البيض الأوانس بعدما                      حملتهن مواثقا وعـهـودا عروضه من الكامل. الشعر ليزيد بن الطثرية، والغناء لإسحاق، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر. وفيه لبابويه خفيف ثقيل بالوسطى، كلاهما من رواية عمرو بن بانة.

 

ذكر يزيد بن الطثرية وأخباره ونسبه

نسبه ونسب أمه: ذكر ابن الكلبي أن اسمه يزيد بن الصمة أحد بني سلمة الخير بن قشير. وذكر البصريون أنه من ولد الأعور بن قشير. وقال أبو عمرو الشيباني: اسمه يزيد بن سلمة بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وإنما قيل له سلمة الخير لأنه كان لقشير ابن آخر يقال له سلمة الشر. قال: وقد قيل: إنه يزيد بن المنتشر بن سلمة. والطثرية أمه، فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب، امرأة من طثر، وهم حي من اليمن عدادهم في جرم. وقال غيره: إن طثرا من عنز بن وائل إخوة بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وكان أبو جراد أحد بني المنتفق بن عامر بن عقيل أسر طثرا فمكث عنده زمانا ثم خلاه وأخذ عليه إصرا ليبعثن إليه بفدائه أو ليأتينه بنفسه وأهله فلم يجد فداء، فاحتمل بأهله حتى دخل على أبي جراد فوسمه سمة إبله، فهم حلفاء لبني المنتفق إلى اليوم نحو من خمسمائة رجل متفرقين في بني عقيل يوالون بني المنتفق، وهم يعيرون ذلك الوسم. وقال بعض من يهجوهم:

عليه الوسم وسم أبي جراد وفيهم يقول يزيد بن الطثرية:

ألا بئسما أن تجرموني وتغضبوا                      علي إذا عاتبتكم يا بني طثـر وزعم بعض البصريين: أن الطثرية أم يزيد كانت مولعة بإخراج زبد اللبن، فسميت الطثرية. وطثرة اللبن: زبدته.

كان يلقب مودقا لجماله، وكان كثير التحدث إلى النساء: ويكنى يزيد أبا المكشوح. وكان يلقب مودقا، سمي بذلك لحسن وجهه وحسن شعره وحلاوة حديثه، فكانوا يقولون: إنه إذا جلس بين النساء ودقهن.

أخبرني محمد بن خلف عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان يزيد بن الطثرية يقول: من أفحم عند النساء فلينشد من شعري. قال: وكان كثيرا ما يتحدث إلى النساء، وكان يقال: إنه عنين.

ما جرى بين جرم وقشير وما كان من مياد الجرمي ويزيد بن الطثرية:

 

صفحة : 864

 

وروى عنه عبد الله بن عمر عن يحيى بن جابر أحد بني عمرو بن كلاب عن سعاد بنت يزيد بن زريق امرأة منهم: أن يزيد بن الطثرية كان من أحسن من مضى وجها وأطيبه حديثا، وأن النساء كانت مفتونة به، وذكر الناس أنه كان عنينا، وذلك أنه لا عقب له، وأن الناس أمحلوا حتى ذهبت الدقيقة من المال ونهكت الجليلة، فأقبل صرم من جرم ساقته السنة والجدب من بلاده إلى بلاد بني قشير، وكان بينهم وبين بني قشير حرب عظيمة، فلم يجدوا بدا من رمي قشير بأنفسهم لما قد ساقهم من الجدب والمجاعة ودقة الأموال وما أشرفوا عليه من الهلكة، ووقع الربيع في بلاد بني قشير فانتجعها الناس وطلبوها، فلم يعد أن لقيت جرم قشيرا، فنصبت قشير لهم الحرب. فقالت جرم: إنما جئنا مستجيرين غير محاربين. قالوا: مما ذا? قالوا: من السنة والجدب والهلكة التي لا باقية لها. فأجارتهم قشير وسالمتهم وأرعتهم طرفا من بلادها. وكان في جرم فتى يقال له مياد، وكان غزلا حسن الوجه تام القامة آخذا بقلوب النساء. والغزل في جرم جائز حسن، وهو في قشير نائرة. فلما نازلت جرم قشيرا وجاورتها أصبح مياد الجرمي فغدا إلى القشيريات يطلب منهن الغزل والصبا والحديث واستبراز الفتيات عند غيبة الرجال واشتغالهم بالسقي والرعية وما أشبه ذلك، فدفعنه عنهم وأسمعنه ما يكره. وراحت رجالهن عليهن وهن مغضبات، فقال عجائز منهن: والله ما ندري أرعيتم جرما المرعى أم أرعيتموهم نساءكم فاشتد ذلك عليهم وقالوا: وما أدراكنه? قلن: رجل منذ اليوم ظل مجحرا لنا ما يطلع منا رأس واحدة، يدور بين بيوتنا. فقال بعضهم: بيتوا جرما فاصطلموها. وقال بعضهم: قبيح قوم قد سقيتموهم مياهكم وأرعيتموهم مراعيكم وخلطتموهم بأنفسهم وأجرتموهم من القحط والسنة تفتاتون عليه هذه الافتيات لا تفعلوا، ولكن تصبحوا وتقدموا إلى هؤلاء القوم في هذا الرجل، فإنه سفيه من سفهائهم فليأخذوا على يديه. فإن يفعلوا فأتموا لهم إحسانكم، وإن يمتنعوا ويقروا ما كان منه يحل لكم البسط عليهم وتخرجوا من ذمتهم، فأجمعوا على ذلك. فلما أصبحوا غدا نفر منهم إلى جرم فقالوا: ما هذه البدعة التي قد جاورتمونا بها إن كانت هذه البدعة سجية لكم فليس لكم عندنا إرعاء ولا إسقاء، فبرزوا عنا أنفسكم وأذنوا بحرب. وإن كان افتتانا فغيروا على من فعله. وإنهم لم يعدوا أن قالوا لجرم ذلك. فقام رجال من جرم وقالوا: ما هذا الذي نالكم? قالوا: رجل منكم أمس ظل يجر أذياله بين أبياتنا ما ندري علام كان أمره فقهقهت جرم من جفاء القشيريين وعجرفيتها وقالوا: إنكم لتحسون من نسائكم ببلاء، ألا فابعثوا إلى بيوتنا رجلا ورجلا. فقالوا: والله ما نحس من نسائنا ببلاء، وما نعرف منهن إلا العفة والكرم، ولكن فيكم الذي قلتم. قالوا: فإنا نبعث رجلا إلى بيوتكم يا بني قشير إذا غدت الرجال وأخلف النساء، وتبعثون رجلا إلى البيوت، ونتحالف أنه لا يتقدم رجل منا إلى زوجة ولا أخت ولا بنت ولا يعلمها بشيء مما دار بين القوم، فيظل كلاهما في بيوت أصحابه حتى يردا علينا عشيا الماء وتخلى لهما البيوت، ولا تبرز عليهما امرأة ولا تصادق منهما واحدا فيقبل منهما صرف ولا عدل إلا بموثق يأخذه عليها وعلامة تكون معه منها. قالوا: اللهم نعم. فظلوا يومهم ذلك وباتوا ليلتهم، حتى إذا كان من الغد غدوا إلى الماء وتحالفوا أنه لا يعود إلى البيوت منهم أحد دون الليل. وغدا مياد الجرمي إلى القشيريات، وغدا يزيد بن الطثرية القشيري إلى الجرميات، فظل عندهن بأكرم مظل لا يصير إلى واحدة منهن إلا افتتنت به وتابعته إلى المودة والإخاء وقبض منها رهنا وسألته ألا يدخل من بيوت جرم إلا بيتها، فيقول لها: وأي شيء تخافين وقد أخذت مني المواثيق والعهود وليس لأحد في قلبي نصيب غيرك، حتى صليت العصر. فانصرف يزيد بفتخ كثير وذبل وبراقع وانصرف مكحولا مدهونا شبعان ريان مرجل اللمة. وظل مياد الجرمي يدور بين بيوت القشيريات مرجوما مقصى لا يتقرب إلى بيت إلا استقبلته الولائد بالعمد والجندل، فتهالك لهن وظن انه ارتياد منهن له، حتى أخذه ضرب كثير بالجندل ورأى البأس منهن وجهده العطش، فانصرف حتى جاء إلى سمرة قريبا إلى نصف النهار، فتوسد يده ونام تحتها نويمة حتى أفرجت عنه الظهيرة وفاءت الأظلال

 

صفحة : 865

 

وسكن بعض ما به من ألم الضرب وبرد عطشه قليلا، ثم قرب إلى الماء حتى ورد على القوم قبل يزيد، فوج أمة تذود غنما في بعض الظعن، فأخذ برقعها فقال: هذا برقع واحدة من نسائكم، فطرحه بين يدي القوم، وجاءت الأمة تعدو فتعلقت ببرقعها فرد عليها وخجل مياد خجلا شديدا. وجاء يزيد ممسيا وقد كاد القوم أن يتفرقوا، فنثر كمه بين أيديهم ملآن براقع وذبلا وفتخا، وقد حلف القوم ألا يعرف رجل شيئا إلا رفعه. فلما نثر ما معه اسودت وجوه جرم وأمسكوا بأيديهم إمساكة. فقالت قشير: أنتم تعرفون ما كان بيننا أمس من العهود والمواثيق وتحرج الأموال والأهل، فمن شاء أن ينصرف إلى حرام فليمسك يده، فبسط كل رجل يده إلى ما عرف فأخذه وتفرقوا عن حرب، وقالوا: هذه مكيدة يا قشير. فقال في ذلك يزيد بن الطثرية:سكن بعض ما به من ألم الضرب وبرد عطشه قليلا، ثم قرب إلى الماء حتى ورد على القوم قبل يزيد، فوج أمة تذود غنما في بعض الظعن، فأخذ برقعها فقال: هذا برقع واحدة من نسائكم، فطرحه بين يدي القوم، وجاءت الأمة تعدو فتعلقت ببرقعها فرد عليها وخجل مياد خجلا شديدا. وجاء يزيد ممسيا وقد كاد القوم أن يتفرقوا، فنثر كمه بين أيديهم ملآن براقع وذبلا وفتخا، وقد حلف القوم ألا يعرف رجل شيئا إلا رفعه. فلما نثر ما معه اسودت وجوه جرم وأمسكوا بأيديهم إمساكة. فقالت قشير: أنتم تعرفون ما كان بيننا أمس من العهود والمواثيق وتحرج الأموال والأهل، فمن شاء أن ينصرف إلى حرام فليمسك يده، فبسط كل رجل يده إلى ما عرف فأخذه وتفرقوا عن حرب، وقالوا: هذه مكيدة يا قشير. فقال في ذلك يزيد بن الطثرية:

فإن شئت يا مياد زرنا وزرتـم                      ولم ننفس الدنيا على من يصيبها

أيذهب مياد بألباب نـسـوتـي                      ونسوة مياد صحيح قلـوبـهـا وقال مياد الجرمي:

لعمرك إن جمع بني قشير                      لجرم في يزيد لظالمونـا

أليس الظلم أن أباك منـا                      وأنك في كتيبة آخـرينـا

أحالفة عليك بنو قـشـير                      يمين الصبر أم متحرجونا أحب وحشية ومرض لبعدها فأعانه ابن عمه على رؤيتها فبرىء:

 

صفحة : 866

 

قال: وبلي يزيد بعشق جارية من جرم في ذلك اليوم يقال لها وحشية، وكانت من أحسن النساء. ونافرتهم جرم فلم يجد إليها سبيلا، فصار من العشق إلى أن أشرف على الموت واشتد به الجهد، فجاء إلى ابن عم له يقال له خليفة بن بوزل، بعد اختلاف الأطباء إليه ويأسهم منه، فقال له: يا بن عم، قد تعلم أنه ليس إلى هذه المرأة سبيل، وأن التعزي أجمل، فما أربك في أن تقتل نفسك وتأثم بربك. قال: وما همي يا بن عم بنفسي وما لي فيها أمر ولا نهي، ولا همي إلا نفس الجرمية، فإن كنت تريد حياتي فأرنيها. قال: كيف الحيلة? قال: تحملني إليها. فحمله إليها وهو لا يطمع في الجرمية، إلا أنهم كانوا إذا قالوا له نذهب بك إلى وحشية أبل قليلا وراجع وطمع، وإذا أيس منها اشتد به الوجع. فخرج به خليفة بن بوزل فحمله فتخلل به اليمن، حتى إذا دخل في قبيلة انتسب إلى أخرى ويخبر أنه طالب حاجة. وأبل حتى صلح بعض الصلاح، وطمع فيه ابن عمه، وصارا بعد زمان إلى حي وحشية فلقيا الرعيان وكمنا في جبل من الجبال. فجعل خليفة ينزل فيتعرض لرعيان الشاء فيسألهم عن راعي وحشية، حتى لقي غلامها وغنمها، فواعدهم موعدا وسألهم ما حال وحشية? فقال غلامها: هي والله بشر لا حفظ الله بني قشير ولا يوما رأيناهم فيه فما زالت عليلة منذ رأيناهم وكان بها طرف مما بابن الطثرية فقال: ويحك فإن ها هنا إنسانا يداويها، فلا تقل لأحد غيرها. قال: نعم إن شاء الله تعالى. فأعلمها الراعي ما قال له الرجل حين صار إليها. فقالت له: ويحك فجيء به. ثم إنه خرج فلقيه بالغد فأعلمه، وطل عنده يرعى غنمه، وتأخر عن الشاء حتى تقدمته الشاء وجنح الليل، وانحدر بين يدي غنمه حتى أراحها. ومشى فيها يزيد حتى قربت من البيت على أربع وتجلل شملة سوداء بلون شاة من الغنم، فصار إلى وحشية، فسرت به سرورا شديدا، وأدخلته سترا لها وجمعت عليه من الغد من تثق به من صواحباتها وأترابها. وقد كان عهد إلى ابن عمه أن يقيم في الجبل ثلاث ليال، فإن لم يره فلينصرف. فأقام يزيد عندها ثلاث ليال ورجع إلى أصح ما كان عليه، ثم انصرف فصار إلى صاحبه. فقال: ما وراءك يا يزيد? ورأى من سروره وطيب نفسه ما سره. فقال:

لو انك شاهدت الصبا يا بن بوزل                      بفرع الغضى إذ راجعتني غياطله

لشاهدت لهوا بعد شحط من النوى                      على سخط الأعداء حلوا شمائلـه صوت

ويوما كإبهام القطاة مزينـا                      لعيني ضحاه غالبا لي باطله غنى في البيت الثالث وبعده البيت الثاني، وروايته:

تشاهد لهوا بعد شحط من النوى مخارق ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني علي بن الصباح قلا: قال أبو محضة الأعرابي وأنشد هذه الأبيات ليزيد بن الطثرية، فلما بلغ إلى قوله:

بنفسي من لو مر برد بنـانـه                      على كبدي كانت شفاء أنامله

ومن هابني في كل أمر وهبته                      فلا هو يعطيني ولا أنا سائله طرب لذلك وقال: هذا والله من مغنج الكلام.

كتب إلى وحشية شعرا فأجابته: ونسخت من كتاب الحسن بن علي: حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني هشام بن محمد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الطائي قال حدثني عبد الله بن روح الغنوي قال حدثتني ظبية بنت وزير الجاهلية قالت: كتب يزيد بن الطثرية إلى وحشية:

أحبك أطراف النهار بشـاشة                      وبالليل يدعوني الهوى فأجيب

لئن أصبحت ريح المودة بيننـا                      شمالا لقدما كنت وهي جنوب فأجابته بقولها:

أحبك حب اليأس إن نفع الحـيا                      وإن لم يكن لي من هواك طبيب يزيد بن الطثرية وابن بوزل برملة حائل: أخبرني يحيى بن علي إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني هانىء بن سعد: أن ابن الطثرية وابن بوزل، وهو قطري بن بوزل، خرجا يسيران حتى نزلا برملة حائل بين قفار الملح، فقال يزيد لابن بوزل: اذهب فاسق راحلتك واسقنا. فلما جاوز أوفى يزيد على أجرع، فرأى أشباحا فأتاها. فقيل له: هذه والله فلانة وأهلها عجيبة بها أي معجبون بها. فأتاها فظل عشيته وبات ليلته وأقام الغد حتى راح عشيا وقد لقي ابن بوزل كل شر ومات غيظا. فلما دنا منه قال:

 

صفحة : 867

 

 

لو أنك شاهدت الصبا يا بن بـوزل                      بجزع الغضى إذ راجعتني غياطله

بأسفل خل الملح إذ دين ذي الهوى                      مؤدى وإذ خير الوصـال أوائلـه

لشاهدت يوما بعد شحط من النوى                      وبعد تنائي الدار حلوا شـمـائلـه وقد روي:

وغيم الصبا إذ راجعتني غياطله فاخترط سيفه ابن بوزل، وحاوطه يزيد بعصاه، ثم اعتذر إليه وأخبره خبره فقبل منه. وقد روى هذه الأبيات أبو عمرو الشيباني وغيره فزاد فيها على إسحاق هذه الأبيات:

ألا حبذا عينـاك يا أم شـنـبـل                      إذا الكحل في جفنيهما جال جائله

فداك من الخلان كـل مـمـزج                      تكون لأدنى من يلاقي وسـائلـه

فرحنا تلقـانـا بـه أم شـنـبـل                      ضحيا وأبكتنا عشـيا أصـائلـه

وكنت كأني حين كان كلامـهـا                      وداعا وخلى موثق العهد حاملـه

رهين بنفس لم تفـك كـبـولـه                      عن الساق حتى جرد السيف قاتله

فقال دعوني سجدتـين وأرعـدت                      حذار الردى أحشاؤه ومفاصلـه بنو سدرة ويزيد ابن الطثرية: قال إسحاق وقال أبو عثمان سعيد بن طارق: نزلت سارية من بني سدرة على بني قشير بمالهم، فجعلت فتيان قشير تترجل وتتزين وتزور بيوت سدرة. فاستنهوهم، فقال يزيد بن الطثرية: وما في هذا عليكم زوروا بيوتنا كما نزور بيوتكم، وقال:

دعوهن يتبعن الصبا وتبادلوا                      بنا ليس بأس بيننا بالتبـادل ثم إن بني سدرة قالوا لنسائهم: ويحكن فضحتننا نأتي نساء هؤلاء فلا نقدر عليهم ويأتونكن فلا تحتجبن عنهم. فقالت كهلة منهن: مروا نساءكم يجتمعن إلى بيتي، فإذا جاءوا لم يجدوا امرأة إلا عندي، فإن يزيد أتاني لم يعد في بيوتكم ففعلوا. فجاء يزيد فقال:

سلام عليكن الغداة فما لنا                      إليكن إلا أن تشأن سبيل فقالت الكهلة: ومن أنت? فقال:

أنا الهائم الصب الذي قاده الهوى                      إليك فأمسى في حبالك مسلمـا

برته دواعي الحب حتى تركنـه                      سقيما ولم يتركن لحما ولا دما فقالت: اختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تمضي ثم ترجع علينا فإنا نرقب عيون الرجال فإنهم قد سبونا فيك، وإما أن تختار أحبنا إليك، وأن تطلب امرأة واحدة خير من أن يشهرك الناس، ونسي الثالثة. فقال: سآخذ إحداهن، فاختاري أنت إحدى ثلاث خصال. قالت: وما هن? قال: إما أن أحملك على مرضوف من أمري فتركبيه، وإما أن تحمليني على مشروج من أمرك فأركبه، وإما أن تلزي بكري بين قلوصيك. قالت: لو وقع بكرك بين قلوصي لطمرتا به طمرة يتطامن عنقه منها. قال: كلا إنه شديد الوجيف، عارم الوظيف، فغلبها. فلما أتاهما القوم قالت لهم: إنه أتاني رجل لا تمتنع عليه امرأة. فإما أن تغمضوا له، وإما أن ترحلوا عن مكانكم هذا، فرحلوا وذهبوا. فقال حكيم بن أبي الخلاف السدري في قصيدة له يذكر أنه إنما ارتحلوا عنهم لأنهم آذوهم بكثرة ما يصنعون بها:

فكان الذي تهدون للجار منكم                      بخاتج حبات كثيرا سعالهـا يزيد بن الطثرية وأسماء الجعفرية: قال إسحاق فأخبرني الفزاري: أن قوما من بني نمير وقوما من بني جعفر تزاوروا، فزار شبان من بني جعفر بيوت بني نمير، فقبلوا وحدثوا، وزار بنو نمير بني جعفر فلم يقبلوا، فاستنجدوا ابن الطثرية فزار معهم بيوت بني جعفر، فأنشدهن وحدثهن فأعجبن به واجتمعن إليه من البيوت. فتوعد بنو جعفر ابن الطثرية، فتتاركوا وأمسك بعضهم عن بعض. فأرسلت أسماء الجعفرية إلى ابن الطثرية أن لا تقطعني، وإن منعت فإني سأتخلص إلى لقائك. فأنشأ يقول:

