اسلام صبحي

لقد شاع بين المسلمين في العقود الأخيرة توزيع الميراث والوالدين أو أحدهما علي قيد الحياة وهذا عبث في الشرع وباطل إنما التوريث لا يكون  الا بعد الموت الطبيعي للأب أو للأم//موسوعة المواريث وعلم الفرائض/ اسلام صبحي 3دفائق تلاوة من سورة هود /اخبط الرابط وافتح التلاوة https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

 موسوعة المواريث وعلم الفرائض

عقائد فاسدة

اسلام صبحي سورة هود https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

ج2.الاغاني للأصبهاني

 

{ج2.}صفحة : 300 

اخبرنا هاشم بن محمد الزاعي قال حدثنا الرياشي عن الصمعي قال: لما أنشد بشار أرجوزته:

ياطلل الحي بذات الصمد أبا الملد عقبة بن سلم أمر له بخمسين ألف درهم، فأخرها عنه وكيله ثلاثة أيام، فأمر غلامه بشار أن يكتب علي باب عقبة بن نافع عن يمين الباب:

مازال مامنيتني مـن هـمـي                      والوعد غم فأزح من غمـي

إن لم ترد حمدي فراقب ذمي فلما خرج عقبة رأى ذلك، فقال: هذه من فعلات بشار، ثم دعا بالقهرمان، فقال: هل حملت إلى بشار ماأمرت له به.? فقال: أيها الأمير نحن مضيقون وغدا أحملها إليه؛ فقال: زد فيها عشرة آلاف درهم واحملها إليه الساعة؛ فحملها من وقته.

نهي المهدي له عن التشبيب بالنساء

وسبب ذلك:

أخبرني هاشم قال حدثنا أبو غسان دماذ قال: سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهدي بشارا عن ذكر النساء قال: كان أول ذلك استهتارا نساء البصرة وسبانها بشعره، حتى قال سةار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار؛ ماشيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى؛ ومازالا يعظانه؛ وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي، وأنشد المهدي مالمدحه به، نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهدي من أشد الناس غيرة؛ قال: فقلت له: ماأحسب شعر هذاأبلغ في هذه المعاني من شعر كثير وجميل وعروة بن جزام وقيس ين ذريح وتلك الطبقة؛ فقال: ليس كل من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشار يقارب النساء حتى لايخفى عليهن مايقول ومايري، وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها، فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لاهم لها إلا الرجال ثم أنشد قوله:

قد لامـنـي فـي خـلـيلـتـــي عـــمـــر                      والـنـوم فـي غـير كـنـهـن صـــجـــر

قال أفـق قـلـت لا فـــقـــال بـــلـــى                      قد شـاع فـي الـنـاس مـنـكـمـا الـخـبــر

قلت وإذ شاع مااعتذارك مما ليس لي فيه عندهم عذر

ماذا عليهم ومالهم خرسوا                      لوأنـهـم فـي عـيوبــهـــم نـــظـــروا

أعــشـــق وحـــدي ويؤخـــذون بـــه                      كالـتـرك تـغـزو فـتـؤخـذ الـــحـــزر

ياعـجـبـا لـلـخـــلاف ياعـــجـــبـــا                      بفـي الـذي لام فـي الـهـوى الـحــجـــر

حسـبـي وحـسـب الـي كـلــفـــت بـــه                      منـي ومـنـه الـحـديث والـــنـــظـــر

أو قــبـــلة فـــي خـــلال ذاك ومـــا                      بأس إذا لـــم تـــحـــل لـــــس الأزر

أو عـضة فــي ذراعـــهـــا ولـــهـــا                      فوق ذراعـي مـن عــضـــهـــا أثـــر

أو لـمـسة دون مـــرطـــهـــا بـــيدي                      والـبـاب قـد حـال دونـه الـــســـتـــر

والـسـاق بـراقة مـخـلــخـــلـــهـــا                      أو مـص ريق وقـد عــلا الـــبـــهـــر

واسـتـرخـت الـكـف لــلـــعـــراك وق                      لت إيه عـنـي والـدمـع مـــنـــحـــدر

انـهـض فـمـا أنـت كـالـذي زعـــمـــوا                      أنـــت وربـــي مـــغـــازل أشـــر

قد غـابـت الـيوم عـنـك حـاضـنـــتـــي                      والـلـه لـي مـنـك فـيك ينـــتـــصـــر

يارب خـذ لـي فـقـد تــرى ضـــرعـــي                      من فـاسـق جـاء مـــابـــه ســـكـــر

أهـوى إلـى مـعـضـدي فــرضـــضـــه                      ذو قـوة مـــايطـــاق مـــقـــتـــدر

ألـثـق بـي لـحـية لــه خـــشـــنـــت                      ذات ســـواد كـــأنـــهـــا الإبــــر

حتـى عـلانـــي وأســـرتـــي غـــيب                      ويلـي عـلـيهـم لـوأنـهــم حـــضـــروا

أقـسـم بـالـلـه لانـــجـــوت بـــهـــا                      فاذهـب فـأنـت الـمـسـاور الـظـــفـــر

كيف بـــأمـــي إذا رأت شـــفـــتـــي                      أم كـيف إن شـاع مـنـك ذا الــخـــبـــر

قد كـنـت أخـشـى الـذي ابـتـلـــيت بـــه                      منـك فـــمـــاذا أقـــول ياعـــبـــر

قلـت لـهـا عـنــد ذاك ياســـكـــنـــي                      لابـأس إنــي مـــجـــرب خـــبـــر

قولـي لـهـا بـقة لـــهـــا ظـــفـــر                      إن كـان فـي الـبـق مـالـــه ظـــفـــر ثم قال له: بمثل هذا الشرع تميل القلوب ويلين الصعب قال دماذ قال لي أبو عبيدة: قال رجل يوما لبشار في المسجد الجامع يعابثه: يا أبا معاذ، أيعجبك الغلام الجادل? فقال غير محتشم ولامكترث: لا، ولكن تعجبني أمه.

ورد على خالد البرمكي بفارس وامتدحه

أخبرني عمي قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن سهل عن محمد بن الحجاج قال:

 

صفحة : 301

 

ورد بشار على خالد بن برمك وهو بفارس فامتدحه؛ فوعده ومطله؛ فوقف على طريقه وهو يريد المسجد، فأخذ بلجام بغلته وأنشده:

أظلت علينا منك يوما سحـابة                      أضاءت لنا برقا وأبطأ وشاشها

فلا غيمها يجلي فييأس طامـع                      ولاغيثها يأتي فيروي عطاشها فحبس بغلته وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: لن تنصرف السحابة حتى بتلك إن شاء الله.

تظاهر بالحج وخرج لذلك

مع سعد بن القعقاع:

أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني علي بن حرب الطائي قال حدثني إسماعيل بن زياد الطائي قال: كان رجل منا يقال له سعد بن القعقاع يتندم بشارا في المجانة، فقال لبشار وهو ينادمه: ويحك يا أبا معاذ قد نسبنا الناس إلى الزندقة، فهل لك أن تحج بنا حجة تنفي ذلك عنا? قال: نعم مارأيت فاشتريا بعيرا ومحملا وركبا، فلما مرا بزرارة قال له: ويحك يا أبا معاذ ثلاثمائة فرسخ متى نقطعها مل بنا إلى زرارة نتنعم فيه، فإذا قفل الحاج عارضناهم بالقادسية وجززنا رؤوسنا فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج؛ فقال له بشار: نغم مارأيت لولا خبث لسانك، وإني أخاف أن تفضحنا. قال: لاتخف. فمالا إلى زرارة فما زالا يشربان الخمر ويفسقان، فلما نز ل الحاج بالقادسية راجعين، أخذا بعيرا ومحملا وجزا رؤوسهما وأقبلا وتلقاهما الناس يهنئونهما؛ فقال سعد بن القعقاع:

ألم ترني وبشارا حجـجـنـا                      وكان الحج من خير التجارة

خرجنا طالبي سفـر بـعـيد                      فمال بنا الطريق إلى زراره

فآب الناس قد حجوا وبـروا                      وأبنا موقريت من الخسـارة  أنكر عليه داود بن زرين أشياء فأجابه

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني محمد بن القاسم الدينوري قال حدثني محمد بن عمران بن مطر الشامي قال حدثني محمد بن الحسان الضبي قال حدثني محمود الوراق قال حدثني داود بن زرين قال: أتينا بشارا فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته فبال؛ ثم حضرت الظهر والعصر فلم يصل، فدنونا منه فقلنا: أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها؛ قال: وما هي? قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه؛ فقال: إنما أذنت لكم أن تأكلوا ولو لم أرد أن تأكلوا لما أذنت لكم؛ قال: ثم ماذا? قلنا: ودعوت بطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك؛ فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار، ثم قال: ومه؛ قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل؛ فقال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة.

أخبرنا يحيى قال حدثني أبو أيوب المديني عن بعض أصحاب بشار قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم ويقعد بشار فنجعل حول ثيابه ترابا لننظر هل يصلي، فنعود والتراب بحاله.

بشار والثقلاء

أخبرنا يحيى قال أخبرنا أبو أيوب عن الحرمازي قال: قعد إلى بشار رجل فاستثقله فضرط عليه ضرطة  ، فظن الرجل أنها أفلتت منه، ثم ضرط أخرى، فقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة، فقال: يا أبا معاذ، ماهذا? قال: مه أرأيت أم سمعت? قال: بل سمعت صوتا قبيحا، فقال: فلا تصدق حتى ترى.

قال: وأنشد أبو أيوب لبشار في رجل استثقله:

ربما يثقل الجليس وإن كـا                      ن خفيفا في كفة الميزان

كيف لاتحمل الأمانة أرض                      حملت فوقها أبا سـفـيان وقال فيه أيضا:

هل لك في مالي وعرضي معا                      وكل مـايمـلـك جـيرانـيه

واذهب إلى أبعد مـاينـتـوي                      لاردك الـلـه ولامـالــيه  أنشد الوليد شعره في المزاج بالريق فطرب

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني محمد بن إبراهيم الجيلي قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشار الأعمى:

أيها الساقيان صبـا شـرابـي                      واسقياني من ريق بيضاء رود

إن دائي الـظـمـاوإن دوائي                      شربة من رضاب ثغر بـرود

ولها مضحك كغر الأقـاحـي                      وحديث كالوشي وشي البرود

نزلت في السواد من حبة القل                      ب ونالت زيادة زيادة المستزيد

ثم قالت نلقـاك بـعـد لـيال                      والليالي يبـلـين كـل جـديد

 

صفحة : 302

 

 

عندها الصبر عن لقائي وعندي                      زفرات يأكلن قلب الـحـديد قال: فطرب الوليد وقال: من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروي ظمئي وتطفأ غلتي ثم بكى حتى عبد الله بن أبي بكر وكان جليسا لبشار-قال: كان لنا جار يكنى أبا زيد وكان صديقا لبشار، فبعث إليه يوما يطلب منه ثيابا بنسيئة فلم يصادفها عنده، فقال يهجوه:

ألا إن أبــــا زيد                      زنى في ليلة القـدر

ولم يزع، تعالى الـل                      ه ربي، حرمة الشهر وكتبها في رقعة وبعث بها إليه، ولم يكن أبو زيد ممن يقول الشعر، فقلبها وكتب في ظهرها:

ألا إن أبـــا زيد                      له في ذلكم عـذر

أتـتـه أم بـشـار                      وقد ضاق بها الأمر

فواثبها فجامعـهـا                      وما ساعده الصبـر قال: فلما قرئت على بشار غضب وندم على تعرضه لرجل لانباهة له، فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا، ثم قال: لاتعرضت لهجاء سفلة مثل هذا أبدا.

شعره في قينة

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني بعض ولد أبي عبيد وزير المهدي، قال: دخل بشار علي المهدي وقد عرضت عليه جارية مغنية فسمع غناءها فأطربه وقال لبشار: قل في صفتها شعرا؛ فقال:

ورائحة للعـين فـيهـا مـحـيلة                      إذا برقت لم تسق بطن صـعـيد

من المستهلات السرور على الفتى                      خفا برقها في عبقـر وعـقـود

كأن لسانا ساحرا في كـلامـهـا                      أعين بصوت للقـلـوب صـيود

تميت به أبـابـنـا وقـولـبـنـا                      مرارا وتحييهن بـعـد هـمـود  شعره في عقبة بن سلم

أخبرني عمي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال قال أبو عدنان حدثني يحيى بن الجون قال: دخل بشار يوما على عقبة بن سلم فأنشده قوله فيه:  صوت

 

إنـمـا لـذة الـجـــواد ابـــن ســـلـــم                      في عـطـاء ومـركـــب لـــلـــقـــاء

ليس يعـطـيك لـلــرجـــاء ولاالـــخـــو                      ف ولـكـن يلـذ طـعــم الـــعـــطـــاء

يسقط الطير حيث ينتشر الحب وتغشى منازل الكرماء

لاأبالي صفح اللئيم ولاتج                      ري دمـوعـي عـلـى الـحـرون الـصـفــاء

فعـلـى عـقـبة الـســلام مـــقـــيمـــا                      وإذا سـار تـحـــت ظـــل الـــلـــواء فوصله بعشرة آلاف درهم. وفي هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر لرذاذ، وهو من مختار صنعته وصدروها ومما تشبه فيه بالقدماء ومذاهبهم  رواة شعره

كان خلف الأحمر وخلف بن أبي عمرو يرويان عنه شعره: أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد عن الأضمعي، وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أحمد بن خلاد عن الأصمعي قال: كنت أشهد بن أبي عمرو بن العلاء وخلفا الأحمر ياتيان بشارا ويسلمان عليه بغاية التعظيم ثم يقثولان: يا أبا معاذ، ماأحدثت? فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الظهر ثم ينصرفان عنه، فأتياه يوما فقالا له: ماهذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة? قال: هي التي بلغتكم؛ قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب؛ فقال: نعم، بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه مالا يعرفه؛ قالا: فأنشدناها، فأنشدهما:

بكرا صاحبي قبل الهجير                      إن ذاك النجاح في التكبير حتى فرغ منها؛ فقالله خلف: لوقلت باأبا معاذ مكان  إن ذاك النجاح  كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت:  بكرا فالنجاح  كان هذا كلام المولدين ولايشبه ذلك الكلام ولايدخل في معنى القصيدة؛ فقام خلف فقبل بين عينيه؛ وقال له خلف بن أبي عمرو يمازحه: لوكان علاثة ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي، ولكنك مولى، فمد بشار يده فضرب بها فخذ خلف وقال:

أرفق بعمرو إذا حركت نسبته                      فإنه عربـي مـن قـوارير فقالله: أفعلتها يا أبا معاذ قال: وكان أبو عمرو يغمز في نسبه.

وأخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة، فذكر نحوه وقال فيه: إن سلما يعجبه الغريب.

قيل له إن فلانا سبك عند الأمير فهجاه

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن اسماعيل تينة قال قال خلف:

 

صفحة : 303

 

كنت أسمع ببشار قبل أن أراه، فذركوه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره، فاستنشدتهم شيئا من شعره، فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي، فقلت: والله لآتينه ولأطأطئن منه، فأتيته وهو جالس على بابه، فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن الله من يبالي بهذا، فوقفت أتأمله طويلا، فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إن فلانا سبك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك؛ فقال: أو قد فعل? قال: نعم؛ فأطرق، وجلس الرجل عنده وجلست، وجاء قوم فسلموا عليه فلم يردد عليهم، فجعلوا ينظرون إليه وقد درت أوداجه فلم يلبث إلا ساعة حتى أنسدنا بأعلى صوته وأفخمه:

نبئت نائك أمه يغـتـابـنـي                      عند الأمير وهل علي أمير

ناري محرقة وبيتي واسـع                      للمعتفين ومجلسي معمـور

ولي المهابة في الأحبة والعدا                      وكأنني أسد لـه تـامـور

غرثت حليلته وأخطأ صـيده                      فه على لقم الطـريق زئير قال: فارتعدت والله فرائصي واقشعر جلدي وعطم في عيني جدا، حتى قلت في نفسي: الحمد لله الذي أبعدني من شرك.

شعر له في مدح خالد بن برمك

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا العباس بن خال قال: مدح بشار خالد بن برمك فقال فيه:

لعمري لقد أجدى علي ابن برمك                      وماكل من كان الغنى عنده يجدي

حلبت بشعري راحتـيه فـدرتـا                      سماحا كما در السحاب مع الرعد

إذا جئته للحمد أشـرق وجـهـه                      إليك وأعطاك الكرامة بالحـمـد

له نعم في القوم لايستـثـيبـهـا                      جزاء وكيل التاجر المد بالـمـد

مفيد ومتلاف، سـبـيل تـراثـه                      إذا ماغدا أو راح كالجزر والمد

أخالد إن الحمد يبـقـى لأهـلـه                      جمالا ولاتبقى الكنوز على الكـد

فأطعم وكل من عارة مسـتـردة                      ولاتـبـقـهـا، أن الـعـواري فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعطيه في كل وفادة خمسة آلاف درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه. وقال ابنه يحيى بن خالد: آخر ماأوصاني به أبي العمل بهذين البيتين.

عمر بن العلاء ومدائح الشعراء فيه

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبي سعد قال حدثني محمد عبد الله بن عثمان قال: كان أبو الوزير مولى عبد القيس من عمال الخراج، وكان عفيفا بخيلا، فسألأ عمر بن العلاء، وكان جوادا شجاعا، في رجل فوهب له مائة ألف درهم؛ فدخل أبو الوزير على المهدي فقال له: ياأمير المؤمنين، إن عمر بن العلاء خائن؛ قال: ومن أين علمت ذلك? قال: كلم في رجل كان أقصى أمله ألف درهم فوهب له مائة ألف درهم؛ فضحك المهدي ثم قال:  قل كل يعمل على شاكلته  ، أما سمعت قول بشار في عمر:

إذا دهمتك عظام الأمور                      فنبه لها عمرا ثـم نـم

فتى لايناك على دمـنة                      ولايشرب الماء إلا بدم أوماسمعت قول أبي العتاهية فيه:  صوت

 

إن المطايا تشتكيك لأنـهـا                      قطعت إليك سباسبا ورمالا

فإذا وردن بنا وردن مخفة                       وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا الغناء لأبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة أوليس الذي يقول فيه أبو العتاهية:

يابن العلاء ويابن القـرم مـرداس                      إني لأطريك في صحبي وجلاسي

حتى إذا قيل ماأعطاك من نشـب                      ألفيت من عظم ماأسديت كالناسي ثم قال: من اجتمعت ألسن الناس على مدحه كان حقيقيا أن يصدقها بفعله.

شعره في جارية له سوداء كان يفترشها

أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني أبو بكر الربعي قال: كانت لبشار جارية سوداء وكان يقع عليها، وفيها يقول:

وغـادة سـوداء بـراقة                      كالماء في طيب وفي لين

كأنها صيغت لمن نالـهـا                      من عنبر بالمسك معجون  ليم في مبالغته في مدح عقبة بن سلم فأجاب

 

 

صفحة : 304

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قالاحدثني أبو الشبل البرجمي قال: قال رجل لبشار: إن مدائحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كل أحد؛ فقال بشار: إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد، دخلت إليه يوما فأنشدته:

حرم الله أن ترى كابن سلـم                      عقبة الخير مطعم الفقـراء

ليس يعطيك للرجاء ولا الخو                      ف ولكن يلد طعم العطـاء

يسقط الطير حيث ينتشر ال                      ت وتغشى منازل الكرماء فأمر لي بثلاثة آلاف دينار، وهأنا قد مدحت المهدي وأبا عبيد الله وزيره- أو قال يعقوب بن داود -وأقمت بأبوابهما حولا فلم يعطياني شيئا، أفألام على مدحي هذا  طلب منه أبو الشمقمق الجزية

فرده فهجاه فأعطاه:

ونسخت من كتاب هارون بن علي أيضا حدثني  علي قال حدثني  عبيد الله بن أبي الشيص عن دعبل بن علي قال: كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم، فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له: هلم الجزية يا أبا معاذ؛ فقال: ويحك أجزية هي قال: هو ماتسمع؛ فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح مني? قال: لا؛ قال: فأعلم من ي بمثالب الناس? قال: لا؛ قال: فأشعر مني? قال: لا؛ قال: فلم أعطيك? قال: لئلا أهجوك؛ فقال له: إن هجوتني هجوتك؛ فقال له أبو الشمقمق: هكذا هو? قال: نعم، فقل مابدالك؛ فقال أبو الشمقمق:

إني إذا ماشاعر هجـانـية                      ولج في القول له لسنـية

أدخلته في است أمه علانية                      بشـار يابـشـــار.... وأراد أن يقول:  يابن الزاني  ؛ فوثب بشار فأمسك فاه، وقال: أراد زالله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له: لايسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق.

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني الأصمعي قال: أمر عقبة بن سلم  الهنائي  لبشار بعشرة آلاف درهم، فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشارا فقاللأه: يا أبا معاذ، إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون:

هللينـه هـلـلـينة                      طعن قثـاة لـتـينة

إن بشـار بـن بـرد                      تيس أعمى في سفنية فأخرج إليه بشار مائتي درهم فقال: خذ هذه راوية الصبيان يا أبا الشمقمق  شعره في هجاء العباس بن محمد

أخبرني أحمد قال حدثنا أبو محمد الصعتري قال حدثنا محمد بن عثمان البصري قال:

استمنح بشار بن برد العباس ممدود                      وقلبه أبدا في البخل مـعـقـود

إن الكريم ليخفي عنك عسـرتـه                      حتى تراه غنيا وهو مـجـهـود

وللبخيل علـى أمـوالـه عـلـل                      زرق العيون عليها أوجـه سـود

إذا تكرهت أن تعطي القليل ولـم                      تقدر على سعة لم يظهر الجـود

أورق بخير ترجى للنوال فـمـا                      ترجى الثمار إذا لم يورق العـود

بث النوال ولاتمنـعـك قـلـتـه                      فكل ماسد فقرا فهو مـحـمـود  اجتمع بعباد بن عباد وسلم عليه

أخبرني أحمد قال حدثنا العنزي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثني أبي عن عباد بن عباد قال: مررت ببشار فقلت: السلام عليك يا أبا معاذ؛ فقال: وعليك السلام، أعباد? فقلت: نعم؛ قال: إني لحسن الرأي فيك؛ فقلت: ماأحوجني إلى ذلك منك يا أبا معاذ جارى امرأ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين: أخبرني يحيى بن علي قال أخبرني محمد بن عمر الجرجاني عن أبي يعقوب الخريمي الشاعر أن بشارا قال: لم أزل منذ سمعت قول امرىء القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول:

كأن قلوب الطير رطبـا ويابـسـا                      لدى وكرها العناي والحشف البالي أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا                      وأسافنا ليل تهاوى كواكبـه قال يحيى: وقد أخذ هذا المعنى منصور النمري فقال وأحسن:

ليل من النقع لاشمس ولاقمر                      إلا جبينك والمذروبة الشرع  كان إسحاق الموصلي يطعن في شعره

ولما أنشد منه سكت:

 

 

صفحة : 305

 

أخبرني يحيى ين علي قال حدثني أبي قال: كان إسحاق الموصلي يطعن على شعر بشار ويضع منه ويذكر أن كظلامه مختلف لايشبه بعضه بعضا؛ فقلنا: أتقول هذا القول لمن يقول:  صوت

 

إذا كنت في كل الأمور معـاتـبـا                      صديقك لم تلق الذي لاتعـاتـبـه

فعش واحدا أو صل أخاك فـإنـه                      مقارف ذنب مرة ومـجـانـبـه

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى                      ظمئت وأي الناس تصفو مشاربـه لأبي العبيس بن حمدون في هذه الأبيات خفيف ثقيل بالبنصر قال علي بن يحيى: وهذا الكلام الذي ليس فوقه كلام من الشعر ولاحشو فيه؛ فقال لي إسحاق: أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن شبيل بن عزرة الضبعي أنشده هذه الأبيات للمتلمس؛ وكان عالما بشعره لأنهما جميعا من بني ضبيعة؛ فقلت له: أفليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشار: إن شبيلا أخبره أنها للمتلمس؛ فقال: كذب والله شبيل، هذا شعري، ولقد مدحت به ابن هبيرة فأعطاني عليه أربعين ألفا. وقد صدق بشار، قد مدح في هذه القصيدة ابن هبيرة، وقال فيها:

رويدا تصاهل بالعراق جـيادنـا                      كأنك بالضحاك قد قـام نـادبـه

وسام لمروان ومن دونه الشجـا                      وهول كلج البحر جاشت غواربه

أحلت به أم المنـايا بـنـاتـهـا                      بأسيافنا، إنا ردى من نحـاربـه

وكنا إذا دب العدو لسخـطـنـا                      وراقبنا في ظاهر لانـراقـبـه

ركبنا له جهلرا بكل مـثـقـف                      وأبيض تستسقي الدماء مضاربه ثم قلت لإسحاق: أخبرني عن قول بشار في هذه القصيدة:

فلملتولى الحرة اعتصر الـثـرى                      لظى الصيف من نجم توقد لاهبة

وطارت عصافير الشقائق واكتسى                      من الآل أمثال المجرة ناضـبـه

غدت عانة تشكو بأبصارها الصدى                      لإلى الجأب إلا أنها لا تخاطـبـه - العانة: القطيع من الحمير، والجأب: ذكرها. ومعنى شكواها الصدى بأبصارها أن العطش قد تبين في أحداقها فغارت- قال: وهذا من أحسن ما وصف به الحمار والأتن، أفهذا للمتلمس أيضا قال: لا؛ فقلت: أفما هو في غاية الجودة وشبيه بسائر الشعر، فكيف قصد بشار لسرقة تلك الأبيات خاصة وكيف خصه بالسرقة منه وحده من بين الشعراء وهو قبله بعصر طويل وقد روى الرواة شعره وعلم بشار أن ذلك لا يخفى، ولم يعثر على بشار أنه سرق شعرا قط جاهليا ولا إسلاميا. وأخرى فإن شعر المتلمس يعرف في بعض شعر بشار؛ فلم يردد ذلك بشيء.

وقد أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة أن بشار  أنشده:

إذا كنت في كل الأمور معاتبا                      صديقك لم تلق الذي لاتعاتيه وذكر الأبيات. قال: وأنشدتها شبيل بن عزرة الضبعي، فقال: هذا للمتلمس؛ فأخبرت بذلك بشارا، قال: كذب والله شبيل، لقد مدحت ابن هبيرة بهذه القصيدة وأعطاني عليها أربعين ألفا لما صار طاهر إلى العارق في حرب الأمين سأل عن ولد بشار ليبرهم: أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا علي بن إبارهيم المروزي، وكان أبوه من قواد طاهر، قال حدثني أبي قال: لما خلع محمد المأمون وندب علي بن عيسى، ندب المأمون للقاء علي بن عيسى طاهر بن الحسين ذا اليمينين4 وجلس له لعرضه وعرض أصحابه، فمر به ذو اليمينين معترضا وهو ينشد:

رويد تصاهل بالعراق جيادنا                      كأنك بالضحاك قد قام نادبه فتفاءل المأمون بذلك فاستدناه فاستعاده البيت فأعاد عليه؛ فقال ذو الرياستين: ياأمير المؤمنين هو حجر العراق؛ قال: أجل. فلما صار ذو اليمينين إلى العراق سأل: هل بقي من ولد بشار أحد? فقالوا: لا؛ فتوهمت أنه قد كان هم لهم بخير  غضبه على سلم الخاسر

لأنه سرق من معانيه:

أخبرنا يحيى قال حدثنا أبي قال أخبرني أحمد بن صالح -وكان أحد الأدباء - قال: غضب بشار على سلم الخاسر وكان من تلامذته ورواته، فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فجاؤوه في أمره؛ فقال لهم: كل حاجة لكم مقضية إلا سلما؛ قالوا ما جئناك إلا في سلم ولابد من أن ترضى عنه لنا؛ فقال: أين هو الخبيث? قالوا: هاهو هذا؛ فقام إليه سلم فقبل رأسه ومثل بين يديه وقال: يا أبا معاذ، خريجك وأديبك؛ فقال: يا سلم، من الذي يقول:

 

صفحة : 306

 

 

من راقب الناس لم يظفر بحاجته                      وفاز بالطيبات الفاتك اللـهـج قال: أنت يا أبا معاذ، جعلني الله فداءك قال: فمن الذي يقول:

من راقب الناس مات غما                      وفار باللذة الـجـسـور قال خريجك يقول ذلك)يعني نفيه(؛ قال: أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظا أخف من ألقاظي حتى يروي ماتقول ويذهب شعري لاأرضى عنك أبدا، قال: فمازال يتضرع إليه، ويشفع له القوم حتى رضي عنه. وفي هذه القصيدة يقول بشار:

لو كنت تلقين مانلقى قسمت لنا                      يوما نعيش به منكم ونبتهـج  صوت

 

لاخير في العيش إن كنا كذا أبدا                      لانلتقي وسبيل الملتقى نـهـج

قالوا حرام تلاقينا فقلت لـهـم                      مافي التلاقي ولافي قبلة حرج

من راقب الناس لم يظفر بحاجته                      وفاز بالطيبات الفاتك اللـهـج

أشكو إلى الله هما مايفارقـنـي                      وشرعا في فؤادي الدهر تعتلج  أنشد الأصمعي شعره فغاظه فخره بنسبه

أخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد قال: أنشدت الأصمعي قول بشار يهجو باهلة:

ودعاني معـشـر كـلـهـم                      حمق دام لهم ذاك الحـمـق

ليس من جزم ولكن غاظهـم                      شرفي العارض قد سد الأفق فاغتاظ الأصمعي فقال: ويلي على هذا العبد القن ابن القن  حديثه مع امرأة في الشيب

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي. قال حدثني عباس ين خالد قال سمعت غير واحد من أهل البصرة يحدث: أن امرأة قالت لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس قال بشار: أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان؛ فقالت له: أما قولك فحسن في السمع، ومن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السمع فكان بشار يقول: ماأفحمني قط غير هذه المرأة أحب الأشياء إليه: ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني إسحاق بن كلبة قال قال لي أبو عثمان المازني: سئل بشار: أي متاع الدنيا آثر عندك? فقال: طعام مز، وشراب مر، وبنت عشرين بكر  دخل إليه نسوة وطلب من إحداهن

أن تواصله فأبت فقال شعرا:

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن ابي سعد، وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة عن صالح بن عطية قال: كان النساء المتظرفات يدخلن إلى بشار في كل جمعة يومين، فيجتمعن عنده ويسمعن من شعره، فسمع كلام امراة منهن فعلقها قلبه وراسلها يسألها أن تواصله؛ فقالت لرسوله: وأي معنى فيك لي أو لك في وأنت أعمى لا تراني فتعرف حسني ومقداره، وأنت قبيح الوجه فلا حظ لي فيك فليت شعري لأي شيء تطلب وصال مثلي وجعلت تهزأ به في المخاطبة؛ فأدى الرسول الرسالة، فقال له: عد إليها فقل لها:

أيرى له فضل على آيارهم                      وإذا أشظ سجدن غير أوابي

تلقاه بعد ثلاث عشرة قائمـا                      فعل المؤذن شك يوم سحاب

وكأن هامة رأسه بـطـيخة                      حملت إلى ملك بدجله جابي  اعترض مروان بن أبي حفصة على

بيت من شعره فأجابه:

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثنا أبو هفان قال أخبرني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني عن أبيه قال: قال مروان لبشار لمل أنشده هذا البيت:

وإذا قلت لها جـودي لـنـا                      خرجت بالصنمت من لاونعم جعلني الله فداءك يا أبا معاذ هلا قلت:  خرست بالصمت  ؛ قال: إذا أنا في عقلك فض الله فاك أأتطير على من أحب بالخرس  مدح خالدا البرمكي فأجازه

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني بعض أصحابنا قال: وفد بشار إلى خالد بن برمك وهو على فارس فأنشده:

أخالد لم أخـبـط إلـيك بـذمة                      سوى أنني عاف وأنت جـواد

أخالد بين الأجر والحمد حاجتي                      فأيهما تأتي فـأنـت عـمـاد

فإن تعطني أفرغ عليك مدائحي                      وإن تأب لم يضرب علي سداد

ركابي على حرف وقلبي مشيع                      ومالي بأرض الباخلـين بـلاد

 

صفحة : 307

 

 

إذا أنكرتني بلدة أو نكرتـهـا                      خرجت مع البازي علي سواد قال: فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس فوضع واحدا عن يمينه وواحدا عن شماله وآخر بين يديه وآخر خلفه، وقال: يا أبا معاذ، هل استقل العماد? فلمس الأكياس ثم قال: استقل والله أيها الأمير  مدح الهيثم بن معاوية وأخذ جائزته

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال محمد بن الحجاج حدثني بشار قال: دخلت على الهيثم بن معاوية وهو أمير البصرة، فأنشدته:

إن السلام أيهـا الأمـير                      عليك والرحمة والسرور فسمعته يقول: إن هذا الأعمى لايدعنا أو ياخذ من دراهمنا شيئا؛ فطمعت فيه فما برحت حتى انصرفت بجائزته.

طلب رجلا من بني زيد للمفاخرة

وهجاه فانقطع عنه:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن اسماعيل عن محمد بن سلام قال: وقف رجل من بني زيد شريف، لاأحب أن أسميه، على بشار، فقال له: يابشار قد أفسدت علينا موالينا، تدعوهم إلى الانتفاء منا وترغبهم في الرجوع إلىأصولهم وترك الولاء، وأنت غير زاكي الفرع ولامعروف الأصل؛ فقال له بشار: والله لأصلي أكرم من الذهب، ولفرعي أزكى من عمل الأبرار، ومافي الأرض كلب يود أن نسبك له بنسبه، ولو شئت أن أجعل جواب كلامك كاملا لفعلت، ولكن موعدك غدا بالمردب؛ فرجع الرجل إلى منزله وهو يتوهم أن بشارا يحضر معه المربد ليفاخره، فخرج من الغد يريد المربد فإذا رجل ينشد:

شهدت على الزيدي أن نساءه                      ضباع إلى أير العقيلي تزفر فسأل عمن قال هذا البيت؛ فقيل له: هذا لبشار فيك؛ فرجع إلى منزله من فوره ولم يدخل المربد حتى مات قال ابن سلام: وأنشد رجل يوما يونس في هذه القصيدة وهي:

بلوت بني زيد فما فـي كـبـارهـم                      حلوم ولافي الأصغرين مـطـهـر

فأبلغ بني زيد وقـل لـسـراتـهـم                      وإن لم يكن فيهـم سـراة تـوقـر

لأمـكـم الـويلان إن قـصــائدي                      صواعق منها مـنـجـد ومـغـور

أجـدهـم لايتـقـــون دنـــية                       ولايؤثرون الخير والـخـير يؤثـر

يلفون أولاد الزنـا فـي عـدادهـم                      فعدتهم من عـدة الـنـاس أكـثـر

إذا مارأوا من دأبه مـثـل دأبـهـم                      أطافوا به، والغي للـغـي أصـور

ولوفارقوا من فـيهـم مـن دعـارة                      لما عرفتهم أمهم حـين تـنـظـر

لقد فخروا بالملـحـقـين عـشـية                      فقلت افخروا إن كان في اللؤم مفخر

يريدون مسعـاتـي ودون لـقـائهـا                      قناديل أبواب السـمـوات تـزهـر

فقل في بني زيد كما قال مـعـرب                      قوارير حجـام غـدا تـتـكـسـر فقال يونس للذي أنشده: حسبك حسبك من هيج هذا الشيطان عليهم? قيل: فلان؛ فقال: رب سفيه قوم قد كسب لقومه شرا عظيما  ضمن مثلا في شعره عند عقبة

ابن سلم واستحق جائزته:

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني عبد الله بن بشر بن هلال قال حدثني محمد بن محمد البصري قال حدثني النضر بن طاهر أبو الحجاج قال: قال بشار: دعاني عقبة بن سلم ودعا بحماد عجرد وأعشى باهلة، فلما اجتمعا عنده قال لنا: إنه خطر ببالي البارحة مثل مايتمثله الناس:  ذهب الحمار يطلب قرنين فجاء بلا أذنين  فأخرجوه من الشعر، ومن أخرجه من الشعر، ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة؛ فقال حماد: أجلنا أعز الله الأمير شهرا؛ وقال الأعشى: أجلنا أسبوعين؛ قال: وبشار ساكت لايتكلم؛ فقال له عقبة: ملك  يا أعمى  لاتتكلم أعمى الله قلبك فقال: أصلح الله الأمير، قد حضرني شيء فإن أمرت قلته؛ فقال قل؛ فقال:

شط بسلمى عاجل البـين                      وجاورت أسد بني القين

ورنت النفس لـهـا رنة                      كادت لها تنشق نصفين

يابنة من لاأشتهي ذكـره                      أخشى عليه علق الشين

والله لو ألقاك لاأتـقـي                      عينا لقبلـتـك ألـفـين

طالبتها ديني فراغت به                      وعلقت قلبي مع الـدين

فصرت كالعير غدا طالبا                      قرنا فلم يرجع بأدنـين قال: فانصرف بشار بالجائزة

 

صفحة : 308

 

قصته مع قوم من قيس عيلان

نزلوا بالبصرة ثم ارتحلوا:

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثنا علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية الكوفي قال حدثني عثمان بن عمرو الثقفي قال قال أبان بن عبد الحميد اللاحقي: نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس عيلان وكان فيهم بيان وفصاحة، فكان بشار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا فيجلونه لذلك ويعظمونه، وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدثن إليه وينشدن أشعاره في الغزل وكن يعجبن به، وكنت كثيرا ماآتي ذلك الموضع فأسمع منه ومنهم، فأتيتهم يوما فإذا هم قد ارتحلوا، فجئت إلى بشار فقلت له: يا أبا معاذ، أعلمت أن القوم قد ارتحلوا? قال: لا؛ فقلت: فاعلم؛ قال:: قد علمت لاعلمت ومضيت، فلما كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون:

دعا بفراق من تهـوى أبـان                      ففاض الدمع واحترق الجنان

كأن شرارة وقعت بقلـبـي                      لها في نقلتي ودجمي أتنـان

وإذا انشدت أو نسمت عليهـا                      رياح الصيف هاج لها دخان فعلمت أنها لبشار، فأتيته فقلت: يا أبا معاذ، ماذنبي إليك? قال: ذنب غراب البين؛ فقلت: هل ذكرتني بغير هذا? قال: لا؛ فقلت: أنشدك الله ألا تزيد؛ فقال: امض لشأنك فقد تركتك  بشار وجعفر ين سليمان

وسنخت من كتابه: حدثني علي بن مهدي قال حدثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي المعتزلي قال حدثني أحمد بن المعذل عن أبيه قال: أنشد بشار بن جعفر بن سليمان:

أقلي فإنـا لاحـقـون وإنـمـا                      يؤخرنا أنـا يعـد لـنـا عـدا

وماكنت إلا كالأغرابن جعـفـر                      رأى المال لايبقى فأبقى به حمدا فقال له جعفر بن سليمان: من ابن جعفر? قال: الطيا في الجنة؛ فقال: لقد ساميت غير مسامي فقال: والله مايقعدني عن شأوه بعد النسب، لكن قلة النشب، وإني لأجود بالقليل وإن لم يكن عندي الكثير، وماعلى من جاد بما يملك ألا يهب البدور؛ فقال له جعفر: لقد هززت أبا معاذ، ثم دعا له بكيس فدفعه إليه.