خليلي بين المنحنى من مـخـمـر                      وبين اللوى من عرفجاء المقابـل

قفا بين أعناق الـلـوى لـمـرية                      جنوب تداوي غل شوق مماطـل

لكيما أرى أسماء أو لتمـسـنـي                      رياح برياها لـذاذ الـشـمـائل

لقد حادلت أسماء دونك بالـلـوى                      عيون العد سقيا لها من مـحـادل

ودست رسولا أن حولي عصـابة                      هم الحرب فاستبطن سلاح المقاتل

عشية مالي من نصير بأرضـهـا                      سوى السيف ضمته إلي حمائلـي

 

صفحة : 868

 

 

فيأيها الواشون بالـغـش بـينـنـا                      فرادى ومثنى من عـدو وعـاذل

دعوهن يتبعن الهوى وتـبـادلـوا                      بنا ليس بأس بيننـا بـالـتـبـادل

تروا حين نأتيهن نـحـن وأنـتـم                      لمن وعلى من وطأة المتـثـاقـل

ومن عريت للهو قدمـا ركـابـه                      وشاعت قوافي شعره في القبـائل

تبرز وجوه السابقـين ويخـتـلـط                      على المقرف الكافي غبار القنابل

فإن تمنعوا أسماء أو يك نفـعـهـا                      لكم أو تدبوا بينـنـا بـالـغـوائل

فلن تمنعوني أن أعلل صحبـتـي                      على كل شيء من مدى العين قابل حبسه لديون لزمته وما وقع في ذلك بينه وبين عقبة بن شريك: قال إسحاق وحدثني أبو زياد الكلابي: أن يزيد بن الطثرية كان شريفا متلافا يغشاه الدين، فإذا أخذ به قضاه عنه أخ له يقال له ثور، ثم إنه كثر عليه دين لمولى لعقبة بن شريك الحرشي يقال له البربري فحبسه له عقبة بالعقيق من بلاد بني عقيل، وعقبة عليها يومئذ أمير. وقال المفضل بن سلمة قال أبو عمرو الشيباني: كان يزيد قد هرب منه، فرجع إليه من حب أسماء، وكانت جارة البربري، فأخذه البربري. ويقال: إنه أعطاه بعيرا من إبل ثور أخيه. فقال يزيد في السجن:

قضى غرمائي حب أسماء بعد ما                      تخونني ظلم لـهـم وفـجـور

فلو قل دين البربري قـضـيتـه                      ولكن دين البـربـري كـثـير

وكنت إذا حلت علـي ديونـهـم                      أضم جناحي منـهـم فـأطـير

علي لهم في كـل شـهـر أدية                      ثمانون واف نقدهـا وجـزور

نجيء إلى ثور ففيم رحـيلـنـا                      وثور علينا في الحياة صـبـور

أشد على ثـور وثـور إذا رأى                      بنا خلة جزل العطاء غـفـور

فذلك دأبي ما بقيت وما مـشـى                      لثور على ظهر البلاد بـعـير ويرى: فهذا له ما دمت حيا ثم إن عقبة حج على جمل له يقال له ابن الكميت أنجب ما ركب الناس، وثبت ابن الطثرية في السجن حتى انصرف عقبة بن شريك من مكة، فأرسل ابن الكميت في مخاضه مستقبلة الربيع وهي حاضرة العقيق، تأكل الغضى وتشرب بأحسائه، وانحدر عقبة نحو اليمامة وعليها المهاجر بن عبد الله الكلابي. فلما ضاقت بابن الطثرية المخارج قال له صاحب له: لا أعلم لك أنجى إن قدرت على الخروج من السجن إلا أن تركب ابن الكميت فينجيك نحو بلد من البلاد. فلم يزل حتى جعل للحداد، على أن يرسله ليلة إلى ابن عمه، جعلا، فشكا إليه وجده بها فأرسله. فمضى يزيد نحو الإبل عشاء فاحتكم ابن الكميت حتى جلس عليه فوجهه قصد اليمامة يريد عقبة بن شريك، وقال في طريقه:

لعمري إن ابن الكميت على الوجا                      وسيري خمسا بعد خمس مكمل

لطلق الهوادي بالوجيف إذا ونـى                      ذوات البقايا والعتيق الهمرجـل فورد اليمامة فأناخ بابن الكميت على باب المهاجر، فكان أول من خرج عليه عقبة بن شريك. فلما نظر إليه عرفه وعرف الجمل فقال: ويحك أيزيد أنت? قال نعم وهذا ابن الكميت? قال نعم قال: ويحك فما شأنك? قال: يا عقبة، فار منك إليك، وأنشده قصيدته التي يقول فيها:

يا عقب قد شذب اللحاء عن العصا                      عني وكنت مؤزرا مـحـمـودا

صل لي جناحي واتخذنـي عـدة                      ترمي بي المتعاشي الصـنـديدا فقال له عقبة - وكانت من خير فعلة علمناه فعلها: - أشهدكم أني قد أبرأته من دين البربري وأن له ابن الكميت، وأمره أن يحتكم فيما سوى ذلك من ماله. وهذا البيتان من القصيدة التي أولها:

أمسى الشباب مودعا محمودا وهي من جيد شعره، يقول فيها:

ومدلة عند التبـذل يفـتـري                      منها الوشاح مخصرا أملودا

نازعتها غنم الصبا إن الصبا                      قد كان مني للكواعب عـيدا

يا للرجال وإنما يشكو الفتـى                      مر الحوادث أو يكون جليدا

بكرت نوار تجد باقية القوى                      يوم الفراق وتخلف الموعودا

ولرب أمر هوى يكون ندامة                      وسبيل مكرهة يكون رشيدا ثم قال يفخر:

لا أتقي حسك الضغائن بالرقى                      فعل الذليل وإن بقيت وحـيدا

 

صفحة : 869

 

 

لكن أجرد للضغائن مثلهـا                      حتى تموت وللحقود حقودا أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح قال: قال أبو محضة الأعرابي وأنشد هذه الأبيات ليزيد بن الطثرية: هي والله من مغنج الكلام:

بنفسي من لو مر برد بنـانـه                      على كبدي كانت شفاء أناملـه

ومن هابني في كل شيء وهبته                      فلا هو يعطيني ولا أنا سائلـه وهذه الأبيات من قصيدته التي قالها في وحشية الجرمية التي مضى ذكرها.

تبعه أعداء له فترك راحلته وفر، وشعره في ذلك: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية قالت: مر يزيد بن الطثرية بأعداء له، فأرادوه وهو على راحلته فركضها وركضوا الإبل على أثره، فخشي أن يدركوه وكانت نفسه عنده أوثق من الراحلة، فنزل فسبقهم عدوا، وأدركوا الراحلة فعقروها. فقال في ذلك:

ألا هل أتى ليلى على نأي دارها                      بأي لم أقاتل يوم صخر مـذودا

وأني أسلمت الركاب فعقـرت                      وقد كنت مقداما بسيفي مفـردا

أثرت فلم أسطع قتالا ولا تـرى                      أخا شيعة يوما كآخـر أوحـدا

فهل تصر من الغانيات مودتـي                      إذا قيل قد هاب المنون فعـردا هاجى فديكا الجرمي لأنه عذب وحشية بالنار ليصدها عنه: أخبرني يحيى إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي زياد قال: كان يزيد بن الطثرية يتحدث إلى نساء فديك بن حنظلة الجرمي، ومنزلهما بالفلج فبلغ ذلك فديكا فشق عليه فزجر نساءه عن ذللك، فأبين إلا أن يدخل عليهن يزيد. فدخل عليهن فديك ذات يوم وقد جمعهن جميعا أخواته وبنات عمه وغيرهن من حرمه، ثم قال لهن: قد بلغني أن يزيد دخل عليكن وقد نهيتكن عنه، وإن لله علي نذرا واجبا واخترط سيفه إن لم أضرب أعناقكن به. فلما ملأهن رعبا ضرب عنق غلام له مولد يقال له عصام فقتله، ثم أنشأ يقول:

جعلت عصاما عبرة حين رابني                      أناسي من أهلي مراض قلوبها ثم إن فديكا رأى يزيد قائما عند باب أهله، فظن أنه يواعد بعض نسائه، فارتصده على طريقه وأمر بزبية فحفرت على الطريق ثم أوقد فيها نارا لينة ثم اختبأ في مكان ومعه عبدان له وقال لهما: تبصرا هل تريان أحدا، فلم يلبثا إلا قليلا حتى خرجت بنت أخي فديك، وكان يقال لها وحشية، تتهادى في برودها لميعاد يزيد، فأيقظه العبدان، ومضت حتى وقعت على الزبية فاحترق بعضها، وأمر بها فأخرجت، واحتملها العبدان فانطلقا بها إلى داره. فقال فديك:

شفى النفس من وحشية اليوم أنها                      تهادى وقد كانت سريعا عنيقهـا

فإلا تدعى خبط الموارد في الدجى                      تكن قمنا من غشية لا تفيقـهـا

دواء طبـيب كـان يعـلـم أنـه                      يداوي المجانين المخلى طريقهـا فبلغ ذلك يزيد فقال:

ستبرأ من بعد الضمانة رجلـهـا                      وتأتي الذي تهوى مخلى طريقها

علي هدايا البدن إن لـم ألاقـهـا                      وإن لم يكن إلا فديك يسوقـهـا

يحصنها منـي فـديك سـفـاهة                      وقد ذهبت فيها الكباس وحوقهـا

تذيقونها شيئا من النـار كـلـمـا                      رأت من بني كعب غلاما يروقها قال: وإنما كانت وضعت رجلها فأحرقتها النار.

وقال يزيد أيضا:

يا سخنة العين للجرمي إذ جمعت                      بيني وبين نوار وحـشة الـدار

خبرتهم عذبوا بالنار جارتـهـم                      ومن يعذب غير الله بـالـنـار فبلغ ذلك فديكا فقال:

أحالفة عليك بنو قـشـير                      يمين الصبر أم متحرجونا ويروى: يمين الله:

فإن تنكل قشير تقض جرم                      وتقض لها مع الشبه اليقينا

أليس الجور أن أباك مـنـا                      وأنك في قبيلة آخـرينـا

لعمر الله أن بني قـشـير                      لجرم في يزيد لظالمونـا

فإلا يلحفوا فعليك شـكـل                      ونجر ليس مما يعرفونـا

وأعرف فيك سيما آل صقر                      ومشيتهم إذا يتخـيلـونـا قال: وكانت جرم تدعيه، وقشير تدعيه، فأراد أن يخبر أنه دعي.

وقال فديك بن حنظلة يهجوه:

 

صفحة : 870

 

 

وإنا لسيارون بالسـنة الـتـي                      أحلت وفينا جفوة حين نظلـم

ومنا الذي لاقته أمك خـالـيا                      فلم تدر ما أي الشهور المحرم فقال يزيد يهجو فديكا:

أنعت عيرا من عيور القهر                      أقمر من شر خمير قمـر

صبح أبيات فـديك يجـري                      منزلة اللؤم ودار الـغـدر

فلقيته عند باب الـعـقـر                      ينشطها والدرع عند الصدر

نشطك بالدلو قراح الجفر حاور حسناء عرفته من حديثه: أخبرنا يحيى بن علي إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو الحارث هانىء بن سعد الخفاجي قال: ذكرت ليزيد بن الطثرية امرأة حدثة جميلة، فخرج حتى يدفع إليها، فوجد عندها رجلين قاعدين يتحدثان، فسلم عليهم، فأوجست أنه يزيد ولم تتثبت، ورأت عليه مسحة. فقالت: أي ريح جاءت بك يا رجل? قال: الجنوب. قالت: فأي طير جرت لك الغداة? قال: عنز زنمة رأيتها يداورها ثعلبان، فانقض عليها سرحان فراغ الثعلبان. قال: فطفرت وراء سترها، وعرفت أنه يزيد.

ذهب معه قطري لرؤية نساء يحتجبن عنه، وشعره في ذلك: قال إسحاق وحدثني عطرد قال: قال قطري بن بوزل ليزيد بن الطثرية: انطلق معي إلى فلانة وفلانة فإنهن يبرزن لك ويستترن عني، عسى أن أراهن اليوم على وجهك. فذهب به معه، فخرج عليهما النسوة وظلا يتحدثان عندهن حتى تروحا. وقال يزيد في ذلك:

على قطري نعمة إن جرى بهـا                      يزيد وإلا يجزه الله لـي أجـرا

ذنوت به حتى رمى الوحش بعدما                      رأى قطري من أوائلها نـفـرا قصته مع رجل من صداء أحب خثعمية فأعانه عليها: أخبرني يحيى إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عطرد قال: نزل نفر من صداء بناحية العقيق، وهو منزل ابن الطثرية، نصف النهار فلم يأتهم أحد، فأبصرهم ابن الطثرية فمر عليهم وهو منصرف وليسوا قريبا من أهله. فلما رآهم مرملين أنفذ إليهم هدية ومضى على حياله ولم يراجعهم. فسألوا عنه بعد حتى عرفوه، فحلا عندهم وأعجبهم. ثم إن فتى منهم واده فآخاه فأهدى له بردا وجبة ونعلين. ثم أغار المقدم بن عمرو بن همام بن مطرف بن الأعلم بن ربيعة بن عقيل على ناس من خثعم. وفي ذلك يقول الشاعر:

مغار ابن همام على حي خثعما فأخذ منهم إبلا ورقيقا، وكانت فيهن جارية من حسان الوجوه، وكان يهواها الذي آخى يزيد، فأصابه عليها بلاء عظيم حتى نحل جسمه وتغيرت حاله، فأقبل الفتى حتى نزل العقيق متنكرا، فشكا إلى يزيد ما أصابه في تلك الجارية. فقال: أفيك خير? قال نعم: فإني أدفعها إليك. فخبأه في عريش له أياما حتى خطف الجارية فدفعها إليه. فبعث إليها قطري بن بوزل، فاعترض لها بين أهلا وبين السوق فذهب بها حتى دفعها إليه وقد وطن له ناقة مفاجة فقال: النجاة فإنك لن تصبح حتى تخرج من بلاد قشير وتصير إلى دار نهد فقد نجوت، وأنا أخفي أثرك فعفى أثره، وقال لابنة خمارة كان يشرب عندها: اسحبي ذيلك على أثره ففعلت. ثم بحث على ذلك حتى قيل: قد كان قطري أحدث الناس بها عهدا، فاستعدى عليه فظفر بيزيد فأخذ مكانه فحبس بحجر، حبسه المهاجر. ففي ذلك يقول يزيد:

ألا لا أبالي إن نجا لي ابن بوزل                      ثوائي وتقييدي بحجر لـيالـيا

إذا حم أمر فهو لا بـد واقـع                      له لا أبالي ما علـي ولا لـيا

هو العسل الماذي طورا وتارة                      هو السم والذيفان والليث عاديا نحر ناقة من إبل أخيه لنسوة فسبه فقال شعرا: أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام الجمحي قال حدثني أبو الغراف قال.

 

 

صفحة : 871

 

كان يزيد بن الطثرية صاحب غزل ومحادثة للنساء، وكان ظريفا جميلا من أحسن الناس كلهم شعرا، وكان أخوه ثور سيدا كثير المال والنخل والرقيق، وكان متنسكا كثير الحج والصدقة كثير الملازمة لإبله ونخله، فلا يكاد يلم بالحي إلا الفلتة والوقعة، وكانت إبله ترد مع الرعاء على أخيه يزيد بن الطثرية فتسقى على عينه. فبينا يزيد مار في الإبل وقد صدر عن الماء إذ مر بخباء فيه نسوة من الحاضر، فلما رأينه قلن: يا يزيد: أطعمنا لحما. فقال: أعطينني سكينا فأعطينه، ونحر لهن ناقة من إبل أخيه. وبلغ الخبر أخاه، فلما جاءه أخذ بشعره وفسقه وشتمه. فأنشأ يزيد يقول:

يا ثور لا تشتمن عرضي فداك أبي                      فإنما الشتم للـقـوم الـعـواوير

ما عقر ناب لأمثال الدمى خـرد                      عين كرام وأبكار مـعـاصـير

عطفن حولي يسألن القرى أصـلا                      وليس يرضين مني بالمـعـاذير

هبهن ضيفا عراكم بعد هجعتكـم                      في قطقط من سقيط الليل منثور

وليس قـربـكـم شـاء ولا لـين                      أيرحل الضيف عنكم غير مجبور

ما خير واردة للـمـاء صـادرة                      لا تنجلي عن عقير الرجل منحور أحب امرأة وعلم أن سعة يحبونها فقال شعرا: أخبرني أبو خليفة قال قال ابن سلام: كان يزيد بن الطثرية يتحدث إلى امرأة ويعجب بها. فبينما هو عندها إذ حدث لها شاب سواه قد طلع عليه، ثم جاء آخر ثم آخر، فلم يزالوا كذلك حتى تموا سبعة وهو الثامن، فقال:

أرى سبعة يسعون للوصل كـلـهـم                      له عند لـيلـى دينة يسـتـدينـهـا

فألقيت سهمي وسطهم حين أوخشـوا                      فما صار لي من ذاك إلا ثمينـهـا

وكنت عزوف النفس أشنـأ أن أرى                      على الشرك من ورهاء طوع قرينها

فيوما تراهـا بـالـعـهـود وفـية                      ويوما على دين ابن خاقان دينـهـا

يدا بيد من جاء بالـعـين مـنـهـم                      ومن لم يجيء بالعين حيزت رهونها وقال فيها وقد صارمها:

ألا بأبي من قد برى الجسم حـبـه                      ومن هو مومـوق إلـي حـبـيب

ومن هـو لا يزداد إلا تـشـوقـا                      ولـيس يرى إلا عـلـيه رقـيب

وإني وإن أحموا علي كـلامـهـا                      وحالت أعـاد دونـهـا وحـروب

لمثن على لـيلـى ثـنـاء يزيدهـا                      قواف بأفـواه الـرواة تـطـيب

أليلى احذري نقض القوى لا يزل لنا                      على النأي والهجران منك نصـيب

وكوني على الواشين لداء شـغـبة                      كما أنا للـواشـي ألـد شـغـوب

فإن خفت ألا تحكمي مرة الـقـوى                      فردي فؤادي والـمـزار قـريب كتب والي اليمامة إلى أخيه ليؤدبه فحلق لمته فقال شعرا: أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن رجل من بني عامر ثم من بني خفاجة قال: استعدت جرم على ابن الطثرية في وحشية امرأة منهم كان يشبب بها فكتب بها صاحب اليمامة إلى ثور أخي يزيد بن الطثرية وأمره بأدبه، فجعل عقوبته حلق لمته فحلقها، فقال يزيد:

أقول لثور وهو يحلق لمتي                      بحجناء مردود عليها نصابها قال عبد الرحمن: كان عمي يحتج في تأنيث الموسى بهذا البيت

ترفق بها يا ثور ليس ثـوابـهـا                      بهذا ولكن غير هذا ثـوابـهـا

ألا ربما يا ثور قد غل وسطهـا                      أنامل رخصات حديث خضابهـا

وتسلك مدرى العاج في مدلهمة                      إذا لم تفرج مات غما صوابهـا

فراح بها ثور تـرف كـأنـهـا                      سلاسل درع خيره وانسكابـهـا

منعمة كالشرية الفرد جـادهـا                      نجاء الثريا هطلها وذهـابـهـا

فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت                      عليها عقاب ثم طارت عقابهـا أخبار من حلق رؤوسهم: ونظير هذا الخبر من حلقت جمته فرثاها، وليس من هذا الباب، ولكن يذكر الشيء بمثله: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن بن عمه قال: شرب طخيم الأسدي بالحيرة، فأخذه العباس بن معبد المري، وكان على شرط يوسف بن عمر، فحلق رأسه، فقال:

 

صفحة : 872

 

 

وبالحيرة البيضاء شيخ مسلـط                      إذا حلف الأيمان باللـه بـرت

لقد حلقوا منا غدافا كـأنـهـا                      عناقيد كرم أينعت فاسبطرت

يظل العذارى حين تحلق لمتي                      على عجل يلقطنها حين جزت أخبرني محمد عن عبد الرحمن عن عمه عن بعض بني كلاب قال: أخذ فتى منا مع بعض فتيات الحي، فحلق رأسه فقال:

يا لمتي ولقد خلقـت جـمـيلة                      وكرمت حين أصابك الجلمـان

أمست تروق الناظرين وأصبحت                      قصصا تكون فواصل المرجان شعره في أخيه ثور: أخبرني وكيع قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى قال حدثنا أبو محلم قال: كان ليزيد ين الطثرية أخ يقال له ثور أكبر منه، فكان يزيد يغير على ماله ويتلفه، فيتحمله ثور لمحبته إياه. فقال يزيد في ذلك:

نغير على ثور وثور يسرنـا                      وثور علينا في الحياة صبور

وذلك دأبي ما حييت وما مشى                      لثور على عفر التراب بعير الحرب بين عقيل وبني حنيفة ومقتل يزيد وما رثاه به الشعراء: وقتل يزيد بن الطثرية في خلافة بني العباس، قتلته بنو حنيفة.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل بن سلمة عن أبي عبيدة وابن الكلبي، وأخبرنا يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي الجراح العقيلي قال: أغارت بنو حنيفة على طائفة من بني عقيل ومعهم رجل من بني قشير جار لهم، فقتل القشيري رجل من بني عقيل واطردت إبل من العقيليين، فأتى الصريخ عقيلا فلحقوا القوم فقاتلوهم فقتلوا من بني حنيفة رجالا وعقروا أفراسا ثلاثة من خيل حنيفة وانصرفوا، فلبثوا سنة. ثم إن عقيلا انحدرت منتجعة من بلادها إلى بلاد بني تميم، فذكر لحنيفة وهم بالكوكبة والقيضاف، فغزتهم حنيفة، وحذر العقيليون وأتتهم النذر من نمير فانكشفوا فلم يقدروا عليهم، فبلغ ذلك من بني عقيل وتلهفوا على بني حنيفة، فجمعوا جمعا ليغزوا حنيفة، ثم تشاوروا. فقال بعضهم: لا تغزوا قوما في منازلهم ودورهم فيتحصنوا دونكم ويمتنعوا منكم، ولا نأمن أن يفضحوكم، فأقاموا بالعقيق. وجاءت حنيفة غازية كعبا لا تتعداها حتى وقعت بالفلج، فتطاير الناس، ورأس حنيفة يومئذ المندلف، وجاء صريخ كعب إلى أبي لطيفة بن مسلم العقيلي وهو بالعقيق أمير عليها، فضاق بالرسول ذرعا وأتاه هول شديد، فأرسل في عقيل يستمدها، فأتته ربيعة بن عقيل وقشير بن كعب والحريش بن كعب وأفناه خفاجة، وجاش إليه الناس، فقال: إني قد أرسلت طليعة فانتظروها حتى تجيء ونعلم ما تشير به. قال أبو الجراح: فأصبح صبح ثالثة على فرس له يهتف: أعز الله نصركم وأمتعنا بكم انصرفوا راشدين فلم يكن بأس، فانصرف الناس، وصار في بني عمه ورهطه دنية. وإنما فعل ذلك لتكون له السمعة والذكر. فكان فيمن سار معه القحيف بن خمير ويزيد بن الطثرية الشاعران، فساروا حتى واجهوا القوم، فواقعوهم، فقتلوا المندلف، رموه في عينه، وسبوا وأسروا ومثلوا بهم وقطعوا أيدي اثنين منهم وأرسلوهما إلى اليمامة وصنعوا ما أرادوا. ولم يقتل ممن كان مع أبي لطيفة غير يزيد بن الطثرية، نشب ثوبه في جذل من عشرة فانقلب، وخبطه القوم فقتل. فقال القحيف يرثيه:

ألا نبكي سراة بـنـي قـشـير                      على صنديدها وعلى فتـاهـا

فإن يقتل يزيد فقـد قـتـلـنـا                      سراتهم الكهول على لحـاهـا

أبا المكشوح بعدك من يحامـي                      ومن يزجي المطي على وجاها وقال القحيف أيضا يرثيه:

إن تقتلوا منا شهيدا صابـرا                      فقد تركنا منكم مـجـازرا

عشرين لما يدخلوا المقابرا                      قتلى أصيبت قعصا نحائرا

نعجا ترى أرجلها شواغرا وهذه من رواية ابن حبيب وحده. وقال القحيف أيضا ولم يروها إلا ابن حبيب:

يا عين بكي هملا على همل                      على يزيد ويزيد بن حمـل

قتال أبطال وجرار حلـل قال: ويزيد بن حمل قشيري قتل يومئذ أيضا. وقالت زينت بنت الطثرية ترثي أخاها يزيد وعن أبي عمرو الشيباني أن الأبيات لأم يزيد، قال: وهي من الأزد. ويقال: إنها لوحشية الجرمية:

 

صفحة : 873

 

 

أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري                      مقيما وقد غالـت يزيد غـوائلـه

فتى قد قد السـيف لا مـتـضـائل                      ولا رهـل لـبـاتـه وبـآدلــه

فتى لا ترى قد القميص بخـصـره                      ولكنما توهي القميص كواهـلـه

إذا نزل الضـيفـان كـان عـذورا                      على الحي حتى تستقل مراجـلـه

يسرك مظلوما ويرضيك ظالـمـا                      وكل الذي حملته فهو حـامـلـه

إذا جد عند الجـد أرضـاك جـده                      وذو باطل إن شئت ألهاك باطـلـه

إذا القوم أموا بيته فـهـو عـامـد                      لأفضل ما أموا له فهو فـاعـلـه

مضى وورثنـاه دريس مـفـاضة                      وأبيض هنديا طـويلا حـمـائلـه

وقد كان يحمي المحجرين بسـيفـه                      ويبلغ أقصى حجرة الحي نـائلـه

فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى                      بصاحبه يوما دما فـهـو آكـلـه

سيبكيه مولاه إذا مـا تـرفـعـت                      عن الساق عند الروع يوما ذلاذلـه الذلذل: هدب الثياب.

وقد أخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمر بن إبراهيم السعدي عن عباس بن عبد الصمد قال: قال هشام بن عبد الملك للعجير السلولي: أصدقت فيما قلت في ابن عمك? قال: نعم يا أمير المؤمنين، ألا إني قلت:

فتى قد قد السيف لا متضائل                      ولا رهل لباته وأباجـلـه فذكر هذا البيت وحده ونسبه إلى العجير السلولي من الأبيات المنسوبة إلى أخت يزيد بن الطثرية أو إلى أمه وأتى بأبيات أخر ليست منها، وسيذكر ذلك في أخبار العجير مشروحا إن شاء الله تعالى.

ومما يغنى فيه من شعر يزيد بن الطثرية قوله: صوت

بنفسي من لا بـد أنـي هـاجـره                      ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره

ومن قد رماه الناس بي فاتقـاهـم                      ببغضي إلا ما تجـن ضـمـائره عروضه من الطويل. غنى في هذين البيتين عبد الله بن العباس الربيعي لحنا من خفيف الثقيل بالبنصر. وغنت فيه عريب وفي أبيات أضافتها إليها لحنا من خفيف الثقيل الأول آخر. وغنت علية بنت المهدي فيها خفيف رمل. وذكر الهشامي أن لإبراهيم فيها لحنا ماخوريا. والأبيات المضافة:

بنفسي من لا أخبر الناس باسمـه                      وإن حملت حقدا علي عشـائره

بأهلي وما لي من جلبت له الأذى                      ومن ذكره مني قريب أسامـره

ومن لو جرت شحناء بيني وبينه                      وحاورني لم أدر كيف أحـاوره صوت من المائة المختارة

شأتك المنـازل بـالأبـرق                      دوارس كالعين في المهرق

لآل جميلة قـد أخـلـقـت                      ومهما يطل عهده يخـلـق

فإن يقل الناس لي عاشـق                      فأين الذي هو لم يعـشـق

ولم يبك نؤيا على عـبـرة                      بداء الصبابة والمـعـلـق شأتك: بعدت عنك. والشأو. البعد. يقال: جرى الفرس شأوا، يريد طلقا. والمهرق: الصحيفة، والجمع المهارق. يريد أن الدار قد بقيت منها طرائق كالصحف وما فيها.

الشعر للأحوص. والغناء لجميلة. ولحنها المختار خفيف رمل بالوسطى عن إسحاق. وفيه لعطرد ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه لمعبد خفيف ثقيل عن حبش: وفيه رمل يقال: إنه لفريدة، ويقال: إنه لمالك. وقيل: إن الثقيل الأول لابن عائشة. وذكر عمرو بن بانة أن خفيف الرمل لعطرد أيضا.

 

ذكر جميلة وأخبارها

ولاء جميلة وشعر عبد الرحمن بن أرطأة فيها: هي جميلة مولاة بني سليم ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن الخزرج، وكانت تنزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها، فقيل: إنها مولاة للأنصار، تنزل بالسنح وهو الموضع الذي كان ينزله أبو بكر الصديق، ذكر ذلك إبراهيم بن زياد الأنصاري الأموي السعيدي. وذكر عبد العزيز بن عمران أنها مولاة للحجاج بن علاط السلمي وهي أصل من أصول الغناء. وعنها أخذ معبد وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشماسيتان خليدة وربيحة. وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطأة: صوت

إن الدلال وحسن الغـنـا                      ء سط بيوت بني الخزرج

وتلكم جميلة زين النسـاء                      إذا هي تزدان للمخـرج

 

صفحة : 874

 

 

إذا جئتها بذلت ودها                      بوجه منير لها أبلج الشعر لعبد الرحمن بن أرطأة. والغناء لمالك خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، ويقال: فيه الدلال وجميلة لحنان.

كانت أعلم خلق الله بالغناء: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي جعفر القرشي عن المحرزي قال: كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء، وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين.

كيف تعلمت الغناء: قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال حدثني رجل من الأنصار قال: سئلت جميلة: أنى لك هذا الغناء? قالت: والله ما هو إلهام ولا تعليم ولكن أبا جعفر سائب خاثر كان لنا جارا وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات فبنيت عليها غنائي، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت، فسمعني موالياتي يوما وأنا أغني سرا ففهمنني ودخلن علي وقلن: قد علمنا فما تكتمينا. فأقسمن علي، فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن أبي سلمى:

وما ذكرتك إلا هجت لي طربـا                      إن المحب ببعض الأمر معـذور

ليس المحب بمن إن شـط غـيره                      هجر الحبيب وفي الهجران تغيير صوت

نام الخلي فنوم العـين تـعـذير                      مما ادكرت وهم النفس مذكور

ذكرت سلمى وما ذكري براجعها                      ودونها سبسب يهوي به المـور الشعر لزهير. والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رمل بالوسطى عن حبش فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري، فقصدني الناس وجلست للتعليم، فكان الجواري يتكاوسنني، فربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئا سوى ما سمعنني أطارح لغيرهن، ولقد كسبت لموالي ما لم يخطر لهن ببال، وأهل ذلك كانوا وكنت.

إجماع الناس على تقديمها في الغناء: وحدثني أبو خليفة قال حدثني ابن سلام قال حدثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثقفي قال: كانت جميلة ممن لا يشك في فضيلتها في الغناء، ولم يدع أحد مقاربتها في ذلك، وكل مدني ومكي يشهد لها بالفضل.

وصف مجلس من مجالسها غنت فيه وغنى فيه مغنو مكة والمدينة: قال إسحاق وحدثني هشام بن المرية المدني قال حدثني جرير المدني - قال إسحاق: وكانا جميعا مغنيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين، وكانا قد أسنا، فأما هشام فبلغ الثمانين، وأما جرير فلا أدري - قال جرير: وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهز، فنزلوا عليها فخرجوا يوما إلى العقيق متنزهين، فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدثوا ساعة، ثم سأل معبد ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألفوا. فقال ابن عائشة: إن للقوم أعمالا كثيرة حسنة ولك أيضا يا أبا عباد، ولكن قد اجتمع علماء مكة، وأنا وأنت من أهل المدينة، فليعمل كل واحد منا صوتا ساعته ثم يغن به. قال: معبد: يا بن عائشة، قد أعجبتك نفسك حتى بلغتك هذه المرتبة قال ابن عائشة: أو غضبت يا أبا عباد، إني لم أقل هذا وأنا أريد أن أتنقصك فإنك لأنت المفاد منه. قال معبد: أما إذا قد اختلفنا وأصحابنا المكيون سكوت فلنجعل بيننا حكما. قال ابن عائشة: إن أصحابنا شركاء في الحكومة. قال ابن سريج: على شريطة، قال: على أن يكون ما نغني به من الشعر ما حكمت فيه امرأة. قال ابن عائشة ومعبد: رضينا، وهي وأم جندب. فأجمع رأيهم على الاجتماع في منزل جميلة من غد. فلما حضروا قال ابن عائشة: ما ترى يا أبا عباد? قال: أرى أن يبتدىء أصحابنا أو أحدهم. قال ابن سريج: بل أنتما أولى. قالا: لم نكن لنفعل. فأقبل ابن سريج على سعيد بن مسجح فسأله أن يبتدىء فأبى. فأجمع رأي المكيين على أن يتبدىء ابن سريج. فغنى ابن سريج: صوت

ذهبت من الهجران في غير مذهب                      ولم يك حقا كل هذا التـجـنـب

خليلي مرا بي علـى أم جـنـدب                      أقض لبانات الفؤاد الـمـعـذب

فإنكما إن تـنـظـرانـي سـاعة                      من الدهر تنفعني لدى أم جنـدب

ألم ترياني كلمـا جـئت طـارقـا                      وجدت بها طيبا وإن لم تـطـيب الشعر لامرىء القيس. ولابن سريج فيه لحنان ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، وخفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى جميعا عن أسحاق وغنى معبد: صوت

 

صفحة : 875

 

 

فلله عينا من رأى من تـفـرق                      أشت وأنأى من فراق المحصب

علون بأنطاكية فـوق عـقـمة                      كجرمة نخل أو كجـنة يثـرب

فريقان منهم سالك بطن نـخـلة                      وآخر منهم جازع نجد كبكـب

فعيناك غربا جدول في مفـاضة                      كمر خليج في سنيح مثـقـب وغنى ابن مسجح: صوت

وقالت فإن يبخل عليك ويعتـلـل                      يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب

وإنك لم يفخر عليك كـفـاخـر                      ضعيف ولم يغلبك مثل مغلـب

وإنك لم تقطع لـبـانة عـاشـق                      بمثل بكـور أو رواح مـؤوب

بأدماء حرجوج كأن قـتـودهـا                      على أبلق الكشحين ليس بمغرب

يغرد بالأسحار في كـل سـدفة                      تغرد مياح الندامى المـطـرب وغنى ابن عائشة: صوت

وقد أغتدي والطير في وكناتـهـا                      وماء الندى يجري على كل مذنب

بمنـجـرد قـيد الأوابـد لاحـه                      طراد الهوادي كل شأو مغـرب

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفـه                      تقول هزيز الريح مرت بأثـأب

له أيطلا ظبي وساقـا نـعـامة                      وصهوة عير قائم فوق مرقـب وغنى ابن محرز: صوت زار معبد مالك بن أبي السمح، فقال له: هل لك أن نصير إلى جميلة? فمضيا جميعا فقصداها، فأذنت لهما فدخلا، فأخرجت إليهما رقعت فيها أبيات، فقالت لمعبد: بعث بهذه الرقعة إلي فلان أغني فيها. فقال معبد: فابتدئي، فابدأت جميلة فغنت: صوت

إنما الذلفاء همي                      فليدعني من يلوم فغنى معبد:

أحسن الناس جميعا                      حين تمشي وتقوم فغنت جميلة:

حبب الذلفاء عندي                      منطق منهما رخيم فغنى معبد:

أصل الحبل لترضى                      وهي للحبل صروم فغنت جميلة:

حبها في القلب داء                      مستكـين لا يريم طريقة واحدة الشعر للأحوص. وذكر ابن النطاح أنه للبختري العبادي. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن ابن المكي، وثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكر أحمد بن سعيد المالكي أن له فيه خفيف ثقيل آخر. وذكر حماد بن إسحاق أن فيه لمالك وجميلة لحنين وقالت لمعبد ولمالك: يغني كل واحد منكما لحنا مما عليه. فغناها معبد بشعر قال فيها الأحوص يصفها به، وكان معجبا بها، وكانت هي له مكرمة، وهو قوله:

شأتك المنـازل بـالأبـرق                      دوارس كالعين في المهرق

لآل جميلة قـد أخـلـقـت                      ومهما يطل عهده يخـلـق

فإن يقل الناس لي عاشـق                      فأين الذي هو لم يعـشـق

ولم يبك نؤبا على عـبـرة                      بداء الصبابة والمـعـلـق في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، ذكر إسحاق أنه لعطرد، وذكر ابن المكي أنه لجميلة. وفيها خفيف رمل في مجراها، ذكر إسحاق أنه لعطرد أيضا وعمرو، وذكر الهشامي أن الثقيل الأول لابن عائشة. وذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل لمعبد وأن خفيف الرمل لمالك قال معبد: فسرت جميلة بما غنيتها به وتبسمت وقالت: حسبك يا أبا عباد ولم تكنني قبلها ولا بعدها. ثم قالت لمالك: يا أخا طيئ هات ما عندك وجنبنا مثل قول عبد ابن قطن. فاندفع وغنى بلحن لها، وقد تغنى به أيضا معبد لها. واللحن:

ألا من لقلب لا يمـل فـيذهـل                      أفق فالتعزي عن بثينة أجمـل

فما هكذا أحببت قد كان قبلهـا                      ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل

فإن التي أحببت قد حيل دونهـا                      فكن حازما والحازم المتحـول لحن جميلة هكذا ثقيل أول بالبنصر. وفيه ألحان عدة مع أبيات أخر من القصيدة، وهي لجميل فقالت جميلة: أحسنت والله في غنائك وفي الأداء عنى. أما قوله: شأتك فأراد بعدت عنك. والشأو: البعد، يقال: جرى الفرس شأوا أو شأوين أي طلقا أو طلقين. والمهرق: الصحيفة بما فيها من الكتاب، والجمع مهارق، قال ذو الرمة:

كمستعبر في رسم دار كـأنـهـا                      بوعساء تنضوها الجماهير مهرق الذلفاء التي شبب بها الأحوص:

 

صفحة : 876

 

والعين أن تتعين الإداوة أو القربة التي تخرز ويسيل الماء عن عيون الخرز. فشبه ما بقي من الدار بتعين القربة وطرائق خروقها التي ذكرت ينزل منها الماء شيئا بعد شيء. فأما الذلفاء التي فيها فهي التي فتن بها أهل المدينة. وقال بعض من كانت عنده بعد ما طلقها:

لا بارك الله في دار عددت بها                      طلاق ذلفاء من دار ومن بلد

فلا يقولن ثلاثـا قـائل أبـدا                      إني وجدت ثلاثا أنكد العـدد فكان إذا عد شيئا يقول: واحد اثنان أربعة ولا يقول ثلاثة.

حديث بثينة عن عفة جميل وعن حالها لما سمعت نعيه: وقالت جميلة: حدثتني بثينة وكانت صدوقة اللسان جميلة الوجه حسنة البيان عفيفة البطن والفرج قالت: والله ما أرادني جميل رحمة الله عليه بريبة قط ولا حدثت أنا نفسي بذلك منه. وإن الحي انتجعوا موضعا وإني لفي هودج لي أسير إذا بهاتف ينشد أبياتا، فلم أتمالك أن رميت بنفسي وأهل الحي ينظرون، فبقيت أطلب المنشد فلم أقف عليه، فناديت: أيها الهاتف بشعر جميل ما وراءك منه? وأنا أحسبه قد قضى نحبه ومضى لسبيله، فلم يجيبني مجيب، فناديت ثلاثا، وفي كل ذلك لا يرد علي أحد شيئا. فقال صواحباتي: أصابك يا بثيبة طائف من الشيطان? فقلت: كلا لقد سمعت قائلا يقول قلن: نحن معك ولم نسمع فرجعت فركبت مطيتي وأنا حيرى والهة العقل كاسفة البال، ثم سرنا. فلما كان في الليل إذ ذلك الهاتف يهتف بذلك الشعر بعينه، فرميت بنفسي وسعيت إلى الصوت، فلما قربت منه انقطع، فقلت: أيها الهاتف، ارحم حيرتي وسكن عبرتي بخبر هذه الأبيات، فإن لها شأنا فلم يرد علي سيئا. فرجعت إلى رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل، وفي كل ذلك لا يخبرني صواحباتي أنهن سمعن شيئا.

فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحي مضاجعهم ونامت كل عين، فإذا الهاتف يهتف بي ويقول: يا بثينة، أقبلي إلي أنبئك عما تريدين. فأقبلت نحو الصوت، فإذا شيخ كأنه من رجال الحي، فسألته عن اسمه وبيته. فقال: دعي هذا وخذي فيما هو أهم عليك فقلت له: وإن هذا لمما يهمني. قال: اقنعي بما قلت لك. قلت له: أنت المنشد الأبيات? قال نعم. قلت: فما خبر جميل? قال: نعم فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته رحمة الله عليه. فصرخت صرخة آذنت منها الحي، وسقطت لوجهي فأغمي علي، فكأن صوتي لم يسمعه أحد، وبقيت سائر ليلتي، ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي، ورفعت صوتي بالويل والبكاء ورجعت إلى مكاني. فقال لي أهلي: ما خبرك وما شأنك? فقصصت عليهم القصة. فقالوا: يرحم الله جميلا. واجتمع نساء الحي وأنشدتهن الأبيات فأسعدنني بالبكاء، فأقمن كذلك لا يفارقنني ثلاثا، وتحزن الرجال أيضا وبكوا ورثوه وقالوا كلهم: يرحمه الله، فإنه كان عفيفا صدوقا فلم أكحل بعده بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط ولا مشط ولا دهنته إلا من صداع خفيف على بصري منه ولا لبست خمارا مصبوغا ولا أزال أبكيه إلى الممات. فالت جميلة: فأنشدتني الشعر كله وهذا الغناء بعضه، وهو:

ألا من لقلب لا يمل فيذهـل                      أفق فالتعزي عن بثينة أجمل مدحها ابن سريج فردت عليه مدحه ثم غنت وغنى هو ومعبد ومالك بشعر حاتم الطائي: قال ابن سلام حدثني جرير قال: زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها. فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها. وبلغ معبدا الخبر. وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها. وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة، فابتدأت تطارحها. فقال ابن سريج: سبحان الله نحن كنا أحق بالابتداء. قالت جميلة: كل إنسان في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمر عليه. فقال ابن سريج: صدقت جعلت فداءك وما أدري أيهما أحسن أدبك أم غناؤك فقالت له: كف يا عبيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  احثوا في وجوه المداحين التراب  . فسكت ابن سريج. وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي:

أتعرف آثار الديار تـوهـمـا                      كخطك في رق كتابا منمنمـا

أذاعت به الأرواح بعد أنيسها                      شهورا وأياما وحولا مجرمـا

فأصبحن قد غيرن ظاهر تربه                      وغيرت الأنواء ما كان معلما

وغيرها طول التقادم والبلـى                      فما أعرف الأطلال إلا توهما

 

صفحة : 877

 

قال: فحدثت أنه حضر ذلك المجلس جماعة من حذاق أهل الغناء، فكلهم قال: مزامير داود قال ابن سريج لها: أفأسمعك صوتا لي في هذا الشعر? قالت: هاته، فغنى:

ديار التي قامت تريك وقد عفت                      وأقوت من الزوار كفا ومعصما

تهادى عليها حليها ذات بـهـجة                      وكشحا كطي السابرية أهضمـا

فبانت لطيات لهـا وتـبـدلـت                      به بدلا مرت به الطير أشؤمـا

وعاذلتان هبتا بـعـد هـجـعة                      تلومان متلافا مفيدا مـلـومـا قالت جميلة: أحسنت يا عبيد، وقد غفرنا لك زلتك لحسن غنائك. قال معبد: جعلت فداءك أفلا أسمعك أنا أيضا لحنا علمته في هذا الشعر? قالت: هات وإني لأعلم أنك تحسن. فاندفع فغنى:

فقلت وقد طال العتاب عـلـيهـمـا                      وأوعدتاني أن تبينـا وتـصـرمـا

ألا لا تلوماني علـى مـا تـقـدمـا                      كفى بصروف الدهر للمرء محكما

تلومان لما غـور الـنـجـم ضـلة                      فتى لا يرى الإنفاق في الحق مغرما قالت جميلة: ما عدوت الظن بك ولا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها. قال: مالك: أفلا أغنيك أنا أيضا? قالت: ما علمتك إلا تجيد الغناء وتحسن، فهات. فاندفع فغنى في هذا الشعر:

يضيء لنا البيت الظليل خصاصه                      إذا هي ليلا حاولت أن تبسـمـا

إذا انقلبت فوق الحـشـية مـرة                      ترنم وسواس الحلي تـرنـمـا

ونحرا كفاثور اللـجـين يزينـه                      توقد ياقوت وشذر مـنـظـمـا

كجمر الغضى هبت به بعد هجعة                      من الليل أرواح الصبا فتنسـمـا فقالت: جميل ما قلت وحسن ما نظمت، وإن صوتك يا مالك لمما يزيد العقل قوة والنفس طيبا والطبيعة سهولة، وما أحسب أن مجلسنا هذا إلا سيكون علما وفي آخر الزمان متواصفا، والخبر ليس كالمشاهدة، والواصف ليس كالمعاين وخاصة في الغناء.

زارها ابن أبي عتيق وابن ربيعة والأحوص فغنتهم: وحدثني الحسن بن عتبة اللهبي قال حدثني من رأى ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص بن محمد الأنصاري وقد أتوا منزل جميلة فاستأذنوا عليها فأذنت لهم، فلما جلسوا سألت عمر وأحفت، فقال لها: إني قصدتك من مكة للسلام عليك. فقالت له: أهل الفضل أنت. قال: وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم وتخلي لنا مجلسك، قالت: أفعل. قال لها الأحوص: أحب ألا تغني إلا ما أسألك. قالت: ليس المجلس لك، والقوم شركاؤك فيه. قال: أجل. قال عمر: إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن. قال الأحوص: كلا قال عمر: فإني أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبي عتيق: وفقك الله. فدعت بالعود وغنت:

تمشي الهوينى إذا مشت فـضـلا                      مشي النزيف المخمور في الصعد

تظل من زور بـيت جـارتـهـا                      واضعة كفها عـلـى الـكـبـد

يا مـن لـقـلـب مـتـيم سـدم                      عال رهـين مـكـلـم كـمـد

أزجره وهـو غـير مـزدجـر                      عنها وطرفي مكحل الـسـهـد فلقد سمعت للبيت زلزلة وللدار همهمة. فقال عمر: لله درك يا جميلة ماذا أعطيت أنت الغناء وآخره ثم سكتت ساعة وأخذوا في الحديث، ثم أخذت العود وغنت:

شطت سعاد وأمسى البين قد أفدا                      وأورثوك سقاما يصدع الكبـدا

لا أستطيع لها هجرا ولا تـرة                      ولا تزال أحاديثي بهـا جـددا

 

صفحة : 878

 

الغناء فيه لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولم يذكر حبش لحن جميلة. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم الوادي. وذكر الهشامي وابن خرداذبه أنه من ألحان عمر بن عبد العزيز بن مروان في سعاد وأن طريقته من الثقيل الثاني بالوسطى. وذكر إبراهيم أن لابن جامع فيه أيضا صنعة فاستخف القوم أجمعين، وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحركوا رؤوسهم، وقالوا: نحن فداؤك من السوء ووقاؤك من المكروه، ما أحسن ما غنيت وأجمل ما قلت وأحضر الغداء فتغدى القوم بأنواع من الأطعمة الحارة والباردة ومن الفاكهة الرطبة واليابسة، ثم دعت بأنواع من الأشربة. فقال عمر: لا أشرب، وقال ابن أبي عتيق مثل ذلك، فقال الأحوص: لكنني أشرب، وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها قال عمر: ليس ذلك كما ظننته. قالت جميلة: من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه، ومن أبى ذلك عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته. قال ابن أبي عتيق: ما يحسن بنا إلا مساعدتك. قال عمر: لا أكون أخسكم، إفعلوا ما شئتم تجدوني سميعا مطيعا. فشرب القوم أجمعون. فغنت صوتا بشعر لعمر:

ولقد قالت لجارات لـهـا                      كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني                      ومضت تسعى إلى قبتها

لم تعانق رجلا فيما مضى                      طفلة غيداء في حلتهـا

لم يطش قط لها سهم ومن                      ترمه لا ينج من رميتهـا لم يذكر طريقة لحنها في هذا الصوت. وذكر الهشامي أن فيه لابن المكي رملا بالبنصر. وذكر علي بن يحيى أن فيه لابن سريج رملا بالوسطى فصاح عمر: ويلاه ويلاه ثلاثا ثم عمد إلى جيب قميصه فشقه إلى أسفله فصار قباء، ثم آب إلى عقله فندم واعتذر وقال: لم أملك من نفسي شيئا. قال القوم: قد أصابنا كالذي أصابك وأغمي علينا، غير أنا فارقناك في تخريق الثياب. فدعت جميلة بثياب فخلعتها على عمر، فقبلها ولبسها، وانصرف القوم إلى منازلهم. وكان عمر نازلا على ابن أبي عتيق، فوجه عمر إلى جميلة بعشرة آلاف درهم بعشرة أثواب كانت معه، فقبلتها جميلة. وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا.

حجت ومعها الشعراء والمغنون والمغنيات ووصف ركبها في مكة وفي المدينة حتى آبت من الحج: قال إسحاق وحدثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس قالا: حجت جميلة، وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال حدثني أبي سياط وابن جامع عن يونس الكاتب، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قالوا جميعا:

 

صفحة : 879

 

إن جميلة حجت - وقد جمعت رواياتهم لتقاربها، وأحسب الخبر كله مصنوعا وذلك بين فيه - فخرج معها من المغنين مشيعين حتى وافوا مكة ورجعوا معها من الرجال المشهورين الحذاق بالغناء هيت وطويس والدلال وبرد الفؤاد ونومه الضحى وفند ورحمة وهبة الله - هؤلاء مشايخ وكلهم طيب الغناء - ومعبد ومالك وابن عائشة ونافع بن طنبورة وبديح المليح ونافع الخير، ومن المغنيات الفرهة و عزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وعقيلة والشماسية وفرعة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة والزرقاء، ومن غير المغنين ابن أبي عتيق والأحوص وكثير عزة ونصيب وجماعة من الأشراف، وكذلك من النساء من مواليها وغيرهن. وأما سياط فذكر أنه حج معها من القيان مشيعات لها ومعظمات لقدرها ولحقها زهاء خمسين قينة، وجه بهن مواليهن معها فأعطوهن النفقات وحملوهن على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك، فأبت جميلة أن تنفق واحدة منهن درهما فما فوقه حتى رجعن. وأما يونس فذكر أنه حج معها من الرجال المغنين مع من سمينا زهاء ثلاثين رجلا، وتخايروا في اتخاذ أنواع اللباس العجيب الظريف وكذلك في الهوادج والقباب. وقيل، فيما قال أهل المدينة: إنهم ما رأوا مثل ذلك الجمع سفرا طيبا وحسنا وملاحة. قالوا: ولما قاربوا مكة تلقاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليون وجماعة من المغنين من أهل مكة وقيان كثير لم يسمين لنا، ومن غير المغنين عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي والعرجي وجماعة من الأشراف. فدخلت جميلة مكة وما بالحجاز مغن حاذق ولا مغنية إلا وهو معها وجماعة من الأشراف ممن سمينا وغيرهم من الرجال والنساء. وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم. فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلسا. فقالت: للغناء أم للحديث? قالوا: لهما جميعا. قالت: ما كنت لأخلط جدا بهزل، وأبت أن تجلس للغناء. فقال عمر بن أبي ربيعة: أقسمت على من كان في قلبه حب لاستماع غنائها إلى خرج معها إلى المدينة، فإني خارج. فعزم القوم الذين سميناهم كلهم على الخروج ومعهم جماعة ممن نشط، فخرجت في جمع أكثر من جمعها بالمدينة. فلما قدمت المدينة تلقاها أهلها وأشرافهم من الرجال والنساء، فدخلت أحسن مما خرجت به منها، وخرج الرجال والنساء من بيوتهم فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها. فلما دخلت منزلها وتفرق الجمع إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم أتاها الناس مسلمين، وما استنكف من ذلك كبير ولا صغير. فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء، فقالت لعمر بن أبي ربيعة: إني جالسة لك ولأصحابك، وإذا شئت فعد الناس لذلك اليوم، فغصت الدار بالأشراف من الرجال والنساء. فابتدأت جميلة فغنت صوتا بشعر عمر: وصف مجلس غنائها بالمدينة بعد عودها من الحج:

هيهات من أمة الوهاب منزلـنـا                      إذا حللنا بسيف البحر مـن عـدن

واحتل أهلك أجيادا فـلـيس لـنـا                      إلا التذكر أو حظ مـن الـحـزن

لو أنها أبصرت بالجزع عبـرتـه                      وقد تغرد قمري عـلـى فـنـن

إذا رأت غير ما ظنت بصاحبـهـا                      وأيقنت أن عكا ليس من وطنـي

ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها                      وموقفي وكلانا ثـم ذو شـجـن

وقولها للـثـريا وهـي بـاكـية                      والدمع منها على الخدين ذو سنن

بالله قولي له في غير مـعـتـبة                      ماذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بهـا                      فما أصبت بترك الحج من ثمـن فكلهم استحسن الغناء، وضج القوم من حسن ما سمعوا. ويقال: إنهم ما سمعوا غناء قط أحسن من غنائها ذلك الصوت في ذلك اليوم. ودمعت عين عمر حتى جرى الدمع على ثيابه ولحيته. وإنه ما رئي عمر كذلك في محفل غيره قط. ثم أقبلت على ابن سريج فقالت: هات، فاندفع يغني ورفع صوته بشعر عمر: غنى ابن سريج في مجلسها بشعر عمر:

أليست بالتي قالـت                      لمولاة لها ظهـرا

أشيري بالسلام لـه                      إذا هو نحونا نظرا

وقولي في ملاطـفة                      لزينب نولي عمـرا

وهذا سحرك النسوا                      ن قد خبرتني الخبرا

 

صفحة : 880

 

غناء ابن مسجح: فسمع من ابن سريج في هذا اللحن من الحسن ما يقال إنه ما سمع مثله. ثم قالت لسعيد بن مسجح: هات يا أبا عثمان، فاندفع فغنى:

قد قلت قبل البين لـمـا خـشـيتـه                      لتعقب ودا أو لتعلـم مـا عـنـدي

لك الخير هل من مصدر تصدرينـه                      يريح كما سهلت لي سبـل الـورد

فلما شكوت الحب صدت كـأنـمـا                      شكوت الذي ألقى إلى حجر صلـد

تولت فأبدت غـلة دون نـقـعـهـا                      كما أرصدت من بخلها إذا بدا وجدي غناء معبد: فاستحسن ذلك منه وبرع فيه. ثم قالت: يا معبد هات، فغنى:

أحارب من حاربت من ذي عداوة                      وأحبس مالي إن غرمت فأعقل

وإني أخوك الدائم العهد لم أحـل                      إن ابزاك خصم أو نبابك منـزل

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنـي                      يمينك فانظر أي كـف تـبـدل قالت جميلة: أحسنت يا معبد اختيار الشعر والغناء هذا الشعر لمعن بن أوس غناء ابن محرز: ثم قالت: هات يا بن محرز، فإني لم أؤخرك لخساسة بك ولا جهلا بالذي يجب في الصناعة، ولكنني رأيتك تحب من الأمور كلها أوسطها وأعدلها، فجعلتك حيث تحب واسطة بين المكيين والمدنيين. فغنى:

وقفت بربع قد تحـمـل أهـلـه                      فأذريت دمعا يسبق الطرف هامله

بسائلة الروحاء أو بطن مـثـغـر                      لها الضاحكات الرابيات سواهلـه

هو الموت إلا أن الـمـوت مـدة                      متى يلق يوما فارغا فهو شاغلـه غناء الغريض: فقالت جميلة: يا أبا الخطاب، كيف بدا لك في ثلاثة وأنت لا ترى ذلك? قال: أحببت أن أواسي معبدا. قال معبد: والله ما عدوت ما أردت. ثم قالت للغريض: هات يا مولى العبلات فاندفع يغني:

فوا ندمي على الشباب ووا نـدم                      ندمت وبان اليوم مني بغـير ذم

وإذا إخوتي حولي وإذ أنا شـائخ                      وإذ لا أجيب العاذلات من الصمم

أرادت عرارا بالهوان ومـن يرد                      عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم قالت جميلة: أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن إذا أفسدت غناءك بالتعريض. والله ما وضعناك إلى موضعك ولا نقصنا من حظك فبماذا أهناك ثم أقبلت على الجماعة فقالت: يا هؤلاء، اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه. فأقبل القوم عليه وقالوا له: قد أخطأت إن كنت عرضت. فقال: قد كان ذلك، ولست بعائد. وقام إلى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر فقبلت عذره وقالت له: لا تعد. ثم أقبلت على ابن عائشة فقالت: يا أبا جعفر هات، فتغنى بشعر النابغة: غناء ابن عائشة:

سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم                      عليه من الوسمـي جـود ووابـل

وأنبت حوذانا وعـوفـا مـنـورا                      سأتبعه من خير مـا قـال قـائل

بكى حارث الجولان من هلك ربه                      فحوران منه خاشع مـتـضـائل

وما كان بيني لو لقيتك سـالـمـا                      وبين الغـنـى إلا لـيال قـلائل غناء نافع وبديح: قالت جميلة: حسن ما قلت يا أبا جعفر. ثم أقبلت على نافع وبديح فقالت: أحب أن تغنياني صوتا واحدا، فغنيا جميعا بصوت واحد ولحن واحد:

ألا يا من يلوم على التصابـي                      أفق شيئا لتسمع من جوابـي

بكرت تلومني في الحب جهلا                      وما في حب مثلي من معاب

أليس من السعادة غير شـك                      هوى متواصلين على اقتراب

كريم نال ودا فـي عـفـاف                      وستر من منعـمة كـعـاب غناء الهذليين الثلاثة: فقالت جميلة: هواكما والله واحد وغناؤكما واحد، وأنتما نحتما من بقية الكرم وواحد الشرف: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ثم أقبلت على الهذليين الثلاثة فقالت: غنوا صوتا واحدا، فاندفعوا فغنوا بشعر عنترة العبسي:

حييت من طلل تقـادم عـهـده                      أقوى وأقفر بعد أم الـهـيثـم

كيف المزار وقد تربع أهلـهـا                      بعنيزتين واهلنـا بـالـغـيلـم

إن كنت أزمعت الفراق فإنـمـا                      زمت ركابكم بلـيل مـظـلـم

شربت بماء الدحرضين فأصبحت                      زوراء تنفر عن حياض الديلـم غناء نافع بن طنبورة:

 

صفحة : 881

 

قالت: ما رأيت شيئا أشبه بغنائكم من اتفاق أرواحكم. ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت: هات يا نقش الغضار ويا حسن اللسان، فاندفع يغني:

يا طول ليلي وبـت لـم أنـم                      وسادي الهم مبطن سقـمـي

أن قمت يوما على البلاط فأب                      صرت رقاشا وليت لم أقـم فقالت جميلة: حسن والله ولابن سريج في هذا اللحن أربعة أبيات في صوت غناء مالك بن أبي السمح: ثم قالت: يا مالك هات، فإني لم أؤخرك لأنك في طبقة آخرهم، ولكني أردت أن أختم بك يومنا تبركا بك وكي يكون أول مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه، وإنك عندي ومعبدا لفي طريقة واحدة ومذهب واحد، لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل. الحق أقول: فمن شاء فلينكر، فسكت القوم كلهم إقرارا لما قالت. واندفع يغني:

عدو لمن عادت وسلم لسلمـهـا                      ومن قربت سلمى أحب وقربـا

هبيني امرأ إما بريئا ظلـمـتـه                      وإما مسيئا تاب بعد وأعـتـبـا

أقول التماس العذر لما ظلمتنـي                      وحملتني ذنبا وما كنت مذنـبـا

ليهنئك إشمات العدو بهـجـرنـا                      وقطعك حبل الوصل حتى تقضبا اليوم الثاني من أيام المدينة وغناء طويس: قالت جميلة: ليت صوتك يا مالك قد دام لنا ودمنا له. وقطعت المجلس وانصرف عامة الناس وبقي خواصهم. فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعا. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النعيم. قال: فأنكر ما فعلت جميلة في اليوم الأول، لأن طويسا لم يكن يرضى بذلك. فأخبرني ابن جامع أن جميلة صنفتهم طويسا وأصحابه وابن سريج وأصحابه، ثم أقرعت بينهم، فخرجت القرعة الأولى لابن سريج وأصحابه والثانية لطويس وأصحابه. فابتدأ طويس فغنى:

قد طال ليلي وعاد لي طربي                      من حب خود كريمة الحسب

غراء مثل الـهـلال آنـسة                      أو مثل تمثال صورة الذهب

صادت فؤادي بجيد مغـزلة                      ترعى رياضا ملتفة العشب غناء الدلال: فقالت جميلة: حسن والله يا أبا عبدا النعيم. ثم قالت للدلال: هات يا أبا يزيد، فاندفع فغنى:

قد كنت آمـل فـيكـم أمـلا                      والمرء ليس بمدرك أمـلـه

حتى بدا لي منكـم خـلـف                      فزجرت قلبي فارعوى جهله

ليس الفتى بمـخـلـد أبـدا                      حيا وليس بـفـائت أجـلـه

حي البغوم ومن بعقـوتـهـا                      وقفا العمود وإن خلا أهلـه غناء برد الفؤاد ونومة الضحى: قالت: حسن والله يا أبا يزيد. ثم قالت لهيت: إنا نجلك اليوم لكبر سنك ورقة عظمك. قال: أجل يا ماما. ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضحى: هاتيا جميعا لحنا واحدا، فغنيا:

إني تذكرت فلا تلـحـنـى                      لؤلؤة مكنـونة تـنـطـق

مسكنها طيبة لـم يغـذهـا                      بؤس ولا وال بها يخـرق

قد قلت والعيس سراع بنـا                      ترقل إرقالا وما تعـنـق

يا صاحبي شوقي أرى قاتلي                      وموردي منها جوى يقلـق غناء فند ورحمة وهبة الله: قالت جميلة: أحسنتما. ثم قالت لفند ورحمة وهبة الله: هاتوا جميعا صوتا واحدا فإنكم متفقون في الأصوات والألحان، فاندفعوا فغنوا:

أشـــاقـــك مـــن نـــحـــو الـــعـــقـــيق بـــروق                      لوامـــع تـــخـــفـــى تـــارة وتــــــشـــــــوق

ومـــا لـــي لا أهـــوى جـــواري بـــــــربـــــــر                      وروحـــي إلـــى أرواحـــهــــن تـــــــتـــــــوق

لهـــن جـــــمـــــــال فـــــــائق ومـــــــلاحة                      ودل عـــلـــى دل الـــنـــــســـــــاء يفـــــــوق

وكان بربر حاضرا، فقال: جواري والله ما وصفتم، فمن شاء أقر ومن شاء أنكر. غناء جميلة: فقالت جميلة: صدق. ثم غنت جميلة بشعر الأعشى ولمعبد فيه صوت أخذه عنها:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطـعـا                      واحتلت الغور فالجدين فالفـرعـا

واستنكرتني وما كان الذي نكـرت                      من الحوادث إلا الشيب والصلعـا

تقول بنتي وقد قربت مـرتـحـلا                      يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا

وكان شيء إلـى شـيء فـغـيره                      دهر ملح على تفريق ما جمـعـا اليوم الثالث من أيام المدينة:

 

صفحة : 882

 

فلم يسمع شيء أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها في اليوم الثاني. وقطعت المجلس فانصرف القوم وأقام آخرون. فلما كان اليوم الثالث اجتمع الناس، فضرت ستارة وأجلست الجواري كلهن فضربن وضربت فضربن على خمسين وترا فتزلزلت الدار، ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها بهذا الشعر:

فإن خفيت كانت لـعـينـك قـرة                      وإن تبد يوما لم يعممك عـارهـا

من الخفرات البيض لم تر غلـظة                      وفي الحسب الضخم الرفيع نجارها

فما روضة بالحزن طيبة الـثـرى                      يمج الندا جثجاثـهـا وعـرارهـا

بأطيب من فيها ذا جـئت طـارقـا                      وقد أوقدت بالمندل الرطب نارهـا غناء عزة الميلاء: فدمعت أعين كثير منهم حتى بل ثوبه وتنفس الصعداء وقال: بنفسي أنت يا جميلة ثم قالت للجواري: اكففن فكففن، وقالت: يا عز غني، فغنت بشعر لعمر:

تذكرت هندا وأعصـارهـا                      ولم تقض نفسك أوطارهـا

تذكرت النفس ما قد مضـى                      وهاجت على العين عوارها

لتمنح رامة منـا الـهـوى                      وترعى لرامة أسـرارهـا

إذا لم نزرها حذار الـعـدا                      حسدنا على الزور زوارها غناء حبابة وسلامة: فقالت جميلة: يا عز، إنك لباقية على الدهر، فهنيئا لك حسن هذا الصون مع جودة هذا الغناء. ثم قالت لحبابة وسلامة: هاتيا لحنا واحدا، فغنتا:

كفى حزنا أنى أغيب وتشـهـد                      وما نلتقي والقلب حران مقصد

ومن عجب أنى إذا الليل جننـي                      أقوم من الشوق الشديد وأقـعـد

أحن إليكم مثل مـا حـن تـائق                      إلى الورد عطشان الفؤاد مصرد

ولي كبد حرى يعذبها الـهـوى                      ولي جسد يبـلـى ولا يتـجـدد غناء خليدة: فاستحسن غناؤهما. ثم أقبلت على خيلدة فقالت لها: بنفسي أنت غني، فغنت:

ألا يا من يلوم على التصابـي                      أفق شيئا لتسمع من جوابـي

بكرت تلومني في الحب جهلا                      وما في حب مثلي من معاب

أليس من السعادة غير شـك                      هوى متواصلين على اقتراب

كريم نال ودا فـي عـفـاف                      وستر من منعـمة كـعـاب غناء عقيلة والشماسية: فاستحسن منها ما غنت، وهو بلحنها حسن جدا. ثم قالت لعقيلة والشماسية: هاتيا، فغنتا:

هجرت الحبيب اليوم في غير ما اجترم                      وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم

أطعت الوشاة الكاشحين ومـن يطـع                      مقالة واش يقرع الـسـن مـن نـدم غناء فرعة وبلبلة ولذة العيش: ثم قالت لفرعة وبلبلة ولذة العيش: هاتين فغنين، فاندفعن بصوت واحد:

لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى                      بغى سقما إنـي إذا لـسـقـيم

علي دماء البدن إن كان حبـهـا                      على النأي في طول الزمان يريم

تلم ملمات فينـسـين بـعـدهـا                      ويذكر منها العهد وهـو قـديم

فأقسم ما صافيت بـعـدك خـلة                      ولا لك عندي في الفؤاد قـسـيم غناء سعدة والزرقاء: قالت: أحسنتن وهو لعمري حسن. وقالت لسعدة والزرقاء: غنيا، فغنتا:

قد أرسلوني يعزوني فقلت لـهـم                      كيف العزاء وقد سارت بها الرفق

استهدت الريم عينيه فـجـادلـهـا                      بمقلتيه ولم تتـرك لـه عـنـق فاستحسن ذلك. ثم قالت للجماعة فغنوا، وانقضى المجلس وعاد كل إنسان إلى وطنه. فما رئي مجلس ولا جمع أحسن من اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث.

طلب إبراهيم الموصلي الغناء لسماعه صوتا لها:

 

صفحة : 883

 

وحدثتني عمتي - وكانت أسن من أبي وعمرت بعده - قالت: كان السبب في طلب أبيك الغناء والمواظبة عليه لحنا سمعه لجميلة في منزل يونس بن محمد الكاتب، فانصرف وهو كئيب حزين مغموم لم يطعم ولم يقبل علينا بوجهه كما كان يفعل. فسألته عن السبب فأمسك، فألححت عليه فانتهرني، وكان لي مكرما، فغضبت وقمت من ذلك المجلس إلى بيت آخر، فتبعني وترضاني وقال لي: أحدثك ولا كتمان منك: عشقت صوتا لامرأة قد ماتت، فأنا بها وبصوتها هائم إن لم يتداركني الله منه برحمته. فقالت: أتظن أن الله يحيي لك ميتا قال: بل لا أشك. قالت: فما تعليقك قلبك بما لا يعطاه إلا نبي ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. وأما عشقك الصوت فهو أن تحذقه وتغنيه عشر مرار، فتمله ويذهب عشقك له فكأنه ارعوى ورجع إلى نفسه، وقام فقبل رأسي ويدي ورجلي وقال لي: فرجت عني ما كنت فيه من الكرب والغم، ثم تمثل: حبك الشيء يعمي ويصم ولزم بيت يونس حتى حذق الصوت ولم يمكث إلا زمنا يسيرا حتى مات يونس وانضم إلى سياط، وكان من أحذق أهل زمانه بالغناء وأحسنهم أداء عمن مضى. قالت عمتي: فقلت لإبراهيم: وما الصوت? فأنشدني الشعر ولم يحسن أداء الغناء:

من البـكـرات عـراقـية                      تسمى سبيعة أطـريتـهـا

من آل أبي بكرة الأكرمـين                      خصصت بودي فأصفيتهـا

ومن حبها زرت أهل العراق                      وأسخطت أهلي وأرضيتهـا

أموت إذا شحطـت دارهـا                      وأحـيا إذا أنـا لاقـيتـهـا

فأقسم لو أن ما بـي بـهـا                      وكنت الطبيب لـداويتـهـا قالت عمتي: هذا شعر حسن، فكيف به إذا قطع ومدد تمديد الأطربة وضرب عليها بقضبان الدفلى على بطون المعزى فما مضت الأيام والليالي حتى سمعت اللحن مؤدى، فما خرق مسامعي شيء قط أحسن منه، ولقد أذكرني بما يؤثر من حسن صوت داود وجمال يوسف. فبينا أنا يوما جالسة إذ طلع عليه إبراهيم ضاحكا مستبشرا، فقال لي: ألا أحدثك بعجب? قلت: وما هو? قال: إن لي شريكا في عشق صوت جميلة. قلت: وكيف ذلك? قال كنت عند سياط في يومنا هذا وأنا أغنيه الصوت وقد وقفني فيه على شيء لم أكن أحكمته عن يونس، وحضر عند سياط شيخ نبيل فسبح على الصوت تسبيحا طويلا، فظننت أنه فعل ذلك لاستحسانه الصوت. فلما فرغت أنا وسياط من اللحن قال الشيخ: ما أعجب أمر هذا الشعر وأحسن ما غني به وأحسن ما قال قائله فقلت له دون القوم: وما بلغ من العجب به? قال: نعم حجت سبيعة من ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكانت من أجمل النساء، فأبصرها عمر بن أبي ربيعة، فلما انحدرت إلى العراق اتبعها يشيعها حتى بلغ معها موضعا يقال له الخورنق. فقالت له: لو بلغت إلى أهلي وخطبتني لزوجوك. فقال لها: ما كنت لأخلط تشييعي إياك بخطبة، ولكن أرجع ثم آتيكم خاطبا، فرجع ومر بالمدينة فقال فيها: قال ابن أبي ربيعة شعرا في سبيعة فلحنته وعلمته جارية من جواريه:

من البكرات عراقـية                      تسمى سبيعة أطريتها ثم أتى بيت جميلة فسألها أن تغني بهذا الشعر ففعلت. فأعجبه ما سمع من حسن غنائها وجودة تأليفها، فحسن موقع ذلك منه، فوجه إلى بعض موالياته ممن كانت تطلب الغناء أن تأتي جميلة وتأخذ الصوت منها، فطارحتها إياه أياما حتى حذقت ومهرت به. فلما رأى ذلك عمر قال: أرى أن تخرجي إلى سبيعة وتغنيها هذا الصوت وتبلغيها رسالتي، قالت: نعم. جعلني الله فداك. فأتتها فرحبت بها، وأعلمتها الرسالة، فحيت وأكرمت، ثم غنتها فكادت أن تموت فرحا وسرورا لحسن الغناء والشعر. ثم عادت رسول عمر فأعلمته ما كان وقالت له: إنها خارجة في تلك السنة.

حج سبيعة ثانية وسؤالها جميلة أن تغنيها بشعر عمر فيها:

 

صفحة : 884

 

فلما كان أوان الحج استأذنت سبيعة أباها في الحج، فأبى عليها وقال لها: قد حججت حجة الإسلام، قالت له: تلك الحجة هي التي أسهرت ليلي وأطالت نهاري وتوقتني إلى أن أعود وأزور البيت وذلك القبر، وإن أنت لم تأذن لي مت كمدا وغما، وذلك أن بقائي إنما كان لحضور الوقت، فإن يئست فالموت لا شك نازل بي. فلما رأى ذلك أبوها رق لها وقال: ليس يسعني منعها مع ما أرى بها. ووافى عمر المدينة ليعرف خبرها، فلما قدمت علم بذلك. وسألها أن تأتي منزل جميلة، وقد سبق إليه عمر، فأكرمتها جميلة وسرت بمكانها. فقالت لها سبيعة: جعلني الله فداك أقلقني وأسهرني صوتك بشعر عمر في، فأسمعيني إياه، قالت جميلة: وعزازة لوجهك الجميل فغنتها الصوت، فأغمي عليها ساعة حتى رش على وجهها الماء وثاب إليها عقلها. ثم قالت: أعيدي علي، فأعادت الصوت مرارا في كل مرة يغشى عليها. ثم خرجت إلى مكة وخرج معها. فلما رجعت مرت بالمدينة وعمر معها، فأتت جميلة فقالت لها: أعيدي علي الصوت ففعلت، وأقامت عليها ثلاثا تسألها أن تعيد الصوت. فقالت لها جميلة: إني أريد أن أغنيك صوتا فاسمعيه. قالت: هاتيه يا سيدتي، فغنتها:

أبت المليحة أن تواصلنـي                      وأظن أني زائر رمـسـي

لا خير في الدنيا وزينتـهـا                      ما لم توافق نفسها نفسـي

لا صبر لي عنها إذا حسرت                      كالبدر أو قرن من الشمس

ورمت فؤادك عند نظرتهـا                      بملاحة الإيثـار والأنـس قالت سبيعة: لولا أن الأول شعر عمر لقدمت هذا على كل شيء سمعته. فقال عمر: فإنه والله أحسن من ذلك، فأما الشعر فلا. قالت جميلة : صدقت والله. قالت عمتي قال لها أبي: لعمري إن ذلك على ما قالا.

ولابن سريج في هذا الشعر لحن عن جميلة وربما حكي بزيادة أو نقصان أو مثلا بمثل.

جمعت الناس في دارها وقصت عليهم رؤياها واعتزامها ترك الغناء فاختلفوا وخطب شيخ يحبذ الغناء فرجعت: أخبرني من يفهم الغناء قال:

 

صفحة : 885

 

بلغني أن جميلة قعدت يوما على كرسي لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي عنا أحدا اليوم، واقعدي بالباب، فكل من يمر بالباب فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت ذلك حتى غصت الدار بالناس، فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعة حتى امتلأت السطوح. فجاءتها بعض جواريها فقالت لها: يا سيدتي، إن تمادي أمرك على ما أرى لم يبق في دارك حائط إلا سقط، فأظهري ما تريدين. قالت: اجلسي. فلما تعالى النهار واشتد الحر استسقى الناس الماء فدعت لهم بالسويق، فشرب من أراد، فقالت: أقسمت على كل رجل وامرأة دخل منزلي إلا شرب، فلم يبق في سفل الدار ولا علوها أحد إلا شرب، وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، وأمرت جواريها فقمن على كراسي صغار فيما بين كل عشرة نفر جارية تروح. ثم قالت لهم: إني قد رأيت في منامي شيئا أفزعني وأرعبني، ولست أعرف ما سبب ذلك، وقد خفت أن يكون قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أني يلحقني منه شيء عند ربي. فقال قوم منهم: وفقك الله وثبت عزمك وقال آخرون: بل لا حرج عليك في الغناء. وقال شيخ منهم ذو سن وعلم وفقه وتجربة: قد تكلمت الجماعة، ولك حزب بما لديهم فرحون، ولم أعترض عليهم في قولهم ولا شركتهم في رأيهم، فاستمعوا الآن لقولي وأنصتوا ولا تشغبوا إلى وقت انقضاء كلامي، فمن قبل قولي فالله موفقه، ومن خالفني فلا بأس عليه إذ كنت في طاعة ربي. فسكت القوم جميعا. فتكلم الشيخ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم ولا تفلحوا بعدها أبدا. إنكم قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم ممن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم، لا ينكره عالمكم ولا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم ووضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم وشرفكم وعزكم. فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا، لأن الغناء من أكبر اللذات وأسر النفوس من جميع الشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفس ويفسح في الرأي ويتيسر به العسير وتفتح به الجيوش ويذلل به الجبارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرىء المرضى ومن مات قلبه وعقله وبصره، ويزيد أهل الثروة غنى وأهل الفقر قناعة ورضا باستماعه فيعزفون عن طلب الأموال. من تمسك به كان عالما ومن فارقه كان جاهلا، لأنه لا منزلة أرفع ولا شيء أحسن منه، فكيف يستصوب تركه ولا يستعان به على النشاط في عبادة ربنا عز وجل. وكلام كثير غير هذا ذهب عن المحدث به، فما رد عليه أحد ولا أنكر ذلك منهم بشر، وكل عاد بالخطأ على نفسه وأقر بالحق له. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت ووقع من نفسك ما ذكرت? قالت: أجل وأنا أستغفر الله. قال لها: فاختمي مجلسنا وفرقي جماعتنا بصوت فقط، فغنت:

أفي رسم دار دمعك المتـرقـرق                      سفاها وما استنطاق ما ليس ينطق

بحيث التقى جمع وأقصى محسـر                      مغانيه قد كادت عن العهد تخلـق

مقام لنا بعد العـشـاء ومـنـزل                      به لم يكدره عـلـينـا مـعـوق

فأحسن شيء كـان أول لـيلـنـا                      وآخـره حـزن إذا نـتـفــرق فقال الشيخ: حسن والله أمثل هذا يترك فيم نتشاهد الرجال لا والله ولا كرامة لمن خالف الحق. ثم قام وقام الناس معه، وقال: الحمد لله الذي لم يفرق جماعتنا على اليأس من الغناء ولا جحود فضيلته، وسلام عليك ورحمة الله يا جميلة.

وصف مجلس لها غنت فيه ورقصت وغنى المغنون ورقصوا: وقال أبو عبد الله: جلست جميلة يوما ولبست برنسا طويلا، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك، وكان في القوم ابن سريج، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه، وأحبت جميلة أن ترى صلعته. فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال: دبرت علي ورب الكعبة وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه، وضحك القوم من قبحأنا صلعته، ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردة يمانية وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالك وفي يد كل واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها، فغنت وغنى القوم على غنائها:

 

صفحة : 886

 

 

ذهب الشباب وليتـه لـم يذهـب                      وعلا المفارق وقع شيب مغـرب

والغانيات يردن غيرك صـاحـبـا                      ويعدنك الهجران بعـد تـقـرب

إني أقول مـقـالة بـتـجـارب                      حقا ولم يخبرك مثـل مـجـرب

صاف الكريم وكمن لعرضك صائنا                      وعن اللئيم ومثلـه فـتـنـكـب ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود وتمشت وتمشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد:

يمشين مشي قطا البطاح تأودا                      قب البطون رواجح الأكفال

فيهن آنسة الـحـديث حـيية                      ليست بفاحشة ولا متـفـال

وتكون ريقتها إذا نبهـتـهـا                      كالمسك فوق سلافة الجـريال ثم نعرت ونعر القوم طربا، ثم جلست وجلسوا وخلعوا ثيابهم ورجعوا إلى زيهم، وأذنت لمن كان ببابها فدخلوا، وانصرف المغنون وبقي عندها من يطارحها من الجواري.

استزارت عبد الله بن جعفر لمجلس غناء هيأته له فزارها: وحدثتني عمتي قالت: سمعت سياطا يحدث أباك يوما جميلة فقال: بنفسي هي وأمي فما كان أحسن وجهها وخلقها وغناءها ما خلفت النساء مثلها شبيها، فأعجبني ذلك. ثم قال سياط: جلست جميلة يوما للوفادة عليها، وجعلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد إلى أعجازهن، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلي، ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزيره، وقالت لكاتب أملت عليه: بأبي أنت وأمي قدرك يجل عن رسالتي وكرمك يحتمل زلتي، وذنبي لا تقال عثرته ولا تغفر حوبته. فإن صفحت فالصفح لكم معشر أهل البيت يؤثر، والخير والفضل كله فيكم مدخر، ونحن العبيد وأنتم الموالي. فطوبى لمن كان لكم مقاربا والي وجوهكم ناظرا وطوبى لمن كان لكم مجاورا، وبعزكم قاهرا، وبضيائكم مبصرا والويل لمن جهل قدركم ولم يعرف ما أوجبه الله على هذا الخلق لكم فصغيركم كبير بل لا صغير فيكم، وكبيركم جليل بل الجلالة التي وهبها الله عز وجل للخلق هي لكم ومقصورة عليكم. وبالكتاب نسألك وبحق الرسول ندعوك إن كنت نشيطا لمجلس هيأته لك لا يحسن إلا بك ولا يتم إلا معك، ولا يصلح أن ينقل عن موضعه، ولا يسلك به غير طريقه. فلما قرأ عبد الله الكتاب قال: إنا لنعرف تعظيمها لنا وإكرامها لصغيرنا وكبيرنا.