سئل عن ميله للهجاء فأجاب

ونسخت من كتابه: حدثني علي بن مهدي قال حدثني أحمد بن سعيد الرازي عن سليمان بن سليمان العلوي قال: قيل لبشار: إنك لكثير الهجاء فقال: إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع، ومن أراد من الشعارء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى.

بشار في صباه

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان ابو بشار طيانا حاذقا بالتطبين، وولد له بشاروهو أعمى، فكان يقول: مارأيت مولودا أعظم بركة منه، ولقد ولد لي ماعندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم. ولم يمت ببرد حتى قال بشار الشعر. وكان لبشار أخوان يقال لأحدهما: بشر، وللآخر: بشير، وكانا قصابين وكان بشار بارا بهما، على أنه كان ضيق الصد ومتبرما بالناس، فكان يقول: اللهم إني قد تبرمت بنفسي وبالناس جميعا، اللهم فأرحني منهم. وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسخونها وينتنون ريحها، فاتخذ قميصا له جيبان وحلف ألا يعيرهم ثوبا من ثيابه، فكانوا يأخذونها بغير إذنه؛ فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر ريحته فيقول إذا وجد رائحة كريهة نم ثوبه:  أينما أتوجه ألق سعدا. فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على نتنها ووسخه، فيقال له: ماهذا يا أبا معاذ? فيقول: هذه ثمرة صلة الرحم. قال: وكان يقول الشعر وهو صغير، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا، فكانت أمه تقول: كم تضرب هذا الصبي الضرير، أما ترحمه فيقول: بلى والله إني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي؛ فسمعه بشار فطمع فيه فقال له: ياأبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول:  ليس على الأعمى حرج  . فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ماقاله بشار؛ فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار.

مائتا دينار لشعره في مطاولة النساء

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني محمد بن عثمان الكريزي قال حدثني بعض الشعراء قال:

 

صفحة : 309

 

أتيت بشارا الأعمى وبين يديه مائتا دينار، فقال لي: خذ منها ماشئت، أو تدري ماسببها? قلت: لا؛ قال: جاءني فتى فقال لي: أنت بشار? فقلت: نعم؛ فقال: إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلمتها فلم تلتفت إلي، فهممت أن أتركها فذكرت قولك:

لايؤيسنك مـن مـخـبـأة                      قول تغلظه وإن جـرحـا

عسر النساء إلى مـياسـرة                      والصعب يمكن بعدما جمحا فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي  عاب الأخفش شعره

ثم صار بعد ذلك يستشهد به لما بلغه أنه هم بهجوه:

أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال: كان الأخفش طعن على بشار في قوله:

فالآن أقصر عن سمية باطلي                      وأشار بالوجلى على مشـير وفي قوله:

على الغزلى مني السلام فربمـا                      لهوت بها في ظل مرءومة زهر وفي قوله في صفة السفينة:

تلاعب نينان الـبـحـور وربـمـا                      رأيت نفوس القوم من جريها تجري وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فعلى، ولم أسمع بنون ونينان؛ فبلغ ذلك بشارا فقال: ويلي على القصارين متىكانت الفصاحة في بيوت القصارين دعوني وإياه؛ فبلغ ذلك الأخفش فبكى وجزع؛ فقيل له: مايبكيك? فقال: ومالي لاأبكي وقد وقعت في لسان بشار الأعمى فذهب أصحابه بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه؛ فكف عن ذكره بعد هذا.

قال: وقال غير ابي حاتم: إنما بلغه سيبويه عاب هذه الأحرف عليه لا الأخفش، فقال يهجوه:

أسبويه يابن الفارسية مـاالـذي                      تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ

أظلت تغني سادرا في مساءتي                      وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ قال: فتوقاه سيبويه بع د ذلك، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره.

ذم بني سدوس باستعانة بني عقيل

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن علي بن سويد بن منجوف قال: كان بشار مجاورا لبني عقيل وبني سدوس في منزل الحيين، فكانوا لايزالون يتفاخرون، فاستعانت عقيل ببشار وقالوا: يا أبا معاذ، نحن أهلك وأنت ابننا وربيت في جحورنا فأعنا؛ فخرج عليهم وهم يتفاخرون، فجلس ثم أنشد:

كأن بني سدوس رهط ثـور                      خنافس تحت منكسر الجدار

تحرك للفخار زبـانـييهـا                      وفخر الخنفساء من الصغار فوثب بنو سدوس إليه فقالوا: مالنا ولك ياهذا نعوذ بالله من شرك فقال: هذا دأبكم إن عاوتم مفاخرة بني عقيل؛ فلم يعاودوها.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال: قال يونس النحوي: العجب من الأزد يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم ويهجو رجالهم -يعني بشارا - ويقول:

ألا ياصنم الأزد ال                      ذي يدعونه ربـا ألا يبعثون إليه من يفتق بطنه ذم أناسا كانوا مع ابن أخيه أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهروية عن أحمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال: مر ابن أخ لبشار ببشار ومعه قوم: فقال لرجل معه وسمع كلامه: من هذا? فقال: ابن أخيك؛ قال: اشهد أن أصحابه سفلة؛ قال: وكيف علمت? قال: بيس عليهم نعال.

سمع شعره من مغنية فطرب

وقال: هذا أحسن من سورة الحشر

اخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني الفضل بن يعقوب قال: كنا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنينا، وبشار عندنا، فغنت في قوله:

إن الخلـيفة قـد أبـى                      وإذا أبى شيئا أبـيتـه

ومخضب رخص البنـا                      ن وبكى علي وما بكيته

يامنظرا حسـنـا رأي                      ت بوجه جارية فديتـه

بعثت إلي تسـومـنـي                      ثوب الشباب وقد طويته فطرب بشار وقال: هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر. وقد روى هذه الكلمة عن بشار غير من ذكرته فقال عنه: إنه قال: هي والله أحسن من سورة الحشر. والغناء في هذه الأبيات. وتمام الشعر:

وأنا المطل على العـدا                      وإذا غلا الحمد اشتريته

وأميل في أنس النـدي                      م من الحياء ومااشتهيته

ويشوقني بيت الحـبـي                      ب إذا غدوت وأين بيته

 

صفحة : 310

 

 

حال الخلـيفة دونـه                      فصبرت عنه وماقليته وأنشدني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذه الأبيات وأخبرني أن الجاحظ أخبره أن المهدي نهى بشارا عن الغزل وأن يقول شيئا من النسيب، فقال هذه الأبيات. قال: وكان الخليل بن أحمد ينشدها ويستحسنهات ويعجب بها.

سألته ابنته لماذا يعرفه الناس ولايعرفهم

فأجابها:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ أبو غسان عن محمد بن الحجاج قال: قالت بنت بشار لبشار: ياأبت، مالك يعرفك الناس ولاتعرفهم? قال: كذلك الأمير يابنية.

سبب عبد الله بن مسور أبا النضير فدافع عنه بشار: أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: قال عبد الله بن مسور الباهلي يوما لأبي النضير، وقد تحاوروا في شيء: يابن اللخناء، اتكلمني ولواستريت عبدا بمائتي درهم واعتقته لكان خيرا منك قال له أبو النضير: والله لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلها؛ فغضب الباهلي؛ فقال له بشار: أنت منذ ساعة تزني أما ولايغضب، فلما كلمك كلمة واحدة لحقك هذا كله فقال له: وأمه مثل أمي يا أبا معاذ فضحك، ثم قال: والله لو كانت أمك أم الكتاب ما كان بينكما من المصارمة هذا كله.

طلب من ابن مزيد أن يدخله على المهدي

فسوفه فهجاه:

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثني سعيد بن عبيد الخزاعي قال: ورد بشار بغداد فقصد يزيد بن مزيد، وسأله أن يذكره للمهدي، فسوفه أشهرا؛ ثم ورد روح بن حاتم فبلغه خبر بشار، فذكره للمهدي من غير أن يلقاه، وأمر بإحضاره فدخل إلى المهدي وأنشده شعرا مدحه به، فوصله بعشرة آلاف درهم ووهب له عبدا وقينة  وكساه كسا كثيرة  ؛ وكان يحضر قيسا مرة، فقال بشار يهجو يزيد بن مزيد:

ولما التقينا بالجنينة غـرنـي                      بمعروفه حتى خرجت أفوق غرني: أوجرني كما يغر الصبي أو يوجر اللبن.

 

حباني بعبد قعـسـري وقـينة                      ووشي وآلا ف لهـن بـريق

فقل ليزيد يلعص الشهد خالـيا                      لنا دونه عند الخلـيفة سـوق

رقدت فنم يابن الخبـيثة إنـهـا                      مكارم لايستطيعهن لـصـيق

أبى لك عرق من فلانة أن ترى                      جوادا ورأس حين شبت حليق  قصيدته التي مدح بها إبراهيم بن عبد الله

فلما قتل جعلها للمنصور:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: كان بشار كتب إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بقصيدة يمدحه بها ويحرضه ويشير عليه، فلم تصل إليه حتى قتل، وخاف بشار أن تشتهر فقلبها وجعل التحريض فيها على أبي مسلم والمدح والمشورة لأبي جعفر المنصور، فقال:

أبا مسلم ماطيب عيش بدائم                      ولاسالم عما قليل بسالـم وإنما كان قال:  أبا جعفر ماطيب عيش  فغيره وقال فيها:

إذا بلغ الرأي النصيحة فاستـعـن                      بعزم نصـيح أو بـتـأييد حـازم

ولاتجعل الشورى عليك غضاضة                      مكان الخوافي نافع لـلـقـوادم

وخل الهوينى للضعيف ولاتـكـن                      نؤوما فإن الحزم لـيس بـنـائم

وماخير كف أمسك الغل أختـهـا                      وماخير سـيف لـم يؤيد بـقـائم

وحارب إذا لم تعـط إلا ظـلامة                       شبا الحرب خير من قبول المظالم

وأدن على القرى المقرب نفسـه                      ولاتشهد الشورى أمرا غير كاتـم

فإنك لاتستطرد الهم بـالـمـنـى                      ولاتبلغ العليا بغير الـمـكـارم

إذا كنت فردا هرك القوم مقبـلا                      وإن كنت أدنى لم تفز بالـعـزائم

وماقرع الأقوام مـثـل مـسـيع                      أريب ولاجلى العمى مثل عالـم قال الأصمعي: فقلت لبشار: إني رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في المشورة؛ فقال: أما علمت أن المشاورين إحدى الحسنيين: بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقلت: أنت والله أشعر في هذا الكلام منك في الشعر  اعترض عليه رجل لوصفه جسمه بالنحول

وهو سمين:

 

 

صفحة : 311

 

أخبرن يالحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني علي بن الصباح عن بعض الكوفيين قال: مررت ببشار وهو متبطح في دهليزه كأنه جاموس، فقلت له: يا أبا معاذ، من القائل:

في حلتي جسم فتى ناحل                      لو هبت الريح يه طاحا قال: أنا؛ قلت: فما حملك على هذا الكذب? والله إني لأرى أن لو بعث الله الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ماحركتك من موضعك فقال بشار: من أين أنت? قلت: من أهل الكوفة؛ فقال: ياأهل الكوفة لاتدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.

عاتب صديقا له لأنه لم يهد له شيئا

نسخت من كتاب هارون بن علي: قال حدثني عافية بن شبيب قال: قدم كر كردي بن عامر المسمعي من مكة، فلم يهد لبشار شيئا وكان صديقه؛ فكتب إليه

ماأنت ياكردي بـالـهـش                      ولاأبريك مـن الـغـش

لم تهدنا نعلا ولاخـاتـمـا                      من أين أقبلت? من الحش فأهدى إليه هدية حسنة وجاءه فقال: عجلت يا أبا معاذ علينا، فأنشدك الله ألا تزيد شيئا على مامضى.

أخبر أنه غنى بشعر له فطرب

ونسخت من كتابه عن عافية بن شبيب أيضا قال حدثني صديق لي قال: قلت لبشار: كنا أمس في عرس فكان أول صوت غنى به المغني:

هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت                      وأشفى لنفسي أن تهـب جـنـوب

وماذاك إلا أنها حـين تـنـتـهـي                      تناهى وفيها من عـبـيدة طـيب فطرب وقال: هذا والله أحسن من فلج يوم القيامة  مدح المهدي فلم يجزه

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبي عن عافية بن شبيب عن أيب جعفر الأسدي قال: مدح بشار المهدي فلم يعطه شيئا؛ فقيل له: لم يستجد شعرك؛ فقال: والله لقد قلت شعرا لوقيل في الدهر لم يخش صرفه عن أحد، ولكنا نكذب في القول فنكذب في الأمل  هجا روح بن حاتم فحلف ليضربنه

ثم بر في يمينه فضربه بعرض السيف:

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن خليفة الدارمي عن نصر بن عبد الرحمن العجلي قال: هجا بشار روح بن حاتم؛ فبلغه ذلك فقذفه وتهدده؛ فلما بلغ ذلك بشارا قال فيه:

تهددني أبو خلف                      وعن أوتاره ناما

بشيف لأبي صفر                      ة لايقطع إبهاما

كأن الورس يعلوه                      إذا ماصدره قاما -قال ابن أبي سعد: ومن الناس من يروي هذين البيتين لعمر الظالمي- قال: فبلغ ذلك روحا فاقل: كل مالي صدقة إن وقعت علين عليه لأضربنه ضربة بالسيف ولوأنه بين يدي الخليفة فبلغ بشار  فقام من فوره حتى دخل على المهدي؛ فقال له: ماجاء بك في هذا الوقت? فأخبره بقصة روح وعاذ به منه، فقال: يانصير، وجه إلى روح من يحضره الساعة؛ فأرسل إليه في الهاجرة، وكان ينزل المخرم، فطن هو وأهله أنه دعي لولاية. قال: ياروح، إني بعثت إليك في حاجة؛ فقال له: أنا عبدك ياأمير المؤمنين فقل ماشئت سوى بشار فإني حلفت في أمره بيمين غموس؛ قال: قد علمت وإياه أردت؛ قال له: فاحتل ليميني ياأمير المؤمنين؛ فأحضر القضاة والفقهاء فاتفقوا على أن يضربه ضربة على جسمه بعرض السيف، وكان بشار وراء الخيش، فأخرج وأقعد واستل روح سيفه فضربه ضربة  بعرضه؛ فقال: أوه باسم الله فضحك المهدي وقال له: ويلك هذا وإنما ضربك بعرضه وكيف لو ضربك بحده مدح سليمان بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبيدة قال: مدح بشار سليمان بن هشام بن عبد الملك وكان مقيما بحران وخرج إليه فأنشده قوله فيه:

نأتك على طول التـجـاور زينـب                      وماشعرت أن النوى سوف تشعب

يرى الناس ماتلقى بزينب إذا نـأت                      عجيبا وماتخفي بزينـب أعـجـب

وقائلة لي حـين جـد رحـيلـنـا                      وأجفان عينيها تجود وتـسـكـب

أغاد إلى حران فـي غـير شـيعة                      وذلك شأو ابن الخلـيفة مـذهـب

سيكلفني فتى من سعيه حد سـيفـه                      وكور علافي ووجنـاء ذغـلـب

إذا استوغرت دار عليه رمى بهـا                      بنات الصوى منها ركوب ومصعب

فعدي إلى يوم ارتحلـت وسـائلـي                      بزورك والرحال من جاء يضرب

لعلك أن تستـقـينـي أن زورتـي                      سليمان من سير الهواجر تعـقـب

 

صفحة : 312

 

 

أغر هشامي القناة إذا انتمـى                      نمته بدور وليس فيهن كوكب

وماقصدت يوما مخيلين خيله                      فتصرف إلا عن دماء تصبب  استقل عطاء سليمان فقال شعرا

فوصله سليمان بخمسة لآلاف درهم وكان يبخل، فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا فقال:

إن أمس منقبض اليدين عن الندى                      وعن العدو مخيس الشـيطـان

فلقد أروح عن اللئام مسلـطـا                      ثلج المقيل منعـم الـنـدمـان

في ظل عيش عشيرة محمـودة                      تندى يدي ويخاف فرط لسانـي

أزمان جني الشبـاب مـطـاوع                      وإذ الأمير علـي مـن حـران

ريم بأحوية الـعـراق إذا بـدا                      برقت عليه أكلة الـمـرجـان

فاكحل بعبده مقلتيك من القـذى                      وبوشك رؤيتها من الهـمـلان

فلقرب من تهوى وأنت مـتـيم                      أشفى لدائك من بـين مـروان فلما رجع إلى العراق بره ابن هبيرة ووصله، وكان يعظم بشارا ويقدمه، لمدحه قيسا وافتخاره بهم، فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه.

مدح المهدي بشعر فيه تشبيب حسن

فنهاه عن التشبيب:

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال: قدم بشار الأعمى على لامهدي بالرصافة فدخل عليه في البستان فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن، فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه، فأنشده مديحا فيه، يقول فيه:

كأنما جـئتـه أبـشـره                      ولم أحيء راغبا ومحتلبا

يزين المنبر الأشم بعـط                      فيه وأقواله إذا خطبـا

تشم نعلاه في الندى كما                      يشم ماء الريحان منتهبا فأعكاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل وجعل له وفادة في كل سنة ونهاه عن التشبيب البتة، فقدم عليه في السنة الثالثة فدخل عليه فأنشده:

تجاللت عن فهر وعن جارتي فهـر                      وودعت نعمى بالسلام وبالـبـشـر

وقالت سليمى ففيك عـنـا جـلادة                      محلك دان والزيارة عـن عـفـر

أخي في الهوى مالي أراك جفوتنـا                      وقد كنت تقفونا على العسر واليسر

تثاقلت إلا عـن يد أسـتـفـيدهـا                      وزورة أملاك أشـد بـهـا أزري

وأخرجبن من وزر خمسـين حـجة                      فتى  هاشمي يقشعـر مـن الـزر

دفنت الهوى حيا فلسـت بـزاشـر                      سليمى ولاصفراء ماقرقر القمري

ومصفرة بالزعفـران جـلـودهـا                      إذا اجتليت مثل المفرطحة الصفـر

فرب ثقال الردف هبت تلـومـنـي                      ولو شهدت قبري لصلت على قبري

تركت لمهدي الأنـام وصـالـهـا                      وراعيت عهدا بيننا ليس بالخـتـر

ولولا أمير المؤمـنـين مـحـمـد                      لقبلت فاها أو لكان بهـا فـطـري

لعمري لقد أوقرت نفسي خـطـيئة                      فما أنا بالمزداد وقرا علـى وقـر في قصيدة طويلة امتدحه بها، فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك ولم يزده شيئا.

توفي ابن له فتمثل بقول جرير

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي عن محمد بن سلام عن بعض أصحابه قال: حضرنا جنازة ابن لبشارة توفي، فجزع عليه جزعا شديدا، وجعلنا نعزيه ونسليه فما يغني ذلك شيئا، ثم التفت إلينا وقال: لله در جرير حيث يقول وقد عزي بسوادة ابنه:

قالوا نصيبك منأجر فقلـت لـهـم                      كيف العزاء وقد فارقت أشبالـي

ودعتني حين كف الدهر من بصري                      وحين صرت كعظم الرمة البالـي

أودى سوادة يجلو مقلـتـي لـحـم                      باز يصرصر فوق المربأ العالـي

إلا تكـن لـك بـالـديرين نـائحة                      فرب نائحة بالـرمـل مـعـوال  استنشده صديق له شيئا من غزله

فاعتذر المهدي له عنه:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني خلاد الأرقط قال: اما أنشد المهدي قول بشار:

لايؤيشنـك مـن مـخـبـأة                      قول تغلظـه وإن جـرحـا

عسر النساء إلي مـياسـرة                      والصعب يمكن بعد ما جمحا

 

صفحة : 313

 

فنهاه المهدي عن قوله مثل هذا، ثم حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن سمان، فقال له: أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك، فأنشا يقول:

وقائل هات شوقنا فقـلـت لـه                      أنائم أنت ياعمرو بن سـمـان

أما سمعت بما قد شاع في مضر                      وفي الحليفين من نجر وقحطان

قال الخليفة لاتنسـب بـجـارية                      إياك إياك أن تشقى بعـصـيان  صدق ظنه في تقدير جوائز الشعر

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا سليان بن أيوب المدائني قال: قال مروان بن أبي حفصة: قدمت البصرة فأنشدت بشارا قصيدة لي واستنصحته فيها، فقال لي: ماأجودها تقدم بغداد فتعطى عشرة آلاف درهم؛ فجزعت من ذلك وقلت: قتلتني فقال: هو ماأقول لك؛ وقدمت بغداد فأعطيت عليها عشرة آلاف درهم؛ ثم قدمت عليه قدمة أخرى فأنشدته قصيدتي: فقال: تعطى عليها مائة ألف درهم؛ فقدمت فأعطيت مائة ألف درهم، فعدت إلى البصرة فأخبرته بحالي في المرتين، وقلت له: مارأيت أعجب من حدسك فقال: يابني، أما علمت أنه لم يبق أحد أعلم بالغيب من عمك. أخبرنا بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا يزيد ين محمد المهلبي عن محمد بن عبد الله بن أبي عيينة عن مروان أنه قدم على بشار فأنشده قوله:

طرقتك زائة فحي خيالها فقال له: يعطونك عليها عشرة آلاف درهم، ثم قدم عليه فأنشده قوله:

أنى يكون وليس ذاك بكائن                      لبني البنات وراثة الأعمام فقال: يعطونك عليها مائة ألف درهم، وذكر باقي الخبر مثل الذي قبله.

امتحن في صلاته فوجد لايصلي

أخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال: قال بعض أصحاب بشار: كنا نكون عنده فإذا حضرت الصلاة قمنا إليها ونجعل حول ثيابه ترابا حتى ننظر هل يقوم يصلي، فنعود والتراب بحاله و ماصلى.

جعل الحب قاضيا بين المحبين بأمر المهدي

اخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال: قال أبو عمرو: بعث المهدي إلى بشار فقال له: قل في الحب شعرا ولاتطل واجعل الحب قاضيا بين المحبين ولاتسم أحدا؛ فقال:

اجعل الحب بين حبـي وبـينـي                      قاضيا إنني بـه الـيوم راضـي

فاجتمعنا فقلت ياحـب نـفـسـي                      إن عيني قـلـيلة الإغـمـاض

أنت عذبتني وأنحلت جـسـمـي                      فارحـم الـيوم دائم الأمـراض

قال لي لايحل حكمـي عـلـيهـا                      أنت أولى بالسقـم والإحـراض

قلت لما أجـابـنـي بـهـواهـا                      شمل الجور في الهوى كل قاضي فبعث إليه المهدي: حكمت علينا ووافقنا ذلك، فامر له بألف دينار  نسب إليه بعضهم أنه

أخذ معنى في شعره من أشعب فرد عليه:

أخبرني عيسى قال حدثني سليمان المدني قال حدثني الفضل بن إسحاق الهاشمي قال: أنشد بشار قوله:

يروعه السرار بكل أرض                      مخافة أن يكون به السرار فقال له رجل: أظنك أخذت هذا من قول أشعب: مارأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء؛ فقال: إن كنت أخذت هذا من قول أشعب فإنك ثقل الروح والمقت من الناس جميعا فانفردت به دونهم، ثم قام فدخل وتركنا. وأخذ أبو نواس هذ المعنى بعينه من بشار فقال فيه:

تركتني الوشاة نصب المسري                      ن وأحدوثة بكـل مـكـان

ماأرى حاليين في السـر ألا                      قلت مايخلوان إلا لشـانـي  اشتنشد هجوه في حماد عجرد

وعمرو الظالمي فأنشد:

أخبرني عمي قال حدثني سليمان قال قال لي أبو عدنان حدثني سعيد جليس كان لأبي زيد قال: أتاني أعشى سليم وأبو حنش فقالا لي: انطلق معنا إلى بشار فتسأله أن ينشدك شيئا من هجائه في حماد عجرد أو في عمرو الظالمي فإنه إن عرفنا لم ينشدنا، فمضيت معهما حتى دخلت على بشار فاستنشدته فأنشد قصيدة  له على الجال فجعل يخرج من واد في الهجاء إلى واد آخر وهما يستمعان وبشار لايعرفهما، فلما خرجا قال أحدهما للآخر: أما تعجب مما جاء به هذا الأعمى? فقال أبو حنش: أماأنا فلا أعرض-والله- والدي أبدا؛ وكانا قد جاءا يزورانه، وأحسبهما أرادا أن يتعرضا لمهاجاته.

مدح واصلا قبل أن يدين بالرجعة

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن الجاحظ قال:

 

صفحة : 314

 

كان بشار صديقا لأبي حذيفة واصل بن عطاء قبل أن يدين بالرجعة ويكفر الأمة، وكان قد مدح واصلا وذكر خطبته التي خطبها فنزع منها كلها الراء وكانت على البديهة، وهي أطول من خطبتي خالد بن صفوان وشبيب بن سيبة، فقال:

تكلفوا القول والأوقام قد حفـلـوا                      وحبروا خطبا ناهيك من خطـب

فقام مرتجلا تغلـي بـداهـنـخ                      كمرجل القين لما حف باللـهـب

وجانب الراء لم يشعر بـه أحـد                      قبل التصفح والإغراق في الطلب قال: فما دان بالرجعة زعم أن الناس كلهم كفروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقيل له: وعلي بن أبي طالب? فقال:

وماشر الثلاثة أم عمرو                      بصاحبك الذي لاتصبحينا قال: ما كان الكمبت شاعرا: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن اسماعيل تينة قال قال لي محمد بن الحجاج: قال بشار: ما كان الكميت شاعرا؛ فقيل له: زكيف زهز الذي يقول:

أنصف امرىء من نصف حي يسبني                      لعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب

هنيئا لكلب أن كـلـبـا يسـبـنـي                      وأني لم أردد جوابا علـى كـلـب فقال بشار: لابل شانئك، أترى رجلا لو ضرط ثلاثين سنة لم يستحل من ضرطه ضرطة واحدة  تمثل سفيان بن عيينة بشعر له

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثني حجاج المعلم قال سمعت أشبهناهم، فصرنا كما قال الشاعر:

وماأنا إلا كالزمان إذا صـحـا                      صحوت وإن ماق الزمان أموق  وبخ من سأله عن منزل ففهمه ولم يفهم

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال: كنا مع بشار فأتاه رجل فسأله عن منزل رجل ذركه له، فجعل يفهمه ولايفهم، فأخذ بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول:

أعمى يقود بصيرا لاأبا لـكـم                      قد ضل من كانت العميان تهديه حتى صار به إلى منزل الرجل، ثم قال له: هذا هو منزله ياأعمى  أنشده عطاء الملط شعرا فاستحسنه

وأنشد شعرا على رويه:

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: زعم أبو دعامة أن عطاء الملط أخبره أنه أتى بشارا فقال له: يا أبا معاذ، أنشدك شعرا حسنا? فقال: ما أسرني بذلك، فأنشده:

أعاذلتي اليوم ويلكمـا مـهـلا                      فما جزعا م الآن أبكي ولاجهلا فلما فرغ منها قال له بشار: أحسنت، ثم أنشده على رويها ووزنها:

لقد كاد ماأخفي من الوجد والهوى                      يكون جوى بين الجوانح أوخبـلا  صوت

 

إذا قال مهلا ذو الـقـرابة زادنـي                      ولوعا بذكراها ووجدا بها مـهـلا

فلا يحسب البيض الأوانس أن فـي                      فؤادي سوى سعدى لغانية فضـلا

فأقسم إن كان الهوى غـير بـالـغ                      بي القتل من سعدي لقد جاوز القتلا

فيا صاح خبرني الذي أنت صانـع                      بقاتلتي ظلما وماطلـبـت ذحـلا

سوى أنني في الحب بيني وبينـهـا                      شددت على أكظام سر لها قـفـلا وذكر أحمد بن المكي أن لإسحاق في هذه الأبيات ثقيلا أول بالوسطى فاستحسنت القصيدة وقلت: يا أبا معاذ، قد والله أجدت وبالغت، فلو تفضلت بأن تعيدها، فأعادها على خلاف ماأنشدنيها في المرة الأولى، فتوهمت أنه قالها في تلك الساعة  حاوره أحمد بن خلاد في ميله إلى الإلحاد

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال: كنت أكلم بشارا وأورد عليه سوء مذهبه بميله إلى ألإلحاد، فكان يقول: لاأعرف إلا ماعانيته أو عانيت مثله؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لي: ماأظن الأمر يا أبا خالد إلا كما تقول، وأن الذي نحن فيه خذلان، ولذلك أقول:

طبعت على مافي غير مـخـير                      هواي ولو خيرت كنت المهذبـا

أريد فلا أعطي وأعطى ولـم أرد                      وقصر علمي أن أنال المغـيبـا

فأصرف عن قصدي وعليم مقصر                      وأمسي وماأعقبت إلا التعجـبـا  عاتب بشعر فتى من آل منقر

بعث إليه في الضحية بنعجة عجفاء:

 

 

صفحة : 315

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهروية ?قال حدثني أحمد بن خلاد بن المبارك قالحدثني أبي قال: كان بالبصرة فتى من بني منقر أمه عجلية، وكان يبعث إلى بشار في كل أضحية بأضحية من الأضاحي التي كان أهل البصرة يسمنونها سنة  وأكثر للأضاحي ثم تباع الأضحية بعشرة دنانير، ويبعث معها بألف درهم؛ قال: فأمروكيله في بعض السنين أن يجريه على رسمه، فاشترى له نعجة كبيرة غير سمينة وسرق باقي الثمن، وكانت نعجة عبدلية  من نعاج عبد الله بن دارم وهو نتاج مرذول، فلما أدخلت عليه قالت له جاريته ربابة: ليست هذه الشاة من الغنم التي كان يبعث بها إليك؛ فقال: أدينها مني فأدنتها ولمسها بيده ثم قال: اكتب ياغلام:

وهبت لنا يافتـى مـنـقـر                      وعجـل وأكـرمـهـم أولا

وأبسطهم راحة في الـنـدى                      وأرفعهم ذروة في الـعـلا

عجوزا قد آوردها عمـرهـا                      وأسكنها الدهر دار البـلـى

سلوحا توهمت أن الـرعـاء                      سقوها ليسهلها الحـنـظـلا

وأضرط من أم مبتـاعـهـا                      إن اقتحمت بكرة  حـرمـلا

فلو تأكل الزبد بالـنـرسـيان                      وتدمج المسك والـمـنـدلا

لما طيب الـلـه أرواحـهـا                      لابل من عظمه الأقـحـلا

وضعت يميني على ظهرهـا                      فخلت حراقفـهـا جـنـدلا

وأهوت شمالي لعرقوبـهـا                      فخلت عراقبهـا مـغـزلا

وقلبت ألـيتـهـا بـعـد ذا                      فشبهت عصعصها منـجـلا

فقلت أبيع فـلا مـشـربـا                      أرجي لـديهـا ولامـأكـلا

أم آشوي وأطبخ من لحمهـا                      وأطيب من ذاك مضغ السلى

إذا ماأمرت على مـجـلـس                      من العجب سبح أو هـلـلا

رأوا آية خلـفـهـا سـائق                      يحث وشحم قد استـكـمـلا

وكنت أمرت بها ضـخـمة                       بلحم وشحم قد استـكـمـلا

ولكن روحـا عـدا طـوره                      وما كنت أحسب أن يفعـلا

فعض الذي خان في أمرهـا                      من است أمه بظرها الأغرلا

ولولا مـكـانـك قـلـدتـه                      علاطا وأنشقتـه الـخـردلا

ولولا استحائيك خضبـتـهـا                      وعلقت في جيدها جلـجـلا

فجاءتك حتى ترى حـالـهـا                      فتعلم أني بهـا مـبـتـلـى

سألتك لحما لـصـبـيانـنـا                      فقد زدتنـي فـيهـم عـيلا

فخها وأنت بنـا مـحـسـن                      ومازلت بي محسنا مجمـلا قال: وبعث بالرقعة إلى الرجل؛ فدعا بوكيله وقال له: ويلك? تعلم أني أفتدي من بشار بما أعطيه وتوقعني في لسانه? اذهب فاشتر أضحية، وإن قدرت أن تكون مثل الفيل فافعل، وابلغ بها مابلغت وابعث بهاإليه.

شعره في رثاء بنية له

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: رأيت بشارا المرعث يرثي بنية  له وهو يقول:

يابنت من لم يك يهوى بنتـا                      ماكنت إلا خمسة أو سـتـا

حتى حللت في الحشى وحتى                      فتت قلبي من جوى فانفتـا

لأنت خير من غـلام بـتـا                      يصبح سكران ويمسي بهتـا  مدح نافع بن عقبة بن سلم بعد موت أبيه

أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني قال: كان نافع بن عقبة بن سلم جوادا ممدحا، وكان بشار منقطعا إلى أبيه، فلما مات أبوه وفد إليه وقد ولي مكان أبيه، فمدحه بقوله:

ولنافع فضل على أكـفـائه                      إن الكريم أحق بالتفـضـيل

يانافع الشبرات حين تناوحـت                      هوج الرياح وأعقبت بوبول

أشبهت عقبة غير مامتشـبـه                      ونشأت في حلم وحسن قبول

ووليت فينا أشهرا فكفيتـنـا                      عنت المريب وسلة التضليل

تدعى هلالا في الزمان ونافعا                      والسلم نعم أبوة المـأمـول فأعطاه مثل ما كان أبوه يعطيه في كل سنة إذا وفد عليه.

أجاز شعرا للمهدي في جارية

 

 

صفحة : 316

 

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إبراهيم بن عقبة الرفاعي قال حدثني إسحلق بن إبراهيم التمار البصري قال: دخل المهدي إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهن تغتسل، فلما رأته حصرت ووضعت يدها على فرجها، فأنشأ يقول:

نظرت عيني لحيني ثم أرتج عليه، فقال: من بالباب من الشعراء? قالوا: بشار، فأذن له فدخل؛ فقال له: أجز:

نظرت عيني لحيني                      نظرا وافق شيني

سترت لما رأتنـي                      دونه بالراحـتـين

فضلت منه فضول                      تحت طي العكنتين فقال له المهدي: قبحك الله ويحك??ك أكنت ثالثنا ? ثم ماذا? فقال:

فتمنيت وقـلـبـي                      للهوى في زفرتين

أنني كنت عـلـيه                      ساعة أو ساعتـين فضحك المهدي وأمر له بجائزة؛ فقال: ياأمير المؤمنين أقنعت من هذا الصفة بساعة أوساعتين? فقال: اخرج عني قبحك الله. فخرج بالجائزة  أنشد شعرا على لسان حمار له مات

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج قال: جاءنا بشار يوما فقلنا له: مالك مغتما? فقال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: لم مت? ألم أكن أحسن إليك. فقال:

سيدي خذ بي أنتانـا                      عند باب الأصبهاني

تيمتنـي بـبـنـان                      وبدل قد شجـانـي

تيمتني يوم رحـنـا                      بثناياها الحـسـان

وبـغـنــج ودلال                      سل جسمي وبراني

ولهـا خـد أسـيل                      مثل خد الشيفـران

فلذا مت ولو عـش                      ت إذا طال هواني فقلت له: مالشيفران? قال: ومايدريني. هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسألأه  رأيه فيما يكون عليه المجلس

أخبرن يالحسن قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني علي بن إياس قال حدثني السري بن الصباح قال: شهد بشار مجلسا فقال:: لاتصيروا مجلسنا هذا شعرا كله ولاحديثا كله ولاغناء كله، فإن العيش فرص، ولكن غنوا وتحدثوا وتناشدوا وتعالوا نتناهب العيش تناهبا وصفه غلام بذرب اللسان وسعة الشدق: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال: جاء بشار يوما إلى أبي وأنا على الباب، فقال لي: من أنت ياغلام? فقلت: من ساكني الدار؛ قال: فكلمني والله بلسان ذرب وشدق هريت أبططأ سهيل القرشي فيما كان يهديه له من تمر فكتب إليه يتنجزه: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال: كان سهيل بن عمر القرسي يبعث إلى بشار في كل سنة بقواصر تمر، ثم أبطأ عليه سنة  ؛ فكتب إليه بشار:

تمركم ياسهيل در وهل يطم                      ع في الدر من يدي متعتي

فاحبني ياسهيل من ذلك التم                      ر نواة تكون قرطا لبنتـي فبعث إليه بالتمر وأضعفه له، وكتب إليه يستعفيه من الزيادة في هذا الشعر.

سأله بعض أخل الكوفة ممن كانوا على كذهبه أن ينشدهم شعرا ثم عابثوه: ونسخت من كتاب هارون بن علي: عن عافية بن شبيب عن الحسن بن صفوان قال: جلس إلى بشار أصدقاء من أهل الكوفة كانوا على مثل مذهبه، فسألوه أن ينشدهم شيئا مما أحدثه، فأنشدهم قوله:

أنى دعاه الشوق فارتاحا                      من بعد ماأصبح جحجاحا حتى أتى على قوله:

في حلتي جسم فتى ناحل                      لو هبت الريح به طاحا فقالوا: يابن الزانية، أتقول هذا وأنت كأنك فيل عرضك أكثر من طولك ?. فقال: قوموا عني يابني الزناء؛ فإني مشغول القلب، لست أنشط اليوم لمشاتمتكم.

عشق امرأة وألح عليها فشكته إلى زوجها: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب قال: كان لبشار مجلس يجلس فيه بالعشي يقال له البردان، فدخل إليه نسوة في مجلسه هذا فسمعن شعره، فعشق امرأة منهن، وقال لغلامه: عرفها محبتي لها، واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها؛ ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فبم تجبه إلى ماأحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه، فكان يتردد إليها حتى برمت به، فشكته إلى زوجها، فقال لها أجيبيه وعديه إلى أن يجيئك إلى هاهنا ففعلت، وجاء بشار مع امرأة وجهت بها إليه، فدخل وزوجها جالس وهو لايعلم، فجعل يحدثها ساعة، وقال لها: ماسمك بأبي أنت? فقالت: أمامة؛ فقال:

 

صفحة : 317

 

 

أمامة قد وصفت لنا بحسن                      وإنا لانراك فألمـسـينـا قال: فأخذت يده فوضعتها على أير زوجها وقد أنعظ، ففزع ووثب قائما وقال:

علي ألية مـادمـت حـيا                      أمسك طائعـا إلا بـعـود

ولاأهدي لقوم أنت قـيهـم                      سلام الله إلا مـن بـعـيد

طلبت غنيمة فوضعت كفب                      على أير أشد من الحـديد

فخير منك من لاخير فـيه                      وخير من زيارتكم قعودي وقبض زوجها عليه وقال: هممت بأن أفضحك؛ فقال له: كفاني، فديتك، مافعلت بي، ولست والله عائدا إليها أبدا، فحسبك مامضى، وتركه وانصرف.

وقد روي مثل هذه الحكاية عن الأصمعي في قصة بشار هذه. وهذا الخبر بعينه يحكي بإسناد أقوى من هذا اللإسناد وأوضح عن أبي العباس الأعمى السائب بن فروخ، وقد ذكرته في أخبار أبي العباس بإسناده.

رثاؤه أصدقاءه

نسخت من كتاب هارون بن علي: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني حمدان الآبنوسي قال حدثنا أبو نواس قال: كان لبشار خمسة ندماء فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له البراء، فركب في زورق يريد عبور دجلة العورا فغرق، وكان المهدي قد نهى بشارا عن ذكر النساء والعشق، فكان بشار يقول: ماخير في الدنيا بعد الأصدقاء؛ ثم رثى أصدقاءه بقوله:

يابن موسى مـاذا يقـول الإمـام                      في فتاة بالقـلـب مـنـهـا أوام

بت من حبـهـا أوقـر بـالـكـأ                      س ويهفو على فـؤادي الـهـيام

ويحها كاعـبـا تـدل بـجـهـم                      كعـثـبـي كـأنـه حـمــام

لم يكـن بـينـهـا وبـينــي إلا                      كتب الـعـاشـقـيان والأحـلام

يابن موسى اسقني ودع عنك سلمى                      إن سلمى حمى وفي احـتـشـام

رب كأس كالسلسبـيل تـعـلـل                      ت بها والـعـيون عـنـي نـيام

حبست للشـراة فـي بـيت رأس                      عتقت عانسا عليهـا الـخـتـام

نفحت نفحة فـهـزت نـديمـي                      بنسيم وانشق عنـهـا الـزكـام

وكأن المعلـول مـنـهـا إذا را                      ح شج في لـسـانـه بـرسـام

صدمته الشمول حتـى بـعـينـي                      ه انكسار وفي المفـاصـل خـام

وهو باقي الأطراف حيث به الكـأ                      س وماتت أوصالـه والـكـلام

وفتى يشرب المـدامة بـالـمـا                      ل ويمـشـي يروم مـــالايرام

أنفدت كأسه الـدنـاينـر حـتـى                      ذهب العين واستمـر الـسـوام

تركتـه الـصـهـبـاء بـعـين                      نام إنسانـهـا ولـسـت تـنـام

جن من شربة تـعـل بـأخـرى                      وبكى حين سـار فـيه الـمـدام

كان لي صاحبا فـأودى بـه الـده                      ر وفارقتـه عـلـيه الـسـلام

بقي الناس بعـد هـلـك نـدامـا                      ي وقوعا لم يشعروا ماالـكـلام

كجزور الأيسـار لاكـبـد فـي                      ها لبـاغ ولاعـلـيهـا سـنـام

يابن موسى فقد الحبـيب الـعـي                      ن قذاة وفـي الـفـؤاد سـقـام

كيف يصفو لي النـعـيم وحـيدا                      والأخلاء في المـقـابـر هـام

نفستـهـم عـلـي أم الـمـنـايا                      فانامتهم بـعـنـف فـنـامـوا

لايغيض انسجام عينـي عـنـهـم                      إنما غاية الـحـزين الـسـجـام  وفد على عمر بن هبيرة فمدحه

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي: أن بشارا وفد إلى عمر بن هبيرة وقد مدحه بقوله:

يخاف المنايا أن ترحلت صاحـبـي                      كأن المنايا في القمام تـنـاسـبـه

فقلت له إن الـعـراق مـقـامـه                      وخيم إذا هبت علـيك جـنـائبـه

لألقى بني عيلان إن فـعـالـهـم                      تريد على كل الفعال مـراتـبـه

أولاك الألى شقوا العمى بسوفـهـم                      عن العين حتى أبصر الحق طالبه

وجيش كجنح الليل يزحف بالحصـا                      وبالشوك والخطي حمرا ثعالـبـه

غدونا له والشمس في خدر أمـهـا                      تطالعنا والطـل لـم يجـر ذائبـه

بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه                      وتدرك من نجى الفرار مثالـبـه

كأن مثار النقـع قـوق رؤوسـنـا                      وأسيافنا ليل تهـاوى كـواكـبـه

 

صفحة : 318

 

 

بعثنا لهم موت الفجـاءة إنـنـا                      بنو الموت خفاق علينا سبائبـه

فراحواا فريق في الإسار ومثله                      قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربـه

إذا الملك الجبار صعـر خـده                      مشينا أليه بالسيوف نعاتـبـه فوصله بعشرة لآلاف درهم، فكانت أول عطية سنية أعطيها بشار ورفعت من ذكره، وهذه القصيدة هلي التي يقول فيها:  صوت

 

إذا كنت في كل الأمور معـاتـبـا                      صديقك لم تلق الذي لاتعـاتـبـه

فعش واحدا أوصل أخـاك فـإنـه                      مقارف ذنب مرة ومـجـانـبـه

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى                      ظمئت وأي الناس تصفو مشاربـه الغناء في هذه الأبيات لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها.

شعره في العشق

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال ذكر أبو أيوب المديني عن الأصمعي قال: كان لبشار مجلس يجلس فيه يقال له البردان، وكان النساء يحضرنه فيه، فينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس فعشقها، فدعا غلامه فقال: إذا تكلمت المرأة عرفتك فاعرفها، فإذا انصرفت من المجلس فاتبعها وكلمها وأعلمها أني لها محب؛ وقال فيها:

ياقوم أذني لبعض الحي عاشـقة                      والأذن تعشق قبل العين أحيانـا

قالوا: بمن لاترى تهذي. فقلت لهم                      الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

هل من دواء لمشغوف بجـارية                      يلقى بلقيانها روحـا وريحـانـا وقال في مثل ذلك

قالت عقيل بن كعب إذ تعلقـهـا                      قلبي فأضحى به من حبها أثـر

أنى ولم ترها تهذي. فقلت لـهـم                      إن الفؤاد يرى مالايرى البصـر

أصبحت كالحاتم الحيران مجتنبـا                      لم يقض وردا ولايرجى له صدر قال يحيى بن علي وأنشدني أصحاب أحمد بن إبراهيم عنه لبشار في هذا المعنى وكان يستحسنهك

يزهدني في حب عبدة مـعـشـر                      قلوبهم فيها مخـالـفة قـلـبـي

فقلت دعوا قلبي ومااختار وارتضى                      فبالقلب لابالعين يبصر ذو الحـب

فما تبصر العينان في موضع الهوى                      ولاتسمع الأذنان إلا من القـلـب

وماالحسن إلا كل حسن دعا الصبـا                      وألف بين العشق والعاشق الصب

ياقـلـب مـالـي أراك لاتـقـر                      إياك أعني وعـنـدك الـخـبـر

أذعت بعد الألى مضـوا حـرقـا                      أم ضاع مااستودعوك إذ بـكـروا قال أبو أحمد وقال في مثل ذلك

إن سليمى والله يكلـؤهـا                      كالسكر تزداده على السكر

بلغت عنها شكلا فأعجبنـي                      والسمع بكفيك غيبة البصر  أنشد المهدي شعرا فلم يعطه شيئا

فقال شعرا مداره الحكمة:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال: زعم أبو العالية أن بشارا قدم على المهدي، فلما استأذن عليه قال له الربيع: قد أذن لك وأمرك ألا تنشد شيئا من الغزل والتشبيب فأدخل على ذلك، فأنشده قوله:

يامنظرا حسـنـا رأيتـه                      من وجه جارية فديتـه

بعثت إلي تسـومـنـي                      برد الشباب وقد طويتـه

والـلـه رب مـحـمـد                      ماإن غدرت ولانويتـه

أمسكت عنـك وربـمـا                      عرض البلاء وماابتغيته

إن الخـلـيفة قـد أبـى                      وإذا أبى شـيئا أبـيتـه

ومخضب رخص البنـا                      ن بكى علي وما بكيتـه

وشوقني بـيت الـبـي                      ب إذا ادكرت وأين بيته

قام الـخـلـيفة دونـه                      فصبرت عنه وماقليتـه

ونهاني الملك الـهـمـا                      م عن النسيب وماعصيته

لابل وفيت فلـم أضـع                      عهـدا ولارأيا رأيتــه

وانا المطل على الـعـدا                      وإذا غلا علق شريتـه

أصفي الخلـيل إذا دنـا                      وإذا نأى عنـي نـأيتـه ثم أنشده مامدحه به بلا تشبيب، فحرمه ولم يعطه شيئا؛ فقيل له: إنه لم يستحسن شعرك؛ فقال: والله لقد مدحته بشعر لو مدح له الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنه كذب أملي لأني كذبت في قولي. ثم قال في ذلك:

 

صفحة : 319

 

 

خليلي إن العسـر سـوف يفـيق                      وإن يسارا في غـد لـخـلـيق

وماكنت إلا كالزمان إذا صـحـا                      صحوت وإن ماق الزمان أموق

أادماء لاأستطيع في قلة الـثـرى                      خزوزا ووشيا والقليل مـحـيق

خذي من يدي ماقل إن زمانـنـا                      شموس ومعروف الرجال رقيق

لقد كنت لاأرضى بأدنى معـيشة                      ولايشتكي بخلا عـلـي رفـيق

وكنت إذا ضاقت علـي مـحـلة                      تيممت أخرى ماعلي تـضـيق

وماخاب بين الله والناس عـامـل                      له في التقى أو في المحامد سوق

ولاضاق فضل الله عن متعفـف                      ولكن أخلاق الرجـال تـضـيق  أنشد المهدي شعرا في النسيب فتهدده

إن عاد إلى مثله:

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثني عمر بن شبة قال: بلغ المهدي قول بشار:

قاس الهموم تنل بها نجحـا                      والليل إن وراءه صبـحـا

لايؤيسنك مـن مـخـبـأة                      قول تغلظه وإن جـرحـا

عسر النساء إلى مـياسـرة                      والصعب يمكن بعدما جمحا فلما قدم عليه استنشده هذا الشعر فأنشده إياه، وكان المهدي غيورا، فغضب وقال: تلك أمل ياعاض كذا من أمة. أتحض الناس على الفجور وتقذف المحصنات المخبات. والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في نسيب لآتين على روحك؛ فقال بشار في ذلك:

والله لولا رضا الـخـلـيفة مـا                      أعطيت ضيما علي في شـجـن

وربما خـير لابـن آدم فـي ال                      ره وشق الهوى علـى الـبـدن

فاشرب على ابنة الزمان فـمـا                      تلقى زمانا صفـا مـن الابـن

اله يعطـيك مـن فـواضـلـه                      والمرء يغضي عينا على الكـم

قد عشت بين الريحان والراح وال                      مزهر في ظل مجلس حـسـن

وقد ملأت البـلاد مـابـين فـغ                      فور إلى القـيروان فـالـيمـن قال عمر بن شبة: فغفور: ملك الصين.

 

شعرا تصلي له العواتق وال                      ثيب صلاة الغواة لـوثـن ?ثم نهاني المهدي فانصرفت نفسي صنيع الموفق اللقن

فالحمد للـه لاشـريك لـه                      ليس بباق شيءعلى الزمن ثم أنشده قصيدته التي أولها:

تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر

ووصف عن الأحباب صرام خلة                      ووصال أخرى مايقيم علـى أمـر

وركاص أفراس الصبابة والـهـوى                      جرت حججا ثم استقرت فما تجري

فأصبحن ما يركبن إلا إلى الـوغـى                      وأصبحت لا يورى علـي ولا أوري

فهذا وإني قد شرعت مع الـتـقـى                      وماتت همومي الطارقات فما تسري ثم قال يصف السفينة:

وعذراء لا تجري بـلـحـم ودم                      قليلة شكوى الأين ملجمة الدبـر

إذا ظعنت فيها الفلول تشخصـت                      بفرسانها لا في وعوث ولا وعر في هذين البيتين ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى لخزرج، وقيال: إنه لهاشم بن سليمان.

مدح يزيد بن حاتم فوهبه كل مايملك

أخبرني عمي قال حدثنا أبو هفان قال أخبرني أبو محلم عن المفضب الضبي قال: وفد ابن المولى علي بن يزيد بن حاتم وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها:

ياواحد العـرب الـذي                      أضحى وليس له نظير

لو كان مثـلـك آخـر                      ماكان في الدنيا فقـير قال: فدعا بخازنه وقال: كم من بيت مالي? فقال له: من الورق والعين بقية عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى الله و إليك، والله لو أن في ملكي أكثر لما احتجبتها عنك.

كان مداحا لجعفر بن سليمان

وقثم بن عباس ويزيد بن حاتم:

أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن خلف بن المزربان قالا حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا مصعب الزبيري عن عبد الملك بن الماجشون قال: كان ابن المولى مداحا لجفر بن سليمان وقثم بن العباس الهاشميين ويزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، واستفرغ مدحه في يزيد وقال قصيدته التي يقول فيها:

ياواحد العرب الذي دانت له                      قحطان قاطبة  وساد نزارا

إني لأرجو إن لقيتك سالما                      ألا أعالج بعدك الأسفـارا

 

صفحة : 320

 

 

رشت الندى ولقد تكسر ريشه                      فعلا الندى فوق البلاد وطارا  مرض عند يزيد بن حاتم

وأضعف يريد صلته:

ثم صده بها إلى مصر وأنشده إياها؛ فأعطاه حتى رضي. ومرض ابن المولى عنده مرضا طويلا وثقل حتى أشفى، فملا أفاق من علته ونهض، ودخل عليه يزيد بن حاتم متعرفا خبره، فقال: لوددت والله يا أبا عبد الله إلا تعالج بعدي الأسفار حقا، ثم أضعف صلته.

كان يمدح يزيد دون أن يراه ثم رآه بالمدينة وأنشده فأعطاه ماأغناه: أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز قال أخبرني ابن المولى قال: كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولاألقاه، فما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فلقيته فأنشدته، وقد خرج من مسجد رسول الله صللى الله عليه وسلم إلى أن صار إلى مسجد الشجرة، فأعطاني رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار فاشتريت بها ضياعا تغل ألف دينار، أقوم في أدناها وأصيح بقيمي ولا يسمعني وهو في أقصاها.

عنفه الحسن بن يزيد على ذكر ليلى

فقال: إنها قوسه فضحك:

أخبرني عمي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو قال: بلغني أن الحسن ابن زيد دعا بابن المولى فأغلظ له وقال: أتشبب بحرم المسملين وتنشد ذلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الأسواق والمحافل ظاهرا?. فحلف له بالطلاق أنه ماتعرض لمحرم قط ولاشبب بامراة مسلم ولامعاهد قط، قال: فمن ليلى هذه التي تذكر في شعرك? فقال له: امرأتي طالق إن كانت إلا قوسي هذه، سميتها ليلى لأذكرها في شعري، فإن الشعر لايحسن إلا بالتشبيب، فضحك الحسن ثم قال: إذا كانت القصة هذه فقل ماشئت.

كان بالعراق وتشوق إلى المدينة

فقال شعرا في ذلك:

فقال الحزنبل: وحدثت عن ابن عائشة محمد بن يحيى قال: قدم ابن مولى إلى العراق في بعض سنيه فأخفق وطال مقامه وغرض به وتشوق إلى المدينة فقال في ذلك:  صوت

 

ذهب الرجال فلا أحسن رجالا                      وأرى اللإقامة بالعارق ضلالا

وطربت إذ ذكر المدينة ذاكـر                      يوم الخميس فهاج لي بلبـالا

فظللت انظر في السماء كأنني                      أبغي بناحية السمـاء هـلالا

طربا إلى أهل الحجاز وتـارة                      أبكي بدمع مسبـل إسـبـالا غنى في هذه الأربعة الأبيات ابن عائشة. ولحنه ثاني ثقيل الهشامي. وذكره حماد عن أبيه في اخباره ولم يذكر طريقته.

 

فيقال قد أضحى يحدث نفسـه                      والعين تذرف في الرداء سجالا

إن الغريب إذا تذكر أزشكـت                      منه المادع أن تفـيض عـلالا

ولقد أقول لصاحبـي وكـأنـه                      مما يعالج ضـمـن الأغـلالا

خفض عليك فما يرد بك تلقـه                      لاتكثرن وإن جزعت مـقـالا

قد كنت إذ تدع المدينة كالـذي                      ترك البحار ويمـم الأوشـالا

فأجابني خاطر بنفسك لا تكـن                      أبدا تعد مع الـعـيال عـيالا

واعلم بأنك لن تنال جـسـمـية                      حتى تجشم نفسـك الأهـوالا

إني وجدك يوم أتـرك زاخـرا                      بحرا ينفل سـيبـه الأنـفـالا

لأضل من جلب القوافي صعبة                      حتى أذل مـتـونـهـا إذلالا  مدح المهدي وعرض بالطالبيين فأجازه

قال الحزنبل: وحدثني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال حدثني مولى للحسن بن زيد قال:

وماقارع الأعداء مـثـل مـحـمـد                      إذا الحرب أبدت عن حجول الكواعب

فتى ماجد الأعارق مـن آل هـاشـم                      تبحبح مـنـهـا الـذرى والـذوائب

أشم من الرهـط الـذين كـأنـهـم                      لدى حندس الظلماء زهر الكواكـب

إذا ذكرت يوما مـنـاقـب هـاشـم                      فإنكم منها بـخـير الـمـنـاصـب

ومن عيب في أخلاقـه ونـصـابـه                      فما في بني العباس عـيب لـعـائب

وإن أمير المـؤمـنـين ورهـطـه                      لأهل المعالي من لؤي بن غـالـب

أولئك أوتاد الـبـلاد ووارثـو الـن                      بي بأمر الحـق غـي الـتـكـاذب ثم ذكر فيها آل أبي طالب فقال:

 

صفحة : 321

 

 

وما نقمـوا إلا الـمـودة مـنـهـم                      وأن غادروا فيهم جزيل المواهـب

وأنهم نـالـوا لـهـم بـدمـائهـم                      شفاء نفوس من قـيتـل وهـارب

وقاموا لهم دون العدا وكـفـوهـم                      بسمر القنا والمهفات القـواضـب

وحاموا على أحسـابـهـم وكـرائم                      حسان الوجوه واضحات الـتـرائب

وإن أمير الـمـؤمـنـين لـعـائد                      بإنعامه فيهم عـلـى كـل تـائب

إذا مادنـوا أدنـاهـم وإذا هـفـوا                      تجاوز عنهم ناظرا في العـواقـب

شفيق على الأقصين أن يركبو الردى                      فكيف به في واشجـات الأقـارب  مدح الحسين بن زيد فعاتبه

بالتعرض بأهله في مدائحه للمهدي ثم أكرمه:

قال: فوصله المهدي بصلة سنية، وقدم المدينة فأنفق وبنى داره ولبس فاخرة  ، ولم يزل كذلك مدى حياته بعدما حباه. ثم قدم على الحسن بن زيد وكانت له عليه وظيفة في كل سنة فدخل عليه فانشده قوله يمدحه:

هاج شوقي تفرق الجـيران                      واعترتني طوارق الأحزان

وتذكرت مامضى من زماني                      حين صار الزمان شر زمان يقول فيها يمدح الحسن بن يزيد:

ولـوأن أمـرا ينـال خـلـودا                      بمحل ومـنـصـب ومـكـان

أو ببيت ذراه تلصـق بـالـنـج                      م قرانا في غير بـرج قـران

أو بمجد الحـياة أو بـسـمـاح                      أو بحلم أوفى علـى ثـهـلان

أو بفضل لناله حسـن الـخـي                      ر بفضل رسول ذي البرهـان

فضله واضح يرهط أبي الـقـا                      سم رهـط الـيقـين والإيمـان

هم ذوو النور و الهدى ومدى الأم                      ر وأهل البرهان والعـرفـان

معدن الحق والنـبـوة والـعـد                      ل إذا ماتنازع الـخـصـمـان

وابن زيد إذا الرجال تـجـاروا                      يوم حـفـل وغـاية ورهـان

سابق مـغـلـق جـيز رهـان                      ورث السبق من أبيه الهـجـان قال: فلما أنشده إياها دعا به خاليا ثم قال له: ياعاض كذا من أمه، أما إذا جئت إلى الحجاز فتقول لي هذا، وأما إذا مضيت إلى العراق فتقول:

وإن أمير اللمؤمنـين ورهـطـه                      لرهط المعالي من لؤي بن غالب

أولئك أوتاد البـلاد ووارثـوا ال                      نبي بأمر الحق غير التـكـاذب فقال له: أتنصفني يابن الرسول أم لا? فقال: نعم، فقال: ألم أقل:  وإن أمير المؤمنين ورهطه  ألستم رهطه? فقال: دع هذا، ألم تقدر أن ينفق شعرك ومديحك إلا بتهجين أهلي والطعن عليهم والإغراء بهم حيث تقول:

ومانقموا إلا الـمـودة مـنـهـم                      وأن غادروا فيهم جزيل المواهب

وأنهم نالـوا لـهـم بـدمـائهـم                      شفاء نفوس من قيتـل وهـارب فوجم ابن المولى وأطرق ثم قال: يابن الرسول إن الشاعر يقول ويتقرب بجهده، ثم قام بخرج من عنده منكسرا، فأمر الحسن وكيله إليه وظيفته ويزيده فيها ففعل، فقال ابن المولى: والله لاأقبلها وهو علي ساخط، فأما إن قرنها بالرضا فقبلتها، وأما إن أقام وهو علي ساخط، فأما إن قرنها بالرضا فقبلتها، وأما إن أقام وهو علي ساخط البتة فلا؛ فعاد الرسول إلى الحسن فأخبره؛ فقال له: قل له: قد رضيت فاقلها. ودخل على الحسن فأنشده قول فيه:

سألت فأعطاني وأعطى ولم أسل                      وجاد كما جادت غواد رواعـد

فأقسم لاأنفك أنـشـد مـدحـه                      إذا جمعتني في الحجيج المشاهد

إذا قلت يوما في ثنائي قصـيدة                       بأخرى حيث تجزي القـصـائد  مدح يزيد بن حاتم بولايته الأهواز

وغلبته على الأزارقة فأجازه:

قال الحزنبل: وحدثني مالك بن وهب مولىيزيد بن حاتم المهلبي قال: لما انصرف يزيد بن حاتم من حرب الأزارقة وقد ظفر، خلع عليه وعقد له لواء عى كور الأهواز وسائر ما افتتحه، فدخل عليه ابن مولى وقد مدحه فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشده:  صوت

 

ألا يالقومي هل لما فات مطلـب                      وهل يعذرن ذو صبوة وهو أشيب

يحن إلى ليلى وقد شطت النـوى                      بليلى كما حن اليراع المثـقـب

 

صفحة : 322

 

غنى في هذين البيتين عطرد، ولحنه رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة؛ وفيه ليونس لحن ذكره لنفسه في كتابه ولم يذكر طريقته.

 

تقربت ليلى كي تثـيب فـزادنـي                      بعادا على بعد إليها الـتـقـرب

فداويت وجدي باجتناب فلـم يكـن                      دواء لما ألقاه منها الـتـجـنـب

فلا أنا عند النأي سال لـحـبـهـا                      ولاأنا منها مشتف حين تصـقـب

وماكنت بالراضي فما غيره الرضا                      ولكنني أنوي العزاء فـأغـلـب

وليل خداري الرواق جشـمـتـه                      إذا هابه الـسـارون لاأتـهـيب

لأظفر يوما من يزيد بـن حـاتـم                      بحبل جوار ذاك ما كنت أطلـب

بلوت وقلبت الرجال كـمـا بـلا                      بكفيه أوساط القـداح كـقـلـب

وصعدني همـي وصـوب مـرة                      وذو الهم يوما مصعد ومصـوب

لأعرف ماآتى فلـم أر مـثـلـه                      من الناس فيما حاز شرق ومغرب

أكر على جيش وأعـظـم هـيبة                       وأوهب في جود لما ليس يوهـب

تصدى رجال في المعالي ليلحقـوا                      مداك وماأدركتـه فـتـذبـذبـوا

ورمت الذي رموا فأذللت صعبـه                      وراموا الذي أذللت منه فأصعبـوا

ومهما تناول من مـنـال سـنـية                      يساعدك فيها المنتمى والمركـب

ومنصب آبـاء كـرام نـكـاهـم                      إلى المجد آباء كرام ومنـصـب  صوت

 

كوكب دجن كلما انقض كوكب                      بدا منهم بدر منير وكـوكـب

أنار به آل المهلب بـعـدمـا                      هوى منكب منهم بليل ومنكب

ومازال إلحاح الزمان عليهـم                      بنائبة كادت لها الأرض تخرب

فلو أبقت الأيام حـيا نـفـاسة                      لأبقاهم للجود ناب ومخـلـب

وكنت ليومي نعـمة ونـكـاية                      كما فيهما للناس كان المهلـب

ألا حبذا الأحياء منكم وحـبـذا                      قبور بها موتاكم حين غـيبـوا فأمر له يزي بن حاتم بعشرة آلاف درهم وفرس بسرجه ولجامه وخلعة وأقسم على من كان بحضرته أن يجيزوه كل واحد منهم لما يمكنه، فانصرف بملء يده.

كان عمرو بن أبي عمرو ينشد من شعره

ويستحسنه:

قال الحزنبل: أنشدني عمرو بن أبي عمرو لابن المولى وكان يستحسنها:  صوت

 

حي المنازل قد بلينـا                      أقوين عن مر السنينيا

وسل الديار لعلـهـا                      تخبرك عن أم البنينا

بانـت وكـل قـرينة                      يوما مفارقة قرينـا

وأخو الحياة من الحيا                      ة معالج غلظا ولينـا غنى في هذه الأبيات نبية خفيف ثقيل بالبنصر.

 

وترى الموكل بالغـوا                      ني راكبا أبدا فنـونـا

ومن البـلـية أن تـدا                      ن بما كرهت ولن تدينا

والمرء تحرم نفـسـه                      مالايزال به حـزينـا

وتراه يجمـع مـالـه                      جمع الحريص لوارئينا

يسعى بأفضل سـعـيه                      فيصير ذاك لقاعدينـا

لم يعط ذا النسب القري                      ب ولم يجد للأبعدينـا

قد حل منزله الـذمـي                      م وفارق المتنصحينـا  مدح المهدي بولايته الخلافة فأكرمه

وفرض له لعياله مايكفيه:

قال الحزنبل: وذكر أحمد بن صالح بن النطاح عن المدائني: ان المهدي لما ولي الخلافة وحج فرق في قريش والأنصار وسائر الناس أموالا عظيمة ووصلهم صلات سنية، فحسنت أحوالهم بعد جهد أصاب الناس في أيام أبيه، لتسرعهم مع محمد بن عبد الله بن حسن، وكانت سنة ولايته سنة خصب ورخص، فأحبه الناس وتبركوا به، وقالوا: هذ هو المهدي، وهذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه مسلم وسميه، فلقوه فدعوا له وأثنوا عليه، ومدحته الشعراء، فمد عينه في الناس فرأى ابن المولى فأمر بتقريبه فقرب منه؛ فقالله: هات يامولى الأنصار ماعندك، فأنشده  قوله فيه  :

ياليل لاتنجلي يالـيل بـالـزاد                      واشفي بذلك داء الحاتم الصادي

وأنجزي عدة  كانت لنـا أمـلا                      قد جاء ميعادها من بعد ميعـاد

 

صفحة : 323

 

 

ماضره غير أن أبدي مودته                      إن المحب هواه ظاهر بادي ثم قال فيها يصف ناقته:

تطوي البلاد إلى جم منافـعـه                      فعل خير لفعل الخـير عـواد

للمهتدين إليه من مـنـافـعـه                      خير يروح وخير باكر غـادي

أغنى قريشا وأنصار النبي ومن                      بالمسجدين بإسعـاد وإحـفـاد

كانت منافعه في الأرض شائعة                      تترى وسيرته كالماء للصادي

خليفة الله عبـد الـلـه والـده                      وأمه حرة تنمـى لأمـجـاد

من خير ذي يمن في خير رابية                      من القبول إليها معقل النـادي حتى أتى على آخرها؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم وكسوة، وأمر صاحب الجاري بأن يجري له ولعياله في كل سنة مايكفيهم، وألحقهم في شرف العطاء قال: وذكر ابن النطاح عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: وفدنا إلى المهدي ونحن جماعة من قريش والأنصار، فلما دخلنا عليه سلمنا ودعونا وأثنينا، فلما فرغنا من كلامنا أقبل على ابن المولى فاقل: هات يامحمد ماقلت، فأنشده: صوت

نادي الأحبة باحتـمـال                      إن المقـيم إلـى زوال

رد القـيان عـلـيهـم                      ذلل المطي من الجمال

فتحمـلـوا بـعـقـيلة                      زهراء آنـسة الـدلال

كالشمس راق جمالـهـا                      بين النساء على الجمال

لما رأيت جـمـالـهـم                      في الآل تغرق باللآلي

يالـيت ذلـك بـعـد أن                      أظهرت أنك لاتبـالـي

ولمثل ماجـربـت مـن                      إخلافهن لذي الوصـل

أسلاك عن طلب الصبـا                      وأخو الصبا لابد سالـي

يابن الأطـايب لـلأطـا                      يب ذا المكارم والمعالي

وابن الهداة بنى الـهـدا                      ة وكاشفي ظلم الضلال

أصبت أكـرم غـالـب                      عند التفاخر والنـضـل

وإذا تحصـل هـاشـم                      يعلو بمجدك كل عالـي

ويكون بيتـك مـنـهـم                      في الشاهقات من القرل

هذا وأنت ثـمـالـهـا                      وابن الثمال أخو الثمال

ومآلـهـا بـأمـورهـا                      إن الأمور إلـى مـآل قال: فأمر له خاصة بعشرة آلاف درهم معجلة، ثم ساواه بسائر الةفد بعد ذلك في الجائزة وأعطاه مثل ما أعطاهم، قال: ذلك بحق المديح، وهذا بحق الوفادة  سأل عنه عبد الملك لما قدم المدينة

ثم تبعه ابن المولى وأنشده فأجازه:

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي أبو أحمد وعمي قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إبراهيم بن إسحاق بن عبد الرحمن بن طلحة بن عمربن عبيد الله قال حدثني عبد الله إبراهيم الجمحي قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة، وابن المولى يكثر مدحه، وكان يسأل عنه من غير أن يكونا التقيا- قال: وابن المولى مولى الأنصار- فلما قدم عبد الملك المدينة قدم ابن المولى، لما بلغه من مسألة عبد الملك عنه، فوردها وفد رحل عبد الملك عنها، فظاتبعه فأدركه بإضم بذي خشب بين عين مروان وعين الحديد، وهما جميعا لمروان، فالتفت عبد الملك إليه وابن المولى على نجيب متنكبا قوسا عربية  ، فقال له عبد الملك: ابن المولى? قال: لبيك ياأمير المؤمنين؛ قال: مرحبا بمن نالنا شكره ولم ينله منا فعل، ثم قال له: أخبرني عن ليلى التي تقول فيها:

وأبكى فلا ليلى بكت من صبابة                      إلي ولا ليلى لذي الود تبـذل والله لئن كانت ليلى حرة لأزوجنكها، ولئن كانت أمة  لأبتاعها لك بما بلغت، فقال: كلا ياأمير المؤمنين، والله ما كنت لأذكر حر أبدا ولاأمته، والله ماليلى إلا قوسي هذه، سميتها ليلى لأشبب بها، وإن الشاعر لا يستطاب إذا لم يتشبب؛ فقال له عبد الملك: ذلك والله أظرف لك، فأقام عنده يومه وليلته ينشده ويسامره، ثم أمر له بمال وكسوة، وانصرف إلى المدينة.

وقف لجعفر بن سليمان على طريقه

وأنشده شعرا:

أخبرني حبيب المهلبي عن الزبير وغيره عن محمد بن فضالة النحوي قال: قدم ابن المولى البصرة، فأتى جعفر سليمان فوقف على طريقه وقد ركب فناداه:

 

صفحة : 324

 

 

كم صارخ يدعو وذي فـاقة                      ياجعفر الخيرات ياجعـفـر

أنت الذي أحييت بذل النـدى                      وكان قد مات فـلا يذكـر

سليل عباس ولي لـبـهـدى                      ومن به في المحل يستمكطر

هذا امتداحيك عقيد الـنـدى                      أشهد بالمجد لك الأشـقـر

أخبار عطرد ونسبه

ولاؤه وصفته

وهو مغن مقبول الشهادة فقيه:

عطرد مولى الأنصار، ثم مولى بن عمرو بن عوف، وقيل: إنه مولى مزينة، مدنب، يكنى أبا هارون، وكان ينزل قباء. وزعم إسحاق أنه كان جميل الوجه، حين الغناء، طيب الصوت، جيد، حسن الرأي والمروءة، ففيها قارئا للقرآن، وكان يغني مرتجلا، وأدرك دولة بني امية، وبقي إلى أيام الرشيد، وذكر ابن خرداذبة فيما حدثني به علي بن عبد العزيز عنه: أنه كان معدل الشهادة بالمدينة؛ أخبره بذلك يحيى بن علي المنجم عن أي أيوب المديني عن إسحاق.

جاءه عباد بن سلمة وطلب منه أن يغنيه

وأخبرنا محمد بن خلف وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن سلمة بن عباد ولي القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن سلمة عطردا وهو بها مقي قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم؛ فأتى بابه ليلا فدق عليه ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرد إليه، فلما رآه ومن معه فزع، فقال: لاترع.

 

إني قصدت إليك من أهلي                      في حاجة يأتي لها مثلي فقال: وماهي أصلحك الله? قال:

لاطالبا شـيئا إلـيك سـوى                      )حي الحمولا بجانب العزل( فقال: انزلوا على بركة الله فلم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.

نسبة هذا الصوت صوت

حي الحمولا بجانب العزل                      إذ لايوافق شكلها شكلي

الله أنجح ماطلـبـت بـه                      والبر خير حقيبة الرحل

إني بحبلك واصل حبلـي                      وبريشي نبلك رائش نبلي

وشمائلي ماقد علمت وما                      نبحت كلابك طالقا مثلي الشعر لأمرو القيس بن عابس الكندي، هكذا روى أبو عمر الشيباني، وقال: إنا من يرويه لأمرىء القيس بن حجر يغلط. والغناء لعطرد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه لعمرو بن بانة ثقيل بالوسطى من روايته أيضا، وفيه لابن عائشةخفيف رمل بالبنصر، وفيه عنه وعن دنانير لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى، وفيه عنه لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر.

غناء إبراهيم بن خالد المعيطي عند المهدي: وأخبرني يحيى بن علي قال: حدثنا أبو أيوب المديني وأخبرني به الحسن بن علي قال: كتب إلي أبو أيوب المديني، وخبره أتم، قال: حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن إبراهيم بن خالد المعيطي قال: دخلت علىالمهدي، وقد كان وصف له غنائي، فسألني عن الغناء وعن علمي به، فجاذبته من ذلك طرفا؛ فقال لي: أتغني النواقيس? قلت: نعم، وأغني الصلبان ياأميرالمؤمنين، فتيسم. والنواقيس لحن معبد، كان معبد وأهل الحجاز يسمونه النواقيس، وهو:

سلا دار ليلى هل تبين فتنطق                      وإني ترد القول بيداء سملق قال: ثم قال للمهدي وهو يضحك: غنه، فغنيته فأمر لي بمال جزيل وخلع علي وصرفني، ثم بلغني أنه قال: هذا معيطي وأنا لاأنس به، ولا حاجة لي إلا أن أدنيه من خلوتي وأنا لاآنس به. هكذا ذكر في هذا الخبر أن اللحن بمعبد، وماذكره أحد من رواة الغناء له، ولا وجد في ديوان من دواوينهم منسوبا إليه على انفراد به ولا شركه فيه، ولعله غلط.