وقد علمت أنها قد آلت ألية ألا تغني أحدا إلا في منزلها. وقال للرسول: والله قد كنت على الركوب إلى موضع كذا وكان في عزمي المرور بها. فأما إذ وافق ذلك مرادها فإني جاعل بعد رجوعي طريقي عليها. فلما صار إلى بابها أدخل بعض ما كان معه إليها وصرف بعضهم. فنظر إلى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذة، فأعجبه ووقع من نفسه، فقال: يا جميلة لقد أوتيت خيرا كثيرا، ما أحسن ما صنعت فقالت: يا سيدي، إن الجميل للجميل يصلح، ولك هيأت هذا المجلس. فجلس عبد الله بن جعفر وقامت على رأسه وقامت الجواري صفين، فأقسم عليها فجلست غير بعيد. ثم قالت: يا سيدي، ألا أغنيك? قال: بلى فغنت:

بني شيبة الحمد الذي كان وجهه                      يضيء ظلام الليل كالقمر البدر

كهولهم خير الكهول ونسلـهـم                      كنسل الملوك لا يبور ولا يحرى

أبو عتبة الملقي إليك جـمـالـه                      أغر هجان اللون من نفر زهر

لساقي الحجيج ثم للخير هـاشـم                      وعبد مناف ذلك السيد الغـمـر

أبوكم قصي كان يدعى مجمعـا                      به جمع الله القبائل من فـهـر فقال عبد الله: أحسنت يا جميلة وأحسن حذافة ما قال بالله أعيديه علي فأعادته، فجاء الصوت أحسن من الارتجال. ثم دعت لكل جارية بعود وأمرتهن بالجلوس على كراسي صغار قد أعدتها لهن، فضربن وغنت عليهن هذا الصوت وغنى جواريها على غنائها. فلما ضربن جميعا قال عبد الله: ما ظننت أن مثل هذا يكون وإنه لمما يفتن القلب ولذلك كرهه كثير من الناس لما علموا فيه. ثم دعا ببغلته فركبها وانصرف إلى منزله. وقد كانت جميلة أعدت طعاما كثيرا، وكان أراد المقام، فقال لأصحابه: تخلفوا للغداء، فتغدوا وانصرفوا مسرورين. وهذا الشعر لحذافة بن غانم بن عبيد الله بن عويج بن عدي بن كعب يمدح به عبد المطلب.

 

 

صفحة : 887

 

أراد العرجي أن ينزل عليها حين فر من مكة فأبت وأنزلته على الأحوص: قال وحدثني بعض المكيين قال: كان العرجي وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان شاعرا سخيا شجاعا أديبا ظريفا. ويشبه شعره بشعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد بن هشام وإن كانا قدما عليه، وقد نسيب كثير من شعره إلى شعرهما، وكان صاحب صيد. فخرج يوما متنزها من مكة ومعه جماعة من غلمانه ومواليه ومعه كلابه وفهوده وصقوره وبوازيه نحو الطائف إلى مال له بالعرج - وبهذا الموضع سمي العرجي - فجرى بينه وبين مولى لبني أمية كلام، فأمضه المولى فكف عنه العرجي حتى أوى إلى منزله، ثم هجم عليه ومعه غلمانه فأمرهم أن يوثقوه، ثم أمرهم أن ينكحوا امرأته وهو يراهم ففعلوا، ثم أخرجه فقتله. فبلغ أمير مكة ما فعل فطلبه، فخرج من منزلة وأخرج معه غلمانة ومواليه وآلة الصيد وتوجه نحو المدينة وقد ركب أفراسه وأعد عدته. فلم يزل يتصد ويقصف في طريقه حتى دخل المدينة ليلا، وأراد المقام في منزل جميلة، وكانت آلت ألا تغني بشعره ولا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه وحداثة سنه. فلما أعلمت بمكانه ليلا قالت: طارق إن له لشأنا فاستخبرت خبره فقيل لها: إنه قدم مستخفيا، ولم ير بالمدينة موضعا هو أطيب له من منزلك، والأيمان تكفر، والأشراف لا يردون. فقالت لرسولها إليه: منزلي منزل جواز. ولا يمكن مثلك الاستخفاء فيها، فعليك بالأحوص - وكان الأحوص مجانبا له لشيء جرى بينه وبينه في منزل جميلة - فقال أنى لي بالأحوص مع الذي كان بيننا قالت: ائته عني وقل له: قد غنينا بذلك الشعر، فأن أحببت أن تظهر وتبقى مودتنا لك، فأصلح ما بينك وبين عبد الله، إذ أصلح ما بيننا، وأنزله منزلك. قال لها: ليس هذا بمقنعي، أما إذ أبيت أن أقيم بمنزلك فوجهي معي رسولا إلى الأحوص، فإن منزله أحب إلي بعد منزلك. فوجهت معه إلى الأحوص بعض مولياته، فأنزله الأحوص وأكرمه وأحسن جواره وستر أمره. فقال شعرا ووجه به إلى جميلة:

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلـقـا                      فلم تلفه إلا مشوبـا مـمـذقـا

وما من حبيب يستزير حـبـيبـه                      يعاتبه في الـود إلا تـفـرقـا

أمر وصال الغانيات فأصبـحـت                      مضاضته يشجى بها من تمطقـا

تعلق هذا القلب للحين معـلـقـا                      غزالا تحلى عقـد در ويارقـا

إذا قلت مهلا للفؤاد عن الـتـي                      دعتك إليها العين أغضى وأطرفا

دعانا فلم نستبق حبا بمـا نـرى                      فما منك هذا العذل إلا تخـرقـا

فقد سن هذا الحب من كان قبلنـا                      وقاد الصبا المرء الكريم فأعنقـا فلما قرأت شعره رقت له وقالت: كيف لي بإيلائي ألا يدخل منزلي ولا أغنيه بشعره? فقيل لها: يدخل منزلك وتغنين وتكفرين عن يمينك. فوجهت إليه أن صر إلينا والأحوص في تلك الليلة، فجاءاها، وعرفت الأحوص تكفير اليمين، فقال لها: وأنا والله شفيعه إليك، ففرجي ما به من غم فقد فارق من يحب ويهوى، فتؤنسينه وتسرينه وتغنينه بشعره. فغنت:

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا                      فلم تلفه إلا مشوبا ممـذقـا وحدثني بعض أهلنا قال قال يونس بن محمد: كان الأحوص معجبا بها وملازما لها فصار إليها بغلام له جميل فأخرجته خوف الفتنة ثم دعتهما دعوة خاصة وغنتهما:

 

صفحة : 888

 

كان الأحوص معجبا بجميلة، ولم يكن يكاد يفارق منزلها إذا جلست. فصار إليها غلاما بغلام جميل الوجه يفتن من رآه، فشغل أهل المجلس، وذهبت اللحون عن الجواري وخلطن في غنائهن. فأشارت جميلة إلى الأحوص أن أخرج الغلام، فالخلل قد عم مجلسي وأفسد علي أمري. فأبى الأحوص وتغافل، وكان بالغلام معجبا، فآثر لذته بالنظر إلى الغلام مع السماع. ونظر الغلام إلى الوجوه الحسان من الجواري ونظرن إليه، وكان مجلسا عاما. فلما خافت عاقبة المجلس وظهور أمره أمرت بعض من حضر بإخراج الغلام فأخرج، وغضب الأحوص وخرج مع الغلام ولم يقل شيئا، فأحمد أهل المجلس ما كان من جميلة، وقال لها بعضهم: هذا كان الظن بك، أكرمك الله فقالت: إنه والله ما استأذنني في المجيء به ولا علمت به حتى رأيته في داري، ولا رأيت له وجها قبل ذلك، وإنه ليعز علي غضب الأحوص، ولكن الحق أولى، وكان ينبغي له ألا يعرض نفسه وإياي لما نكره مثله. فلما تفرق أهل المجلس بعثت إليه: الذنب لك ونحن منه برءاء، إذ كنت قد عرفت مذهبي، فلم عرضتني للذي كان، فقد ساءني ذلك وبلغ مني، ولكن لم أجد بدا من الذي رأيت إما حياء وإما تصنعا. فرد عليها: ليس هذا لك بعذر إن لم تجعلي لي وله مجلسا نخلو فيه جميعا تمحين به ما كان منك. قالت: أفعل ذلك سرا، قال الأحوص: قد رضيت. فجاءاها ليلا فأكرمتهما، ولم تظهر واحدة من جواريها على ذلك إلا عجائز من مواليها. وسألها الأحوص وأقسم عليها أن تغنيه من شعره:

وبالفقر دار من جميلة هـيجـت                      سوالف حب في فؤادك منصـب

وكانت إذا تنـأى أو تـفـرقـت                      شداد الهوى لم تدر ما قول مشغب

أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا                      برود الثنايا ذات خلق مشرعـب

ترى العين ما تهوى وفيهـا زيادة                      من الحسن إذ تبدو وملهى لملعب قال يونس: ما لها صوت أحسن منه، وابن محرز يغنيه وعنها أخذه، وأنا أغنيه فتعجبني نفسي ويدخلني شيء لا أعرفه من النخوة والتيه. وقال المحدث لي بهذا الحديث عن يونس: إن هذا للأحوص في جميلة. والذي عندي أنه لطيفل الغنوي قال في ابن زيد الخيل، وهو زيد بن المهلهل بن المختلس بن عبد رضا أحد بني نبهان، ونبهان لقب له، ولكنه سودان بن عمرو بن الغوث بن طيىء، أغار على بني عامر فأصاب بني كلاب وبني كعب، واستحر القتل في غني بن أعصر ومالك بن أعصر ومالك بن أعصر، وأعصر هو الدخان، ولذلك قبل لهما ابنا دخان، وأخوهما الحارث وهو الطفاوة وهو مالك بن سعد بن قيس بن عيلان، وغطفان بن سعد عمهم. وكانت غني مع بني عامر في دارهم موالي لنمير، وكان فيهم فرسان وشعراء. ثم إن غنيا أغارت على طيىء وعليهم سيار بن هريم، فقال في ذلك قصيدته الطويلة:

وبالقفر دار من جميلة هيجـت                      سوالف شوق في فؤادك منصب لحنت قصيدة لعمرو بن أحمر بن العمرد في عمر بن الخطاب لحنا جميلا، ونبذة عن ترجمة ابن أحمر: وحدثني أيوب بن عباية قال: كان عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر بن عبد شمس بن فراص بن معن بن مالك ابن أعصر بن قيس بن عيلان بن مضر من شعراء الجاهلية المعدودين، وكان ينزل الشأم، وقد أدرك الإسلام وأسلم، وقال في الجاهلية والإسلام شعرا كثيرا وفي الخفاء الذين أدركهم: عمر بن الخطاب فمن دونه إلى عبد الملك بن مروان، وكان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالدا إلى الشأم، ولم يأت أبا بكر. وقال في خالد رحمه الله:

إذا قال سيف الله كروا علـيهـم                      كررت بقلب رابط الجأش صارم وقال في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة له طويلة جيدة:

أدركت آل أبي حفص وأسرته                      وقبل ذاك ودهرا بعده كلبـا

قد ترتمى بقواف بينـنـا دول                      بين الهناتين لا جدا ولا لعبـا

الله يعلم ما قولي وقـولـهـم                      إذ يركبون جنانا مسهبا وربـا وقال في عثمان بن عفان رضي الله عنه:

حثى فليس إلى عثمان مرتجع                      إلا العداء وإلا مكنع ضـرر

إخالها سمعت عزفا فتحسبـه                      إهابة القسر ليلا حين تنتشر وقال في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

من مبلغ مالكا عني أبا حسـن                      فارتح لخصم هداك الله مظلوم

 

صفحة : 889

 

فلما أنشدت جميلة قصيدته في عمر بن الخطاب، قالت: والله لأعلمن فيها لحنا لا يسمعه أحد أبدا إلا بكى. قال إبراهيم: وصدقت، والله ما سمعته قط إلا أبكاني، لأني أجد حين أسمعه شيئا يضغط قلبي ويحرقه فلا أملك عيني، وما رأيت أحدا قط سمعه إلا كانت هذه حاله.

صوت من المائة المختارة

يا دار عبلة من مشارق مـأسـل                      درس الشؤون وعهدها لم ينجـل

فاستبدلت عفر الظباء كـأنـمـا                      أبعارها في الصيف حب الفلفل

تمشي النعام به خـلاء حـولـه                      مشي النصارى حول بيت الهيكل

إحذر محل السوء لا تحلـل بـه                      وإذا نبا بك منـزل فـتـحـول الشعر، فيما ذكر يحيى بن علي عن إسحاق، لعنترة بن شداد العبسي. وما رأيت هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة، ولعله من رواية لم تقع إلينا، فذكر غير أبي أحمد أن الشعر لعبد قيس بن خفاف البرجمي، إلا أن البيت الأخير لعنترة صحيح لا يشك فيه. والغناء لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، ولحنه المختار، على ما ذكره أبو أحمد، من الثقيل الأول. وذكر ابن خرداذبه أن لحن أبي دلف خفيف ثقيل بالوسطى. وذكر إسحاق أن فيه لمعبد لحنا من الثقيل الأول المطلق في مجرى الوسطى، وأن فيه لأبي دلف لحنا ولم يجنسه. وذكر حبش أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى. وأن لابن سريج في البيت الثاني ثقيلا أول، وذكر ابن خرداذبه أن خفيف الثقيل لمالك، وليس ممن يعتمد على قوله. وقد ذكر يونس أيضا أن فيه غناء لمالك ولم يذكر جنسه ولا طريقته.

 

ذكر عنترة ونسبه وشيء من أخباره

نسب عنترة: أمه أمة حبشية، كان أبوه نفاه ثم ألحقه بنسبه: هو عنترة بن شداد، وقيل: ابن عمرو بن شداد، وقيل: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة، وقيل: مخزوم بن عوف بن مالك ابن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. وله لقب يقال له عنترة الفلحاء، وذلك لتشقق شفتيه. وأمه أمة حبشية يقال لها ربيبة، وكان لها ولد عبيد من غير شداد، وكانوا إخوته لأمه. وقد كان شداد نفاه مرة ثم اعترف به فألحق بنسبه. وكانت العرب تفعل ذلك، تستعبد بني الإماء، فإن أنجب اعترفت به وإلا بقي عبدا.

حرشت عليه امرأة أبيه فضربه أبوه فكفته عنه فقال فيها شعرا: فأخبرني علي بن سليمان النحوي الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري عن محمد بن حبيب، قال أبو سعيد وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، قالا: كان عنترة قبل أن يدعيه أبوه حرشت عليه امرأة أبيه وقالت: إنه يراودني عن نفسي، فغضب من ذلك شداد غضبا شديدا وضربه ضربا مبرحا وضربه بالسيف، فوقعت عليه امرأة أبيه وكفته عنه. فلما رأت ما به من الجراح بكت - وكان اسمها سمية وقيل: سهية - فقال عنترة: صوت

أمن سمية دمع الـعـين مـذروف                      لو أن ذا منك قبل اليوم معـروف

كأنها يوم صدت ما تـكـلـمـنـي                      ظبي بعسفان ساجي العين مطروف

تجللتنى إذ أهوى العصـا قـبـلـي                      كأنها صنم يعـتـاد مـعـكـوف

العبد عبدكـم والـمـال مـالـكـم                      فهل عذابك عني اليوم مصـروف

تنسى بلائي إذا ما غارة لـحـقـت                      تخرج منها الطوالات السراعـيف

يخرجن منها وقد بلت رحـائلـهـا                      بالماء تركضها الشم الغـطـاريف

قد أطعن الطعنة النجلاء عن عرض                      تصفر كف أخيها وهو مـنـزوف غنى في البيت الأول والثاني علوية، ولحنه من الثقيل الأول مطلق في مجرى البنصر، وقيل: إنه لإبراهيم. وفيهما رمل بالوسطى يقال: إن لابن سريج، وهو من منحول ابن المكي.

 

 

صفحة : 890

 

قوله مذروف: من ذرفت عينه، يقال: ذرفت تذرف ذريفا وذرفا، وهو قطر يكاد يتصل. وقوله: لو أن ذامنك قيل اليوم معروف. أي قد أنكرت هذا الحنو والإشفاق منك، لأنه لو كان معروفا قبل ذلك لم ينكره. ساجي العين. ساكنها. والساجي: الساكن من كل شيء. مطروف: أصابت عينه طرفة، وإذا كان كذلك فهو أسكن لعينه. تجللتني: ألقت نفسها علي. وأهوى: اعتمد. صنم يعتاد أي يؤتى مرة بعد مرة. ومعكوف: يعكف عليه. والسراعيف: السراع، واحدتها سرعوفة. والطوالات: الخيل. والرحائل: السروج. والشمم: ارتفاع في الأنف. والغطاريف: الكرام والسادة أيضا. والغطرفة: ضرب من السير والمشيء يختال فيه. والنجلاء: الواسعة. يقال: سنان منجل: واسع الطعنة: عن عرض أي عن شق وحرف. وقال غيره: أعترضه اعتراضا حين أقاتله.

سبب ادعاء أبيه إياه: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال ابن الكلبي: شداد جد عنترة غلب على نسبه، وهو عنترة بن شداد، وقد سمعت من يقول: إنما شدادا عمه، كان نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه. قال: وإنما ادعاه أبوه بعد الكبر، وذلك لأن أمه كانت أمة سوداء يقال لها ربيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبدوه. وكان لعنترة إخوة من أمة عبيد. وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وهو يقول:

أنا الهجين عـنـتـره                      كل امرىء يحمي حره

أسـوده وأحـمــره                      والشعرات المشعـره

الواردات مشـفـره وقاتل يومئذ قتالا حسنا، فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه.

وحكى غير ابن الكلبي أن السبب في هذا أن عبسا أغاروا على طيىء، فأصابوا نعما، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيبا مثل أنصبائنا لأنك عبد. فلما طال الخطب بينهم كرت عليهم طيىء، فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عددهم. واستنقذت طيىء الإبل. فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال: أو يحسن العبد الكر فقال له أبوه: فاعترف به، فكر واستنقذ النعم. وجعل يقول:

أنا الهجين عـنـتـره                      كل امرىء يحمي حره الأبيات.

قال ابن الكلبي: وعنترة أحد أغربه العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه ربيبة، وخفاف بن عمير الشريدي وأمه ندبة، والسليك بن عمير السعدي وأمه السلكة، وإليهن ينسبون. وفي ذلك يقول عنترة:

إني امرؤ من خير عبس منصبـا                      شطري وأحمي سائري بالمنصل

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظـت                      ألفيت خيرا من معم مـخـول يقول: إن أبي من أكرم عبس بشطري، والشطر الآخر ينوب عن كرم أمي فيه ضربي بالسيف، فأنا خير في قومي، ممن عمه وخاله منهم وهو لا يغني غنائي. وأحسب أن في القصيدة هي التي يضاف إليها البيتان اللذان يغنى فيهما، وهذه الأبيات قالها في حرب داحس والغبراء.

حامى عن بني عبس حين انهزمت أمام تميم، فسبه قيس بن زهير فهجاه: قال أبو عمرو الشيباني: غزت بنو عبس بني تميم وعليهم قيس بن زهير، فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة، ولحقتهم كبكبة من الخيل، فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر. وكان قيس بن زهير سيدهم، فساءه ما صنع عنترة يومئذ، فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء. وكان قيس أكولا. فبلغ عنترة ما قال، فقال يعرض به قصيدته التي يقول فيها: صوت

بكرت تخوفني الحتـوف كـأنـنـي                      أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل

فأجبتهـا أن الـمـنـية مـنـهـل                      لا بد أن أسقى بكأس الـمـنـهـل

فاقنى حياءك لا أبالـك واعـلـمـي                      أني امرؤ سأمـوت إن لـم أقـتـل

إن المنية لـو تـمـثـل مـثـلـث                      مثلي إذا نزلوا بضنـك الـمـنـزل

إني امرؤ من خير عبس منـصـبـا                      شطري وأحمي سائري بالمنـصـل

وإذا الكتيبة أحجمت وتـلاحـظـت                      ألفيت خيرا مـن مـعـم مـخـول

 

صفحة : 891

 

 

والخيل تعلم والفوارس أنـنـي                      فرقت جمعهم بصربة فيصـل

إذا لا أبادر في المضيق فوارسي                      أو لا أوكل بـالـرعـيل الأول

إن يلحقوا أكرر وإن يستلحمـوا                      أشدد وإن يلفوا بضنـك أنـزل

حين النزول يكون غاية مثلـنـا                      ويفر كل مضلل مسـتـوهـل

والخيل ساهمة الوجوه كأنـمـا                      تسقى فوارسها نقيع الحنـظـل

ولقد أبيت على الطوى وأظلـه                      حتى أنال به كريم الـمـأكـل عروضه من الكامل. غنت في الأربعة الأبيات الأول والبيت الثاني عريب خفيف رمل بالبنصر من رواية الهشامي وابن المعتز وأبي العبيس.

الحتوف: ما عرض للإنسان من المكاره والمتالف. عن عرض أي ما يعرف منها. بمعزل أي في ناحية معتزلة عن ذلك. ومنهل: مورد. وقوله: فاقني حياءك. أي احفظيه ولا تضيعيه. والضنك: الضيق. يقول: إن المنية لو خلقت مثالا لكانت في مثل صورتي. والمنصب: الأصل. والمنصل: السيف، ويقال منصل أيضا بفتح الصاد. وأحجمت: كعت. والكتيبة: الجماعة إذا اجتمعت ولم تنتشر. وتلاحظت: نظرت من يقدم على العدو. وأصل التلاحظ النظر من القوم بعضهم إلى بعض بمؤخر العين. والفيصل: الذي يفصل بين الناس. وقوله: لا أبادر في المضيق فوارسي أي لا أكون أول منهزم ولكني أكون حاميتهم. والرعيل: القطعة من كل شيء. ويستلحموا: يدركوا. والمستلحم: المدرك، وأنشد الأصمعي:

نجى علاجا وبشرا كل سلـهـبة                      واستلحم الموت أصحاب البراذين وساهمة: ضامرة متغيرة، قد كلح فوارسها لشدة الحرب وهولها. وقوله: ولقد أبيت على الطوى وأظله. قال الأصمعي: أبيت بالليل على الطوى وأظل بالنهار كذلك حتى أنال به كريم المأكل أي ما لا عيب فيه علي، ومثله قوله: إنه ليأتي علي اليومان لا أذوقهما طعاما ولا شرابا أي لا أذوق فيهما. والطوى: خمص البطن، يقال: رجل طيان وطاوي البطن.