تنادر إبراهيم ابن خالد المعيطي علي بن جامع: وقد أخبرني هذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان إبراهيم المعيطي يغني، فدخل يوما الحمام وابن جامع فيه: وكان له شيء يجاوز ركبتيه، فقال له ابن جامع: ياإبراهيم أتبيع هذا البغل? قال لا بل أحملك عليه يا أبا القاسم؛ فلما خرج أبي جامع من الحمام رأى ثياب المعيطي رثة فأمر لها بخلعه من ثيابه، فقال له المعيطي: لو قبلت حملاني قبلت خلعتك، فضحك ابن جامع وقال له: مالك أخزاك الله ويلك أما تدع ولعك وبطالتك وشرك ودخل إلى الرشيدي فحدثه حديثه؛ فضحك وأمر بإحضاره؛ فأحضره، فقال له: أتغني النواقيس قال: نعم، وأغني الصلبان أيضا. ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه، كان عطرد منقطعا إلى آل سليمان بن علي

 

صفحة : 325

 

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني عن إسحاق قال: كان عطرد منقطعا في دولة بني هاشم إلى آل سليمان بن علي لم يخدم غيرهم وتوفي في خلافة المهدي.

قال: وكان يوما يغني بين يدي سليمان بن علي فغناه: صوت

أله فكم من ماجد قد لهى                      ومن كريم عرضه وافر الغناء لعطرد ثاني ثقيل عن الهشامي - فقيل له: صرخت هذا من لحن الغريض:

ياربع سلامة بالمنحنـي                      فخيف سلع جادك الوابل فقال: لم أسرقه ولكن العقول تتوافق، وحلف أنه لم يسمعه قط.

نسبة هذا الصوت صوت

ياربع سلامة بالمـنـحـنـي                      فخيف سلع جـادك الـوابـل

غن تمسي وحشا طالما قد ترى                      وأنت معمـور بـهـم أهـل

أيام سـلامة رعــبـــوبة                      خوض لعوب حبهـا قـاتـل

محطوطة المتن هضيم الحشـا                      لايطبيها الـورع الـواغـل الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن يحيى المكي. قال: ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج.

حبسه ذبراء والي المدينة مع المغنين

ثم أطلقه وأطلقهم:

أخبرني أحمد بن علي بن يحيى قال سمعت جدي علي بن يحيى قال حدثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال حدثني خالد بن كلثوم قال: كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها؛ وهو من بني هاشم أحمد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس عطرد فيهم، فجلس ليعرضهم، وحضر رجال من أهل المدينة شفعوا لعطرد وأخبروه أنهم من أهل الهيئة والمروءة والنعمة والدين، فدعا به فخلا سبيله، وأمره برفع حوائجه إليه، فدعا له، وخرج فإذا هو بالمغنين أحضروا ليعرضوا، فعاد إليه عطرد، فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء? قال: نعم؛ قال: فلا تظلمهم، فوالله ماأحسنوا منه شيئا قط فضحك وخلا سبيلهم.

استقدمه الوليد بن يزيد من المدينة

فغناه فطرب وألقى نفسه في بركة الخمر:

أخبرني محمد بن مزيد وجحظة قلا حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي عن محمد بن عبد الحميد بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى عن عمه أيوب بن إسماعيل قال: لما استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بالشخوص إليع بعطرد المغني؛ قال عطرد: فأقرأني العامل الكتاب وزودني نفقة وأشخصني إليه، فأدخلت عليه وهو جالس في قصره على شفير بركة مرصصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة ولمكنها يدور الرجل فيها سباحة  ، فو الله ماتركني أسلم عليه حتى قال: أعطرد? قلت: نعم ياأمي رالمؤمنين؛ قال: لقد كنت إليك مشتاقا يا أبا هارون. غنني:

حي الحمول بجانب العزل                      إذ لايلائم شكلها شكلـي

إني بحبلك واصل حبلـي                      وبريش نبلك رائش نبلي

وشمائلي ماقد علمت وما                      نبحت كلابك طارقا مثلي قال: فغنيته إياه، فوالله ماأتممته حتى شق حلة وشى كانت عليه لاأدري كم قيمته، فتجرد منها كما ولدته أمه وألقاها نصفين، ورمى بنفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت علم الله- فيها أنها قد نقصت نقصانا بينا، وأخرج منها وهو كالميت سكرا، فاضجع وغطي، فأخذت الحلة وقمت، فوالله ماقال لي أحد: دعها ولاخذها، فانصرفت إلى منزلي متعجبا مما رأيت من ظرفه وفعله وطربه؛ فلما كان من غد جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني، فلما دخلت عليه قال لي: ياعطرد، قلت: لبيك ياأمير المؤمنين؛ قال غنني:

أيذهب عمري هكذا لم أنل بـهـا                      مجالس تشفي قرح قلبي من الوجد

وقالوا تداو إن في الـطـب راحة                      فعللت نفسي بالدواء فـلـم يجـد

 

صفحة : 326

 

فغنيته إياه، فشق حلة وشى كانت تلتمع عليه بالذهب التماعا احتقرت والله الأولى عندها، ثم ألقى نفسه في البركة فنهل فيها حتى تبينت -علم الله- نقصانها، وأخرج  منها كالميت سكرا، وألقي وغطى فنام، وأخذت الحلة فوالله ماقال لي أحد: دعها ولاخذها، وانصرفت؛ فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره، فكلمني من وراء الستور وقال: يا عطرد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كأني بك الآن قد أتيت المدينة فقمت بي في مجلسها ومحفلها وقعدت وقلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت إليه فاقرتح علي فغنيته وأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل، واللخ يابن الزانية، لئن تحركت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربن عنقك، ياغلام أعطه ألف دينار، خذها وانصرف إلى المدينة؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين إن يأذن لي في تقبيل يده، ويزودني نظرة كمه وأغنيه صوتا? فقال: لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك، فانصرف. قال عطرد: فخرجت من عنده وما علم الله أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدة.

نسبة هذين الصوتين الصوت الأول مما غناه عطرد الوليد قد نسب في أول أخباره، والثاني الذي أوله:

أيذهب عمري هكذا لم أنل بها الغناء فيه لعطرد ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه ليونس من كتابه لحن لم يذكر طريقته؛ وذكر عمرو بن بانة أن فيه لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

 

صوت عن المائة المختارة

 

إن أمرأ تـعـتـاده ذكـر                      منها ثلاث مني لذو صبـر

ومواقف بالمشعرين لـهـا                      ومناظر الجمرات والنحـر

وإفاضة الركبان خلـفـهـم                      مثل الغمام أرذ بالقـطـر

حتى استلمن الركن في أنف                      من ليلهن يطأن فـي الأرز

يقعدن في التـطـواف آونة                      ويطفن أحيانا على فـتـر

ففرغن من سبع وقد جهددت                      أحشاؤهن موائل الخـمـر الشعر للحارث بن خالد المخزومي، والغناء في اللحن المختار للأبجر، وإيقاعه من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأول والثاين والسادس من الأبيات عن إسحاق. وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج في الثالث والرابع رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق

أخبار الحارث بن خالد المخزومي ونسبه

نسبه من قبل أبويه

الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. وأمه فاطمة بنت أبي سعيد بن الحارث بن هشام، وأمها بنت أبي جهل بن هشام. وكان العاص بن هشام جد الحارث بن خالد خرج مع المشركين يوم بدر فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قامر أبو لهب العاص على نفسه فاسترقه  وأرسله بدله يوم بدر:

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: قامر أبو لهب العاص بن هشام في عشر من الإبل فقمره أبو لهب، ثم في عشر فقمره، ثم في عشر فقمره، ثم في عشر فقمره، إلى أن خلعه من ماله فلم يبق له شيء، فقال له: إني أرى القداح قد حالفتك يابن المطلب فهلم أقامرك، فإينا قمر كان عبدا لصاحبه، قال: افعل، ففعل، فقمره أبو لهب فكره أن يسترقه فتغضب بنو مخزوم، فمشى إليهم وقال: افتدوه مني بعشر من الإبل؛ فقالوا: لا والله ولابوبرة، فاسترقه فكان يرعى له إبلا إلى أن خرج المشركون إلى بدر. وقال غير مصعب: فاسترقه وأجلسه قينا يعمل الحديد. فلما خرج المشركون إلى بدر كان من لم يخرج أخرج بديلا، وكان أبو لهب عليلا فأخرجه وقعد، على أنه إن عاد إليه أعتقه، فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ  ذهابه مذهب ابن أبي ربيعة في الغزل

وحبه عائشة بنت طلحة وولايته مكة:

والحارث بن خالد أحد شعراء قريش المعدودين الغزليين، وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة لايتجاوز الغزل إلى الميح ولا الهجاء، وكان يهوى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وشبب بها؛ وولاه عبد الملك بن مروان مكة، وكان ذا قدر وخطر ومنظر في قريش؛  وأخوه عكرمة بن خالد المخزومي محدث جليل

 

 

صفحة : 327

 

من وجوه التابعين، قد روى عن جماعة من الصحابة؛ وله أيضا أخ يقال له عبد الرحمن بن خالد المخزومي محدث جليل من وجوه التابعين، قد روى عن جماعة من الصحابة؛ وله أيضا أخ يقال له عبد الرحمن بن خالد، شاعر، وهو الذي يقول:

 

رحل الشباب وليته لـم يرحـل                      وغدا لطية ذاهب متـحـمـل

ولى بـلا ذم وغـادر بـعـده                      شيبا أقام مكانه في المـنـزل

ليت الشباب ثوى لدينا حـقـبة                      قبل المشيب وليته لم يعـجـل

فنصيب من لذاته ونـعـيمـه                      كالعهد إذ هو في الزمان الأول وفيه غناء.

كان أبو عمرو يسأله عن بعض الحروف

حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: قال معاذ بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء: كان أبو عمرو إذا لم يحج استبضعني الحروف أسأل عنها الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة الشاعر وآتيه بجوابها؛ قال: فقدمت عليه سنة من السنين وقد ولاه عبد الملك بن مروان مكة، فلما رآني قال: يامعاذ، هات مامعك من بضائع أبي عمرو، فجعلت أعجب من اهتمامه بذلك وهو أمير  هو أحد شعراء قريش الخمسة المشهورين

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار، وأخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير، ولفظه أتم، قال حدثني محمد بن الضحاك الحزامي قال: كانت العرب تفضل قريشا في كل شيء إلا الشعر، فلما نجم في قريش عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي والعرجي وأبو دهبل وعبيد الله بن قيس الرقيات، أقرت لها العرب بالشعر أيضا.

تفاخر مولى له ومولى لابن أبي ربيعة

بشعريهما:

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم وإسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى أبو غسان قال: تفاخر مولى لعمر بن أبي ربيعة ومولى للحارث بن خالد بشعريهما، فقال مولى الحارث لمولى عمر: دعني منك فإن مولاك والله لايعرف المنازل إذا قلبت، يعني قول الحارث:

إني ومانحروا غداة منـى                      عند الجمار تؤودها العقل

لو بدلت أعلى مساكنـهـا                      سفلا وأصبح سفلها يعلو

فيكاد يعرفها الخبير بهـا                      فيرده الإقواء والمـحـل

لعرفت مغناها بما احتملت                      مني الضلوع لأهلها قبل. -قال عمر بن شبة: وحدثني محمد بن سلام بهذا الخبر على نحو مماذكره أبو غسان، وزاد فيه: -فقال مولى ابن أبي ربيعة لمولى الحارث: والله مايحسن مولاك في شعر إلا نسب إللى مولاي قال ابن سلام: وأنشد الحارث بن خالد عبد الله بن عمر هذه الأبيات كلها حتى انتهى إلى قوله:

لعرفت معناها بما احتملت                      مني الضلوع لأهلها قبل فقال له ابن عمر: قل: إن شاء الله؛ قال: إذا يفسد بها العشر ياعم، فقال له: يابن أخي، إنه لاخير في شيء يفسده  إن شاء الله  . قال عمر: وحدثني هذه الحكاية إسحاق بن إبراهيم في مخاطبته لابن عمرو ولم يسندها إلى احد، وأظنه لم يروها إلا عن محمد بن سلام. وأخبرني محمد بن خلف بن المزربان عن أبي الفضل المروروذي عن إسحاق عن أبي عبيدة، فذكر قصة الحارث مع ابن عمرو مثل الذي تقدمه.

فضله كثير الشاعر في الشعر على نفسه

وأنشد من شعره:

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا الرياشي قال حدثني أبو سلمة الغفاري عن يحيى بن عروة بن أذينة عن أبيه قال: كان كثيرا جالسا في فتية من قريش إذ مر بهم سعيد الراس، وكان مغنيا، فقالوا لكثير: يا أبا صخر، هل لك أن نسمعك غناء هذا، فإنه مجيد? قال: افعلوا؛ فدعوا به فسألوه أن يغنيهم:  صوت

 

هلا سألت معـالـم الأطـلال                      بالجزع من حرض وهن بوالي

سقيا لعزة خلتي سقـيا لـهـا                      إذ نحن بالهضبات من أمـلال

إذ لاتكلمنا وكـان كـلامـهـا                      نفلا نؤملـه مـن الأنـفـال فغناه، فطرب كثيرا وارتاح، وطرب القوم جميعا، واستحسنوا قول كثير، وقالوا له: يا أبا صخر مايستطيع أحد أن يقول مثل هذا؛ فقال: بلى، الحارث بن خالد حيث يقول: صوت

إني ومانحروا غداة منـى                      عند الجمار تؤؤدها العقل

 

صفحة : 328

 

 

لو بدلت أعلى مساكنـهـا                      سفلا وأصبح سفلها يعلو

لعرفت معناها بما احتملت                      مني الضلوع لأهلها قبل نسبة ما في هذه الأخبارمن الأغاني في أبيات كثير الأول التي أولها:  هلا سألت معالم الأطلال لابن سريج منها في الثاني والثالث رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في الأول والثاني ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عنه. وفيهما لعلويه رمل بالوسطى عن عمرو. وفي أبيات الحارث بن خالد لإبراهيم الموصلي رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضا.

شعره في علو الزبيرين على العلويين

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا الخليل بن أسد عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخل أشعب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يطوف الحلق، فقيل له: ماتريد? فقال: أستفتني في مسالة؛ فينا هو كذلك إذ مر برجل من ولد الزبير وهو مسند إلى سارية وبين يديه رجل علوي، فخرج أشعب مبادرا؛ فقال له الذي سأله عن دخوله وتطوافه: أوجدت من أفتاك في مسألتك? قال: لا، ولكني علمت ماهو خير منها؛ قال: وماذاك? قال: وجدت المدينة قد صارت كما قال الحارث بن خالد:

قد بدلت أعلى مساكنهـا                      سفلا وأصبح سفلها يعلو رأيت رجلا من ولد الزبير جالسا في الصدر، ورجلا من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه جالسا بين يديه، فكفى هذا عجبا، فانصرفت.

كان مروانيا وكل بني مخزوم زبيرية

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني هذا الخبر إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان، وأخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن حفص عن أبيه قال قال محمد بن خلف أخبرني به أبو أيوب سليمان بن أيوب المدني قال حدثنا مصعب الزبيري، وأخبرني به أيضا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي، وقد جمعت رواياتهم في هذا الخبر: أن بني مخزوم كلهم كانوا زبيرية سوى الحارث بن خالد فإنه كان مروانيا.

ذهب إلى الشأم مع عبد الملك فحجبه وجفاه فقال شعرا فقربه وولاه مكة: فلما ولي عبد الملك الخلافة عام الجماعة وفد عليه في دين كان عليه وذلك في سنة خمس وسبعين؛ وقال مصعب في خبره: بل حج عبد الملك في تلك السنة فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقان ببابه شهرا لايصل إليه، فانصرف عنه وقال فيه:

صحبتك إذ عيني عليها غـشـاوة                      فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

ومابي وإن أقصيتني من ضراعة                      ولاافتقرت نفسي إلى من يضيمها هذا البيت في رواية ابن المزربان وحده:

عطفت عليك النفس حتى كأنما                      بكفيك بؤسي أو عليك نعيمها  عزله عبد الملك لأنه أخر الصلاة

حتى تطوف عائشة بنت طلحة:

وبلغ عبد الملك خبره وأنشد الشعر، فأرسل إليه من رده من طريقه؛ فلما دخل عليه قال له: حار، أخبرني عنك: هل رأيت عليك في المقام ببابي غضاضة أو في قصدي دناءة? قال: لا والله ياأمير المؤمنين؛ قال: فما حملك علي ماقلت وفعلت? قال: جفوة ظهرت لي، كنت حقيقا بغير هذا، قال: فاختر، فإن شئت أعطيتك كائة ألف درهم، أو قضيت دينك، أو وليتك مكة سنة، فولاه إياها، فحج بالناس وحجت عائشة بنت طلحة عامئذ، وكان يهواها، فأرسلت إليه: أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي، فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها، ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه، فعزله وكتب إليه يئنبه فيما فعل؛ فقال: ماأهون والله غضبه إذا رضيت والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل. فلما قضت حجها أرسل إليها: يابنة عمي ألمي بنا أوعدينا مجلسا نتحدث فيه؛ فقالت: في غد أفعل ذلك، ثم رحلت من ليلتها؛ فقال الحارث فيها:  صوت

 

ماضركم لو قلتم سـدادا                      إن المطايا عاجل غدها

ولها علينا نعمة سلفـت                      لسنا على الأيام نجحدها

لو تممت أسباب نعمتها                      تمت بذلك عندنا يدهـا

 

صفحة : 329

 

لمعبد في هذه الأبيات ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة ويونس ودنانير، وقد ذكر غسحاق فنسبه إلى ابن محرز ثقيلا أول في أصوات قليلة الأشباه؛ وقال عمر بن بانة: من الناس من نسبه إلى الغريض نسبة مافي الأخبار من الغناء صوت

ومابي وإن أقصيتني من ضراعة                      ولا افتقرت نفسي إلى من يهينها

بلى بأبي إني إلـيك لـضـارع                      فقير ونفسي ذاك منها يزينـهـا البيت الأول للحارث بن خالد، والثاني ألحق به. والغناء للغرض ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي. وذكر الهشامي أن لحن لاغريض خفيف ثقيل غي البيت الأول فقط، وحكى أن قافيته على ما كان الحارث قاله:  ولاافتقرت نفسي إلى من يضمها وأن الثقيل الأول لعلية بنت المهدي، ومن غنائها البيت لامضاف. وأخلق لأن يكون الأمر على ماذكره، لأن البيت الثاني ضعيف يشبه شعرها.

تزوج مصعب بعائشة فقال شعرا أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر وإسماعيل بن يونس قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى قال: لما تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة ورحل بها إلى العراق، قال الحارث بن خالد في ذلك: صوت

ظعن الأمير بأحسن الـخـلـق                      وغدا بلبك مطـلـع الـشـرق

في البيت ذي الحسب الرفيع ومن                      أهل التقى والبـر والـصـدق

فظللت كالمقهور مـهـجـتـه                      هذا الجنون وليس بالـعـشـق

أترجة عبـق الـعـبـير بـهـا                      عبق الدهان بجـانـب الـحـق

ماصبحـت أحـدا بـرؤيتـهـا                      إلا إذا بكـواكـب الـطـلـق وهي أبيات، غنى ابن محرز في البيتين الأولين خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وذكر عمرو بن بانة أن فيهما لمالك ثقيلا بالوسطى، وذكر حبش أن فيهما لمالك رملا بالوسطى، وذكر حبش أيضا أن فيهما للدلال ثاني ثقيل بالبنصر، ولابن سريج ومالك رملين، ولسعيد بن جابر هزجا بالوسطى.

استأذن على عائشة بنت طلحة وكتب لهامع الغريض وأمره أن يغني لها من شعره فوعدته وخرجت من مكة: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد وهو أمير على مكة: إني أريد السلام عليك، فإذا خف عليك أذنت، وكان الرسول الغريض، فقالت له: إنا حرم، فإذا أحللنا أذناك، فلما أحلت سرت على بغلاتها، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه، ومعه كتاب الحارث إليها:  ماضركم لو قلتم سدادا -الأبيات المذكورة -؛ فلما قرأت الكتاب قالت: مايدع الحارث باطله ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا? قال: نعم، فاسمعي، ثم اندفع يغني في هذاالشعر؛ فقالت عائشة: والله ماقلنا إلا سدادا، ولاأردنا إلا أن نشتري لسانه؛ وأتى على الشعر كله، فاستحسنته عائشة، وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب، وقالت: ذدني، فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا:

زعموا بأن البين بعد غـد                      فالقلب مما أحدثوا يجف

والعين منذ أجد بـينـهـم                      مثل الجمان دموعها تكف

ومقالها ودموعها سـجـم                      أقلل حنينك حين تنصرف

تشكو ونشكو ماأشئت بنـا                      كل بوشك البين معترف -إيقاع هذا الصوت ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي، ولم يذكر له حماد طريقا- قال: فقالت له عائشة: ياغريض، بحقي عليك أهو أمرك أن تغنيني في هذا الشعر? فقال: لا، وحياتك ياسيدتي فأمرت له بخمسة آلاف درهم، ثم قالت له: غنني في شعر غيره؛ فغناها  قول عمر فيها: غناها الغريض بشعر ابن أبي ربيعة:  صوت

 

أجمعت خلتي مع الفجر بينا                      جلل الله ذلك الوجه زينـا

أجمعت بينها ولم نك منهـا                      لذة العيش والشباب قضينا

فتولت حملها واستقـلـت                      لم تنل ظائلا ولم نقض دينا

ولقد قلت يوم مـكة لـمـا                      أرسلت تقرأ السلام علينـا

أنعم الله بالرسول الـذي أر                      سل والمرسل الرسالة عينا

 

صفحة : 330

 

-الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء للغريض خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق، وغيره ينسبه إلى ابن سريج. وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وأظنه هذا اللحن -قال: فضحكت ثم قالت: وأنت ياغريض فأنعم الله بك عينا، وبابن أبي ربيعة عينا، لقد تلطفت حتى أديت إلينا رسالته، وإن وفاءك له لمما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك. وقد كان عمر سأل أن يغنيها هذا الصوت لأنه قد كان ترك ذكرها لما غضبت بنو تميم في ذلك، فلم يجب النصريح بها وكره إغفال ذكرها؛ وقال له عمر: إن أبلغتها هذه الأبيات في غناء فلك خمسة آلاف درهم.

<H6 غنى الغريض عاتكة بنت يزيد</H6 فوفى له بذلك، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم أخرى، ثم انصرف الغريض من عندها فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك بن مروان، وكانت قد حجت في تلك السنة، فقال لها جواريها: هذا الغريض؛ فقال لهمن: علي به، فجيء به إليها. قال الغريض: فما دخلت سلمت فردت علي وسألتني عن الخبر، فقصصته عليها؛ فقاللت: غنني بما غنيتها به، ففعلت فلم أرها تهش لذلك، فغنيتها معرضا لها ومذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب امرأته وقد نزل به أضياف:

أقول والضيف مخشي ذمامـتـه                      على الكريم وحق الضيف قد وجبا  صوت

 

ياربة البيت قومي غير صاغـرة                      شمي إليك رحال القوم والقربـا

في ليلة من جمـادى ذات أنـدية                      لابيصر الكلب من ظلمائها الطنبا

لاينبح الكلب فيها غـير واحـدة                      حتى يلف على خيشومه الذنبـا -الشعر لمرة بن محكان السعدي، والغناء لاين سريج. ذكر وينس أن فيه ثلاثة ألحان، فوجدت منها واحدا في كتاب عمرو بن بانة رملا بالوسطى، والآخر في كتاب الهشامي خفيف ثقيل بالوسطى، والآخر ثاني ثقيل في كتاب أحمد بن المكي-قال: فقالت وهي مبتسمة: وقد وجب حقك ياغريض، فغنني؛ فغنيتها:  صوت

 

يادهر قد أكثرت فجـعـتـنـا                      بسراتنا ووقرت في العـظـم

وسلبتنا مـالـيت مـخـلـفـه                      يادهر ما أنصقت في الحـكـم

لو كان لي قـرن أنـاضـلـه                      ماطاش عند حفيظة سهـمـي

لو كان يعطي النصف قلت لـه                      أحرزت سمهك فاله عن سهمي فقاللت: نعطيك النصف ولانضيع سهمك عندنا، ونجزل لك قسمك، وأمرت لي بخمسة آلاف درهم وثياب عدنية وغير لذك من الألطاف، وأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة؛ فأمر لي بمثل ما أمرتا لي به جميعا، فأتيت ابن أبي ربيعة وأعلمته بما جرى، فأمر لي بمثل ذلك، فما انصرف واحد من ذلك الموسم بمثلي ماانصرفت به: بنظرة من عائشة ونظرة من عاتكة وهما أجمل نساء عالمهما، وبما أمرتا لي به، وبالمنزلة عند الحارث وهو أمير مكة، وابن أبي ربيعة، وماأجازاني به جميعا من المال.

<H6 لما حجت عائشة بنت طلحة فاستأذنها</H6 <H6 في زيارتها فوعدته ثم هربت: </H6 أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثنا أبو الحسن المروزي قال حدثنا محمد بن سلام عن يونس قال: لما حجت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد وهو أمير مكة: أنعم الله بك عينا وحياك، وقد أردت زيارتك فكرهت ذلك إلا عن أمرك، فإن أذنت فيها فعلت؛ فقالت لمولاة لها جزلة: وماأرد على هذا الشفيه? فقالت لها: أنا أكفيك، فخرجت إلى الرسول وقالت له: اقرأ عليه السلام، وقل له: وأنت أنعم عليك بك عينا وحياك، تقضي نسكنا ثم يأتيك رسولنا إن شاء الله، ثم قالت لها: قومي فطوفي واسعي واقضي عمرتك واخرجي في الليل، ففعلت؛ وأصبح الحارث فسأل عنها فأخبر خبرها، فوجه إليها رسولا بهذه الأبيات، فوجدها قد خرجت عن عمل مكة، فأوصل الكتاب إليها، فقالت لمولاتها: خذيه فإني أظنه بعض سفاهاته، فأخذته وقرأته وقالت له: ما قلنا إلا سدادا وأنت فارغ للبطالة، ونحن عن فراغك في شغل.

<H6 سالت عائشة بنت طلحة فأرسل إليها شعرا</H6 أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي وإسماعيل بن وينس الشيعي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: زعم كلثوم بن أبي بكر بن عمر بن الضحاك بن قيس الفهري قال:

 

صفحة : 331

 

قدم المدينة قادم من مكة فدخل على عائشة بنت طلحة، فقلت له: من أين أقبل الرجل? قال: من مكة، فقالت: فما فعل الأعرابي? فلم يفهم ماأرادت، فلما عاد إلى مكة، فقالت: فما فعل الأعرابي? فلم يفهم ماأرادت، فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث، فقال له: من أين? قال: من المدينة، قال: فهل دخلت على عائشة بنت طلحة? قال: نعم، قال: فعماذا سألتك?? قال: قالت لي: ما فعل الأعرابي? قال له الحارث: فعد عليها ولك هذه الراحلة والحلة ونفقتك لطريقط وادفع إليها هذه الرقعة، وكتب إليها فيها:  صوت

 

من كان يسأل عنا أين منزلنـا                      فالأقحوانة منا منزل قـمـن

إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره                      طعن الوشاة ولاينبو بنا الزمن قال إسحاق: وزادني غير كلثوم فيها:

ليت الهوى لم يقربني إلـيك ولـم                      أعرفك إذ كان حظي منكم الحزن غنى في هذه الأبيات ابن محرز خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر يونس أن فيها لحنا وبم يجنسه، وذكر عمرو أن فيه لبابويه ثاني ثقيل بالبنصر.

غضب على الغريض ثم رق له

وغناء الغريض في شعره:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام، قال: لما ولى عبد الملك بن مروان الحارث بن خالد المخزومي مكة بعث إلى الغريض فقال له: لاأرينك في عملي، وكان قبل ذلك يطلبه ويستدعيه فلا يجيبه، فخرج الغريض إلى ناحية الطائف، وبلغ ذلك الحارث فرق له فرده وقال له: لم كنت تبغضنا وتهجر شعرنا ولاتقربنا? قال له الغريض: كانت هفوة من هفوات النفس، وخطرة  من خطرات الشيطان، ومثلك وهب الذنب، وصفح عن الجرم، وأقال العثرة، وغفر الذلة، ولست بعائد إلى ذلك أبدا؛ قال: وهل غنيت قي شيء من شعري? قال: نعم، قد غنيت في ثلاثة أصوات من شعرك، قال: هات ما غنيت، فغنيت:  صوت

 

بان الخليط فما عاجوا ولاعدلوا                      إذ دعوك وحنت بالنوى الإبل

كأن فيهم غداة البين إذ رحاوا                      أدماء طاع لها الحوذان والنفل -الغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش؛ قال حبش: وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر، ولإسحاق ثان ثقيل بالبنصر-فقال له: أحسنت والله ياغريض، هات ماغنيت أيضا من شعري، فغناه في قوله:  صوت

 

ياليت شعري وكم من منية قدرت                      وفقا وأخرى أتى من دونها القدر

ومضمر الكشح يطويه الضجيع له                      طي الحمالة لاجـاف ولافـقـر

له شبيهان لانقص يعـيبـهـمـا                      بحيث كانا ولاطول ولاقـصـر -لم أعرف لهذا الشعر لحا في شيء من الكتب ولاسمعته-فقال له الحارث: أحسنت واللله ياغريض، إيه، وماذا أيضا? فغناه قوله:

عفت الديار فما بها أهل                      حزانها ودماثها السهـل

إني ومانحروا غداة منى                      عند الجمار تؤدها العقل - الأبيات المذكورة وقد مضت نسبتها معها-فقال له الحارث: ياغريض لا لوم في حبك، ولاعذر في هجرك، ولالذة لمن يروح قلبه بك، ياغريض لو لم يكن لي في ولايتي مكة حظ إلا أنت لكان حظا كافيا وافيا، ياغريض إنما الدنيا زينة، فأزين الزينة مافرح النفس، ولقد قهم قدر الدنيا على حقيقته من فهم قدر الغناء.

أنشدت سكينة بنت الحسين بيتا من شعره

فنقدته:

أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب الزبيري قال:

ففرغن من سبع وقد جهدت                      أحشاؤهن من موائل الخمر فقالت: أحسن عندكم ماقال? قالوا: نعم، وماحسنه فوالله لو طافت الإبل سبعا لجهدت أحشاؤها.

قيل له مايمنعك من عائشة

وقد مات زوجها فأجاب:

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن كلثوم بن أبي بكر قال: لما مات عمر بن عبد الله التميمي عن عائشة بنت طلحة وكانت قبله عند مصعب بن الزبير قيل للحارث بن خالد: مايمنعك الآن منها? قال: لايتحدث والله رجال من قريش أن نسيبي بها لكان لشيء من الباطل.

تنازع هو و أبان بن عثمان ولاية الحج

فغلبه أبان فقال شعرا:

 

 

صفحة : 332

 

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: لما خرج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان شغل عن أن يولى على الحج رجلا، وكان الحارث بن خالد عامله على مكة، فخرج إبان بن عثمان من المدينة وهو عامله عليها، فغدا على الحارث بمكة ليحج بالناس؛ فنازعه الحارث وقال له: لم يأتني كتاب أمير المؤمنين بتوليتك على الموسم، وتغالبا فغلبه أبان بن عثمان بنسبه، ومال إليه الناس فحج بهم؛ فقال الحارث بن خالد في ذلك:

فإن تنج منها يا أبان مسـلـمـا                      فقد أفلت الحجاج خيل شبـيب

وكاد غداة ادير ينفد حضـنـه                      غلام بطعن القرن جد طبـيب

وأنسوه وصف الدير لما رآهـم                      وحسن خوف الموت كل معيب فلقيه الحجاج بعد ذلك، فقال: مالي ولك ياحارث أينازعك أبان عملا فتذكرني فقال له: مااعتمدت مساءتك ولكن بلغني أنك أنت كاتبته، قال: والله مافعلت، فقال له الحارث: المعذرة إلى الله وإليك أبا محمد.

قال هشام حين سمع شيئا من شعره هذا كلام معاين: نسخت من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: حدثني عمرو بن سلم قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال حدثني موسى بن جعفر أن يحيى قال حدثني مؤدب لبني هشام بن عبد الملك قال: بينا أنا ألقي على ولد هشام شعر قريش إذ أنشدتهم شعر الحارث بن خالد:

إن أمرا تعـتـاده ذكـر                      منها ثلاث مني لذو صبر وهشام مصغ إلي حتى ألقيت عليهم قوله:

ففرغن من سبع وقد جهدت                      أحشاؤهن موائل الخمـر فانصرف وهو يقول: هذا كلام معاين.

قدمت عائشة بنت طلحة تريد العمرة فقال شعرا: أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني أبو عبد الله السدوسي قال وحدثنا أبو حاتم السجستاني قالأخبرنا أبو عبيدة قال: قدمت عائشة بنت طلحة مكة تريد العمرة، فلم يزل الحارث يدور حولها وينظر إليها ولايمكنه كلامها حتى خرجت، فأنشأ يقول-وذكر في هذه الأبيات بسرة حاضنتها وكنى عنها-: صوت

يادار أفقر رسـمـهـا                      بين المحصب والحجون

أفـوت وغـير آيهــا                      مر الحوادث والسنـين

واستبدلوا ظلف الحجـا                      زوسرة البلـد الأمـين

يابسر إني فاعـلـمـي                      بالله مجتهـدا يمـينـي

ماإن صرمتحبـالـكـم                      فصلي حبالي أو ذريني في هذه الأبيات ثاني ثقيل لمالك بالبنصر عن الهشامي وحبش، قال: وفيها لابن مسجح ثقيل أول، وذكر أحمد بن المكي أن فيها لابن سريج رملا بالبنصر؛ فيها لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن حبش.

شبب بزوجته أم عبد الملك أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، زأخبرني بن محمد بن خلف بن المزربان بعن أحمد بن زهير عن مصعب الزبيري قال: كانت أم عبد الملك بنت عبد الله بن خالد بن أسيد عند الحارث بن خالد، فولدت منه فاطمة بينت الحارث، وكانت قبلة عند عبد الله بن مطيع، فولدت منه عمران ومحمدا، فقال فيها الحارث وكناها بابنها عمران:

ياأم عمران مازالت ومابرحت                      بي الصبابة حتى شفني الشفق

القلب تاق إليكم كي يلاقـيكـم                      كما يتوق إلى منجاته الغـرق

تنيل نزرا قليلا وهي مشفـقة                      كما يخاف مسيس الحية الفرق قال مصعب بن عثمان: فأنشد رجل يوما بحضرة ابنها عمران بن عبد الله بن مطيع هذا الشعر، ثم فطن فأمسك؛ فقال له: لاعليك، فإنها كانت زوجته. وقال ابن المزربان في خبره: فقال له: امض رحمك الله ومابأس بذلك، رجل تزوج بنت عمه وكان كفئا كريما فقال فيها شعرا بلغ مابلغ، فكان ماذا شبب بأم بكر بعد أن رآها ترمي الجمرة وحادثها: أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني أحمد بن عب الرحمن التميمي عن أبي شعيب الأسدي عن القحذمي قال:

 

صفحة : 333

 

بينا الحارث بن خالد واقف على جمرة العقبة إذ رأى أم بكر وهي ترمي الجمرة فرأى أحسن الناس وجها، وكان في خدها خال ظاهر، فسأل عنها فأخبر باسمها حتى عرف رحلها، ثم أرسل إليها يسألها أن تأذن له في الحديث، فأذنت له في الحديث، فأذنت له، فكان بأتيها يتحدث إليها حتى انقضت أيام الحج، فأرادت الخروج إلى بلدها، فقال فيها:

ألا قل لذات الخال ياصاح في الخـد                      تدوم إذا بانت على أحسن العـهـد

ومنها علامات بمجرى وشـاحـهـا                      وأخرى تزين الجيد من موضع العقد

وترعى من الود الذي كان بـينـنـا                      فما يستوي راعي الأمانة والمبـدي

وقل قد وعدت اليوم وعدا فأنجـزي                      ولاتخلفي، لاخير من مخلف الوعـد

وجودي على اليوم مـنـك بـنـائل                      ولاتبخلي، قدمت قبلك في اللـحـد

فمن ذا الذي يبدي السرور إذا دنـت                      بك الدار أو يعنى بنأيكـم بـعـدي

دنـوكـم مـنـا رخـاء تـنـالـه                      ونأيكم والبعد جهد عـلـى جـهـد

كثير إذ تدنو اغتباطي بـك الـنـوى                      ووجدي إذا مابنتم ليس كـالـوجـد

أقول ودمعي فوق خدي مخـضـل                      له وشل قد بل تـهـتـانـه خـدي

لقد منـح الـلـه الـبـخـيلة ودنـا                      ومامنحت ودي بدعوى ولاقـصـد شبب بليلى بنت أبي مرة لما رآها بالكعبة أخبرني محمد بن خلف قال وحدثني عن المدائني ولست أحفظ من حدثني به قال: طافت ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود وأمها ميمونة بنت أبي سفيان ابن حرب بالكعبة، فرآها الحارث بن خالد فقال فيها:

أطافت بنا شمس النهار ومن رأى                      من الناس شمسا بالعشاء تطوف

أبو أمها أوفـى قـريش بـذمة                      وأعمامها إما سألـت ثـقـيف وفيها يقول:

أمن طلل بالجزع من مكة السدر                      عفا بين أكناف المشقر فالحضر

ظللت وظل القوم من غير حاجة                      لدن غدوة حتى دنت حزة العصر

يبكون ليلى من ليى عهودا قديمة                      وماذا يبكي القوم من منزل قفر الغناء في هذه الأبيات لابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر عن يحيى المكي، وذكر غيره أنه للغريض. وفي ليلى هذه يقول - أنشدناه وكيع عن عبد الله بن شبيب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي للحارث بن خالد، وفي بعض الأبيات غناء-:  صوت

 

لقد أرسلت في السر ليلى تلـومـنـي                      وتزعمني ذا مـلة طـرفـا جـلـدا

وقد أخلفتـنـا كـل مـاوعـدت بـه                      ووالله ماأخلـفـتـهـا عـادا وعـدا

فقلت مجيبا لـلـرسـول الـذي أتـى                      تراه، لك الويلات، من قولهـا جـدا?

إذا جئتها فأقر الـسـلام وقـل لـهـا                      دعي الجوز ليلى واسلكي منهجا قصدا

أفي مكثنا عنكم لـيال مـرضـتـهـا                      تزيدينني ليلى على مرضي جـهـدا

تعدين ذنـبـا واحـدا مـاجـنـيتـه                      علي وماأحصـي ذنـوبـكـم عـدا

فإن شئت غرنا بعدكـم ثـم لـم نـزل                      بمكة حتى تجلسـي قـابـلا نـجـدا الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى. وذكر ابن المكي إت فيه لدحمان ثاني ثقيل بالوسطى لا أدري أهذا أم غيره. وفيه ثقيل أول للأبجر عن يونس والهشامي. وفيه لابن سريج رمل بالبنصر. ولعرار خفيف ثقيل عن الهشامي وحبش.

غلبه أبان بن عثمان على الصلاة

فقال فيه شعرا عرض فيه بالحجاج:

أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني محمد بن الحارث الخراز قال حدثنا أبو الحسن المدائني قال: كان الحارث بن خالد واليا على مكة، وكان أبان بن عثمان ربما جاءه كتاب الخليفة أن يصلي بالناس ويقيم لهم حجهم، فتأخر عنه في سنة الحرب كتابه ولم يأت الحارث كتاب، فلما حضر الموسم شخص أبان من المدينة، فصلى لالناس وعاونته بنوأمية ومواليهم فغلب الحارث على الصلاة، فقال:

فإن تنج منها يا أبان مسلمـا                      فقد أفلت الحجاج خيل شبيب

 

صفحة : 334

 

فبلغ ذلك الحجاج فقال: مالي وللحارث أيغلبه أبن بن عثمان على الصلاة ويهتف بي أنا ماذكره أياي فقال له عبيد بن موهب: أتأذن أيها الأمير في إجابته وهجائه? قال: نعم؛ فقال عبيد:

أبا وابص ركب علاتك والتمس                      مكاسبها إن اللـئيم كـسـوب

ولاتذكر الحجاج إلا بصـالـح                      فقد عشن من معروفه بذنوب

ولست بوال ما حييت إمـارة                       لمستخلف إلا علـيك رقـيب  سأله عبد الملك عن أي البلاد أحب إليه

فأجاب وقال شعرا:

قال المدائني: وبلغني أن عبد الملك قال للحارث: أي البلاد أحب إليك? قالكحا حسنت في حالي وعرض وجهي، ثم قال:

لاكوفة أمـي ولابـصـرة أبـي                      ولست كمن يثنيه عن وجهه الكس نسبة مافي هذا الخبر من الأغاني الغناء في شعره: منها في تشبيب الحارث بامرأته أم عمران: صوت

بان الخليط الذي كـنـا بـه نـثـق                      بانوا وقلبك مجنون بـهـم عـلـق

تنيل نزرا قليلا وهـس مـشـفـقة                      كما يخاف مسيس الحـية الـفـرق

ياأم عمران مازالت ومـابـرحـت                      بي الصبابة حتى شفني الـشـفـق

لاأعتق الله رقي من صبـابـتـكـم                      ماضرني أنني صبـبـكـم قـلـق

ضحكت عن مرهف الأنياب ذي أشر                      لاقـضـم فـي ثـنـاياه ولاروق

يتوق قلبي إلـيكـم كـي يلاقـيكـم                      كما يتوق إلى منجـاتـه الـغـرق غنى ابن محرز في الثلث ثم السادي ثم الخامس ثم الثاني، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وللغريض في الرباع والثاني والثالثل والسادس خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو، ولسلسل في الأول والثاني ثقيل أول مطلق عن الهشامي، ولابن سريج في الثاني والأول والرباع والخامس رمل بالخنصر في مجرى البنصر بالوسطى، ولابن محرز ثاني ثقيل آخر بالبنصر. وذكر الهشامي أن لابن سريج في الأبيات خفيف رمل.

ومما يغني فيه من شعر الحارث

ابن خالد في عائشة بنت طلحة تصريحا وتعريضا ببسرة جاريتها:

صوت

 

ياريع بسرة بالجنـاب تـكـلـم                      وأبن بنا خبرا ولاتستـعـجـم

مالي رأيتك بعد أهلك موحشـا                      خلقا كحوض الباقر المتـهـدم

تسبي الضجيع إذا النجوم تغورت                      طوع الضجيع أنيقة المتـوسـم

قب البطون أوانس مثل الـدمة                      يخلطن ذاك بـعـفة وتـكـرم الغناء لمعبد خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. والأبيات أكثر من هذه إلا أني اعتمدت على ما غني فيه.

ومنها صوت قد جمعت فيه عدة طرائق وأصوات في أبيات من القصيدة.

أعرفت أطلال الرسوم تنـكـرت                      بعـدي ويد آيهـــن دثـــورا

وتبدلت بعد الأنـيس بـأهـلـهـا                      عفرا بواغـم يرتـعـين وعـورا

من كل مصيبة الحديث ترى لـهـا                      كفلا كرابـية الـكـثـيب وثـيرا

دع ذا ولكن هل رأيت ظـعـائنـا                      قربن أجمـالا لـهـن بـكـورا

قربن كل مـخـيس مـتـحـمـل                      بزلا تشبه هـامـهـن قـبـورا

يفـتـن لايألـون كـل مـغـفـل                      يملأنـه بـحـديثـهـن سـرورا

يادار حسرها البلـى تـحـسـيرا                      وسفت عليها الريح بعـدك بـورا

دق التـراب نـخـيلة فـمـخـيم                      بعراصهـا ومـسـير تـسـييرا

ياربع بسرة إن أضر بك الـبـلـى                      فلقد عهدتك آهـلا مـعـمـورا

عقب الرذاذ خلافهم فـكـأنـمـا                      بسط الشواطب بينهـن حـصـيرا

إن يمس حبلك بعد طول تـواصـل                      خلقا ويصبح بينكـم مـهـجـورا

فلقد أراني، والجـديد إلـى بـلـى                      زمنا بوصلك قانعـا مـسـرورا

جذلا بمالي عنـدكـم لاابـتـغـي                      للنفس غـيرك خـلة وعـشـيرا

كنت المنى وأعز من وطىء الحصا                      عندي وكنت بذاك منـك وجـديرا

 

صفحة : 335

 

غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبد، ولحنه ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وللغريض فيه ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، ولإسحاق فيهما ثاني ثقيل، ولإبراهيم فيهما وفي الثالث خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى عن ابن المكي، وغنى الغريض في الثالث والسادس والرابع والخامس ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وغنى معبد في السابع والثامن والعاشر خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي؛ وفيها ثاني ثقيل ينسب إلى طويس واين مسجح واين سريج، ولمالك في التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر خفيف ثقيل بالسبابة والوسسطى عن يحيى المكي، وفيها بأعيانها لابن سريج رمل بالسبابة والوسطى عن يحيى أيضا، وليحيى المكي في الحادي عشر ومابعده إلى أخر الأبيات ثاني ثقيل، ولإبراهيم فيها بعينها ثقيل أول عن الهشامي، وفيها لإسحاق رمل، وفي الثالث والرابع لحن لخليدة المكية خفيف ومنها أبيات قالها بالشأم عند عبد الملك أولها:

هل تعرف الدار أضحت آيها عجما                      كالرق أجرى عليها حاذق قلـمـا

بالخيف هاجت شؤونا غير جامـدة                      فانهلت العين تذري واكفا سجمـا

دار لبسرة أمست ماتـكـلـمـنـا                      وقد أبنت لها لو تعرف الكلـمـا

واها لبسرة لو يدنو الأمـير بـهـا                      ياليت بسرة قد أمست لنا أمـمـا  صوت

 

حلت بـمـكة لادار مـصـافـية                      هيهات جيرون ممن سيكن الحرما

يابسر إنكم شط الـعـبـاد بـكـم                      فما تنيلوننا وصـلا ولانـعـمـا غنى هذين البيتين الهذبي ثاني ثقيل بالوسطى، وفيهما ليحيى المكي ثقيل ألو بالبنصر، جميعا ن روايته:

قد قلت بالخيف إذ قالت لجارتها                      أدام وصل الذي أهدى لنا الكلما  صوت

 

لايرم الله أنفـا أنـت حـامـلـه                      بل أنف شانيك فيما سركم رغما

إن كان رابك شيء لست أعلمـه                      مني فهذي يميني بالرضا سلمـا

أو كنت أحببت شيئا مثل حبـكـم                      فلا أرحت إذا أهلا ولانـعـمـا

لاتكليني إلى من ليس يرحمـنـي                      وقال من تبغضين الحتف والسقما

إن الوشاة كثير إن أطـعـتـهـم                      لايرقبون بـنـا إلا ولاذمـمـا غنى ابن محرز في:

لايرغم الله أنفا أنت حامله خفيف ثقيل بالبنصر، ولابن مسجح فيه ثاني ثقيل عن حبش؛ وفي:

لاتكليني إلى من ليس يرحمني لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن حبش والهشامي.

أخر الصلاة لعائشة فعزله عبد الملك

ولامه فقال شعرا:

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه الزبيري قال: أذن المؤذن يوما وخرج الحارث بن خالد إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة ابنة طلحة: إنه بقي علي شيء من طوافي لم أتمه، فقعد وأمر المؤذنين فكفوا عن الإقامة وجعل الناس يصيحون حتى فرغت من طوافها، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فعزله وولى مكة عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكتب إلى الحارث: ويلك، أتركت الصلاة لعائشة بنت طلحة فقال الحارث: والله لو لم تقض طوافها إلى الفجر لما كبرت؛ وقال في ذلك:

لم أرحب بأن سخطت ولكـن                      مرحبا أن رضيت عنا وأهلا

إن وجها رأيتـه لـيلة الـبـد                      ر عليه انثنى الجمال وحـلا

وجهها الوجه لو يسأل به المز                      ن من الحسن والجمال أاستهلا

إن عند الطواف إن غبن عنها                      فإذا مابدت لهم اضـمـحـلا الغناء في شعره في شعر الحارث هذا غناء قد جمع كل مافي شعره منه على اختلاف طرائقه، وهو:  صوت

 

أثل وجودي على المـتـيم أثـلا                      لاتزيدي فـؤاده بـك خـبـلا

أثل إني والراقصات بـجـمـع                      يتبـارين فـي الأزمة فـتـلا

سانحات يقطعن من عـرفـات                      بين أيدي المطي حزنا وسهـلا

والأكف المضمرات على الـر                      ن بشعث سعوا إلى البيت رجلي

لاأخون الصديق في السر حتـى                      ينقل البحر بالغرابـيل ثـقـلا

أو تمر الجبـال مـر سـحـاب                      مرتق قد وعى من الماء ثقـلا

 

صفحة : 336

 

 

أنعم الله لي بذا الوجه عـينـا                      وبه مرحبا وأهـلا وسـهـلا

حين قالت لاتفشـين حـديثـي                      يابن عمي أقسمت قلت أجل لا

اتقي الله واقبلي العذر مـنـي                      وتجافي عن بعض ما كان زلا

لاتصدي فتقتلينـي ظـلـمـا                      ليس قتل المحب للحب حـلا

ماأكن سؤتكم به فلك الـعـت                      بى لدينـا وحـق ذاك وقـلا

لم أرحب بأن سخطت ولكـن                      مرحبا أن رضيت عنا وأهـلا

إن شخصا رأيته لـيلة الـبـد                      ر عليه انثنى الجمـال وحـلا

جعل الله كـل أنـثـى فـداء                      لك بل خذها لرجلك نـعـلا

وجهك البدر لو سألت به المز                      ن من الحسن والجمال استهلا <H6 غنى معبد في الأبيات الأربعة الأولى</H6 خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، ولابن يتزن في الأولوالثاني ثقيل أول عن إسحاق، ولابن سريج في الأول والثاني والخامس ثقيل أول عن الهشامي، وللغريض في الخامس إلى الثامن خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، ولد حمان في التاسع والعاشر والثالث عشر والرابع عشر خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو، ولمالك في التاسع إلى آخر الثاني عشر لحن ذكره يونس ولم يجنسه، ولابن سريج في هذه الأبيات بعينها رمل بالوسطى عن عمرو، وللغريض فيها أيضا خفيف رمل بالبنصر عن ابن المكي، ولابن عائشة في الخامس إلى أخر الثامن لحن ذكره حماد عن أبيه ولم يذك رطريقته.

ومنه  صوت

 

أحقا إن جيرتنا استـحـبـوا                      حزون الأرض بالبلد السخاخ

إلى عقر الأباطح من ثـبـير                      إلى ثور فمدفع ذي مـراخ

فتلك ديارهم لم يبـق فـيهـا                      سوى طلل المعرس والمناخ

وقد تغنى بها في الدار حور                      نواعم في المجاسد كالإراخ غني في هذه الأبيات الغريض، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن الهشامي  جزعت سوداء لموت ابن أبي ربيعة

فلما سمعت شعر الحارث طابت به نفسا:

وأخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرني محمد بن سلام قال: كانت سوداء بالمدينة مشغوفة بشعر عمر بن أبي ربيعة، وكانت من مولدات مكة، فلما ورد على اهل المدينة نعي عمر بن أبي ربيعة أكبروا ذلك واشتد عليهم، وكانت السوداء أشدهم حزنا وتسلبا وجعلت لاتمر بسكة من سكك المدينة إلا ندبته، فلقيها بعض فتيان مكة، فقال لها: خفضي عليك، فقد نشأ ابن عم له بشبه شعره شهره، فقالت: أنشدني بعضه، فأنشدها قوله:

إني ةمانحروا غداة منـى                      عند الجمار تؤودها العقل الأبيات كلها، قال: فجعلت تمسح عينيها من الدموع وتقول: الحمد لله الذي لم يضيع حرمه.

ناضل سليمان بينه وبين رجل من أخواله

أخبرني اليزيدي قال حدثني عمي)جد عبيد الله( عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي قال: ناضل سليمان بن عبد الملك بين الحارث وبين رجل من أخواله من بني عبس، فرمى  الحارث بن  خالد فأخطأ ورمى العبسي فأصاب، فقال:  أنا نضلت الحارث بن خالد ثم رمى العبسي فأخطأ ورمى الحارث فأصاب، فقال الحارث:  حسبت نضل الحارث بن خالد ورميا فأخطأ العبسي وأصاب الحارث، فقال الحارث:  مشيك بين الزرب والمرابد ورميا فأخطأ العبسي وأصاب الحارث، فقال الحارث:  وإنك الناقص غير الزائد فقال سليمان: أقسمت عليك يا حارث إلا كففت عن القول والرمي فكف

أخبار الأبجر ونسبه

اسم الأبجر ولقبه وولاؤه

الأبجر لقب غلب علبه، واسمه عبيد الله بن القاسم بن ضبية، ويكنى أبا طالب، هكذا روى محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق، وروى هارون بن الزيات عن حماد عن أبيه: ان اسمه محمد بن القاسم بن ضبية، وهو مولى لكنانة ثم لبني بكر، ويقال: إنه مولى لبني ليث.

نشأته

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية وهارون بن اللزيات قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن مالك قال: كنا يوما جلوسا عند إسحاق، فغنتنا جارية يقال لها  سمحة  :

إن العيون التي في طرفها مرض                      قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا

 

صفحة : 337

 

فهبت إسحاق إن أسأله لمن الغناء، فقلت لبعض من كان معنا: سله، فسأله فقال له إسحاق: ما كان عهدي بك في شيبتك لتسألنا عن هذا، فقال: أحببته لما أسننت، فقال: لا ولكن هذا النقب عمل هذا اللص، وضرب بيده إلى تلابيبي، فقال له الرجل: صدقت يا أبا محمد، فأقبل علي فقال لي: ألم أقل لك إذا اشتهيت شيئا فسل عنه، أما لأعطينك فيه ماتعابي به من شئت منهم، أتدري مااسمه? قلت: لا، قال: اسمه عبيد الله بن القاسم بن ضبية، أتدري ما كنيته? قلت: لا، قال: أبو طالب، ثم قال: اذهب فعاي بهذا من شئت منهم فإنك تظفر به.

كان ولاؤه لبني كنانة وقيل لبني ليث

وكان يلقب الحسحاس:

وقال هارون: حدثني حماد عن أبيه قال: الأبجر اسمه محمد بن القاسم بن ضبية وقال مرة أخرى: عبيد الله بن القاسم، مولى لبني بكر بن كنانة، وقيل: إنه مولى لبني ليث، يلقب بالحسحساس.

ظرفه وحسن لباسه وفرسه ومركبه

قال هارون: وحدثني حماد عن أبيه قال حدثني عورك اللهبي قال: لم يكن بمكة أحد أظرف ولاأسرى ولأحسن هيئة من الأبجر، كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار، وكان يقف بين المأزمين فيرفع صوته فيقف الناس له يركب بعضهم بعضا.

احتكم على الوليد بن يزيد في الغناء

فأمضى حكمه:

أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب عن  عبيد الله بن  عبد الله بن خرداذبة عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قالا: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم فإذا عسكر جرار قد أقبل في آخر الليل، وفيه دواب تجنب وفيها فرس أدهم عليه سرج حليته ذهب فاندفع، فغنى:

عرفت ديار الحي خالية قفرا                      كأن بها لما توهمتها سطرا فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا، وصاح صائح: ويحك أعد الصوت، فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينا، فإذا الوليد بن يزيد صاحب الإبل، فنودي: أين منزلك ومن أنت? فقال: أنا الأبجر ومنزلي على باب زقاق الخرازين، فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت من ثياب وشى وغير ذلك، ثم أتى به الوليد فأقام عنده، وراح مع أسحابه عشية التروية وهو أحسنهم هيئة، وخرج معه أو بعده إلى الشأم.

خرج معه إلى الشأم: قال إسحاق: وحدثني عورك اللهبي أن خروجه كان معه، وذلك في ولاية محمد بن هشام بن إسماعيل مكة، وفي تلك السنة حج الوليد، لأن هشاما أمره بذلك ليهتكه عند أهل الحرم، فيجد السبيل إلى خلعه، فظهر منه أكثر مما أراد به من التشاغل بالمغنين واللهو، وأقبل الأبجر معه حتى قتل الوليد، ثم خرج إلى مصر فمات بها.

نسبة الصوت المذكور في هذا الخبر  صوت

 

عرفت ديار الحي خالية قـفـرا                      كأن بها لما توهمتهـا سـطـرا

وقفت بها كيمما ترد جـوابـهـا                      فما بينت لي الدار عن أهلها خبرا الغناء لأبي عباد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، وفيه لسياط خفيف رمل بالبنصر.

أخذ صوتا من الغريض فأكره عطاء بن أبي رباح على سماعه: قال إسحاق: وحدثت أن الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا ثم دخل في الطواف حين أصبح، فرأى عطاء بن أبي رباح يطوف بالبيت، فقال: يا أبا محمد، اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض؛ قال له: ويحك أفي هذا الموضع فقال: كفرت برب هذا البيت لئن لم تسمعه نمي سرا لأجهرن به؛ فقال: هاته، فغناه:   صوت

 

عوجي علينا ربة الـهـودج                      إنك إلا تفعلي تـحـرجـي

إني أتيحـت لـي يمـانـية                      إحدى بني الحارث من مذحج

نلبث حولا كـامـلا كـلـه                      لانلتقي إلا على مـنـهـج

في الحج إن حجت وماذا منى                      وأهله إن هي لم تـحـجـج فقال له عطاء: الخير الكثير والله فيمنى وأهله حجت أولم تحج، فاذهب الآن. وقد مرت نسبة هذا الصوت وخبره في أخبار العرجي والغريض.

ختن عطاء بنيه فغنى لهم

قال إسحاق: وذكر عمرو بن الحارث عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: ختن عطاء بن أبي رباح بنيه أو بن أخيه، فكان البجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغنى لهم.

نازع ابن عائشة في الغناء فتشاتما

 

 

صفحة : 338

 

قال هارون بن محمد حدثني حماد بن إسحاق قال نسخت من كتاب ابن أبي نجيح بخطه: حدثني غوير بن طلحة الأرقمي عن يحيى بن عمران عن عمر بن حفص بن أبي كلاب قال: كان الأبجر مولانا وكان مكيا، فكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يوما: أسمعوني غناء ابن عائشتيكم هذا، فأرسلنا فيها فجمعنا بينهما في بيت ابن هابر فتغنى ابن عائشة، فقال الأبجر: كل مملوك لي حر إن تغنيت معك إلا بنصف صوتي، ثم أدخل إصبهع في شدقه فتغنى، فسمع صوته من في السوق فحشر الناس علينا، فلم بفترقا حتى تشاتما؛ قال: وكان ابن عائشة حيدا جاهلا.

غنى الوليد وقد عرف سره من خادمه

فنشط له:

أخبرني الحسن بن علي قالحدثنا ابن مهروية قال وحدثني ابن أبي سعد قال حدثني القطراني المغني عن محمد بن جبر عن إبراهيم بن المهدي قال حدثني ابن الأشعب عن أبيه قال: دعي ذات يوم المغنون للوليد بن يزيد، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم؛ قال: لم أومر بذلك وإنما أمرت بلإحضار المغنين وأنت بطال لاتدخل في جملتهم؛ فقلت: أنا والله أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنيته؛ فقال: لقد سمعت حسنا ولكني أخاف؛ فقلت لاخوف عليك، ولك مع هذا شرط، قال: وماهو? قلت: كل ماأصبته فلك شطره؛ فقال للجماعة: اشهدوا عليه، فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس، فغناه المغنون في كل فن من خفيف وثقيل، فلم يتحرك ولانشط، فقام البجر إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره، وبأي سبب هو خاثر? فقال: بينه وبين امرأه شر، لأنه عشق أختها فغضبت عليه فهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألا يذكرها أبدا بمراسلة ولامخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها؛ فعاد الأبجر إلينا وماحلس حتى اندفع فغنى:  صوت

 

فبيني فإني لاأبـالـي وأيقـنـي                      أصعد باقي حبكم أم تـصـوبـا

ألم تعلمي أني عزوف عن الهوى                      إذا صاحبي من غير شيء تغضبا فطرب الوليد وارتاح قال: أصبت ياعبيد والله مافي نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر، ولم يحظ بشيء أحد سوى الأبجر، فلما أيقتنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأيت ياأمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك? فضحك وقال: قبحك الل?ه وماالسبب في ذلك? فأخبرته بقصتي مع الرسول وقلت: إنه بدأني من المكروه في أول يومه بما اتصل علي إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة ويضرب بعدي مثلها، فقال له: لقد لطفت، أعطوهو مائة دينار وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها؛ فقبضتها وماحظي أحد بشيء غيري وغير الرسول. والشعر الذي غنى فيه الأبجر الولدي بن يزيد لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم، والغناء للأبجر ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لغيره عدة ألحان نسبت.

 

صوت من المائة المختارة

 

من رواية جحظة

 

حمزة المبتاع بالمـال الـثـنـا                      ويرى في بيعه أن قد غـبـن

فهو إن أعطى عكاء فـاضـلا                      ذا إخـاء لـم يكـدره بـمـن

وإذا مـاسـنة مــجـــدبة                      برت الناس كبري بالـسـفـن

كان للناس ربيعـا مـغـدقـا                      ساقط الأكناف إن راح ارجحن

نور شرق بين فـي وجـهـه                      لم يصب أثوابه لـون الـدرن عروضه من الرمل. الشعر لموسى شهوات. والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

 

?أخبار موسى شهوات ونسبه

وخبره في هذا الشعر  نسبه وسبب لقبه

هو موسى بن يسار مولى قريش، ويختلف في ولائه فيقال: إنه مولى بني سهم، ويقال: مولى بني تيم بن مره، ويقال: مولى بني عدي بن كعب؛ ويكنى أبا محمد، وشهوات لقبل غلب عليه.

وحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: إنما لقب موسى شهوات لأنه كان سؤولا ملحفا، فكان كلما رأى مع أحد شيئا يعجبه من مال أو متاع أو ثوب أو فرس، تباكى، فإذا قيل له: مالك? قال: اشتهي هذا؛ فسمي موسى شهوات. قال: وذكر آخرون أنه كان من أهل أذربيحان وأنه نشأ بالمدينة وكان يجلب إليه القند والسكر، فقالت له امرأة من أهله: مايزال موسى يجيئنا بالشهوات؛ فغلبت عليه.

 

 

صفحة : 339

 

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان محمد بن يحيى يقول: موسى شهوات مولى بني عدي بن كعب، وليس ذاك بصحيح، هو مولى تيم بن مرة. وذكر عبد الله بن شبيب عن الحزامي: أنه مولى بني سهم.

وأخبرني وكيع عن أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب ومحمد بن سلام قال: موسى شهوات مولى بني سهم  عشق جارية فأعطى بها عشرة آلاف

وأخبرني محمد نب الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: هوي موسى شهوات جارية فاستهيم بها وساوم مولاها فيها فاستام بها عشرة آلاف درهم، فجمع كل مايملكه واستماح إخوانه فبلغ أربعة آلاف درهم، فأتى إلى سعيد بن خالد العثماني فأخبره بحاله واستعان به، وكان صديقه وأوثق الناس عنده، فدافعه واعتل عليه فخرج من عنده؛ فلما ولي تمثل سعيد قول الشاعر:

كتبت إلي تستهدي الجواري                      لقد أنعظت من بلد بعـيد أتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد يستعينه في ثمن الجارية فأعانه فمدحه: فأتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فأخبرره بقصته فأمر له بستة آلاف درهم، فلما قبضها ونهض قال له: اجلس، إذا ابتعتها بهذا المال وقد أنفدت كل ماتملك فبأي حال تعيشان ثم دفع إليه ألفي درهم وكسوة وطيبا، وقال: أصلح بهذا شأنكما؛ فقال فيه:

أبا خالد أعني سعـيد بـن خـالـد                      أخا العرف لاأعني ابن بنت سعيد

ولكنني أعني ابـن عـائشة الـذي                      أبـو أبـويه خـالـد بـن أسـيد

عقيد الندى ماعاش يرضى به الندى                      فإن مات لم يرض الندى بعـقـيد

دعوه دعوه إنـكـم قـد رقـدتـم                      وماهو عن أحسابـكـم بـرقـود

قتلت أناسا هكذا في جـلـودهـم                      من الغيظ لم تقتـلـهـم بـحـديد رأى سعيد بن خالد العثماني في مدحه لسميه الذي أعانه هجوا له فشكاه: قال: فشكاه العثماني إلى سليمان بن عبد الملك، فأحضر موسى وقال له: ياعاض كذا وكذا، أتهجو سعيد بن خالد فقال: والله ياأمير المؤمنين ماهجوته ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، ثم أخبره بالقصة؛ فقال للعثاني: قد صدق، إنما نسب من مدحه إلى أبيه ليعرف. قال: وكان سليمان إذا نظر إلى سعيد بن خالد بن عبد الله يقول: لعمري والله ماأنت عن أحسابنا برقود.

وأخبرني محمد بن عبد الله اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شسخ قال حدثنا مصعب بن عبد الله بهذا الحديث فذكر نحو ماذكر أبو عبيدة وقال فيه: وكان سعيد بن خالد هذا تأخذه الموتة في كل سنة، فأرادوا علاجه، فتكلمت صاحبته على لسانه وقالت: أنا كريمته بنت ملحان سيد الجن، وإن عالجتموه قتلتموه، فوالله لو وجدت أكرم منه لهويته.

أخبرني وكيع عن أبي حمزة أنس بن خالد الأنصاري عن قبيضة بن عمر بن حفص المهلبي عن أبي عبيدة قالك حدثني الحارث بن سليمان الهجيمي، -وهو أبو خالد بن الحارث المحدث-قال: وكان عنده رؤبة بن العجاج، قال: شهدت مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وأتاه سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فقال: ياأيمر المؤمنين، أتيتك مستعديا، قال: ومن بك? قال: موسى شهوات، قال: وماله? قال: سمع بي واستطال في عرضي، فقال: ياغلام، علي بموسى فأتني به، فقال: ويلك أسمعت به واستطلت في عرضه? قال: مافعلت ياأمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، قال: وكيف ذلك? قال: علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده شيئا، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشكوت إليه ماشكوته إلى هذا، فقال: تعود إلي، فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهل من إذني، فلما استقر بي المجلس قال: ياغلام، قل لقيمتي: هاتي وديعتي، ففتح بابا بين بيتين وإذا بجارية، فقال ليك أهذه بغيتك? قلت: نعم فداك أبي وأمي قال: اجلس ثم قال: ياغلام، قل لقيمتي: هاتي ظبية نفقتي، فأتى بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس في غيرها فردت الظبية، ثم قال: عتيدة طيبي، فأتى بها، فقال: ملحفة فراشي، فأتى بها، فصير مافي الظبية ومافي العتيدة في حواشي الملحفة، ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا? قلت: ذكر طائفة من أبيات القصيدة التي مدح بها سعيد بن خالد:

 

صفحة : 340

 

 

أنا خالد أعني سعـيد بـن خـالـد                      أخا العرف لاأعني ابن بنت سعيد

ولكنني أعني ابـن عـائشة الـذي                      أبـو أبـويه خـالـد بـن أسـيد

عقيد الندى ماعاش يرضى به الندى                      فإن مات لم يرض الندى بعـقـيد

دعوه دعوه إنـكـم قـد رقـدتـم                      وماهو على أحسابكـم بـرقـود فقال سليمان: علي ياغلام لسعيد بن خالد، فأتي به، فقال: أحق ماوصفك له موسى? قال: وماذاك ياأمير المؤمنين.? فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك ياأمير المؤمنين، قال: فما طوقتك هذه الأفعال? قال: دين ثلاثين ألف دينار؛ فقال: قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها وبثلث مثلها، فحملت إليه مائة ألف دينار  ؛ قال: فلقي سعيد ين خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان? قال: ماأصبحت والله أملك منه إلا خمسين دينارا؛ قلت: مااغتاله? قال: خلة من صديق أو فاقة من ذي رحم.

أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيري ومحمد بن سلام قال: عشق مويى شهوات جارية بالمدينة فأعطى بها عشرة آلاف درهم؛ ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث سليمان بن أبي شيخ؛ وقال وفيه: أما والله لئن مدحته وهو سميك وأبوه سمي أبيك ولم أفرق بينكما ليقولن للناس: أهذا أم هذا، ولكن والله لأقولن لايشك فيه. وتمام هذه الأبيات التي مدح بها سعيدا بعد الأربعة المذكورة منها:

فدى للكريم العبشمي ابن خـالـد                      بني ومالي طارفـي وتـلـيدي

على وجهه تلقى الأيامن واسمـه                      وكل جواري طيره بـسـعـود

أبان وما استغنى عن الثدي خيره                      أبان به في المهد قبل قـعـود

دعوه دعوه إنكـم قـد رقـدتـم                      وماهو عن أحسابكـم بـرقـود

ترى الجند والجناب يغشون بابـه                      بحاجاتهم مـن سـيد ومـسـود

فيعطي ولايعطى ويغشى ويجتدى                      ومابابه للمـجـتـدي بـسـديد

قتلت أناسا هكذا في جلـودهـم                      من الغيظ لم تقتلـهـم بـحـديد

يعيشون ماعاشوا بغيظ وإن تحن                      مناياهم يوما تحـن بـحـقـود

فقل لبغاة العرف قد مات خالـد                      ومات الندى إلا فضول سـعـيد قال وكيع في خبرة: أما قوله:  لاأعني ابن بنت سعيد  فإن أم سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان آمنة بنت سعيد بن العاصي، وعائشة أم عقيد الندى بنت عبد الله بن خلف الخواعية أخت الخزاعية أخت طلحة الطلحات، وأمها صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار بن قصي، وأم أبي عقيد الندى رملة بنت معاوية بن أبي سفيان.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: لما أنشد موسى شهوات سليمان بن عبد الملك شعره في سعيد بن خالد قال له: اتفق اسماهما واسما أبويهما، فتخوفت أن يذهب شعري باطلا ففرقت بينهما بأمهما، فأغضبه أن مدحت ابن عمه، فقال له سليمان: بلى والله لقد هجوته وماخفي علي ولكني لاأجد إليك سبيلا، فأطلقه.

عمل شعرا في مدح حمزة

ابن عبد الله بن الزبير وقبل معبد أن يغنيه له ويكون عطاؤه بينهما:

أخبرني وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا محمد بن سلمة الثقفي قال: قال موسى شهوات لمعبد: أأمدح حمزة بن عبد الله بن الزبير بأبيات وتغني فيها ويكون مايعطينا بيني وبينك? قال: نعم؛ فقال موسى:

حمزة المبتاع بالمـال الـثـنـا                      ويرى في بيعه أن قد غـبـن

فهو إن أعطى عطاء فاضـلا                      ذا إخـاء لـم يكـدره بـمـن

وإذا مـاسـنة مـجـحــفة                      برت الناس كبرى بالـسـفـن

حسرت عنه نقـيا عـرضـه                      ذا بلاء عند مخناهـا حـسـن

نور صدق بين فـي وجـهـه                      لم يدنس ثوبـه لـون الـدرن

كنت للناس ربيعـا مـغـدقـا                      ساقط الأكناف إن راح ارجحن قال أحمد بن زهير: وأول قصيدة عن غير ابن سلام:

شاقني اليوم حبيب قد ظعن                      ففؤادي مستهام مرتهـن

إن هندا تيمتنـي حـقـبة                       ثم بانت وهي للنفس شجن

فتنة الحقها الـلـه بـنـا                      عائذ بالله من شر الفتـن

 

صفحة : 341

 

عارض فاطمة بنت الحسين لما زفت

إلى عبد الله بن غعمرو بشعر فأجيز

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني الطلحي قال أخبرني عبد الرحمن بن حماد عن عمران بن مويى بن طلحة قال: لما زفت فاطمة بنت الحسين رضوان الله عليه إلى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، عارضها موسى شهوات:

طلحة الخير جدكم                      ولخير الفواطـم

أنت للطاهرات من                      فرع تيم وهاشـم

أرتجيكم لنفعـكـم                      ولدفع المظـالـم فأمر له بكسوة ودنانير وطيب.

هجا داود بن سليمان لما تزوج فاطمة

بنت عبد الملك:

قال حدثنا الكراني قال حدثنا العنزي عن العتبي قال: كانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان قبيح الوجه، فقال في ذلك موسى شهوات:

أبعد الأغر ابن عبد العزيز                      قريع قـريش إذا يذكـر

تزوجت داود مـخـتـاة                      ألا ذلك الخلف الأعـور فكانت إذا سخطت عليه تقول: صدق والله موسى، إنك لأنت الخلف الأعور، فيشتمه داود.

مدح يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية

فأجازه:

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: أقام موسى شهوات ليزيد بن خالد بن معاوية على بابه بدمشق، وكان فتى  جوادا سمحا، فلما ركب وثب إليه فأخذ بعنان دابته، ثم قال:

قم فصوت إذا أتيت دمشقا:                      يايزيد بن خالد بـن يزيد

يايزيد بن خالد إن تجبنبـي                      يلقني طائري بنجم السعود فأمر له بخمسة آلاف وكسوة، وقال له: كلما شئت فنادنا نجبك.