أنشد النبي صلى الله عليه وسلم بيتا من شعره فود لو رآه: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابن عائشة قال: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم قول عنترة:

ولقد أبيت على الطوى وأظله                      حتى أنال به كريم المأكـل فقال صلى الله عليه وسلم: ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة.

كيف ألحق أخوته لأمه بنسب قومه: أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عبيدة: أن عنترة كان له إخوة من أمه، فأحب عنترة أن يدعيهم أقومه، فأمر أخا له كان خيرهم في نفسه يقال له حنبل، فقال له: أرو مهرك من اللبن ثم مر به علي عشاء. فإذا قلت لكم: ما شأن مهركم متخددا مهزولا ضامرا، فاضرب بطنه بالسيف كأنك تريهم أنك قد غضبت مما قلت: فمر عليهم، فقال له: يا حنبل، ما شأن مهركم متخددا أعجر من اللبن? فأهوى أخوه بالسيف إلى بطن مهره فضربه فظهر اللبن. فقال في ذلك عنترة:

أبني زبيبة ما لمهركم                      متخددا وبطونكم عجر

ألكم بإيغال الوليد على                      أثر الشياه بشدة خبـر وهي قصيدة. قال: فاستلاظه نفر من قومه ونفاه آخرون. ففي ذلك يقول عنترة:

ألا يا دار عبلة بـالـطـوي                      كرجع الوشم في كف الهدي وهي طويلة يعدد فيها بلاءه وآثاره عند قومه.

جوابه حين سئل أنت أشجع العرب: أخبرني عمي قال أخبرني الكراني عن النضر بن عمرو عن الهيثم بن عدي قال: قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها? قال لا. قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس? قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل إلا موضعا أرى لي منه مخرجا، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله.

أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال:

 

صفحة : 892

 

قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم? قال: كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك? قال: كان قيس بن زهير فينا وكان حازما فكنا لا نعصيه. وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم. وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره، فكنا كما وصفت لك. فقال عمر: صدقت.

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري قال قال محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل عن أبي عبيدة وابن الكلبي قالا: موته واختلاف الروايات في سببه: أغار عنترة على بني نبهان من طيىء فطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها ويقول:

آثار ظلمان بقاع محرب قال: وكان زر بن جابر النبهاني في فتوة، فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله، فقال وهو مجروح:

وإن ابن سلمى عنده فاعلمـوه دمـي                      وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي

يحل بأكناف الشـعـاب وينـتـمـي                      مكان الثريا ليس بالـمـتـهـضـم

رماني ولم يدهـش بـأزرق لـهـذم                      عشية حلوا بين نـعـف ومـخـرم قال ابن الكلبي: وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص. وأما أبو عمرو الشيباني فذكر أنه غزا طيئا مع قومه، فانهزمت عبس، فخر عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا، وأبصره ربيئة طيىء فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيرا فرماه وقتله.

وذكر أبو عبيدة أنه كان قد أسن واحتاج وعجر بكبر سنه عن الغارات. وكان له على رجل من غطفان بكر، فخرج يتقاضاه إياه، فهاجت عليه ريح من صيف وهو بين شرج وناظرة، فأصابته فقتلته.

كان أحد الذين يباليهم عمرو بن معد يكرب قال أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان عمرو بن معد يكرب يقول: ما أبالي من لقيت من فرسان العرب ما لم يلقني حراها وهجيناها. يعني بالحرين عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وبالعبدين عنترة والسليك بن السلكة.

هذه أخبار عنترة قد ذكرت فيها ما حضر.

 

عبد قيس بن خفاف البرجمي

نبذة عن عبد قيس بن خفاف البرجمي: وأما عبد قيس بن خفاف البرجمي فإني لم أجد له خبرا أذكره إلا ما أخبرني به جعفر بن قدامة قال: قرأت في كتاب لأبي عثمان المازني: كان عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيىء في دماء حملها عن قومه فأسلموه فيها وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان شريفا شاعرا شجاعا، فقدم على حاتم وقال له: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أوثق الناس في نفسي. فإن تحملتها فكم من حق قضيته وهم كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ولم أنس غدك، ثم أنشأ يقول:

حملت دماء للبـراجـم جـمة                      فجئتك لما أسلمتني البـراجـم

وقالوا سفاها لم حملت دماءنـا                      فقلت لهم يكفي الحمالة حاتـم

متى آته فيها يقل لي مرحـبـا                      وأهلا وسهلا أخطأتك الأشـائم

فيحملها عني وأن شئت زادنـي                      زيادة من حيزت إليه المكـارم

يعيش الندى ما عاش حام طيىء                      وإن مات قامت للسخاء مآتـم

ينادين مات الجود معك فلا نرى                      مجيبا له ما حام في الجو حائم

وقال رجال أنهب العام مـالـه                      فقلت لهم إني بذلـك عـالـم

ولكنه يعطى من اموال طـيىء                      إذا حلق المال الحقوق اللوازم

فيعطي التي فيها الغنى وكأنـه                      لتصغيره تلك العطـية جـارم

بذلك أوصاه عدي وحـشـرج                      وسعد وعبد الله تلك القمـاقـم فقال له حاتم: إني كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، وهذا مرباعي من الغارة على بني تميم فخذه وافرا، فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك، وهي مائتا بعير سوى نبيها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم. فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته إلي وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء. فأخذها وزاده مائة بعير، وانصرف راجعا إلى قومه. فقال حاتم:

 

صفحة : 893

 

 

أتاني البرجمي أبو جـبـيل                      لهم في حمالـتـه طـويل

فقلت له خذ المرباع منـهـا                      فإني لست أرضى بالقلـيل

على حال ولا عودت نفسـي                      على علاتها علل البـخـيل

فخذها إنها مـائتـا بـعـير                      سوى الناب الرذية والفصيل

ولا من عليك بهـا فـإنـي                      رأيت المن بزري بالجمـيل

فآب البرجمي وما عـلـيه                      من اعباء الحمالة من فتـيل

يجر الذيل ينفـض مـذرويه                      خفيف الظهر من حمل ثقيل

ذكر أبي دلف ونسبه وأخباره

نسب أبي دلف ومكانته: هو القاسم بن عيسى بن إدريس، أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ومحله في الشجاعة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محل ليس لكبير أحد من نظرائه. وذكر ذلك أجمع مما لا معنى له لطوله، وفي هذا القدر من أخباره مقنع. وله أشعار جياد، وصنعة كثيرة حسنة. فمن جيد شعره وله فيه صنعة قوله: صوت

بنفسي يا جنان وأنت مـنـي                      محل الروح من جسد الجبان

ولو أني أقول مكان نفسـي                      خشيت عليك بادرة الزمـان

لإقدامي إذا ما الخيل حامـت                      وهاب كماتها حر الطعـان وله فيه لحن. وهذا البيت الأول أخذه من كلام إبراهيم النظام.

أخذ معنى من محاورة إبراهيم النظام لغلام: أخبرني به علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: لقي إبراهيم النظام غلاما حسن الوجه، فاستحسنه وأراد كلامه فعارضه، ثم قال له: يا غلام، إنك لولا ما سبق من قول الحكماء مما جعلوا به السبيل لمثلي إلى مثلك في قولهم: لا ينبغي لأحد أن يكبرأ عن أن يسأل، كما أنه لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، لما أنبت إلى مخاطبتك ولا انشرح صدري لمحادثتك، لكنه سبب الإخاء وعقد المودة، ومحلك من قلبي محل الروح من جسد الجبان. فقال له الغلام - وهو لا يعرفه - لئن قلت ذلك أيها الرجل لقد قال أستاذنا إبراهيم النظام: الطبائع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قاربها بالموافقة، وكياني مائل إلى كيانك بكليتي. ولو كان الذي انطوى عليه عرضا لم أعتد به ودا، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذلي:

فتيقني أن قد كلفت بـكـم                      ثم افعلي ما شئت عن علم فقال له النظام: إنما كلمتك بما سمعت وأنت عندي غلام مستحسن، ولو علمت أن محلك مثل محل معمر وطبقته في الجدل لما تعرضت لك. قال أبو الحسن: ومن هذا أخذ أبو دلف قوله:

أحبك يا جنان وأنت مـنـي                      محل الروح من جسد الجبان ومن جيد شعره وله فيه صنعة قوله صوت

في كل يوم أبى بيضـاء طـالـعة                      كأنما أنبتت في ناظر الـبـصـر

لئن قصصتك بالمقراض عن بصري                      لما قطعتك عن همي وعن فكـري بلغه طروق الشراة وهو بالسردان مع جارية له فأسرع لحربهم وردهم: أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال حدثني أبي قال سمعت عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف يقول: حدثتني ظبية جارية أبي قالت: إني لمعه ليلة بالسرادن وهو جالس يشرب معي وعليه ثياب ممسكة، إذ أتاه الصريخ بطروق الشراة أطراف عسكره، فلبس الجوشن ومضى فقتل وأسر وانصرف إلي في آخر الليل وهو يغني - قالت: والشعر له - : صوت

ليلتي بالـسـرادن                      كللت بالمحاسـن

وجـوار أوانـس                      كالظباء الشـوادن

بدلت بالممسـكـا                      ت ادراع الجواشن الشعر لأبي دلف. والغناء له رمل بالسبابة في مجرى البنصر.

خرج مع الإفشين لحرب بابك فأراد قتله فأنقذه ابن أبي داود:

 

صفحة : 894

 

وقال أحمد بن أبي طاهر: كان أبو دلف القاسم بن عيسى في جملة من كان مع الإفشين خيذر بن كاووس لما خرج لمحاربة بابك، ثم تنكر له، فوجه يوما بمن جاء به ليقتله. وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه بأحمد بن بي دواد وقال له: أدركه، وما أراك تلحقه، فاحتل في خلاصه منه كيف شئت. قال ابن أبي دواد: فمضيت ركضا حتى وافيته، فإذا أبو دلف واقف بين يديه وقد أخذ بيديه غلامان له تركيان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلى، فقال لي: سبحان الله ما حملك على هذا? قلت: أنت أجلستني هذا المجلس. ثم كلمته في القاسم وسألته فيه وخضعت له، فجعل لا يزداد إلا غلظة. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبد وقد أغرقت في الرفق به فلم ينفع، وليس إلا أخذه بالرهبة والصدق? فقمت فقلت: كم تراك قدرت تقتل أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب. قال: فذل حتى لصق بالأرض وبان لي الاضطراب فيه. فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف وأخذت بيده، وقلت له: قد أخذته بأمر أمير المؤمنين. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الله. فقلت: قد فعلت وأخرجت القاسم فحملته على دابة ووافيت المعتصم. فلما بصر بي قال: بك يا أبا عبد الله وريت زنادي، ثم رد علي خبري مع الإفشين حدسا بظنه ما أخطأ فيه حرفا? ثم سألني عما ذكره لي وهو كما قال، فأخبرته أنه لم يخطىء حرفا.

وقال علي بن محمد حدثني جدي قال: كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا. فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك. فستر أحمد بن أبي دواد في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد قال له: سوءة لهذا من فعل بعد هذه السن وهذا المحل تضع نفسك كما أرى فحجل أبو دلف وتشور، وقال: إنهم أكرهوني على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أفأكرهوك على الإحسان والإصابة.

قال علي وحدثني جدي: أن سبب منادمته للمعتصم أنه كان نديما للواثق، وكان أبو دلف قد وصف للمعتصم فأحب أن يسمعه، وسأل الواثق عنه? فقال: يا أمير المؤمنين، أنا على الفصد غدا وهم عندي. فقال له المعتصم: أحب ألا تخفى علي شيئا من خبركم. وفصد الواثق، فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا، وأعلمهم الواثق حضور أبي دلف عنده، فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكل من عنده حتى تلقوه حين برز من الدهليز إلى الصحن، فجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردوا إلى مجالسهم. قال حمدون: وخنست عن مجلسي الذي كنت فيه لحداثتي، فنظر المعتصم إلى مكاني خاليا، فسأل عن صاحبه فسميت له، فأمر بإحضاري فرجعت إلى مكاني، وأمر بأن يؤتى برطل من شرابه فأتي به? فأقبل على أبي دلف فقال له: يا قاسم، غن أمير المؤمنين صوتا، فما حصر ولا تثاقل وقال: أغني أمير المؤمنين صوتا بعينه أو ما اخترته? قال: بل غن صنعتك في شعر جرير:

بان الخليط برامتين فودعوا فغناه إياه. فقال المعتصم: أحسن أحسن ثلاثا، وشرب الرطل، ولم يزل يستعيده ويشرب عليه حتى والى بين سبعة أرطال، ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه، وأمرني بالانصراف معهما، فخرجت أسعى مع ركابه، فثبت في ندمائه من ذلك اليوم، وأمر لأبي دلف بعشرين ألف دينار.

 

بان الخليط برامتين فودعـوا                      أو كلما اعتزموا لبين تجزع

كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم                      قلبا يقر ولا شرابا ينـقـع عروضه من الكامل. الشعر لجرير، والغناء لأبي دلف ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وعمرو بن بانة.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس، وكان منقطعا إليه وله منه

 

صفحة : 895

 

منزلة حسنة. فذكر له مطيع بن إياس حمادا الراوية، وكان مطرحا مجفوا في أيامهم. فقال له: دعني، فإن دولتي كانت في بني أمية وما لي عند هؤلاء خير. فأبى مطيع إلا الذهاب به إليه. فاستعار سوادا وسيفا، ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم عليه وجلس. فقال له جعفر: أنشدني. فقال: لمن أيها الأمير? قال: لجرير. قال حماد: فسلخ الله شعره أجمع من قلبي إلا قوله:

بان الخليط برامتين فودعوا فاندفعت أنشده إياه حتى بلغت إلى قوله:

وتقول بوزع قد دببت على العصا                      هلا هزئت بغـيرنـا يا بـوزع قال حماد فقال لي جعفر: أعد هذا البيت فأعدته، فقال: إيش هو بوزع? قلت: اسم امرأة. قال: امرأة اسمها بوزع هو بريء من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان تركتني والله يا هذا لا أنام الليل من فزع بوزع يا غلمان، قفاه. قال: فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا. ثم قال: جروا برجله، فجروا برجلي حتى أخرجت من بين يديه وقد تخرق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شرا عظيما مما جرى من ذلك. وكان أغلظ من ذلك علي غرامتي السواد والسيف. فلما انصرف إلي مطيع جعل يتوجع لي. فقلت له: ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيرا وأن حظي قد مضى مع من مضى من بني أمية.

رجع الحديث إلى أخبار أبي دلف.

وكان أبو دلف جوادا ممدحا، وفيه يقول علي بن جبلة:

إنما الدنيا أبـو دلـف                      بين مغزاه ومحتضره

وإذا ولى أبـو دلـف                      ولت الدنيا على أثره وهي من جيد شعره وحسن مدائحه. وفيها يقول:

ذاد ورد الغي عـن صـدره                      وارعوى واللهو من وطـره

ندمي أن الشبـاب مـضـى                      لم أبـلـغـه مـدى أشـره

حسرت عنـي بـشـاشـتـه                      وذوى المحمود من ثـمـره

ودم أهـدرت مـن رشــأ                      لم يرد عقلا عـلـى هـدره

فأتت دون الـصـبـا هـنة                      قلبت فوقي عـلـى وتـره

دع جدا قحطـان أم مـضـر                      في يمانية وفـي مـضـره

وامتـدح مـن وائل رجـلا                      عصر الآفاق من عـصـره

المـنـايا فـي مـقـانـبـه                      والعطايا فـي ذرا حـجـره

ملـك تـنـدى أنـامـلــه                      كانبلاج النوء عن مـطـره

مستهـل عـن مـواهـبـه                      كابتسام الروض عن زهـره

جبـل عـزت مـنـاكـبـه                      أمنت عدنـان فـي نـفـره

إنـمـا الـدنـيا أبـو دلـف                      بين مغزاه ومـحـتـضـره

فإذا ولـى أبــو دلـــف                      ولت الدنـيا عـلـى أثـره

كل من في الأرض من عرب                      بين بـاديه إلـى حـضـره

مستعـير مـنـه مـكـرمة                      يكتسيهـا يوم مـفـتـخـره وهذان البيتان هما اللذان أحفظا المأمون على علي بن جبلة حتى سل لسانه من قفاه، وقوله في أبي دلف أيضا:

أنت الذي تنزل الأيام منزلهـا                      وتنقل الدهر من حال إلى حال

وما مددت مدى طرف إلى أحد                      إلا قضيت بـأرزاق وآجـال وسنذكر ذلك في موضعه من أخبار علي بن جبلة إن شاء الله تعالى، إذ كان القصد ها هنا أمر أبي دلف.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: كنا عند أبي العباس المبرد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال. فقال المبرد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة ظريفة من الكرم حسنة لم يستق إليها. قال: وما هي? قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقوه نبيذا غير الذي كانوا يشربون منه? فقال فيهم:

نبيذان في مجلـس واحـد                      لإيثار مثر على مـقـتـر

فلو كان فعلك ذا في الطعام                      لزمت قياسك في المسكر

ولو كنت تطلب شأو الكرام                      صنعت صنيع أبي البختري

تتبع إخوانه فـي الـبـلاد                      فأغنى المقل عن المكثـر

 

صفحة : 896

 

فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت: قد فعل جد هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل? قلت: بلغه أن رجلا أفتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:

إليك عني فقد كلفتني شطـطـا                      حمل السلاح وقيل الدارعين قف

تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها                      فكيف أمشي إليها عاري الكتيف

حسبت أن نفاد المـال غـيرنـي                      وأن روحي في جنبي أبي دلف فأحضره أبو دلف ثم قال له: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك? قال: مائة دينار. قال: وكم أملت أن تعيش? قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك علي على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارا شديدا.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من إكرامي وبري والتحفي بي أمرا مفرطا، حتى تأخرت عنه حينا حياء. فبعث إلي معقل بن عيسى، فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عني، وأحسبك استقللت بري بك، فلا يغضبنك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعني إلا إفراطه في البر، وكتبت إليه.

 

هجرتك لم أهجرك من كفر نـعـمة                      وهل يرتجى نيل الزيادة بالـكـفـر

ولـكـنـنـي لـمـا أتـيتـك زائرا                      فأفرطت في بري عجزت عن الشكر

فم الان لا آتـيك إلا مـسـلـمـــا                      أزورك في الشهرين يوما أو الشهـر

فإن زدتنـي بـرا تـزايدت جـفـوة                      ولم تلقني طول الحياة إلى الحـشـر فلما قرأها معقل استحسنها جدا وقال: أحسنت والله أما إن الأمير لتعجبه هذه المعاني. فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: قاتله الله. ما أشعره وأدق معانيه فأعجبته فأجابني لوقته - وكان حسن البديهة حاضر الجواب -:

ألا رب ضيف طارق قد بسـطـتـه                      وآنسته قبل الـضـيافة بـالـبـشـر

أتاني يرجـينـي فـمـا حـال دونـه                      ودون القرى والعرف من نائلي ستري

وجدت له فضلا عـلـي بـقـصـده                      إلي وبـرا زاد فـيه عـلـى بـري

فزودتـه مـالا يقـل بــقـــاؤه                      وزودني مدحا يدوم علـى الـدهـر قال: وبعث إلي بالأبيات مع وصيف له وبعث معه إلي بألف دينار، فقلت حينئذ: إنما الدنيا أبو دلف. الأبيات.

أخبرني علي بن سليمان قال أخبرنا المبرد قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع معقل، وهما إذ ذاك بالعراق، إذ مرا بقصر، فأشرفت منه جاريتان، فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر:

إنما الدنيا أبو دلف فقالت الأخرى: أو هذا قد والله كنت أحب أن أراه منذ سمعت ما قيل فيه. فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا علي بن جبلة ولا وفيناه حقه، وإن ذلك لمن كبير همي. قال: وكان أعطاه ألف دينار.