تزوج بنت داود ابن أبي حميدة

فلما سئل عن جلوتها قال شعرا:

أخبرنا وكيع قال حدثني أحمد ين زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال: زوج موسى شهوات بنت موبى لمعن بن عبد الرحمن بن عوف يقال له: داود بن أبي حميدة، فلما جليت عليه قال داود: ماللجلوة? فأنشأ يقول:

تقول لي النساء غداة تجلى                      حميدة يافتى لـلـجـلاء

فقلت لهم سمرقند وبلـخ                      ومابالصين من نعم وشاء

أبوها حاتم إن سيل خـيرا                      وليث كريهة عند اللقـاء  هجا أبا بكر بن عبد الرحمن

حين حكم عليه ومدح سعيد بن سليمان:

أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب قال: قضى أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب على موسى شهوات بقضية، وكان خالد بن عبد الملك استقضاه في أيام هشام بن عبد الملك، فقال موسى يهجوه:

وجدتك فها في القضاء مخلطـا                      فقدتك من قاض ومن متـأمـر

فدع عنط كاشـيدتـه ذات رخة                      أذى الناس لاتحسرهم كل محشر ثم ولي القضاء سعيد بن سليمان ابن زيد بن ثابت الأنصاري، فقال يمدحه:

من سره الحكم صـرفـا لامـزاج لـه                      من القضاة وعـدل غـير مـغـمـوز

فليأت دار سـعـيد الـخـير إن بـهـا                      أمضى على الحق من سيف ابن جرموز  هجاؤه سعد بن إبراهيم وإلى المدينة

قال: وكان سعد بن إبرايهم بن عبد الرحمن بن عوف، قد ولي المدينة واشتد على السفهاء والشرعاء والمغنين، ولحق موسى شهوات بعض ذلك منه، وكان قبيح الوجه، فقال موسى يهجوه:

قل لسعد وجه العجوز لقدكن                      ت لما قد أوتيت سعدا مخيلا

إن تكن ظالما جهولا فقد كـا                      ن أبوك الأدنى ظلوما جهولا وقال يهجوه:

لعن الله والعباد ثطـيط ال                      وجه لايرتجى قبيح الجوار

يتقي الناس فحـشـه وإذاه                      مثل مايتقون بول الحمـار

لاتغرنك سجدة بين عينـي                      ه حذار منها ومنه حـذار

إنها سجدة بها يخدع الـنـا                      س، عليها من سجدة بالدبار  مدح عبد الله بن عمرو بن عثمان

حين نفحه بعطية:

أخبرني عمي قال أخبرني ثعلب عن عبد الله بن شبيب قال:

 

صفحة : 342

 

ذكر الحزامي أن موسى شهوات سأل بعض آل الزبير حاجة  فدقعه عنه، وبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن عثمان، فبعث إليه بما كان التمسه من الزبيري من غير مسألة؛ فوقف عليه موسى وهو جالس في المسجد، ثم أنشا قول:

ليس فيما بدا لما منك عيب                      عابه الناس غير أنك فاني

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى                      غير أن لابقاء للإنـسـان  والشعر المذكور فيه الغناء

يقوله موسى شهوات في حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان فتى  كريما جوادا على هوج كان فيه، وولاه أبوه العراقين وعزل مصعبا لما تزوج سكينة بنت الحسين رضي الله عنه وعائشة بنت طلحة وأمهر كل واحدة منهما ألف ألف درهم سبب عزل ابن الزبير لأخيه مصعب عن البصرة وتوليته ابنه حمزة: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ بن مصعب الزبيري، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني عبيد الله بن محمد الرازي والحسين بن علي: قال عبيد الله حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني، وقال الحسين حدثنا الحارث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي محنف: أن أنس بن زنيم الليثي كتب إلى عبد الله بن الزبير:

أبلغ أمير المؤمنين رسـالة                       من ناصح لك لايريك خداعا

بضع الفتاة بألف ألف كامل                      وتبيت قادات الجيوش جياعا

لو لأبي حفص أقول مقالتي                      وأبث ماأبثثتكـم لارتـاعـا فلما وصلت الأبيات إليه جزع ثم قال: صدق والله، لو لأبي حفص يقول: إن مصعبا تزوج امرأتين بألفي ألف درهم لارتاع، إنا بعثنا مصعبا إلى العارق فأغمد سيفه وسل أيره وسنعزله، فدعا بابنه حمزة، وأمه بنت منظور بن زيان الفزاري وكان منه محل لطيف، فولاه البصرة وعزل مصعبا. فبلغ قوله عبد الملك في أخيه مصعب، فقال: لكن أبا خبيب أغمد سيفه وأيره وخيره.

عزل ابن الزبير ابنه حمزة لهوجه وحمقه وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: هذه الأبيات لعبد الله بن همام السلولي.

قالوا جميعا: فلما ولي ابنه حمزة البصرة أساء السيرة وخلط تخليطا شديدا، وكان جوادا شجاعا أهوج، فوفدت إلى أبيه الوفود في أمره، وكتب إليه الأحنف بأمره وماينكره الناس منه وأنه يخشى أن تفسد عليه طاعتهم؛ فعزله عن البصرة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا المدائني قال: لما قدم حمزة بن عبد الله البصرة واليا عليها، وكان جوادا شجاعا مخلطا: يجود أحيانا حتى لايدع شيئا يملكه إلا وهبه ويمنع أحيانا والايمنع من مثله، فظهرت منه بالبصرة خفة وضعف. وركب يوما إلى فيض البصرة، فلما رآه قال: إن هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينهم صيفتهم هذه، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازرا فقال: قد رأيته ذات يوم فظننت أن لن يكفيهم؛ فقال له الأحنف: إن هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنا ثم يعود. وشخص إلى الأهواز فرأى جبلها، فقال: هذا قيقعان -وقيقعان: جبل بمكة- فلقب ذلك الجبل بقيقعان.

قال أبو زيد: وحدثني غير المدائني أنه سمع بذكر الجبل بالبصرة، فدعا بعامله فقال له: ابعث فأتنا بخراج الجبل؛ فقال له: إن الجبل ليس ببلد فأتيك بخراجه. وبعث إلى مردانشاه فاستحثه بالخراج فأبطأ به، فقام إليه بسيفه فقتله؛ فقال له الأحنف: ماأحد سيفك أيها الأمير وهم بعبد العزيز بن شبيب بن خياط أن يضربه بالسياط؛ فكتب إلى الزبير بذلك وقال له: إذا كنت لك بالبصرة حاجة فاصرف ابنك عنها وأعد إليها مصعبا؛ ففعل ذلك. وقال بعض الشعراء يهجو حمزة ويعيبه بقوله في أمر الماء الذي رآه قد جزر:

يابن الزبير بعثت حمزة عاملا                      ياليت حمزة كان خلف عمان

أزرى بدحلة حين عب عبابها                      وتقاذفت بزواخر الطوفـان <H6 نفار النوار من الفرزدق</H6 <H6 والتجاؤها لابن الزبير وشفاعة الفرذق بابنه حمزة: </H6 أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال:

 

صفحة : 343

 

خطب النوار ابنة أعين المجاشعية رجل من قومها، فجعلت أمرها إلى الفرزدق، وكان ابن عمهما دنية، ليزوجها منه، فأشهد عليها بذلك وبأن أمرها إليه شهودا عدولا؛ فلما أشهدتهم على نفسها قال لهم الفرزدق: فإني أشهدكم أني قد تزوجتها، فمنعته النوار نفسها وخرجت إلى الحجاز إلى عبد الله بن الزبير، فاستجارت بامرأه بنت منظور بن زبان، وخرج الفرزدق فعاذ بابنه حمزة، وقال يمدحه:

ياحمز هل لك في ذي حاجة، غرضت                      أنضاؤه بمكـان غـير مـمـطـور

فأنت أولى قريش أن تـكـون لـهـا                      وأنت بين أبي بـكـر ومـنـظـور فجعل أمر النوار يقوى وأمر الفرذدق يضعف؛ فقال الفرزدق في ذلك:

أمابنوه فلم تنفع شفاعـتـهـم                      وشفعت بنت منظور بن زبانا

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا                      مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا فبلغ ابن الزبير شعره، ولقيه على باب المسجد وهو خارج منه فضغط حلقه حتى كاد يقتله، ثم خلاه وقال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا                      ولو رضيت رمح استه لاستقرت ثم دخل إلى النوار فقال لها: إن شئت فرقت بينك وبينه ثم ضربت عنقه فلا يهجونا أبدا، وأن شئت أمضيت نكاحه فهو ابن عمك وأقرب الناس إليك، وكانت امرأة  صالحة  ، فقالت: أوما غير هذا? قال: لا؛ قالت: ماأحب أن يقتل ولكني أمضي أمره فلعل الله أن يجعل في كرهي إياه خيرا؛ فمضت إليه خيرا؛ فمضيت إليه وخرجت معه إلى البصرة.

غنى معبد حمزة بشعره فأجازه أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه الزبيري: أن حمزة بن عبد الله كان جوادا، فدخل إليه معبد يوما قد أرسله ابن قطن مولاه يقترض له من حمزة ألف دينار فأعطاه ألف دينار، فلما خرج من عنده قيل له: هذا عبد ابن قطن وهو يروي فيك شعر موسى شهوات فيحسن روايته، فأمر برده فرد، وقال له ماحكاه القوم عنه، فغناه معبد الصوت فأعطاه أربعين دينارا؛ ولما كان بعد ذلك رد ابن قطن عليه المال فلم يقبله، وقال له: إنه إذا خرج عني مال لم يعد إلى ملكي. وقد روي أن الداخل على حمزة والمخاطب في أمره بهذه المخاطبة لابن سريج، وليس ذلك بثبت، هذا هو الصحيح، والغناء لمعبد. أنشد حمزة بن عبد الله شعرا وغناه إياه معبد فأجازهما: أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى الغساني: أن موسى شهوات أملق، فقال لمعبد: قد قلت في حمزة بن عبد الله شعرا فغن فيه حتى يكون أجزل لصلتنا؛ ففعل ذلك معلد وغنى في هذه الأبيات، ثم دخلا على حمزة فأنشده إياها موسى ثم غناه فيها معبد، فأمر لكل واحد منهما بمائتي دينار.

كان من شعراء الحجاز

وكان خلفاء بني أمية يحسنون إليه:

أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عبد الله عن عبد الله بن عياش قال: كان موسى شهوات مولى لسليمان بن أبي خيثمة بن حذيفة العدوي، وكان شاعرا من شعراء أهل الحجاز، وكان الخلفاء من بني أمية يحسنون إليه ويدرون عطاءه وتجيئه صلاتهم إلى الحجاز.

هجا داود بن سليمان بن مروان

الذي تزوج فاطمة بنت عبد الملك بعد وفاة روجها عمر بن عبد العزي:

وكانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان دميما قبيحا، فقال موسى شهوات في ذلك:

أبعد الأغر ابن عبد العزي                      قريع قـريش إذا يذكـر

تزوجنت داود مخـتـارة                      إلا ذلك الخلف الأعـور فغلب عليه في بني مروان، فكان يقال له: الخلف الأعور

صوت من المائة المختارة

 

عوجا خليلي على المحـضـر                      والربع من سلامة المقـفـر

عوجا به فاستنطـقـاه فـقـد                      ذكرني ما كنـت لـم أذكـر

ذكرني سـلـمـى وأيامـهـا                      إذ جاورتنا بلوى عـسـجـر

بالربع من ودان مـبـدا لـنـا                      ومحورا تناهيك من مـحـور

في محضر كنا به نلـتـقـي                      ياحبذا ذلك مـن مـحـضـر

إذ نحن والـحـي بـه جـيرة                      فيما مضى من سالف الأعصر

 

صفحة : 344

 

الشعر للوليد بن يزيد، وقيل: إنه لعمر بن أبي ربيعة، وقيل: إنه للعرجي، وهو الوليد صحيح، والغناء واللحن المختار لابن سريج خفيف رمل بالبنصر في مجراها، وفيه لشارية خفيف رمل آخر عن ابن المعتز، وذكر الهشامي أن فيه لحكم الوداي خفيف رمل أيضا.

عتب عمرو بن عثمان على زوجه

سكينة بنت الحسين فأرسلت إليه أشعب:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال: كان زيد بن عمرو بن عثمان قد تزوج سكينة بنت الحسن رضي تعالى عنه، فعتب عليها يوما، فخرج إلى مال له، فذكر أشعب أن سكينة دعته فقالت له: إن ابن عثمان خرج عاتبا فاعلم له حاله، قلت: لاأستطيع أن أذهب إليه الساعة، فقال ت: أنا أعطيك ثلاثين دينارا، فأعطتني إياها فأتيته ليلا دخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا: أشعب، فنزل عن فرشه وصار إلى الأرض فقال: أشعيب? قلت: نعم، قال: ماجاء بك? قلت: أرسلتني سكينة لأعلم خبرك، أتذكرت منها ماتذكرت منك? وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض، قال: دعني من هذا وغنني:

عوجا به فاستنطقاه فقد                      ذكرني ما كنت لم أذكر فغنيته فلم يطرب، ثم قال: غنني ويحك غي رهذا، فإن أصبت مافي نفسي فلك حلتي هذه وقد اشتريتها آنفا بثلثمائة دينا، فغنيته: صوت

علق القلب بعض ماقد شـجـاه                      من حبيب أمسى موانـا هـواه

ماضراري نفسي بهجران من لي                      س مـسـيئا ولابـعـيد نـواه

واجتنابي بيت الحبيب وماالخـل                      د بأشهـى إلـي مـنـأن أراه فقال: ما عدوت ما في نفسي، خذ الحلة، فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصة، فقالت: وأين الحلة? قلت: معي، فقالت: وأنت الآن تريد أن تلبس حلة ابن عثمان لا والله ولا كرامة فقلت: قد أعطانيها، فأي شيء تريدين مني فقالت: أنا اشتريها منك، فبعتها إياها بثلثمائة دينار الشعر المذكور في هذا الخبر لعمر ابن أبي ربيعة، والغناء للدرامي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكر عمرو بن بانة أنه للهذلي، وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى غاضب رجل جارية كان يهزاها فغنت مغنية من شعره فاصطلحا: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن أبيه أن رجلا كانت له جارية يهواها وتهواه فغاضبها يوما وتمادى ذلك بينهما، واتفق أن مغنية دخلت فغنتهما:

ما ضراري نفسي بهجران من لي                      س مـسـيئا ولا بـعـيدا نـواه فقالت الجارية: لا شيء والله إلا الحمق، ثم قامت إلى مولاها فقبلت رأسه واصطلحا.

 

صوت من المائة المختارة

 

يا ويح نفسي لو أنه أقـصـر                      ما كان عيشي كما أرى أكدر

يا من عديري ممن كلفت بـه                      يشهد قلبي بـأنـه يسـحـر

يا رب يوم رأيتنـي مـرحـا                      آخذ في اللهو مسبل المـئزر

بين ندامى تحث كـأسـهـم                      عليهم كـف شـادن أحـور  الشعر لأبي العتاهية والغناء لفريدة

خفيف رمل بالبنصر.

 

الجزء الرابع

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره

سوى ما كان منها مع عتبة، فإنه لكثرة الصنعة في تشبيبه بها، وأنها اتسعت جدا فلم يصلح ذكرها هنا، لئلا تنقطع المائة الصوت المختارة، وهي تذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

اسمه ولقبه وكنيته ونشأته

أبو العتاهية لقب غلب عليه. واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة، وكنيته أبو إسحاق، وأمه أم زيد بنت زياد المحاربي مولى بني زهرة؛ وفي ذلك يقول أبو قابوس النصراني وقد بلغه أن أبا العتاهية فضل عليه العتابي:

قل للمكني نفـسـه                      متخيرا بعتـاهـية

والمرسل الكلم القبي                      ح وعته أذن واعية

إن كنت سرا سؤتني                      أو كان ذاك علانية

فعليك لعنة ذي الجلا                      ل وأم زيد زانـية  مناحيه الشعرية

 

 

صفحة : 345

 

ومنشؤه بالكوفة. وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم. ويقال: أطبع الناس بشار والسيد أبو العتاهية. وما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته. وكان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتتان، قليل التكلف، إلا إنه كثير الساقط المرذول مع ذلك. وأكثر شعره في الزهد والأمثال. وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى الوقل بمذهب الفاسفة ممن لا يؤمن بالبعث، ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناس دون ذكر النشور والمعاد. وله أوزان طريفة قالها مما لم يتقدمه الأوائل فيها. وكان أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال.

سبب كنيته

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال أخبرني محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي بن يحيى الصولي قال أخبرني محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي يوما  لأبي العتاهية: أنت إنسان متحذلق مهته. فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته، وسارت له في الناس. قال: ويقال للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للرجل الطويل: شناحية. ويقال: أبو عتاهية، بإسقاط الألف واللام.

قال محمد بن يحيى وأخبرني محمد بن موسى قال أخبرني ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية إن كان يحب الشهرة والمجون والتعته.

وبلده الكوفة وبلد آبائه

وبها مولده ومنشؤه وباديته.

يقول ابنه إنها من عنزة: قال محمد بن سلامك: وكان محمد بن أبي العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة، وأن جدهم كيسان كان من أهل عين التمر، فلما غزاها خالد نب الوليد كان كيسان جدهم هذا يتيما  صغيرا  يكفله قرابة له من نعنزة، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها، فوجه بهم إلى أبي بكر، فوصلوا إليه وبحضرته عباد بن رفاعة العنزي بن أسد بن ربيعة بن نزار، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم فيخبره كل واحد بمبلغ معرفته، حتى سأل كيسان، فذكر له أنهخ من عنزة. فلما سمعه عبد يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان خالصا  له، فوهبه له؛ فأعتقه، فتولى عنزة.

استعداؤه مندل بن علي وأخاه علي سبه بأنه نبطي: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن الحجاج الجلاني الكوفي قال حدثني أبو دذيل مصعب بن دؤيل الجلاني، قال: لم أر قط مندل بن علي العنزي وأخاه حيان بن علي غضبا من شيء قط إلا يوما  واحدا  ، دخل عليهما أبو العتاهية وهو مضمخ بالدماء. فقالا له: ويحك ما بالك? فقال لهما: من أنا? فقالا له: أنت أخونا وابن عمنا ومولانا. فقال: إن فلانا  الجزار قتلني وضربني وزعم أني نبطي، فإن كنت نبطيا  هربت على وجهي، وإلا فقوما فخذا لي بحقي. فقام معه مندل بن علي وما تعلق نعله غضبا  ؛ وقال له: والله لو كان حقك على عيسى بن موسى لأخذته لك منه؛ ومر معه حافيا  حتى أخذ له بحقه.

أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن الحسن بن علي عن عمر بن معاوية عن جبارة بن المغلي الحماني قال: أبو العتاهية مولى عطاء بن محجن العنزي.

أبو العتاهية وصنعة أهله أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو عون أحمد بن المنجم أخبرني خيار الكاتب قال: كان أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي من أهل المذار جميعا  ، وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصلي ببغداد، ونزل أبو العتاهية الحيرة. وذكر عن الرياشي أنه قال مثل ذلك، وأن أبا العتاهية نقله إلى الكوفة.

قال محمد بن موسى: فولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة، ومن قبل أمه لبني زهرة، ثم لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكانت أمه مولاة لهم، ثقال لها أم زيد.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن مهروية؛ قال قال الخليل بن أسد: كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن ويقول: أبو إسحاق الخزاف. وكان أبوه حجاما  من أهل ورجة؛ ولذلك يقول أبو العتاهية:

ألا إنما التقوى هو العز والـكـرم                      وحبك للدنيا هو الفقـر والـعـدم

وليس على عبد قـتـي تـقـيصة                      إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم  فاخره رجل من كنانة فقال شعرا

 

 

صفحة : 346

 

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شيء، ففخر عليه الكناني واستطال بقوم من أهله؛ فقال أبو العتاهيه:

دعني مـن ذكـر أب وجـد                      ونسب يعليك سور المـجـد

ما الفخر إلا في التقى والزهد                      وطاعة تعطى جنان الخلـد

لابد من ورد لأهـل الـورد                      إما إلى ضحل وغمـا عـد  آراؤه الدينية

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن حرب قال: كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، وأن الله خلق جوهرين متضادين لامن شيء، ثم إنه بني العالم هذه البنية منهما، وأن العالم حديث العين والصنعه لامحدث له إلا الله. وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا  . وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا  . وكان يقول بالوعيد وبتحريم المكاسب، ويتشيع بمذهب الزيدية البترية المبتدعة، لا ينتقص أحدا  ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان. وكان مجبرا  مناظرته لثمامة بن أشرس في العقائد بين يدي المأمون: قال الصولي: فحدثني يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون وكان كثيرا  ما يعارضه بقوله في الإجبار-: أسألك عن مسالة. فقال له المأمون: عليك بشعرك. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته ويأمره بإجابتي فقال له: أجبه إذا سألك. فقال: أنا أقول: إن كل ما فعله العباد من خير وشر فهو من الله، وأنت تأبى ذلك، فمن حرك يدي هذه? وجعل أبو العتاهية يحركها. فقال له ثمامة: حركها من أمه زانية. فقال: شتمني والله يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماص بظر أمه والله يا أمير المؤمنين فضحك المأمون وقال له: ألم أقل لك أن تشتغل بشعرك وتدع ما ليس من عملك قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أما أغناك الجواب عن السفه? فقلت: إن من أتم الكلام ما قطع الحجة، وعاقب على الإساءة وشفى من الغيظ، وانتصر من الجاهل.

قال محمد بن يحيى وحدثني عون بن محمد الكندي قال: سمعت العباس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا  في مذهبه: يعتقد شيئا  ، فإذا سمع طاعنا  عليه ترك اعتقاده إياه وأخذ غيره خبره مع المخنثين حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن أبي الدنيا قال حدثني الحسين بن عبد ربه قال حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال حدثني أبو الشمقمق: أنه رأس أبا العتاهية يحمل زاملة المخنثين، فقلت له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك? فقال له: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم.

محاورته بشر بن المعتمر أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: ذكر أحمد بن إبراهيم ين إسماعيل أن بشر بن المعتمر قال يوما  لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان? قال نعم. قال له: فما أردت بذلك? قال: أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدنيا، وأضع منها ليسقط عنها الكبر، واكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة. فقال له بشر: دعني من تذليلك نفسي بالحجامة؛ فإنه ليس بحجة لك أن تؤديها وتصلحها لما لعلك تفسد به أمر غيرك؛ أحب أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحدجمه إلى إخراج الدم? قال: لا. قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه، مما إذا زدت فيه أو نقصت منه ضر المحجوم? قال لا. قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين أراد حمدوية صاحب الزنادقة أخذه فتستر بالحجامة: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدوية صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية، ففزع من ذلك وقعد حجاما  .

 

 

صفحة : 347

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو دعامة علي بن يزيد: أخبر يحيى بن خالد أن أبا العتاهية قد نسك، وأنه جلس بحجم الناس للأجر تواضعا  بذلك. فقال: ألم يكن يبيع الجرار قبل ذلك? فقيل له بلى. فقال: أما في بيع الجرار من الذل ما يكفيه يستغني به عن الحجامة سئل عن خلق القرآن فأجاب أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني شيخ من مشايخنا قال حدثني أبو شعيب صاحب ابن أبي دواد قال: قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق? فقال: أسألتني عن الله أم عن غير الله? قلت: عن غير الله، فأمسك. وأعدت عليه فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مرارا  . فقلت له: مالك لا تجيبني? قال: قد أجبتك ولكنك حمار  أوصافه وصناعته

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا شيخ من مشايخنا قال حدثني محمد بن موسى قال: كان أبو العتاهية قضيفا  ، أبيض اللون، أسود الشعر، له وفرة جعدة، وهيئة حسنة ولباقة وحصافة، وكان له عبيد من السودان، ولأخيه زيد أيضا  عبيد منهم يعملون الخزف في أتون لهم؛ فإذا اجتمع منه شيء ألقوه على أجبر لهم يقال له أبو عباد اليزيد من أهل طاق الجرار بالكوفة، فيبيعه على يديه ويرد فضله إليهم. وقيل: بل كان يفعل ذلك أخوه زيد لا هو؛ وشئل عن ذلك فقال: أنا جرار القوافي، وأخي جرار التجارة.

قال محمد بن موسى: وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الحميد بن سريع مولى بن عجل قال: أنا رأيت أبا العتاهية وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيها.

كان يشتم أبا قابوس ويفضل عليه العتابي

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: لما هاجى أبو قابوس النصراني كلثوم بن عمرو العتابي، جعل أبو العتاهية يشتم أبا قابوس وضع منه؛ ويفضل العتابي عليه؛ فبلغه ذلك فقال فيه:

قل للكنى نـفـسـه                      متخيرا  بعتـاهـية

والمرسل الكلم القبي                      ح وعته أذن واعية

إن كنت سرا  سؤتني                      أو كان ذاك علانيه

فعليك لعنة ذي الجلا                      ل وأم زيد زانـية -يعني أم أبي العتاهية، وهي أم زيد بنت زياد-فقيل له: أشتم مسلما  ? فقال: لم أشتمه، وإنما قلت:

فعليك لعنة ذي الجلا                      ل ومن عنينا زانية هجاء والية بن الحباب: قال: وفيه يقول والية بن الحباب وكان يهاجي:

كان فينا يكنى أبا إسـحـاق                      وبها الركب سار في الآفاق

فتكنى معتوهنـا بـعـتـاه                      يالها كنية أنت بـاتـفـاق

خلق الله لحـية لـك لاتـن                      فك معقودة بداء الـحـلاق  قصته مع النوشجاني

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا النوشجاني قال: أتاني البواب يوما  فقال لي: أبو إسحاق الخزاف بالباب؛ فقلت: ائذن له، فإذا أبو العتاهية قد دخل. فوضعت بين يديه قنو موز؛ فقال: قد صرت تقتل العلماء بالموز، قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به لا والله لا أذوقه. قال: فحدثني عروة بن وسف الثقفي قال: رأيت أبا عبيده قد خرج من دار النوشجاني في شق محمل مسجى، إلا أنه حي، وعند رأسه قنو موز وعند رجليه قنو موز آخر، يذهب به إلى أهله. فقال النوشجاني وغيره: لما دخلنا عليه نعوده قلنا: ما سبب علتك? قال: هذا النوشجاني جاءني بموز كأنه أيور المساكين، فأكثرت منه، فكان سبب علتي. قال: ومات في تلك العلة.

رأي مصعب بن عبد الله في شعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: أبو العتاهية أشعر الناس. فقلت له: بأي شيء استحق ذلك عندك? فقال: بقوله:

تعلـقـت بـآمـال                      طوال أي آمــال

وأقبلت على الدنـيا                      ملحـا أي إقـبـال

أيا هذا تجـهـز ل                      فراق الأهل والمال

فلا بد من المـوت                      على حال من الحال ثم قال مصعب: هذا كلام سهل حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل ويقر به الجاهل.

استحسان الأصمعي لشعره أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يستحسن قول أبي العتاهية:

 

صفحة : 348

 

 

أنت ما استغنيت عن صا                      حبك الـدهـر أخـوه

فإذا احـتـجـت إلـيه                      ساعة  مـجـك فـوه. قول سلم الخاسر هو أشعر الجن والإنس حدثنا محمد بن العباس اليزيدي إملاء قال حدثني عمي الفضل بن محمد قال حدثني موسى بن صالح الشهرزوري قال: أتيت سلما الخاسر فقلت له: أنشدني لنفسك. قال: ولكن أنشدك لأشعر الجن والإنس، لأبي العتاهية، ثم أنشدني قوله: صوت

سكن يبقى له سـكـن                      ما بهذا يؤذن الزمـن

نحن في دار يخبرنـا                      ببلاها ناطق لـسـن

دار سوء لم يدم فـرح                      لامرئ فيها ولا حزن

في سبيل الله أنفسـنـا                      كلتا بالموت مرتهـن

كل نفس عند ميتتهـا                      حظها من مالها الكفن

إن مال المرء ليس له                      منه إلا ذكره الحسن فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه، قال حدثني حمدون بن زيد قال حدثني رجاء بن مسلمة قال: قلت لسلم الخاسر: من أشعر الناس? فقال: إن شئت أخبرتك بأشعر الجن والإنس. فقلت: إنما أسألك عن الإنس، فإن زدتني الجن فقد أحسنت. فقال: أشعرهم الذي يقول:

سكن يبقى له سكن                      ما بهذا يؤذن الزمن قال: والشعر لأبي العتاهية.

ثناء جعفر بن يحيى على شعره حدثني اليزيدي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني جعفر بن النصر الواسطي الضرير قال حدثني محمد بن شيرويه الأنماطي قال: قلت لداود بن زيد بن زرين الشاعر: من أشعر هل زمانه? قال: أبو نواس. قلت: فما تقول في أبي العتاهية? فقال: أبو العتاهية أشعر الأنس والجن.

أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال قال الزبير بن بكار: أخبرني إبراهيم بن المنذر عن الضحاك، قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول:

ماضر من جعل التراب مهاده                      ألا ينام على الحرير إذا قنع صدق والله وأحسن.

مهارته في الشعر وحديثه عن نفسه في ذلك حدثني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني أحمد بن حرب قال حدثني المعلى بن عثمان قال: قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر? قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد.

أخبرني ابن عمار قال حدثني ابن مهروية قال حدثني روح بن الفرج الرمازي قال: جلست إلى أبي العتاهية فسمعته يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كله شعرا  لفعلت.

حدثنا الصولي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو عكرمة قال: قال محمد بن أبي العتاهية: سئل أبي: هل تعرف العروض? فقال: أنات أكبر من العروض. وله أوزان لا تدخل في العروض.

نظم شعرا  للرشيد وهو مريض فأبلغه الفضل وقر به الرشيد: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا العنزي. قال حدثنا أبو عكرمة قال: حم الرشيد، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع برقعة فيها:

لو عـلـم الـنـاس كـيف أنـت لـــهـــم                      ماتـوا إذا مـا ألـمـت أجـمــعـــهـــم

خليفة الله أنت ترجح بالناس إذا ما وزنت أنت وهم

قد علم الناس أن وجهك يس                      تغـنـي إذا مـا رآه مـعـــدمـــهـــم فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد؛ فأمر بإحضار أبي العتاهية، فمازال يسامره ويحدثه إلى أن برى، ووصل إليه بذلك السبب مال جليل.

إعجاب ابن الأعرابي به وإفحامه من تنقص شعره: قال: ولم? قال: لأنه شعر ضعيف. فقال ابن الأعرابي - وكان أحد الناس-: الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية، ألأبي العتاهية تقول: إنه ضعيف الشعر فوا لله ما رأيت شاعرا  قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا  من السحر، ثم أنشد له:

قطعت مـنـك حـبـائل الآمـال                      وحططت عن ظهر المطي رحالي

ووجدت برد اليأس بين جوانـحـي                      فأرحت من حل ومـن تـرحـال

يأيها البطر الـذي هـو مـن غـد                      في قبره مـتـمـزق الأوصـال

حذف المنى عنه المشمر في الهى                      وأرى مـنـاك طــويلة الأذيال

حيل ابن آدم في الأمـور كـثـيرة                      و الوقت يقطع حيلة المـحـتـال

 

صفحة : 349

 

 

قست السؤال فكان أعظم قيمة                       من كل عافه جرت بسـؤال

فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا                       فابذله للمتكرم المـفـضـال

وإذا خشيت تعذرا  في بـلـدة                      فاشدد يديك بعاجل الترحـال

واصبر على غير الزمان فإنما                      فرج الشدائد فقال حل عقال. ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا  يحسن أن يقول مثل هذا الشعر? فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، جعلني الله فداءك إني لم أردد عليك ما قلت، ولكن الزهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد. فقال: أفليس الذي يقول في المديح:

وهارون ماء المزن يشفي به الصدى                      إذا ما لصدى بالريق غصت حناجره

وأوسط بيت في قـريش لـبـيتـه                      وأول عـز فـي قـريش وآخـره

وزحف له تحكي البروق سـيوفـه                      وتحكي الرعود القاصفات حوافـره

إذا حميت شمس النهار تضاحـكـت                      إلى الشمس فيه بيضة ومغـافـره

إذا نكب الإسـلام يومـا  بـنـكـبة                      فهارون من بـين الـبـرية ثـائره

ومن ذا يفوت الموت والموت مدرك                      كذا لم يفت هارون ضـد ينـافـره قال: فتخلص الرجل من شر ابن الأعرابي بأن قال له: القول كما قلت، وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، وكتبهما عنه.

قال أبو نواس لست أشعر الناس وهو حي حدثني محمد قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني ابن الأعرابي المنجم قال حدثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عبد قال: حضرت أبا نواس في مجلس وأنشد شعرا  . فقال له: من حضر في المجلس: أن أشعر الناس. قال: أما والشيخ حي فلا. )يعني أبا العتاهية(  أنشد لثمامة شعره في ذم البخل

فاعترض على بخله فأجابه:

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه                      تملكه المال الذي هو مالـكـه

ألا إنما مالي الذي أنا مـنـفـق                      وليس لي المال الذي أنا تاركـه

إذا كنت ذا مال فبادر به الـذي                      يحق وإلا استهلكته مهـالـكـه فقلت له: من أين قضيت بهذا? فقال: من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت  . فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه الحق? قال نعم. قلت: فلم تحبس عندك سبعا  وعشرين بدرة في دارك، ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا  ليوم فقرك وفاقتك? فقال: يا أبا معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس. فقلت: ويم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد? فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي: والله لقد اشتريت في ويم عاشوراء لحما  وتوابله ومايتبعه بخمسة دراهم. فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام.

بخله، ونوادر مختلفة في ذلك أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن المهدي قال قال الجاحظ: حدثني ثمامة قال: دخلت يوما  إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا  بلا شيء. فقلت: كأنك رأيته يأكل خبزا  وحده؛ قال: لا ولكنه رأيته يتأدم بلا شيء. فقلت: وكيف ذلك? فقال: رأيت قدامه خبزا  يابسا  من رقاق فطير وقدحا  فيه لبن حليب، فكان يأخذ القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن ويخرجها ولم تتعلق منه بقليل ولا كثير؛ فقلت له: كأنك اشتهيت أن تتأدم بلا شيء، وما رأين أحد قبلك تأدم بلا شيء.

 

 

صفحة : 350

 

قال الجاحظ: وزعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المنتزهات، وقد دعا عياشا  صاحب الجس وتهيأ له بطعام، وقال لغلامه: إذا وضعت قدامهم الغداء فقدم إلي ثريدة بخل وزيت. فدخلت عليه، وإذا هو يأكل منها أكل متكمش غير منكر لشيء. فدعاني فمددت يدي معه، فإذا بثريدة بخل وبزر بدلا  من الزيت، فقلت له: أتدري ما تأكل? قال: نعم ثريدة بخل وبزر. فقلت: وما دعاك إلى هذا? قال: غلط الغلام بين دبة الزيت ودبة البزر، فلما جاءني كرهت التجبر وقلت: دهن كدهن، فأكلت وما أنكرت شيئا  أخبرني يحيى بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا عبد والله بن عطية الكوفي قال حدثنا محمد بن عيسى الخزيمي، وكان جار أبي العتاهية، قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى ضعيف سيء الحال متجمل عليه ثياب فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار؛ فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيء الحال عليه ثياب متجمل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه. فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا  من عشرين سنة. ووالله إن تصدق عليه بدرهم ولا دانق قط، وما زاد على الدعاء شيئا  . فقلت له يوما  : يا أبا إسحاق إني أراك تطثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقل، فلم لا تتصدق عليه بشيء? فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة آخر كسب العيد، وإن في الدعاء لخيرا  كثيرا  قال محمد بن عيسى الخزيمي هذا: وكان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتو، وكان يجري عليه في كل يويم رغيفين. فجاءني الخادم يوما  فقال لي: والله مااشبع. فقلت: وكيف ذاك? قال: لأني ماأفتر من الكد وهو يجري على رغيفين بغير إدام. فإن رأيت أن تكلمه حتى يزيدني رغيفا  فتؤجر فوعدته بذلك. فلما جلست معه مر بنا الخادم فكرهت إعلامه أنه شكاإلي ذلك، فقلت له: يا أباإسحاق، كم تجري على هذا الخادم في كل يوم? قال رغيفين. فقلت به: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، وكل من أعطى نفسه شهوتها هلك، وهذا خادم يدخل إلى حرمي وبناتي، فإن لم أعوده القناعة والاقتصاد أهلكني وأهلك عيالي ومالي. فمات الخادم بع ذلك فكفته في إزار وفراش له خلق. فقلت له: سبحان اله خادم قديم الحرمة طويل الخدمة وأجب الحق، تكفنه في خلق، وإنما يكفيك له كفن بدينارين فقال: غنه يصير إلى البلى، والحي أولى بالجديد من الميت. فقلت له: يرحمك الله أبا إسحا فلقد عودته الاقتصاد حيا  وميتا  .

قال محمد بن عيسى هذا: وقف عليه ذات يوم سائل من العيارين الظرفاء وجماعة من جيرانه حوله، فسأله من بين الجيران؛ فقال: صنع الله لك فأعاد السؤال فأعاد عليه ثانية، فأعاد عليه ثالثة فرد عليه مثل ذلك، فغضب وقال له: ألست القائل:

كل حي عند ميتتـه                      حظه من ماله الكفن ثم قال: فبالله عليك أرتيد أن تعد مالك كله لثمن كفنك? قاللا. قال: فبالله كم قدرت لكفنك? قال خمسة دنانير. قال: فهي إذا  حظك من مالك كله. قال نعم. قال: فتصدق علي من غير حظك بدرهم واحد. قال: لو تصدقت عليك لكان حظي. قال: فاعمل على أن دينارا  من الخمسة الدنانير وضيعة قيراط، وادفع إلي قيراطا  واحدا  ، وإلا فواحدة أخرى. قال: وماهي? قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فأعطني درهما  وأقيم لك كفيلا  بأني أحفر لك قبرك به متى مت، وتربح درهمين لم يكونا في حسبانك، فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم. فخجل أبو العتاهية وقال: اعزب لعنك الله وغضب عليك فضحك جميع من حضر. ومر السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال: من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة. فقلنا له: ومن حرمها ومتى حرمت فما رأينا أحدا  أدعى أن الصدقة حرمت قبله ولابعده.

قال نحمد بن عيسى هذا: وقلت لأبي العتاهية: أتزكي مالك? فقال: والله ماأنفق علي عيالي إلا من زكاة مالي. فقلت: سبحان الله غنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين. فقال: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.

سئل عن أحكم شعره فأجاب

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير بن بكار قال: قال سليمان بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهيى: أي شعر قلته أحكم? قال قولي:

علمت يامجائع بن مسعـدة                      أن الشباب والفراع والجدة

مفسدة للمرء أي مفسدة

 

صفحة : 351

 

معاتبته عمرو بن مسعدة

أخبرني عيسى قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو غزية قال: كان مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة صديقا  لأبي العتاهية، فكان يقوم بحوائجه كلها ويخلث مودته، فمات، وعرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه عمرو بن مسعدة فتباطأ فيها؛ فكتب إليه أبو العاهية:

غنيت عن العهد القديم غنـيتـا                      وضيعت ودا  بيننا ونـسـيتـا

ومن عجب الأيام أن مات مألفي                      ومن كنت تغشاني به وبقـيتـا فقال عمرو: استطال أبو إسحاق إعمارنا وتوعدنا، مابعد هذا خير، ثم قضى حاجته.

فارق أبا غزية في المدينة وأنشده شعرا  : أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزيةقال: كان أبو العتاهية إذا قدم من المدينة يجلس إلي؛ فأراد مرة الخروج من المدينة فودعني ثم قال:

لإن نعش نجتمع وإلا فما أش                      غل من مات عن جميع الأنام  طالبه غلام من التجار بمال

فقال فيه شعرا  أخجله:

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني عبد الرحمن بن إسحاق العذري قال: كان لبعض التجار من أهل باب الطاق على أبي العتاهية ثمن ثياب أخذها منه. فمربه يوما  ، فقال صاحب الدكان لغلام ممن يخدمه حسن الوجه: أدرك أبا العتاهية فلا تفارقه حتى تأخذ منه مالنا? عنده؛ فأدركه على رأس الجسر، فأخذ بعنان حماره ووقفه. فقال له: ماحاجتك ياغلام? قال: أنا رسول فلان، بعثني إليك لآخذ ماله عليك. فأمسك عنه أبو العتاهية؛ وكان كل من مر فرأى الغلام متعلقا  به وقف ينظر، حتى رضي أبوالعتاهية جمع الناس وحفلهم، ثم أنشأ يقول:

والللـه ربـك إنـنـي                      لأجل وجهك عن فعالك

لوكان فعلك مثـل وج                      هك كنت مكتفيا  بذلك فخجل الغلام وأرسل عنان الحمار، ورجع إلى صاحبه، وقال: بعثتني إلي شيطان جمع علي الناس في الشعر حتى أخجلني فهربت منه.

حجبه حاجب عمرو بن مسعدة فقال

فيه شعرا  :

أخبرني أحمد بن العباس قال حدثنا العنزي قال قال إبارهيم بن إسحاق بن إبارهيم التيمي: حدثني إبراهيم بن حكيم قال: كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لود كان بينه وبين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما  فحجب عنه، فلزم منزله. فاستبطأه عمرو؛ فكتي إليه: إن الكسل يمنعني من لقائك؛ وكتب في أسفل رقعته:

كسلني اليأس منك عنك فما                      أرفع طرفي إليك من كسل

إني إذا لم يكن أخـي ثـقة                      قطعت منه حبائل الأمـل حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال: استأذن أبو العاهية على عمرو بن مسعدة فحجب عنه؛ فكتب إليه:

مالك قد حلت عن إخـائك واس                      تبدلت ياعمرو شـيمة كـدره

إني إذا الباب تـاه حـاجـبـه                      لم يك عندي في هجره نظـره

لستم ترجون كالظل بهجتـهـا                      سريعة الانقضاء منـشـمـرة

قد كان وجهي لديك مـعـرفة                       فاليوم أضحى حرفا  من النكرة  قصيدته في هجو عبد الله بن معن

وما كان بينهما:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أبو عكرمة قال: كان الرشيد إذا رأى عبد الله بن معن بن زائدة تمثل قول أبي العتاهية:

أخت بني شيبان مرت بنـا                      ممشوطة كورا  على بغل وأول هذه الأبيات

ياصـاحـبـي رحـلـي لاتـكـــثـــرا                      في شـتـم عـبـد الـلـلـه مـن عــذل

سبـحـان مـن خـص ابـن مـعـن بـمـا                      أرى بـه مـن قـلة الـــعـــقـــل

قال ابـن مـعـن وجـلا نــفـــســـه                      علـى مـن الـجـلــوة ياأهـــلـــي

أنـا فـتــاة الـــحـــي مـــن وائل                      في الـشـرف الـشـامـخ والـنـبـــل

مافي بني شيبان أهل الحجا جارية واحدة مثلي

ويلي ويالهفي على أمرد                      يلـصـق مـنـي الـقـرط بـالـحـجـل

صافـحـتـه يومـا  عـلـى خــلـــوة                      فقـال دع كـفـي وخـذ بـرجــلـــي

أخـت بـنـي شـيبـان مـرت بــنـــا                      ممـشـوطة كـورا  عـلـى بــغـــل

تكـنـى أبـا الـفـضــل ويامـــن رأى                      جارية تـكـنـى أبـا الــفـــضـــل

قد نـقـطـت فـي وجـهـهـا نـقـــطة                      مخـافة الـعـين مـن الــكـــحـــل

 

صفحة : 352

 

 

إن زرتموها قال حجابهـا                      نحن عن الزوار في شغل

مولاتنا مشغولة عنـدهـا                      بغل ولا إذن على البعـل

يابنت معن الخير لاتجهلي                      وأين إقصار عن الجهـل

أتجلد الناس وأنـت امـرؤ                      تجلد في الدبر وفي القبل

ماينبغي للناس أن ينسبـوا                      من كان ذا جود إلى البخل

يبذل مايمنع أهل الـمـدى                      هذا لعمري منتهى البـذل

ماقلت هذا فـيك إلا وقـد                      جفت به الأقلام من قبلي قال: فبعث إليه عبد الله بن معن، فأتي به؛ فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكيبوا منه الفاشحة، ففعلوا ذلك، ثم أجلسه وقال له: قد جربتك على قولك في، فهل لك في الصلح ومعه مركب وعشرة آلاف درهم أو تقيم على الحرب? قال: بل الصلح. قال: فأسمعني ماتقوله في الصلح؛ فقال:

يالعـذالـي ومـالـي                      أمروني بالـضـلال

عذلوني في اغتفـاري                      لابن معن واحتمالـي

إن يكن ما كان مـنـه                      فبجرمي وفـعـالـي

أنا منه كـنـت أسـوأ                      عشرة في كل حـال

قل لمن يعجب من حس                      ن رجوعي ومقالـي

رب ود بـعـد صـد                      وهوى بعد تـقـالـي

قد رأينـا ذا كـثـيرة                      جاريا  بين الـرجـال

إنما كـانـت يمـينـي                      لطمت مني شمـالـي خبره مع سعدى حدثني محمد بن يحيةى الصولي قال حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال حدثنا أبو سويد عبد القوي محمد بن أبي العتاهية ومحمد بن سعد قالا: كان أبو العاهية يهوى في حداثته امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن وجمال يقال لها سعدى، وكان عبد الله بن معن بن زائدة المكنى بأبي الفضل يهواها أيضا  ، وكانت مولاة لهم، ثم اتهمها أبو العتاهية بالنساء، فقال فيها:

ألا ياذوات السحق في الغرب والشرق                      أفقن فإن النيك أشفى من السـحـق

أفقن فإن الخبـز بـالأدم يشـتـهـي                      وليس يسوغ الخبز بالخبز في الحلق

أراكن ترقعن الخروق بمـثـلـهـا                      وأي لبيب يرقع الخرق بـالـخـرق

وهل يصلح المهـراس إلا بـعـوده                      إذا احتيج منه ذات يوم إلـى الـدق حدثني الصولي قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال: تهدد عبد الله بن معن أبا العتاهية وخوفه ونهاه أن يعرض لمولاته سعدى؛ فقال أبو العتاهية:

ألا قل لابن معن ذا الذي في الود قد حالا

لقدبلغت ماقال                      فمـا بـــالـــيت مـــاقـــالا

ولـــوكـــان مـــن الأســــد                      لمـــاصـــال ولاهـــــــالا

فصـغ مـا كـنــت حـــلـــيت                      به سـيفـــك خـــلـــخـــالا

ومـاتـصـنـع بـــالـــســـيف                      إذا لـــم تـــك قـــتـــــالا

ولـــو مـــد إلـــى أذنــــي                      ه كــفـــيه لـــمـــا نـــالا

قصـير الـطــول والـــطـــيل                      ة لاشــــــب ولاطـــــــالا

أرى قـــومـــك أبـــطـــالا                      وقـد اصـبـحــت بـــطـــالا <H6 ضربه عبد الله بن معن فهجاه</H6 حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثني سليمان المدائني قال: احتال عبد الله بن معن على أبي العتاهية حتى أخذ في مكان فضربه مائة سوط ضربا  ليس بالمبرح غيظا  عليه، وإنما يعنف في ضربه خوفا  من يعنى به؛ فقال أبو العاهية يهجوه:

جلـدتـنـي بـكـــفـــهـــا                      بنـت مــعـــن بـــن زائدة

جلـدتـنـي فــأزجـــعـــت                      بأبـي تـلـــك جـــالـــدة

وتراها مع الخصي على الباب قاعدة

تتكنى كنى الرجا                      ل بـعــمـــد مـــكـــايدة

جلـدتـنـي وبـــالـــغـــت                      مائة غــــير واحـــــــدة

أجـلـدينـــي واجـــلـــدي                      إنـــمـــا أنـــت والـــدة وقال أيضا  :

ضربتني بكفها بنت معـن                      أوجعت كفها وماأوجعتني

ولعمري لولا أذى كفها إذ                      ضربتني بالشوط ماتركتني <H6 تواعده يزيد بن معن لهجائه أخاه فهجاه</H6 قال الصولي: حدثنا عن بن محمد ومحمد بن موسى قالا: لما اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد الله بن معن وكثر، غضب أخوهو بن معن من ذلك وتوعد أبا العتاهية؛ فقال فيه قصيدته التي أولها:

بني معن ويهدمه يزيد                      كذاك الله يفعل مايريد

 

صفحة : 353

 

 

فمعن كان للحسـاد غـمـا                      وهذا قد يسر به الحسـود

يزيد يزيد في منع وبـخـل                      وينقص في العطاء ولايزيد <H6 مصالحته أولاد معن</H6 حدثني الصولي قال حدثني جبلى بن محمد قال حدثني أبي قال: مضى بنو معن إلى مندل وحيان ابن على العنزيين الفقيهين- وهما من بني عمرو بن عامر بطن من يقدم بن عنزة، وكانا من سادات أهل الكوفة- فقالوا لهم: نحن بيت واحد وأهل، ولافرق بيننا، وقد أتانا من مولاكم هذا مالو أتانا من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه.? فأحضرا أبا العتاهية، ولم يكن بمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه بين عبد الله ويزيد ابني معن، وضكنا عنه خلوص النية، وعنهما ألا يتبعاه بسوء، وكانا ممن لايمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودة والصفاء. فجعل الناس يعذلون أبا العتاهية، ولم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه وبين عبد الله ويزيد ابني معن، وضمعنه خلوص النية، وعنهما ألا يتبعاه بسوء، وكانا ممن لايمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودة والصفاء. فجعل الناس يذلون أبا العتاهية على مافرط منه، ولامه آخرون في صلحه لهما؛ فقال:

مالعذالي ومالـي                      أمروني بالضلال وقد كتبت متقدمة.

<H6 رثاؤه زائدة بن معن</H6 حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال: كان زائدة بن معن صديقا  لأبي العتاهية ولم يعن إخوته عليه، فمات؛ فقال أبو العتاهية يرثيه:

حزنت لموت زائدة بن معن                      حقيق أن يطول عليه حزين

فتى الفتيان زائدة المصفـى                      أبو العباس كان أخي وخدني

فتى قوم وأي فتى تـوارت                      به الأكفان تحت ثرى ولبن

ألا ياقبر زائدة بـن مـعـن                      دعوتك كي تجيب فيم تجبني

سل الأيام عن أركان قومـي                      أصبن بهن ركنا  بعد ركـن <H6 فكان ابن معن يخجل إذا لبس السيف</H6 أخبرني الصولي قال حدثنا الحسن بن علي الرازي القارىء قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال: كنا عند الأعرابي، فذكروا قول ابن نوفل في عبد الملك بن عمير:

إذا ذات دل كلمته لـحـاجة                      فهم بأن يقضي تنحنح أوسعل وأن عبد الملك قال: تركني والله وإن السعلة لتعرض لي في الخلاء، فأذكر قوله فأخاب أن أسعل. قال: فقلت لأبن الأعرابي: فهذا أبو العتاهية قال في عبد الله بن معن بن زائدة:

فصغ ما كنت حليت                      به سيفك خلخـالا

وماتصنع بالسـيف                      إذا لم تك قـتـالا فقال عبد الله بن معن: مالبست سيفي قط فرأيت إنسانا  يلمحني إلا ظننت أنه يحفظ قول أبي العتاهية في، فلذلك يتأملني فأخجل. فقال ابن الأعرابي: اعجبوا لعبد يهجو مولاه. قال: وكان ابن الأعرابي مولى بن شيبان  مناظرته مسلم بن الوليد قي قول الشعر

نسخت من كتاب هلارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قالحدثني الحسين بن أبي السري قال: اجتمع أبو العتاهية ومسلم بن الوليد الأنصاري في بعض المجالس، فجرى بينهما الكلام؛ فقال له مسلم: والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:

الحمد والنعمة لـك                      والملك لاشريك لك

لبيك إن الملك لك لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، ولكني أقول:

موف على مهج في يوم ذي رهج                      كأنه أجل يسـعـى إلـى أمـل

ينال بالرفق مايعيا الـرجـال بـه                      كالموت مستعجلا  يأتي على مهل

يكسو السيوف نفوس الناكثين بـه                      ويجعل الهام تيجان القنا الـذبـل

لله من هاشم في أرضـه جـبـل                      وأنت وابنك ركنا ذلك الـحـبـل فقال له أبو العتاهية: قل مثل قولي:  الحمد والنعمة لك أقل مثل قولك:  كأنه أجل يسعى إلى أمل تقارض هو وبشار الثناء على شعريهما حدثني الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال: قال بشار لأبي العتاهية: أنا والله استحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول:

كم من صديق لي أسا                      رقه البكاء من الحياء

فإذا تأمـل لامـنـي                      فأقول مابي من بكاء

لكني ذهبت لأرتـدي                      فطرفت عيني بالرداء فقال له أبو العاتاهية: لاوالله يا أبا معاذ، مالذت إلا بمعناك ولااجتنيت إلا من غرسك حيث تقول:

 

صفحة : 354

 

صوت

 

شكوت إلى الغواني ماألاقي                      وقلت لهن مايومي بعـيد

فقلن بكيت قلت لهن كـلا                       وقد يبكي من الشوق الجليد

ولكني أصاب سزواد عيني                      عويد قدى له طرف حديد

فقلن فما لدمعـهـا سـواء                      أكلتا مقلتيك أصاب عـود لأبراهيم الموصلي في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأول بالوسطى مطلق.

مع محمد بن الفضل الهاشمي

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثما محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني محمد بن هارون الأزرقي مولى بن هاشم عن ابن عائشة عن ابن لمحمد بن الفضل الهشمي قال: جاء أبو العتاهية إلى أبي فتحدثا ساعة، وجعل أبي يشكو إليه تخلف الصنعة وجفاء السلطان. فقال لي أبو العتاهية: اكتب:

كل على الدنيا له حـرص                      والحادثات أناتها غـفـص

وكأن من واوه في جـدث                      لم يبد منه لناظر شخـص

تبغي من الدنـيا زيادتـهـا                      وزيادة الدنيا هي النقـص

ليد المنية في تلطـفـهـا                      عن ذخر كل شفيقة فحص  حبسه الرشيد ثم عفا عنه وأجازه

حدثني عمرو قال حدثني علي بن محمد الهشامي عن جده ابن حمدون قال أخبرني مخارق قال: لما تنسك أبو العتاهية ولبس الصوف، أمره الرشيد أن يقول شعرا  في الغزل، فامتنع؛ فضربه الرشيد ستين عصا  ، وحلف ألا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا  في الغزل. فلما رفعت المقارع عنه قال أبو العتاهية: كل مملوك له حر وامرأته طالق إن تكلم سنة أو بلا إله إلا الله محمد رسول الله. فكأن الرشيد تحزن مما فعله، فأمر أن يحبس في دار ويوسع عليه، ولايمنع من دخول من يريد إليه، قال مخارق: وكانت الحال بينه وبين إبراهيم الموصلي لطيفة، فكان يبعثني إليه في الأيام أتعرف خبره. فإذا دخلت وجدت بين يديه ظهرا  ودواة، فيكتب إلي مايريد، وأكلمه. فمكث هكذا سنة. واتفق أن إبراهيم صنع صوته:  صوت

 

أعرفت دار الحي بالحجر                      فشدوريان فقنة الغمـر

وهجرتنا وألفت رسم بلى                      والرسم كان أحق بالهجر -لحن إبراهيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى -قال مخارق: فقال لي إبراهيم: اذهب إلى أبي العتاهية حتى تغنيه هذا الصوت. فأتيته في اليوم الذي انقضت فيه يمينه، فغنيته إياه. فكتب إلي بعد أن غنيته: هذا اليوم تنقضي فيه يميني، فأحب أن تقيم عندي إلى الليل؛ فأقمت عنده نهاري كله، حتى إذا أذن الناس المغرب كلمني، فقال: يامخارق. قلت: لبيك. قال: قل لصاحبك: يابن الزانية أما والله لقد أبقيت للناس فتنة إلى يوم القيامة، فانظر أين أنت من الله غدا   قال مخارق: فكنت أول من أفطر على كلامه؛ فقلت: دعني من هذا، هل قلت شييئا  للتخلص من هذا الموضع? فقال: نعم، وقد قلت في امرأتي شعرا  . قلت: هاته؛ فأنشدني  صوت

 

من لقلب مـيتـم مـشـتـاق                      شفه شوقه وطول الـفـراق

طال شوقي إلى قعيدة بـيتـي                      ليت شعري فهل لنا من تلاقي

هي حظي قد اقتصرت عليها                      من ذوات العقود والأطـواق

جمع الله عاجلا  بك شمـلـي                      عن قريب وفكني من وثاقـي قال: فكتبتها وصرت إلى إبراهيم؛ فصنع فيها لحنا  ، ودخل بها على الرشيد؛ فكان أول صوت غناه إياه في ذلك المجلس؛ وسأله: لمن الشعر والغناء? فقال إبارهيم: أما الغناء فلي، وأما الشعر فلسيرك أبي العتاهية. فقال: أو قد فعل? قال: نعم قد كان كذلك. فدعابه، ثم قال لمسرور الخادم: كم ضربنا أبا العتاهية? قال: ستين عصا  ، فأمر له بستين ألف درهم وخلع عليه وأطلقه.

غضب عليه الرشيد وترضاه له الفضل نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثنا الحسين بن أبي السري قال: قال لي الفضل بن العباس: وجد الرشيد وهو بالرقة على أبي العتاهية وهو بمدينة السلام، فكان أبو العتاهية يرجو أن يتكلم الفضل بن الربيع في أمره، فأبطأ عليه بذلك؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

أجفوتني فيمن جـفـانـي                      وجعلت شأنك غيرشأنـي

ولطالـمـا أمـنـتـنـي                      ممـا أرى كـل الأمـان

حتى إذا انقلـب الـزمـا                      ن علي صرت مع الزمان

 

صفحة : 355

 

فكلم الفضل فيه الرشيد فرضي عنه. وأرسل إليه الفضل يأمره بالشخوص. ويذكر له أن أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ فشخص إليه. فلما دخل إلى الفضل أنشده قوله فيه:

قد دعوناه نائيا  فوجدنـا                      ه على نأيه قريبا  سميعا فأدخله إلى الرشيد، فرجع إلى حالته الأولى  كان يزيد بن منصور يحبه ويقربه

فرثاه عند موته:

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: كان يزيد بن منصور خال المهدي يتعصب لأبي العتاهية؛ لأنه كان يمدح اليمانية أخوال المهدي فس شعره؛ فمن ذلك قوله:  صوت

 

سقيت الغيث ياقصر السلام                      فنعم محلةو الملك الهمام

لقد نشر الإله عليك نـورا                       وحفك بالملائكة الكـرام

سأشكر نعمة المهدي حتى                      تدور علي دائرة الحمـام

له بيتان بـيت تـبـعـي                      وبيت حل بالبلد الـحـرام قال: وكان أبو العتاهية طول حياة يزيد بن منصور يدعي أنه مولى لليمن وينتفي من عنزة؛ فلما مات يزيد رجع إلى ولائه الأول. فحدثني الفضل بن العباس قال: قلت له: ألم تكن تزعم أن ولاءك لليمن? قال: ذلك شيء احتجنا إليه في ذلك الزمن، ومافي واحد ممن انتميت إليه خير، ولكن الحق أحق أن يتبع. وكان ادعى ولاء اللخميين. قال: وكان يزيد بن منصور من أكرم الناس وأحفظهم لحرمة، وأرعاهم لعهد، وكان بارا  بأبي العتاهية، كثيرا  فضله عليه؛ وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين مع كثرة مايدفعه إليه ويمنعه من المكاره. فلما مات قال أبو العتاهية يرثيه:

أنعى يزيد بن منصور إلى البـشـر                      أنعى يزيد لأهل البدو و الحـضـر

ياساكن الحفرة المهجور ساكـنـهـا                      بعد الماقصر والأبواب والحـجـر

وجدت فقدك في مالي وفي نشـبـي                      وجدت فقدك في شعري وفي بشري

فلست أدري جزاك اللـه صـالـحة                      أمنظري اليوم أسوأ فيك أم خبـري  استحسن شعره بشار

وقد اجتمعا عند المهدي:

حدثنا ابن عمار قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن خلف قال حدثني أبي قال: حدثت أن المهدي جلس للشعراء يوما  ، فأذن لهم وفيهم بشار وأشجع، وكان أشجع يأخذ عن بشار ويعظمه، وغير هذين، وكان في القوم أبو العتاهية. قال أشجع: فلما سمع بشار كلامه قال: ياأخا سليم، أهذا ذلك الكوفي الملقب? قلت نعم. قال: لاجزى الله خيرا  من جمعنا معه. ثم قال المهدي: أنشد؛ فقال: ويحك أو يبدأ فيستنشد أيضا  قبلنا? فقلت: قد ترى. فأنشد:

ألا مالسـيدتـي مـالـهـا                      أدلا  فأحـمـل إدلالـهـا

وإلا ففيم تـجـنـت ومـا                      جنيت سقى الله أطلالـهـا

ألا إن جـارية لـلإمـــا                      م قد أسكن الحب سربالهـا

مشت بين حور قصار الخطا                      تجاذب في المشي أكفالهـا

وقد أتعب الله نفسي بـهـا                      وأتعب باللـوم عـذالـهـا قال أشجع: فقال لي بشار: ويحك ياأخا سليم ماأدري من أي أمريه أعجب: أمن ضعف شعره، أم من تشبيه بجارية الخليفة، يسمع ذلك بأذنه حتى أتى على قوله:

أتته الخلافة مـنـقـادة                       إليه تـجـرر أذيالـهـا

ولم تك تصـلـح إلا لـه                      ولم يك يصلح إلا لـهـا

ولو رامها أحـد غـيره                      تزلزلت الأرض زلزالها

ولو لم تطعه بنات القلوب                      لما قبل الله أعمـالـهـا

وإن الخليفة من بغض لا                      إليه ليبغض من قالـهـا قال أشجع: فقال لي بشار وقد اهتز طربا  : ويحك يا أخا سليم أترى الخليفة لم يطر عن فرشه طربا  لما يأتي به هذا الكوفي?  منصور بن عمار يرميه بالزندقة

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني ابن مهروية فال حدثني العباس بن ميمون قال حدثني رجاء بن سلمة قال: سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة  عم يتساءلون  ، ثم قلت قصيدة أحسن منها. قال: وقد قيل: إن منصور بن عمار شنع عليه بهذا.

قال يحيى بن علي حدثنا ابن مهروية قال دثني أبو عمر القرشي قال:

 

صفحة : 356

 

لما قص منصور بن عمار على الناس مجلس البعوضة قال أبو العتاهية: إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي. فبلغ قوله منصورا  فقال: أبو العتاهية زنديق، أما ترونه لايذكر في شعره الجنة ولاالنار، وإنما يذكر الموت فقط فبلغ ذلك أبا العتاهية، فقال فيه:

ياواعظ الناس قد أصبحت متهما                       إذ عبت منهم أمورا  أنت اتيهـا

كالملبس الثوب من عري وعورته                      للنـاس بـادية مـا إن يواريهـا

فأعظم الإثم بعد الشرك نعلـمـه                      في كل نفس عماها عن مساويها

عرفانها بعيوب الناس تبصرهـا                      منهم ولاتبصر العيب الذي فيهـا فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات حتى مات منصور بن عمار، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال: يغفر الله لك أبا السري ما كنت رميتني به.

الوشاية به إلى حمدوية صاحب الزنادقة أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن موسى قال اخبرني النسائي عن محمد بن أبي العتاهية قال: كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلم القمر، واتصل الخبر بحمدوية صاحب الزنادقة، فصار إلى منزلها وبات واشرف على أبي العتاهية ورآه يصلي، ولم يزل يرقبه حتى قنت وانصرف إلى مضجعه، وانصرف حمدويه خاسئا  قال شعرا  يدل على توحيده ليتناقله الناس حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الرياشي قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال: جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أني زنديق، والله ماديني إلى الله إلى التوحيد. فقلنا له: فقل شيئا  نتحدث به عنك؛ فقال:

ألا إنـنـا كـلـنـا بـائد                      واي بـنـي آدم خـالـد

وبؤهم كـان نـم ربـهـم                      وكـل إلـى ره عــائد

فيا عجبا  كيف يعصي الإل                      ه أم كيف يجحده الجاحـد

وفي كـل شـيء لـه آية                      تدل عـلـى أنـه واحـد  أرجوزته المشهورة وقوة شعرها

أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاع قال: تذاكروا يوما  شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ؛ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سماها  ذات الأمثال  ؛ فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله:

ياللشباب المرح التصابي                      روائح الجنة في الشباب فقال الجاحظ للمنشد: قف: ثمن قال: انظروا إلى قوله:  روائح الجنة في الشباب فإن له معنى كمعنى الطرب الذي لايقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة التفكير. وخير الماعني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه.

وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية ويقال: إن  له  فيها أربعة آلاف مثل. منها قوله:

حسبك مما تبتـغـيه الـقـوت                      ماأكثر القوت لـمـن يمـوت

الفقر فيما جـاوز الـكـفـافـا                      من اتقر اللـه رجـا وخـافـا

هي المقادير فلمـنـي أو فـذر                      إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

لكـل مـايؤدي وإن قـل ألـم                      ماأطول الليل على من لم ينـم

ماانتفع المرء بمثـل عـقـلـه                      وخير ذخر المرء حسن فعلـه

إن الفسـاد ضـده الـصـلاح                      ورب جـد جـره الـمـزاح

من جعل النمام عينا  هـلـكـا                      مبلغك الشر كبـاغـيه لـكـا

إن الشباب والفـراغ والـجـده                      مفسدة للمكرء أي مـفـسـدة

يغنيك عن كل قـبـيح تـركـه                      يرتهن عيشا  كـلـه فـنـاؤه

ماعيش مـن آفـتـه بـقـاؤه                      نغص عيشـا  كـلـه فـنـاؤه

يا رب من أسخطنا بـجـهـده                      قد سرنا الله بـغـير حـمـده

ماتطلع الشـمـس ولاتـغـيب                      إلا لأمـر شـأنـه عـجـيب

لكل شيء مـعـدن وجـوهـر                      وأوسط وأصـغـر وأكـبـر

من لك بالمحض وكل ممتـزج                      وساوس في الصدر منه تعتلـج

وكل شيء لاحق بـجـوهـره                      أصغر متـصـل بـأكـبـره

مازالت الـدنـيا لـنـا دار أذى                      ممزوجة الصفو بألوان القـذى

 

صفحة : 357

 

 

الخير والـشـر بـهـا أزواج                      لذا نـتـج ولـذا نـتـــاج

من لك بالمحض وليس محض                      يخبث بعض ويطيب بعـض

لكل إنـسـان طـبـيعـتـان                      خير وشـر هـمـا ضـدان

إنك لو تستنشق الـشـحـيحـا                      وجدته أنـتـن شـيء ريحـا

والخير والـشـر إذا مـاعـدا                      بينهمـا بـون بـعـيد جـدا

عجبت حتى غمني السـكـوت                      صرت كأني حائر مبـهـوت

كذا قضى الله فكيف أصـنـع                      الصمت إن ضاق الكلام أوسع وهي طويلة جدا  ، وإنما ذكرت هذا القدر منها حسب مااستاق الكلام من صفتها.

برمه بالناس وذمهم في شعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية عن روح بن الفرج قال: شاور رجل أبا العتاهية فيما ينقشه على خاتمه؛ فقال: انقش عليه: لعنة الله على لناس: وأنشد:

برمت بالناس وأخلاقهـم                      فصرت استأنس بالوحدة

ماأكثر الناس لعمري وما                      أقلهم في حاصل العـدة  مدح عمرو بن العلاء فأجازه

وفضله على الشعراء:

حدثنا الصولي قالحدثنا لغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: أن عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي كان ممدحا  ، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم؛ فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال: كيف فعل هذا بهذا الكوفي واي شيء مقدار شعره فبلغه ذلك، فأحضر الرجل وقال له: والله إن الواحد منكم ليدور على المعنى فلا ييبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبب بخمسين بيتا  ، ثم يمدحنا ببعضها، وهذا كأن المعاني تجمع له، مدحني فقصر التشبيب، وقال:

إني أمنت من الزمان وريبه                      لما علقت من الأمير حبالا

لو يتطيع الناس من إجلاله                      لحذوا له حر الوجوه نعالا  صوت

 

إن المطايا تشتكيك لأنـهـا                      قطعت إليك سباسبا  ورمالا

فإذا وردن بنا وردن مخـفة                      وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا أخذ المعنى من قول نصيب:

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلـه                      ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب  راي العتابي فيه

حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن عون قال حدثني محمد بن النصر كاتب غسان بن عبد الله قال: أخرجت رسولا  إللى عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر، فنزلت على العتابي، وكان بي صديقا  ، فقال: أنشدني لشاعر العراق-يعني أبا نواس، وكان قد مات-فأنشدته ما كنت أحفظ من ملحه، وقلت له: ظننتك تقول هذا لأبي العتاهية. فقال: لو أردت أبا العتاهية لقلت لك: أنشدني لأشعر للناس، ولم اقتصر على العراق  ملاحظته على سهولة الشعر لمن يعالجه

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني هارون بن سعدان عن شيخ من أهل بغداد قال: قال أبو العتاهية: أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لايعلمون، ولوأحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم. قال: فينما نحن كذلك إذ قال رجل لآخر عليه مسح:  ياصاحب المسح تبيع المسحا قد قال شعرا  وهو لايعلم. ثم قال الرجل:  تعال إن كنت تردي الربح  فقال أبو العتاهية: وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لايعلم، قال له:  تعال إن كنت تريد الربحا  وصف الأصمعي شعره

حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن بشير أبو طاهر الحلبي قال حدثنا مزيد الهاشمي عن السدري قال: سمعت الأصمعي يقول: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى.

مدح يزيد بن منصور لشفاعته فيه

لدى المهدي:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبي ربن بكار قال:

ماقلت في فضله شـيئا  لأمـدحـه                      إلا وفضل يزيد فـوق مـاقـلـت

مازلت من ريب دهري خائفا  وجلا                       فقد كفاني بعد الـلـه مـاخـفـت  قدرته على ارتجال الشعر

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد الله بن الحسن قال:

 

صفحة : 358

 

جاءني أبو العاهية وأنا في الديوان فجلس إلي. فقلت: يا أبا إسحاق، أمايصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة? قال لا. فقلت  له  : إني لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السهلة. قال: فاعرض علي ماشئت من القوافي الصعبة. فقلت: قل أبياتا  على مثل البلاغ. فقال نم ساعته:

أي عيش يكون أبلغ من عي                      ش كفاف قوت بقدر البلاغ

صاحب البغي ليس يسلم منه                      وعلى نفسه بغي كل باغي

رب ذي نعمة تعرض منها                      حائل بينه وبين المـسـاغ

أبلغ الدهر في مواعظه بل                      زاد فيهن لي على الإبلاغ

غبنتني الأيام عقلي ومالـي                      وشبابي وصحتي وفراغي  رأي مسلم بن الوليد بشعره

أخبرنا يحيى إجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثني أبو علي اليقطيني قال حدثني أبو خارجة بن مسلم قال: كان مسلم بن الوليد يستخف به فلما أنشده من غزله أكبره: قال مسلم ين الوليد: كنمت مستخفا  بشعر أبي العتاهية، فلقيني يوما  فسألني أن اصير أليه فصرت غليه فجاءني بلون واحد فأكلناه، وأحضرني تمرا  فأكلناه، وجلسنا نتحدث، وأنشدته أشعارا  لي في الغزل، وسألته أن ينشدني؛ فأنشدني قوله:

بالله ياقرة العينـين زورينـي                      قبل الممات وإلا فاستزيريني

إني لأعجب من حب يقربنـي                      ممن يباعدني منه ويقصينـي

أنا الكثير فما أرجوه منك ولو                      أطمعتني في قليل كان يكفيني ثم أنشدني أيضا  :

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنه                      على حره في صدر صاحبه حلو  صوت

 

أخلاني بي شجو وليس بكم شجـو                      وكل امرىء عن شجو صاحبه خلو

ومامن محب نانال ممـن يحـبـه                      هوى صادقا  إلا سيدخلـه زهـو

بليت وكان المزح بـدء بـلـيتـي                      فأحببت حقا  والـبـلاء لـه بـدو

وعلقت من يزهو علي تـجـبـرا                       وإني في كل الخصال له كـفـو

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنه                      على كل حال عند صاحبه حـلـو -الغناء لأبراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا  خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. ولعمرو بن بانة رمل بالوسطى من كتابه. ولعريب فيه خفيف ثقيل من كتاب ابن المعتز-قال مسلم: ثم أنشدني أبو العتاهية:  صوت

 

خيلي مالـي لاتـزال مـضـرتـي                      تكون على الأقدار حتما  من الحـتـم

يصاب فؤادي حين أرمي ورمـيتـي                      تعود إلى نحري ويسلم مـن أرمـي

صبرت ولا والـلـه مـالـي جـلادة                      علىالصبر لكني صبرت على رغمي

ألا في سبيل الله جسـمـي وقـوتـي                      ألا مسعد حتى أنوح على جسـمـي

تعد عظامـي واحـدا  بـعـد واحـد                      بمنحى من العذال عظما  على عظـم

كفاك بحق الله ماقد ظـلـمـتـنـي                      فهذا مقام المستجير مـن الـظـلـم -الغناء لسياط هذه الأبيات، وإيقاعه من خفيف الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق-قال مسلم: فقلت له: لاوالله يا أبا إسحاق مايبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشعر مافاته من الدنيا فقال: يابن أخي، لاتقولن مثل هذا؛ فإن الشعر أيضا  من بعض مصايد الدنيا  وفد مع الشعراء على الرشيد

ومدحه فلم يجز غيره:

أخبرنا يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني عبد الرحمن بن الفضل قال حدثني ابن الأعرابي قال: اجتمعت الشعارء على باب الرشيد، فأذن لهم فدخلوا وأنشدوا؛ فأنشد أبوالعتاهية:

يامن تبغي زمنا  صـالـحـا                       صلاح هارون صلاح الزمن

كل لسان هو فـي مـلـكـه                      بالشكر في عحسانه مرتهـن قال: فاهتز له الرشيد، وقال له: أحسنت والله ماخرج في ذلك اليوم أحد من الشعارء بصلة غيره.

قال شعرا  في المشمر فرس الرشي

فأجازه:

أخبرني يحيى بن علي غجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا عامر بن عمران الضبي قال حدثني ابن الأعرابي قال:

 

صفحة : 359

 

أجرى هارون الرشيد الخيل، فجاءه فرس يقال له المشمر سابقا  ، وكان الرشيد معجبا  بذلك الفرس، فأمر الشعراء، يقولوا فيه؛ فبدرهم أبو العتاهية فقال:

جاء المشمر والأفراس يقدمـهـا                      هونا  على رسله وما انبـهـرا

وخلف الريح حسرى وهي جاهدة                      ومر يختطف الأبصار والنظـرا فأجزل صلته، وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول فيه شيئا  .

رثاؤه صديقه علي بن ثابت

أخبرني يحيى إجازة قال حدثني الفضل بن عباس بن عقبة بن حعفر قال: كان علي بن ثابت صديقا  لأبي العتاهية وبينهما مجاوبات كثيرة من الزهد والحكمة، فتوفي علي بن ثابت قبله، فقال يرثيه:

مؤنس كان لي هلك                      والسبيل التي سلك

ياعلي بـن ثـابـت                      غفر الله لي ولـك

كل حي مـمـلـك                      سوف يفنى وماملك قال الفضل: وحضر أبوالعتاهيةعلي بن ثابت وهو يجود نفسه، فلم يزل ملتزمه حتى فاض؛ فلما شد لحياه بكى طويلا  ، ثم أنشد يقول:

ياشريكي في الخير قربـك الـل                      ه فنعم الشريك في الخير كنـتـا

قد لعمري حكيت لي غصص المو                      ت فحركتني لهـا وسـكـنـتـا قال: ولما دفن وقف على قبره يبكي طويلا  أحر بكاء، ويردد هذه الأبيات:

ألا من لي بـأنـسـك يااخـيا                      ومن لي أن أبثـك مـالـديا

طوتك خطوب دهرك بعد نشر                      كذاك خطوبه نشـزا  وطـيا

فلو نشرت قواك لي المـنـايا                      شكوت إليك ماصنعـت إلـيا

بكيتك ياعلي بدمـع عـينـي                      فما أغنى البكاء علـيك شـيا

وكانت في حياتك لي عظـات                      وأنت اليوم أوعظ منك حـيا اشتمال مرثيته على أقوال الفلاسفة في موت الإسكندر: قال علي بن الحسين مؤلف هذا الكتاب: هذه المعاني أخذها كلها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لما حضروا تابوت الإسكندر، وقد أخرج الإسكندر ليدفن: قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال آخر: سكنت حركة الملك في لذاته، وقد حركنا اليوم في سكونه جزعا  لفقده. وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار.