 

أما القطاة فإني سوف أنعتـهـا                      نعتا يوافق منها بعض ما فيها

سكاء مخطوبة في ريشها طرق                      صهب قوادمها كدر خوافيهـا عروضه من البسيط. والشعر مختلف في قائله، ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيمي وإلى مزاحم العقيلي وإلى العباس بن يزيد بن الأسود الكندي وإلى العجير السلولي وإلى عمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي وهو أصح الأقوال، رواه ثعلب عن أبي نصر عن الأصمعي. وعلى أن في هذه الروايات أبياتا ليست مما يغنى فيه وأبياتا ليست في الرواية. وقد روي أيضا أن الجماعة المذكورة تساجلوا هذه الأبيات فقال كل واحد منهم بعضا. وأخبار ذلك وما يحتاج إليه في شرح غريبه يذكر بعد هذا. والغناء في اللحن المختار لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى. في هذين البيتين مع أبيات أخر من القصيدة اشتراك كثير بين المغنين يتقدم بعض الأبيات فيه بعضا ويتأخر بعضها عن بعض على اختلاف تقديم ذلك وتأخيره. والأبيات تكتب ها هنا ثم تنسب صنعة كل صانع في شيء منها إليه، وهي بعد البيتين الأولين، إذ كانا قد مضيا واستغني عن إعادتهما،:

لما تبدى لها طارت وقد علمت                      أن قد أظل وأن الحي غاشيها

 

صفحة : 897

 

 

تشتق في حيث لم تبعد مصـعـدة                      ولم تصوب إلى أدنى مهـاويهـا

تنتاش صفراء مطروقا بقـيتـهـا                      قد كاد يأزي عن الدعموص آزيها

ما هاج عينك أم قد كاد يبكـيهـا                      من رسم دار كسحق البرد باقيها

فلا غنيمة توفي بالـذي وعـدت                      ولا فؤادك حتى الموت ناسـيهـا بسيط مولى عبد الله بن جعفر خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق في أما القطاة والذي بعده، وتنتاش صفراء خفيف ثقيل نصر عن عمرو. ولإبراهيم الموصلي في لما تبدى لها وأما القطاة خفيف رمل عن الهشامي. ولعمر الوادي في أما القطاة ثقيل بالوسطى. ولابن جامع في لما تبدى لها وبعده أما القطاة خفيف رمل. ولسياط في الأول والثاني وبعدهما تشتق في حيث لم تبعد خفيف ثقيل بالبنصر، ومن الناس من ينسب لحنه إلى عمر الوادي وينسب لحن عمر إليه. ولعلويه في أما القطاة والذي بعده رمل هو من صدور أغانيه ومقدمها. فجميع ما وجدتة في هذه الأبيات من الصنعة أحد عشر لحنا.

فأما خبر هذا الشعر، فإن ابن الكلبي زعم أن السبب فيه أن العجير السلولي أوس بن غلفاء الهجيمي ومزاحما العقيلي والعباس بن يزيد بن الأسود الكندي وحميد بن ثور الهلالي اجتمعوا فتفاخروا بأشعارهم وتناشدوا وادعى كل واحد منهم أنه أشعر من صاحبه. ومر بهم سرب قطا، فقال أحدهم: تعالوا حتى نصف القطا ثم نتحاكم إلى من نتراضى به، فأينا كان أحسن وصفا لها غلب أصحابه، فتراهنوا على ذلك. فقال أوس بن غلفاء الأبيات المذكورة وهي أما القطاة. وقال حميد أبياتا وصف ناقته فيها، ثم خرج إلى صفة القطاة فقال:

كما انصلتت كدراء تسقي فراخها                      بشمظة رفها والمياه شـعـوب

غدت لم تباعد في السماء ودونها                      إذا ما علت أهوية وصـبـوب

قرينة سبع إن تـواتـرن مـرة                      ضربن فصفت أرؤس وجنـوب

فجاءت وما جاء القطا ثم قلصت                      بمفحصها والواردات تـنـوب

وجاءت ومسقاها الذي وردت به                      إلى الصدر مشدود العصام كتيب

تبادر أطفالا مساكـين دونـهـا                      فلا لا تخطاه العـيون رغـيب

وصفن لها مزنا بأرض تـنـوفة                      فما هـي إلا نـهـلة وتـؤوب وقال العباس بن يزيد بن الأسود - هكذا ذكر ابن الكلبي وغيره يرويها لبعض بني مرة - :

حذاء مدبرة سـكـاء مـقـبـلة                      للماء في النحر منها نؤطة عجب

تسقى أزيغب ترويه مجاجتـهـا                      وذاك من ظمأة من ظمئها شرب

منهرت الشدق لم تنبت قـوادمـه                      في حاجب العين من تسبيده زبب

تدعو القطا بقصير الخطو ليس له                      قدام منحرهـا ريش ولا زغـب

تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت                      يا صدقها حين تدعوه وتنتـسـب وقال مزاحم العقيلي:

أذلك أم كـدرية هـاج وردهـا                      من القيظ يوم واقـد وسـمـوم

غدت كنواة القسب لا مضمحـلة                      وناة ولا عجلى الفـتـور سـئوم

تواشك رجع المنكبين وترتـمـى                      إلى كلكل لـلـهـاديات قـدوم

فما انخفضت حتى رأت ما يسرها                      وفيء الضحى قد مال فهو ذميم

أباطح وانتصت على حيث تستقي                      بها شرك لـلـواردات مـقـيم

سقتها سيول المدجنات فأصبحـت                      علاجيم تـجـري مـرة وتـدوم

فلما استقت من بارد الماء وانجلى                      عن النفس منها لوحة وهـمـوم

دعت باسمها حين استقت فاستقلها                      قوادم حجن ريشـهـن مـلـيم

بجؤز كحق الـهـاجـرية زانـه                      بأطراف عود الفارسـي وشـوم يعني حق الطيب. شبه حوصلتها به. والوشوم يعني الشية التي في صدرها:

لتسقي زغبا بالتنوفة لـم يكـن                      خلاف مولاها لهن حـمـيم

ترائك بالأرض الفلاة ومن بدع                      بمنزلها الأولاد فهـو مـلـيم

إذا استقبلتها الريح طمت رفيقة                      وهن بمهرى كالكرات جثـوم

 

صفحة : 898

 

 

يراطن وقصاء القفا وحشة الشوى                      بدعوى القطا لحن لـهـن قـديم

فبتن قريرات العيون وقد جـرى                      عليهن شرب فاستقـين مـنـيم

صبيب سقاء نيط قد بركـت بـه                      معاودة سقـي الـفـراخ رءوم وقال العجير فيما روى ابن الكلبي، وقد تروى لغيره:

سأغلب والسماء ومن بناهـا                      قطاة مزاحم ومن انتحاهـا

قطاة مزاحم وأبي المثـنـى                      على حوزية صلب شواهـا

غدت كالقطرة السفواء تهوي                      أمام مجلجل زجل نفـاهـا

تكفأ كالجمانة لا تـبـالـي                      أبالموماة أضحت أم سواها

نبت منها العجيزة فاحزألـت                      ونبس للتقتل منـكـبـاهـا

كأن كعوبها أطراف نـبـل                      كساها الرازقية من براهـا قال: واحتكموا إلى ليلى الأخيلية، فحكمت لأوس بن غلفاء.

وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل عن قعنب بن محرز الباهلي قال حدثني رجل عن أبي عبيدة قال أخبرنا حميد بن ثور والعجير السلولي ومزاحم العقيلي وأوس بن غلفاء الهجيمي أنهم تحاكموا إلى ليلى الأخيلية لما وصفوا القطاة أيهم أحسن وصفا لها، فقالت:

ألا كل ما قال الرواة وأنشـدوا                      بها غير ما قال السلولي بهرج وحكمت له. فمال حميد بن ثور يهجوها:

كأنك ورهاء العنانين بـغـلة                      رأت حصنا فعارضتهن تشحج ووجدت هذه الحكاية عن أبي عبيدة مذكورة عن دماذ عنه وأنه سأله عن أبيات العجير فأنشده:

تجوب الدجى سكاء من دون فرخها                      بمطلى أريك نفنـف وسـهـوب

فجاءت وقرن الشمس باد كـأنـه                      هجان بصحراء الخبيب شـبـوب

لتسقي أفراخا لها قد تـبـلـلـت                      حلاقيم أسماط لـهـا وقـلـوب

قصار الخطا زغب الرؤوس كأنها                      كرات تلظـى مـرة وتـلـوب فأما ما ذكرت من رواية ثعلب في الأبيات التي فيها الغناء فإنه أنشدها عن أبي حاتم عن الأصمعي أن أبا الحضير أنشده لعمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي:

أما القطاة فإني سوف أنعـتـهـا                      نعتا يوافق نعتي بعض ما فـيهـا

صفراء مطروقة في ريشها خطب                      صفر قوادمها سود خـوافـيهـا

منقارها كنواة القسب قـلـمـهـا                      بمبرد حاذق الكـفـين يبـريهـا

تمشي كمشي فتاة الحي مسـرعة                      حذار قوم إلى سـتـر يواريهـا قال الأصمعي: مطروقة يعني أن ريشها بعضه فوق بعض. والخطب: لون الرماد، يقال للمشبه به أخطب:

تنتاش صفراء مطروقا بقـيتـهـا                      قد كاد يأزي عن الدعموص آزيها تنتاش: تتناول بقية من الماء. والمطروق: الماء الذي قد خالطه البول. وقوله: يأزى أي يقل عن الدعموص فيخرج منه لقلته. والدعموص: الصغير من الضفادع وجمعه دعاميص

تسقي رذيين بالموماة قوتهـمـا                      في ثغرة النحر من أعلى تراقيها الرذي: الساقط من الضعف. يعني فرخيها

كأن هيدبة من فوق جؤجئهـا                      أو جرو حنظلة لم يعد راميها جرو الحنظل: صغاره. وقوله: لم يعد من العداء، أي لم يعد عليها فيكسرها

تشتق من حيث لم تبعد مصـعـدة                      ولم تصوب إلى أدنى مهـاويهـا

حتى إذا استأنسا للوقت واحتضرت                      توجسا الوحي منها عند غاشيهـا ويروى: حتى إذا استأنسا للصوت. وتوجسا: تسمعا. وحيها أي سرعة طيرانها. وغاشيها أي حين تغشاهما وتنتهي إليهما

ترفعا عن شؤون غير ذاكـية                      على لديدي أعالي المهد أدحيها الذاكية: الشديدة الحركة. والمهد: أفحوصها. ولديداه: جانباه

مدا إلـيهـا بـأفـواه مــزينة                      صعدا ليستنزلا الأرزاق من فيها

كأنها حين مداها لـجـنـأتـهـا                      طلى بواطنها بالورس طاليهـا جنأتها أي جنأت عليهما بصدرها لتزقهما

حثلين رضا رفاض البيض عن زغب                      ورق أسافلهـا بـيض أعـالـيهـا حثلين: دقيقين ضاويين. رضا: كسرا. والرفاض: ما ارفض وتفرق

ترأدا حين قاما ثمت احتطبا                      على نحائف منآد محانيها

 

صفحة : 899

 

ترأدا: تثنيا. واحتطبا: دلوا. والمنآد: المنعطف. ومحانيها: حيث انحنت

تكاد من لينها تنآد أسؤقهـا                      تأود الربل لم تعرم نواميها تعرم: تشتد. ونواميها: أعاليها:

لا أشتكي نوشة الأيام من ورقي                      إلا إلى من أن سوف يشكيهـا

لدلهم مأثرات قـد عـددن لـه                      إن المآثر معدود مساعـيهـا

تنمي به في بني لأي دعائمهـا                      ومن جمانة لم نخضع سواريها

بنى له في بيوت المجد والـده                      وليس من ليس يبنيها كبانيهـا وأنشدني هذه الأبيات الحسن بن محمد الضبعي الشاعر المعروف بابن الحداد قال: وجدتها بخط محمد بن داود بن الجراح عن إسماعيل بن يونس الشيعي شيخنا رحمه الله عن أخيه عن أبي محلم مثل رواية ثعلب وزاد فيها: قال أبو محلم: جمانة ابن جرير بن عبد ثعلبة بن سعد بن الهجيم، وهم أخوال دلهم هذا الممدوح. ودلهم من بني لأي ثم من بني يزيد بن هلال بن بذل بن عمرو بن الهيثم، وكان أحد الشجعان، وهو قتل الضحاك بن قيس الخارجي بيده مع مروان بن محمد ليلة كفرتوثا.

 

أيها القلـب لا أراك تـفـيق                      طالما قد تعلقتك العـلـوق

من يكن من هوى حبيب قريبا                      فأنا النازح البعيد السـحـيق

قدر الحب بيننا فالـتـقـينـا                      وكلانا إلى اللقاء مـشـوق الشعر لعمر بن أبي ربيعة وقد مضت أخباره. والغناء في اللحن المختار لبابويه الكوفي خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه أيضا لمخارق خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي. وفيه لعلويه رمل بالبنصر عنه وعن الهشامي. وبابويه رجل من أهل الكوفة قليل الصنعة، ليس ممن خدم الخلفاء ولا الأكابر، ولا أعلم له خبرا فأذكره.

 

من القلب أضحى بكم مستهاما                      خائفا للوشاة يخفي الكـلامـا

إن طرفي رسول نفسي ونفسي                      عن فؤادي تقرا عليك السلاما لم يقع إلينا قائل الشعر فنذكر خبره. والغناء لرياض جارية أبي حماد خفيف ثقيل بالوسطى. وكان أبو حماد هذا أحد القواد الخراسانية ومن أولاد الدعاة، وكان يعاشر إسحاق ويبره ويهاديه، فأخذت رياض عنه غناء كثيرا، وكانت محسنة ضاربة كثيرة الرواية، وأحب إسحاق أن ينوه باسمها ويرفع من شأنها، فذكر صنعتها في هذا الصوت فيما اختاره للواثق قضاء لحق مولاها. وليس فيما قلته في هذا لأن الصوت غير مختار ولكن في الغناء ما هو أفضل منه بكثير ولم يذكره، وقد فعل ذلك بجماعة ممن كان يوده ويتعصب له مثل متيم وأبي دلف وغيرهم. ومن يعلم هذه الصناعة يعرف صحة ما قلناه. وماتت رياض هذه مملوكة لمولاها لم تخرج من يده ولا شهرت ولا روي لها خبر.

 

راح صحبي وعاود القلب داء                      من حبيب طلابه لي عنـاء

حسن الرأي والمواعيد لا يل                      فى لشيء مما يقول وفـاء

من تعزى عمن يحب فإنـي                      ليس لي ما حييت عنه عزاء

أم عثمان قد قتلـت قـتـيلا                      عمد عين قتلته لا خـطـاء لم يقع إلينا قائل هذا الشعر فنذكره. والغناء لنافع بن طنبورة، ولحنه المختار خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفي هذا الشعر لحن لعبد الله بن طاهر ثاني ثقيل من جيد صنعته، وكان نسبه إلى لميس جاريته، وله خبر سنذكره في أخباره إذا انتهينا. وكان نافع بن طنبورة يكنى أبا عبد الله، مغن محسن من أهل المدينة، حسن الوجه نظيف الثوب، يلقب نقش الغضار لحسن وجهه. وجعلته جميلة في المرتبة، لما اجتمع المغنون إليها، بعد نافع وبديح وقبل مالك بن أبي السمح. وغناها يومئذ:

يا طول ليلي وبـت لـم أنـم                      وسادي الهم مبطن سقـمـي

أن قمت يوما على البلاط وأب                      صرت رقاشا فليت لـم أقـم فقالت جميلة: أحسنت والله يا نقش الغضار ويا حلو اللسان ويا حسن البيان. ولم يفارق ابن طنبورة الحجاز ولا خدم الخلفاء ولا انتجعهم بصنعة فخمل ذكره.

 

عتق الفؤاد من الـصـبـا                      ومن السفاهة والـعـلاق

وحططت رحلي عن قلـو                      ص الغي في قلص عتاق

ورفعت فضـل إزاري ال                      مجرور عن قدمي وساقي

 

صفحة : 900

 

 

وكففت غرب النفس حت                      ى ما تتوق إلى متـاق الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. والغناء لابن عباد الكاتب. ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل، وقيل: إنه لغيره.

 

?أخبار سعيد بن عبد الرحمن

وقد مضى نسبه في نسب جده حسان بن ثابت متدما. وهو شاعر من شعراء الدولة الأموية، متوسط في طبقته ليس معدودا في الفحول. وقد وفد إلى الخلفاء من بني أمية فمدحهم ووصلوه. ولم تكن له نباهة أبيه وجده.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني أبو عمرو الخصاف عن العتبي قال: خرج سعيد بن عبد الرحمن بن حسان مع جماعة من قريش إلى الشأم في خلافة هشام بن عبد الملك، وسألهم معاونته، فلم يصادفوا من هشام له نشاطا. وكان الوليد بن يزيد قد طلق امرأته العثمانية ليتزوج أختها، فمنعه هشام عن ذلك ونهى أباها أن يزوجه. فمر يوما بالوليد وقد خرج من داره ليركب، فلما رآه وقف، فأمر به الوليد فدعي إليه، فلما جاءه قال: أنت ابن عبد الرحمن بن حسان? قال: نعم أيها الأمير. فقال له: ما أقدمك? قال: وفدت على أمير المؤمنين منتجعا ومادحا ومستشفعا بجماعة صحبتهم من أهله، فلم أنل منه خطوة ولا قبولا. قال: لكنك تجد عندي ما تحب، فأقم حتى أعود. فأقام ببابه حتى دخل إلى هشام وخرج من عنده، فنزل ودعا بسعيد، فدخل إليه، فأمر بتغيير هيئته وإصلاح شأنه، ثم قال له: أنشدني قصيدة بلغتني لك فشوقتني إليك، وغنيت في بعضها، فلم أزل أتمنى لقاءك. فقال: أي قصيدة أيها الأمير? قال قولك:

أبائنة سعدى ولم توف بـالـعـهـد                      ولم تشف قلبا تيمته علـى عـمـد

نعم أفمود أنت إن شطـت الـنـوى                      بسعدى وما من فرقة الدهر من رد

كأن قد رأيت البين لا شـيء دونـه                      فم الآن أعلن ما تسر من الـوجـد

لعلك منها بعد أن تشحـط الـنـوى                      ملاق كما لاقى ابن عجلان من هند

فويل ابن سلمى خـلة غـير أنـهـا                      تبلغ منـي وهـي مـازحة جـدي

وتدنو لنا في القول وهـى بـعـيدة                      فما إن بسلمى من دنـو ولا بـعـد

ومهما أكن جلدا عـلـيه فـإنـنـي                      على هجرها غير الصبور ولا الجلد

إذا سمت نفسي هجرها قطعت بـه                      فجانبته فـيمـا أسـر ومـا أبـدي

كأني أرى في هجرهـا أي سـاعة                      هممت به موتى وفي وصلها خلدي

ومن أجلها صافيت من لا تـردنـي                      عليه له قربى ولا نعـمة عـنـدي

وأغضيت عيني من رجال على القذى                      يقولون أقوالا أمضوا بهـا جـلـدي

وأقصيت من قد كنت أدني مكـانـه                      وأدنيت من قد كنت أقصيته جهـدي

فإن يك أمسى وصل سلمـى خـلابة                      فما أنا بالمفتون في مثلهـا وحـدي

فأصبح ما منتـك دينـا مـسـوفـا                      لواه غريم ذو اعتـلال وذو جـحـد

تجود بتـقـريب الـذي هـو آجـل                      من الوعد ممطول وتبخل بالـنـقـد

وقد قلت إذ أهـدت إلـينـا تـحـية                      عليها سلام الله من نازح مـهـدي

سقي الغيث ذاك الغور ما سكنت بـه                      ونجدا إذا صارت نواها إلى نـجـد قال: فجعل ينشدها ودموع الوليد تنحدر على خديه حتى فرغ منها. ثم قال له: لن تحتاج إلى رفد أحد ولا معونته ما بقيت، وأمر له بخمسمائة درهم، وقال: إبعث بها إلى أهلك وأقم عندي، فلن تعدم ما تحبه ما بقيت.

فلم يزل معه زمانا، ثم استأذنه وانصرف. وفي بعض هذه الأبيات غناء نسبته:

أبائنة سعدى ولم توف بـالـعـهـد                      ولم تشف قلبا أقصدته على عـمـد

ومهما أكن جلدا عـلـيه فـإنـنـي                      على هجرها غير الصبور ولا الجلد الغناء لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. من هذه القصيدة:

وأغضيت عيني من رجال على القذى                      يقولون أقوالا أمضوا بهـا جـلـدي

إذا سمت نفسي هجرها قطعت بـه                      فجانبته فـيمـا أسـر ومـا أبـدي الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

آيات التوبة بمشتفاتها اللغوية في المصحف كله

  كلمات ذات صلة بمرادفات التوبة كلمات ذات صلة فَتَابَ التَّوَّابُ فَتُوبُوا وَتُبْ تَابُوا أَتُوبُ التَّوَّابِينَ تُبْتُمْ...