سأله جعفر بن السحين عن أشعر الناس

فأنشده من شعره:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حعفر بن الحسين المهلبيقال: لقينا أبو العتاهية فقلنا له: يا أبا إسحاق، من أشعر الناس? قال: الذي يقول:

الله أنجح ماطلبـت بـه                      والبر خير حقيبة الرحل فقلت: أنشدني شيئا  من شعرك؛ فأنشدني:

ياصاحب الروح ذي الأنفاس في البدن                      بين النهار وبين اللـيل مـرتـهـن

لقلما يتخـطـاك اخـتـلافـهـمـا                      حتى يفرق بـين الـروح والـبـدن

لتجذبـنـي يد الـنـيا بـقـوتـهـا                      قد ارتعوا فيرياض الغي والفـتـن

كسائمات رتاع تبتـغـي سـمـنـا                       وحتفها لو درت في ذلك السـمـن قال: فكتبتها، ثم قلت له: أنشدني شيئا  من شعرك في الغزل؛ فقال: ياابن أخير، إن العزل يسرع إلى مثلك. فقلت له: أرجوعصمة الله جل وعز. فاشندين:

كأنها من حسـنـهـا درة                      أخرجها اليم إلى الساحـل

كأن من فيها وفي طرفها                      سواخرا  أقبلن من بابـل

لم يبق مني حبها مـاخـلا                      حشاشة في لدن نـاحـل

يامن رأى قبلي قتيلا  بكى                      من شدة الوجد على القاتي فقلت له: يا أبا إسحاق، هذا قول صاحبنا جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتمـا                      قتيلا  بكى من حب قاتله قبلي فقال: هو ذاك يابن أخير وتبسم  شعره في التحسر على الشباب

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد:

لهـفـي عـلـى ورق الـشــبـــاب                      وغـصـونـه الـخـضـر الـرطـاب

ذهب الشباب وبان عني غير منتظر الإياب

فلأبكين على الشبا                      ب وطـيب أيام الـتــصـــابـــي

ولأبـكـين مــن الـــبـــلـــى                      ولأبـكـين مـن الــخـــضـــاب

 

صفحة : 360

 

 

إني لآمل أن أخلد والمنية في طلابي قال: فجعلها ينشدها وإن دموعه لتسيل على خدثه. فما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها. وسألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العاتهية.

كان ابن الأعرابي يعيب شعره

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أبو العباس محم بن لأحمد قال: كان ابن الأعرابي يعيب أبا العتاهية ويثلبه، فأنشدته:

كم من سفيه غاظني سفهـا                       فشفيت نفسي منه بالحلـم

وكفيت نفسي ظلم عاديتـي                      ومنحت صفو مودتي سلمي

ولقد رزقت لظالمي غلظا                       ورحمته إذ لج في ظلمـي  أحب شعره إليه

أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن إسحاق قالحدثني محمد بن أحمد الأزدي قال: قال لي أبو العاتهية: لم اقل شيئا  قط أحب إلي من هذين البيتين  في  معناهما:

ليت شعري فإنني لست أدري                      أي يوم يكون آخر عمـري

وبأي البلاد يقبـض روحـي                      وبأي البقاع يحفر قـبـري  راهن جماعة على قول الشعر فغلبهم

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثني محمد بن عبد الجبار الفزاري قال: اجتاز أبو العاتهية في أول أمره وعلى ظهر قفص فيه فخار يدور في الكوفة ويبيع منه، فمر بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشدونه، فسلم ووضع القفص على ظهره، ثم قال: يافتيان أراكم تذاكرون الشعر، فأقول شيئا  منه فتجيرونه، لإان فعلتم فلكم عشرة دراهم، وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم؛ فهزئوا منه وشخروا وقالوا نعم. قال: لابد أن يشتري بأحد القمارين رطب يؤكل فإنه قمار حاصل، وجعل رهنه تحت يد أحدهم، ففعلوا. فقال: أجيزوا:  ساكني الأجداث أنتم وجعل بينه وبينهم وقتا  في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس ولم يجيزوا البيت، غرموا الخطر؛ وجعل يهزأ لهم وتممه:

..................                      مثلنا بالأمس كنتـم

ليت شعري ماصنعتم                      أربحتم أم حسرتـم وهي قصدة طويلة ف يشعره.

هجاه أبو حبش وذم شعره

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله عن أبي خيثم العنزي قال: لما حبس الرشيد أبا العتاهية وحلف ألا يطلقه أو يقول شعرا  ، قال لي أبو حبش: أسمعت بأعجب من هذا الأمر، تقول الشعراء الشعر الجيد النادر فلا يسمع منهم، ويقول هذا المخنث المفكك تلك الأشعار بالشفاعة ثم أنشدني:

أبا إسحاق راجعت الجمـاعة                      وعدت إلى القوافي والصناعة

وكنت كجامح في الغي عاص                      وأنت اليوم ذو سمع وطـاعة

فجر الخز مما كنت تكـسـى                      ودع عنك التقشف والبشـاعة

وشبب بالتي تهـوى وخـبـر                      بأنك ميت فـي كـل سـاعة

كسدنا مـانـراه وإن أجـدنـا                      وأنت تقول شعرك بالشفـاعة  خروجه مع المهدي في الصيد

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني أبو خيم العنزي، وكان صديقا  لأبي العتاهية، قال حدثني أبو العتاهية قال: أخرجني المهدي معه إلى الصيد، فوقعنا منه على شيء كثير، فتفرق أصحابه في طلبه وأخذ هو في طريق غير طريقهم فلم يلتقوا، وعرض لما واد جرار وتغيمت السماء وبدأت تمطر فتحيرنا، وأشرفنا على الوادي فإذا فيه ملاح يعبر الناس، فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق، فجعل يضعف رأينا ويعجزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا، ثم أجخلنا كوخا  له. وكاد المهدي يموت بردا  ؛ فقال له: أغطيك بجبتي هذه الصوف? فقال نعم؛ فغطاه بها، فتماسك قليلا  ونام. فافتقده غلمانه وتبعوا أثره حتى جاءونا. فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، وتبادر الغلمان فنحوا الجبة عنه وألقوا عليه الخز والوشي. فملا انتبه قاللي: ويحك مافعل الملاح? فقد والله وجب حقه علينا. فقلت: هرب والله خوفا  من قبح ماخاطبنا به. قال: إنا لله والله لقد أردت أن أغنيه، وبأي شيء خاطبنا نحن والله مستحقون لأقبح مما خاطبنا به بحياتي عليك إلا ماهجوتني. فقلت: ياأمير المؤمنين، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك قال: والله لتفعلن؛ فإني ضعيف الرأي مغرم بالصيد. فقلت:

يالابس الوشي على ثوبه                      ماأقبح الأشيب في الراح

 

صفحة : 361

 

فقال: زدني بحياتي؛ فقلت:

لو شئت أيضا  جلت في خامه                      وفي وشـاحـين وأوشـاح فقال: ويلك هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، وأنا استأهل. زدني شيئا  آخر. فقلت: أخاف أن تغضب. قال: لاوالله. فقلت:

كم من عظيم القدر في نفسه                      قد نام فـي جـبة مـلاح فقال: معنى سوء عليك لعنة الله وقمنا وركبنا وانصرفنا.

في عسكر المأمون

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا جماعة من كتاب الحسن بن سهل قالوا: وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون؛ فجيء بها إلى مجاشع بن مسعدة، فقال: هذا كلام أبي العتاهية، وهو صديقي، وليست المخاطبة لي ولكنها للأمير الفضل بن سهل. فذهبوا بها، فقرأها وقال: ماأعرف هذه العلامة. فبلغ المأمون خبرها فقال: هذه إلي وأنا أعرف العلامة. والبيتان:  صوت

 

ما على ذا كنا افترقنا بسـنـدا                      ن وماهكذا عهـدنـا الإخـاء

تضرب الناس بالمهندة الـبـي                      ض على غدرهم وتنسى الوفاء قال: فبعث إلى المأمون بمال.

في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل رمل من رواية ابن المعتز  برابن يقطين له

قال: وكان علي بن يقطين صديقا  لأبي العتاهية، وكان يبره في كل سنة ببر واسع، فأبطأ عليه بالبر في سنة من السنين، وكان يبره في كل سنة ببر واسع، فأبطأ عليه بالبر في سنة من السنين، وكان إذا لقيه أبو العتاهيةأو دخل عليه يسر به ويرفهع مجلسه ولايزيده على ذلك. فلقيه ذات يوم وهو يريد دار الخليفة، فاستوقفه فوقف له، فأنشده:

حتى متى ليت شعري يابن يقطين                      أثني عليك بما لامنك تولـينـي

إن السلام وإن البشر من رجـل                      في مثل ماأنت فيه ليس يكفيني

هذا زمان ألح الناس فيه عـلـى                      تيه الملوك وأخلاق المساكـين

أما علمت جزاك الله صـالـحة                      وزادك الله فضلا  يابن اليقطين

أني أريدك للدنيا وعـاجـلـهـا                      ولاأريدك يوم الـدين لـلــدين فقال علي بن يقطين: لست والله أبرح ولاتبرح من موضعنا هذا إلا راضيا  ، وأمر له بكما كان يبعث به إليه في كل سنة، فحمل من وقته وعلي واقف إلى أن تسلمه.

من شعره في الحبس

وأخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا محمد بن يزيد قال: بلغني من غير وجه: أن الرشيد لما ضرب أبا العتاهية وحبسه، وكل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه. فكتب إليه أنه سمعه ينشد:

أما والله إن الظـلـم لـوم                      ومازال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضـي                      وعند الله تجتمع الخصـوم قال: فيكى الرشيد، وأمر بإحضار أبي العتاهية وإطلاقه، وأمر بألفي دينار.

المنصور بن عمار يرميه بالزندقة

أخبنري محمد بن جعفر قال حدثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال: لما قال أبي في عتبة:

كأن عتابة من حسـنـهـا                      دمية قس فتنت قـسـهـا

يارب لو أنسيتنيهـا لـمـا                      في جنة الفردوس لم أنسها شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة، وقال: يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون وشنع عليه أيضا  بقوله:

إن الـمـلـيك رآك أح                      سن خلقه وراى جمالك

فحذا بقـدرة نـفـسـه                      حور الجنان على مثالك وقال: أيصور الحور على مثال امرأة آدمية لايحتاج إلى مثال وأوقع له هذا على ألسنة العامة؛ فلقي منهم بلاء.

سأله الباذغيسي عن أحسن شعره فأجابه

حدثي هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا خليل بن أسد قال حدثني أبو سلمة الباذغيسي قال: قلت لأبي العتاهية: في أي شعر أنت أشعر? قال: قولي:

الناس في غفلاتهم                      ورحا المنية تطحن  أنشد المأمون شعره في الموت فوصله

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني بحيى بن عبد الل القرشي قال حدثني المعلى بن أيوب قال:

 

صفحة : 362

 

دخلت على المأمون يوما  وهو مقبل على شيخ حسن اللحية خضيب شديد بياض الثياب على رأسه لاطئة، فقلت للحسن بن أبي سعيد-قال: وهو ابن خالة المعلى بن أيوب. وكان الحسن كاتب المأمون على العامة-: من هذا? فقال: أما تعرفه? فقلت: لوعرفته ما سألتك عنه. فقال: هذا أبوالعتاهية. فسمعت المأمون يقول له: أنشدني أحسن ماقلت في الموت؛ فانشده:

أنساك محياك الممـاتـا                      فطلبت في الدنيا الثباتا

أوثقت بـالـدنـيا وأن                      ت ترى جماعتها شتاتا

وعزمت منك على الحيا                      ة وطولها عزما  بتاتـا

يامن رأى أبـويه فـي                      من قد رأى كانا فماتـا

هل فيهما لك عـبـرة                      أم خلت أن لك انفلاتـا

ومن الذي طلب التفـل                      ت من منيته فـفـاتـا

كل تصبحـه الـمـن                      ية أو تبـييتـه بـيتـا قال: فلما نهض تبعته فقبضت عليه في الصحن أو في الدهليز، فكتبتها عنه.

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الجاحظ عن ثمامة قال: دخل أبو العتاهية على المأمون فانشده:

ماأحسن الدنيا وإقـبـالـهـا                      إذا أطاع الله من نـالـهـا

من لم يواس الناس من فضلها                      عرض للإدبار إقبـالـهـا فقال له المأمون: ماأجود البيت الأول فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا  ، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضن بها، وإنما يوجب السماحة بها الأجر، والضن بها الوزر. فقال: صدقت ياأمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل، وأهل النقصأولى بالنقص. فقال المأمون: ادفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق. فلما كان بعد أيام عاد فامشده:

كم غافل أودى به الموت                      لم يأخذ الأهبة للفـوت

من لم تزل نعمته قبلـه                      زال عن النعمة بالموت فاقل له: أحسنت الآن طيبت المعنى؛ وأمر له بعشرين ألف درهم.

تأخرت عنه عادة المأمون سنة فقال أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني ابن سنان العجلي عن الحسن بن عائذ قال: كان أبو العتاهية يحج في كل سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا  ومطرقا  ونعلا  سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم.  وكان  يوصل الهدية من جهته منجاب مولى المأمون ويجيئه بالمال. فأهدى مرة له كما كان يهدي كل سنة إذا قدم، فلم يبثه ولابعث إليه بالوظيفة. فكتب إليه أبو العتاهية:

خبروني أن من ضرب السنة                      جددا  بيضا  وصفرا  حسنة

أحدثت لكنـنـي لـم أرهـا                      مثل ما كنت أرى كل سـنة فأمر المأمون بحمل العشرين آلاف درهم، وقال: أغفلناه حتى ذكرنا  كان الهادي واجدا  عليه فلما تولى استعطفه

حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عروة بن يوسف الثقفي قال: لما ولي الهادي الخلافة كان واجدا  على ابي العتاهية لملازمته أخاه هارون وانقكطاعه إليه وتركه موسى، وكان أيضا  قد أمر أن يخرج معه إلى الري فأبى ذلك؛ فخافه وقال يستعطفه:

ألا شافع عند الخـلـيفة يشـفـع                      فيدفع عـنـا شـر مـايتـوقـع

وإني على عظم الرجاء لـخـائف                      كأن على رأسي الأسنة تـشـرع

يروعني موسى على غير عـثـرة                      ومالي أرى موسى من العفو أوسع

وماآمن يمسـي ويصـبـح عـائدا                       يعفو أمي رالـمـؤمـنـين يروع مدح الهادي فأمر خازنه بإعطائه فمطله فقال شعرا  في ابن عقال فعجلها له: حدثني الصولي قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال: دخل أبي علي الهادي فأنشده:

ياأمين الـلـه مـالـي                      لست أدري اليوم مالي

لم أنل منك الـذي قـد                      نال غيري من نـوال

تبذل الحق وتعـطـي                      عن يمين وشـمـال

وأنا الـبـائس لاتـن                      ظر في رقة حالـي

 

صفحة : 363

 

قال: فأمر المعلى الخازن أن يعطيه عشرة آلاف درهم. قال أبو العتاهية: فأتيته فأبى أن يعطيها. ذلك أن الهادي امتحنني في شيء من الشعر، وكان مهيبا  ، فكنت أخافه فلم يطعني طبعي، فأمر لي بهذا المال، فخرجت. فلما منعنيه المعلى صرت إلى ابي الوليد أحمد بن عقال، وكان يجالس الهادي، فقلت له:

أبلغ سلمت أبا الوليد سـلامـي                      عني أمير الؤمنـين إمـامـي

وإذا فرغت من السلام فقل لـه                      قد كان ماشاهدت من إفحامـي

وإذا حصرت فليس ذاك بمبطـل                      ماقد مضى من حرمتي وذمامي

ولطالما وفدت إليك مـدائحـي                      مخطوطة فلـيأت كـل مـلام

أيام لـي لـسـن ورقة جــدة                      والمرء قد يبـلـي مـع الأيام قال: فاستخرج لي الراهم وأنفذها إلي: كان الهادي واجدا  عليه فلما تولى استعطفه ومدحه فأجازه: حدثني الصولي ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال: ولهد للهادي ولد في أول يوم ولي الخلافة؛ فدخل أبو العتاهية فأنشده:

أكثر موسى غيظ حساده                      وزين الأرض بـأولاده

وجاءنا من صلبـه سـيد                      أصيد في تقطيع أجداده

فاكتست الأرص به بهجة                      واستبشر الملك بمـيلاده

وابتسم المنبر عن فرحة                      عليت بها ذروة أعـواده

كأنني بعـد قـلـيل بـه                      بين مـوالـيه وقـواده

في محفل تخفق راياتـه                      قد طبق الأرض بأجناده قال: فأمر له موسى بألف دينار وطيب كثير، وكان ساخطا  عليه فرضب عنه.

حضر غضب المهدي على أبي عبيد الله

وترضاه عنه بشعر فرضي عنه:

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني علي بن يزيد الخزرجي الشاعر عن يحيى بن الربيع قال: دخل أبو عبيد الله علي المهدي، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله وبتغيظ عليه، ثم أمر به فجر برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلا  . فلما سكن أنشده أبوالعتاهية:

أرى الدنيا لمن هي في يديه                      عذابا  كلما كثـرت لـديه

تهين المكرمين لها بصغـر                      وتكرم كل من هانت عليه

إذا استغنيت عن شيء فدعه                      وخذه ماأنت محتاج إلـيه فتبسم المهدي وقال لأبي العتاهية: أحسنت فقام أبو العتاهية ثم قال: والله ياأمير المؤمنين، مارأيت أحدا  أشد إكراما  للدنيا ولاأصون لها ولاأشح عليها من هذا الذي جر برجله الساعة. ولقد دخلت إلى أمير المؤمنين ودخل هو وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضي عنه. فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.

روحانيان يطيران بين السماء والأرض

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني محمد بن الحسن قالحدثني إسحاق بن حفص قال: أنشدني هارون بن مخلد الرازي لأبي العتاهية:

ما إن يطيب لذي الرعاية لل                      أيام ولالـعـب ولالـهـو

إذ كان يطرب في مسرتـه                      فيموت من أجزائه جـزو فقلت: ماأحسنهما فقال: أهكذا تقول والله لهما روحانيان يطيران بين السماء والأرض  فضله ابن مناذر على جميع المحدثين

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازني قال: لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام? فقال: أترى من إذا شئت هزل، وإذا شئت جد? قالت: من? قال: مثل جرير حين يقول في النسيب:

إن الذين غدوا بلبك غـادروا                      وشلا  بعينك مايزال معينـا

غيضن من عبراتهن وقلن لي                      ماذا لقيت من الهوى ولقينـا ثم قال حين جد:

إن الذي حرم المكارم تغلـبـا                       جعل النبوة والخـلافة فـينـا

مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم                      ياآل تغلب منـأب كـأبـينـا

هذا ابن عمي في دمشق خليفة                      لو شئت ساقكم إلي قـطـينـا

 

صفحة : 364

 

ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره في كمه. فقلت: من? قال: أبو العتاهية. قلت: في ماذا? قال: قوله:

الله بيني وبين مـولاتـي                      أبدت لي الصد والملالات

لاتغفر الذنب إن أسأت ولا                      تقبل عذري ولامواتاتـي

منحتها مهجتي وخالصتي                      فكان هجرانها مكافاتـي

أقلقني حبها وصـيرنـي                      أحدوثة في جميع جاراتي ثم قال حين جد:

ومهمه قد قطعت طامـسـه                      قفر على الهول والمحـامـاة

بحـرة جـسة عـذافـــرة                      خوصاء عـيرانة عـلـنـداة

تبادر الشمس كلما طـلـعـت                      بالسير تبغي بذاك كرضاتـي

ياناق خبي بـنـا ولاتـعـدي                      نفسك ممـا تـرين راحـات

حتىتناخي بنـا إلـى مـلـك                      توجه الله بـالـمـهـابـات

عليه تاجان فوق مـفـرقـه                      تاج جلال وتـاج إخـبـات

يقول للريح كلما عـصـفـت                      هل لك ياريح في مبـاراتـي

من مثل من عمه الرسول ومن                      أخواله أكـرم الـخـؤولات  إسحاق بن وعبادة معشوقته

أخبرني وكيع قال: قال الزبير بن بكار حدثني أبو غزية، وكان قاضيا  على المدينة، قال: كان اسحاق بن عزيز يتعشق عبادة جارية المهلبية، وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيرزان. فركب إسحاق يوما  ومعه عبد الله بن مصعب يريديان المهدي، فلقيا عبادة؛ فقال إسحاق: يا أبا بكر، هذه عبادة، وحرك دابته حتى سبقها فنظر إليها، فجعل عبد الله بن مصعب يتعجب من فعله. ومضيا فدخلا على المهدي، فحدثه عبد الله بن مصعب بحديث إسحاق ومات فعل. فقال: أنا اشتريها لك ياإسحاق. ودخل علىالخيرزان فدعا بالمهلبية. فحضرت، فأعطاها بعبادة خمسين ألف درهم. لإسحاق بن عزيز. فبكت وقالت: أتؤثر علي إسحاق بن عزيز وهي يدي ورجلي ولساني في جميع حوائجي فقالت لها الخيرزان عند ذلك: ما يبكيك? والله لاوصل إليها ابن عزيز أبدا  ، صار يتعشق جواري الناس فخرج المهدي فأخبر ابن عزيز بما جرى، وقال له: الخمسون ألف درهم لك مكانها، وأمر له بها، فأخذها عن عبادة. فقال أبو العتاهية يعيره بذلك:

من صدق الحـب لأحـبـابـه                      فإن حب ابن عـزيز غـرور

أنساه عـبـادة ذات الـهـوى                      وأذهب الحب الذي في اضلمير

خسمون ألفا  كـلـهـا راجـح                      حسنا  لها في كل كيس صرير وقال أبو العتاهية في ذلك ايضا  :

حبك للمال لاكحبك عـب                      ادة يافاضح المحـبـينـا

لو كنت أصفيتها الوداد كما                      قلت لما بعتها بخمسـينـا  طال وجع عينه فقال شعرا

حدثني الصولي قال حدثني جبلة بن محمد قال حدثني أبي قال: رأيت أبا العتاهية بعدما تخلص من حبس المهدي وهويلزم طبيبا  على بابنا ليكحل عينه. فقيل له: قد طال وجع عينيك؛ فأنشأ يقول:  صوت

 

أيا ويح نفسي ويحها ثم ويحـهـا                      أمامن خلاص من شباك الحبائل

أيا ويح عيني قد اضر بها البكـا                      فلم يغن عنها طب مافي المكاحل في هذين البيتين لإبراهيم الموصلي لحن من الثقيل الأول.

كان الهادي واجدا  عليه لاتصاله بهارون

فلما ولي الخلافة مدحه فأجزل صلته:

أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان الهادي واجدا  علي أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهدي، فلما ولي موسى الخلافة، قال أبو العتاهية يمدحه:  صوت

 

يضطرب الخوف والرجاء إذا                      حرك موسى القضيب أو فكر

ماأبين الفضل في مغيب مـا                      أورد من رأيه ومـاأصـدر في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل لحن من الثقيل الأول في نهاية الجودة، ومابان به فضله في الصناعة-:

فكم ترى عز عند ذلـك مـن                      معشر قوم وذل من معشـر

يثمر من مسه القضيب ولـو                      يمسه غيره لـمـا أثـمـر

من مثل موسى ومثل والده ال                      مهدي أو جده أبي جعـفـر قال: فرضي عنه. فلما دخل عليه أنشده:

لهفي على الزمن القصير                      بين الخورنق والسـدير

 

صفحة : 365

 

 

إذ نـحـن فـي غـرف الــجـــنـــا                      ن نـعـوم فـي بـحـر الــســـرور

في فـتـية مـلــكـــو عـــنـــا                      ن الـدهـر أمـثـال الـصـــقـــور

مامـنــهـــم إلا الـــجـــســـو                      ر عـلـى الـهـوى غـير الـحـصـور

يتـــعـــــاورون مـــــــدامة                      صهـبـاء مـن حـلـب الـعـصـــير

عذراء رابـــهـــا شـــعــــــا                      ع الـشـمـس فـي حـر الـهـجـــير

لم تـــدن مـــن نـــار ولـــــم                      يعـلـق بـهـا وضـر الـــقـــدور

ومـقـرطــق يمـــشـــي أمـــا                      م الـقـوم كـالـرشــأ الـــغـــرير

بزجاجة تستخرج السر الدفين من الضمـير

زهراء مثل الكوكب الدري في كف المدير

تدع الكريم وليس يد                      ري مـاقـــبـــيل مـــن دبـــي

ومــخـــصـــرات زرنـــنـــا                      بعـد الـهـدو مـــن الـــخـــدور

ريا روادفـــــــهــــــــن يل                      بسـن الـخـواتـم فـي الـخـصـــور

غر الـوجـوه مـــحـــجـــبـــا                      ت قـاصـرات الـطـــرف حـــور

متـنـعـمـات فـي الـــنـــعـــي                      م مـضـمـخـات بـالــعـــبـــير

يرفـلـن فـي حـلـل الــمـــحـــا                      سن والـمـجـاســد والـــحـــرير

ماإن يرين الشمس إلا الفرط من خلل الستور

وإلى أمين الله مه                      ر بـنـا مـن الـدهـر الـعــثـــور

وإلـيه أتـعـبـنــا الـــمـــطـــا                      يا بـالـرواح وبــالـــبـــكـــور

ضغـر الـخـــدود كـــأنـــمـــا                      جنـحـن أجـنـحة الــنـــســـور

متـسـربـــلات بـــالـــظـــلا                      م عـلـى الـسـهـولة والــوعـــور

حتـى وصـلـــن بـــنـــا إلـــى                      رب الـمــدائن والـــقـــصـــور

مازال قــبـــل فـــطـــامـــه                      في سـن مـكـتـهـــل كـــبـــير -قال: قيل لو كان جزل اللفظ لكان أشعر الناس - فأجزل صلته. وعاد إلى أفضل ما كان له عليه.

في خلافة المأمون

أخبرن يعمي الحسن بن محمد قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال: قدم علينا ابو العتاهية في خلافة المأمون. فصار إليه أصحابنا فاستنشدوه، فكان أول ماأنشدهم:

ألم تر ريب الدهر في كل سـاعة                      له عارض فيه المنـية تـلـمـع

أيا باني الدنيا لغـيرك تـنـتـنـي                      وياجامع الدنيا لغيرك تـجـمـع

أرى المرء وثابا  على كل فـرصة                      وللمرء يوما  لامحالة مـصـرع

تبارك من لايملك المـلـك غـيره                      متى تنقضي حاجات من ليس يشبع

وأي امرىء في غاية ليس نفسـه                      إلى غاية أخرى سواها تـطـلـع قال: وكان أصحابنا يقولون: لو أن طبع أبي العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس.

تمثل الفضل بشعر له

حين انحطت مرتبته في دار المأمون:

أخبرني السحن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني سليمان بن جعفر الجزري قال حدثني أحمد بن عبد الله قال: كانت مرتبة أبي العتاهية مع الفضل بن الربيع في موضع واحد في دار المأمون. فقال الفضل لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق، ماأحسن بيتين لك وأصدقهما قال: وماهما? قال: قولك:

ماالناس إلا للكثير المـال أو                      لمسلط مادام في سلطـانـه

فإذا الزمان وماهما ببـلـية                      كان الثقات هناك من أعوانه يعني: من أعوان الزمان. قال: وإنما تمثل الفضل بن الربيع بهذين البيتين لانحطاط مرتبته في دار المأمون وتقدم غيره. وكان المأمون أمر بذلك لتحريره مع اخيه.

كان ملازما  للرشيد فلماتنسك حبسه

ولما استعطفه أطلقه:

أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: قال لي محمد بن أبي العتاهية: كان لأبي لايفارق الرشيد في سفر ولاحضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون. فلما قدم الرشيد الرقة، لبس أبي الصوف وتزهد وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه فحبس؛ فكتب إليه من وقته:  صوت

 

أنا اليوم لي والحمد لله أشهـر                      يروح علي الهم منكم ويبكـر

تذكر أمين الله حقي وحرمتـي                      وماكنت توليني لعلك تـذكـر

ليالي تدني منك بالقرب مجلسي                      ووجهك من ماء البشاشة يقطر

فمن لي بالعين التي كنت مـرة                      إلي بها في سالف الدهر تنظر قال: فلما قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لابأس عليك. فكتب غليه:  صوت

 

 

صفحة : 366

 

 

أرقت وطار عن عيني النعاس                      ونام السامرون ولم يواسـوا

أمين الله أمنـك خـير أمـن                      عليك من التقى فيه لـبـاس

تساس من السماء بكـل بـر                      وأنت به تسوس كما تسـاس

كأن الخلق ركب فـيه روح                      له جسد وأنت عـلـيه رأس

أمين الله إن الحـبـس بـأس                      وقد أرسلت: ليس عليك باس -غنى في هذه الأبيات إبراهيم، ولحنه ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسكى. وفيهأيضا  ثقيل أول عن الهشامي-قال: وكتب عليه أيضا  في الحبس:

وكلفتني ماحلت بيني وبـينـه                      وقلت سأبغي ماتريد وماتهوى

فلو كان لي قلبان كلفت واحدا                       هواك وكلفت الخلي لما يهوى قال: فأمر بإطلاقه.

حدثني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني ثابت بن الزبير بن حبيب قال حدثني ابن أخت أبي خالد الحربي قال: قال لي الرشيد: احبس أباالعتاهية وضيق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول. فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها؛ فصاح: الموت، أخرجوني، فأنا أقول كل ماشئتم. فقلت: قل. فقال: حتى أتنفس. فأخرجته وأعطيته دواة  وقرطاسا  ؛ فقالأبياته اللتي أولها:

من لعبد أذلـه مـولاه                      ماله شافع إليه سـواه

يشتكي مابه إليه ويخشا                      ه ويرجوه مثل مايخشاه قال: فدفعتها إلي مسرور الخادم فأوصلها، وتقدم الرشيد إلى إبراهيم الموصلي فغنى فيها، وأمر بإحذار ابي العتاهية فأحضر. فلما أحضر قال له: أنشدني قولك:  صوت

 

ياعتب سـيدتـي أمـالـك دين                      حتىمتى قلبي لـديك رهـين

وأنا الذلول لكل ماحملـتـنـي                      وأنا الشقي البائس المسـكـين

وأنا الغداة لكل باك مـسـعـد                      ولكل صب صاحـب وخـدين

لابأس إن لذاك عـنـدي راحة                      للصب أن يلقى الحزين حزين

ياعتب أيين أفر منك أمـيرتـي                      وعلي حصن من هواك حصين -لإبراهيم في هذه الأبيات هزج عن الهشامي -فأمر له الرشيد بخمسن ألف درهم وله في الرشيد لما حبسه أشعار كثيرة منها قوله:

يارشيد الأمر أرشدني إلـيى                      وجه نجحي لاعدمت الرشدا

لاأراك اللـه سـوءا  أبـدا                       مارأت مثلك عـين أحـدا

أعن الخائف وارحم صوتـه                      رافعا  نحـوك يدعـوك يدا

وابلائي من دعـاوى أمـل                      كلما قلت تـدانـي بـعـدا

كم أمني بغـد بـعـد غـد                      ينفذ العمر ولم ألـق غـدا هجا القاسم بن الرشيد فشربه وحبسه ولما اشتكى إلى زبيدة بره الرشيد وأجازه: نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم وكان من أتيه الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاما  له، فلم يزل قائما  حتى جاز، فأجازه ولم يلتفت إليه؛ فقال أبو العتاهية:

يتيه ابن آدم من جهـلـه                      كأن رحا الموت لاتطحنه فسمع بعض من في موكبه ذلك فأخبر به القاسم؛ فيعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة، وقال له: يا ابن الفاعلة? أتعرض لي في مثل ذلك الموضع? وحبسه في داره. فدس أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جفعر، وكانت تزجب له  حفه  ، هذه الأبيات:

حتى متى ذو التيه في تيهه                      أصلحه الـلـه ةعـافـاه

يتيه أهل التيه من جهلهـم                      وهم يموتون وإن تاهـوا

من طلب العو ليبقى بـه                      فإن عز المرء تـقـواه

لم يعتصم بالله منخلـقـه                      من ليس يرجوه ويخشـاه وكتب إليها بحالة وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه، فرثت له وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه؛ فأحضره وكساه ووصله، ولمك يرض عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه.

ونسخت من كتاب هارون بن علي: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال:

 

صفحة : 367

 

بعث الرشيد بالحرشي إلى ناحيى الموصل، فجبى له منها مالا  عظيما  من بقايا الخراج، فوافى به باب الرشيد، فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك وتحدثوا به؛ فرأيت أبا العتاهية وقد أخذه شبه الجنون، فقلت له: مالك ويحك?? فقال لي: سبحان الله أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، ولاتتعلق كفي بشيء منه ثم دخل إلى الرشيد بعد أيام فأنشده:

الله هون عندك الدنيا وبغضها إليكا

فأبيت إلا تصغر كل شيء في يديكا

ماهانت الدني على                      أحد كـمـا هـانـت عـلـيكـا فقال له الفضل بن الربيع: ياأمير المؤمنين، مامدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح. فقال: يافضل، أعطه عشرين ألف درهم. فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده:

إذا ما كنت متخذا  خـلـيلا                      فمثل الفضل فاتخذ الخلـيلا

يرى الشكر القليل له عظيما                       ويعطي من مواهبه الجزيلا

أراني حيثما يممت طرفـي                      وجدت على مكارمه دلـيلا فقال له الفضل: والله لولا أن اساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها، ولكن سأوصلها إليك في دفعات، ثم أعطاه ما أمر به الرشيد، وزاد له خمسة آلاف درهم من عنده.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأمير علي بن عيسى بن جعفر يقول: كنت صبيا  في دار الرشيد، فراست شيخا  ينشد والناس حوله:

ليس للإنسان إلا مـارزق                      أستعين الله بالـلـه أثـق

علق الهم بقلـبـي كـلـه                      وإذا ماعلق الهم عـلـق

بأبي من كان لي من قلبـه                      مرة ود قلـيل فـسـرق

يابني الإسلام فيكم مـلـك                      جامع الإسلام عنه يفترق

لندى هارون فيكـم ولـه                      فيكم صوب هطول وورق

لم يزل هارون خيرا  كلـه                      قتل الشر به يوم خـلـق فقلت لبعض الهاشميين: أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل? فقال: يابني، إن الأعناق لتقطع دون هذا الطبع. قال: ثم كان الشيخ أبا العتاهية، والذي سأله إبارهيم بن المهدي استعطف الرشيد وهو محبوس فأطلقه حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال: لبس أبو العتاهية كساء صوف ودراعة صوف، وآلى على نفسه ألا يقول شعرا  في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه؛ فقال:  صوت

 

يابن عم النبي سمعـا  وطـاعة                      قد خلعنا الكسـاء والـدراعة

ورجعنا إلى الصنـاعة لـمـا                      كان سخط الإمام ترك الصناعة وقال أيضا  :

أما رحمتني يوم ولت فأسرعت                      وقد تركتني واقفا  أتـلـفـت

أقلب طرفي كي أراها فلا أرى                      وأحلب عيني درها وأصـوت فلم يزل الرشيد متوانيا  في إخراجه إلى أن قال:

أما والله إن الظـلـم لـوم                      ومازال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضـي                      وعند الله تجتمع الخصـوم

لأمر ماتصرفت اللـيالـي                      وأمر ماتوليت الـنـجـوم

تموت غدا  وأنت قرير عين                      من الغفلات في لجج تعوم

تنام ولم تنم عنك الـمـنـايا                      تنبه لـلـمـنـية يانـؤوم

سل الأيام عن أمم تقضـت                      سنخبرك المعالم والرسـوم

تروم الخلد في دار المنـايا                      وكم قد رام غيرك ماتروم

ألا يا أيها الملك المـرجـى                      عليه نواهض الدنيا تحـوم

أقلني زلة لم أجر مـنـهـا                      إلى لوم ومامثلي مـلـوم

وخلصني تخلص يوم بعـث                      لإذا للناس برزت الجحـيم فرق له وأمر بإطلاقه.

حديثه عن شعره ورأى أبي نواس فيه

نسخت من كتبا هارون بن علي: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني ابن أبي الأبيض قال:

 

صفحة : 368

 

أيتيت أبا العتاهية فقلت له: إني رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب أستحسنه؛ لأني أرجو ألا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحب أن تنشدني من جيد ماقلت؛ فقال: أعلم أن ماقلته رديء. قلت: وكيف? قال: لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى علي جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد؛ فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه. فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:

لدوا الموت وابنوا للـخـراب                      فكلكم يصير إلـى تـبـاب

ألا يا موت لم أر منـك بـدا                      أتيت وما تحيف وما تحابـي

كأنك قد هجمت على مشيبي                      كما هجم المشيب على شبابي قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا؛ فقال: والله ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا  آخر. فصرت غليه فأخبرته بقول أبي نواس؛ فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

طول النعاشر بين الناس ممـلـول                      ما لابن آدم إن فتشت مـعـقـول

يا راعي الشاء لا تغفل رعايتـهـا                      فأنت عن كل ما استرعيت مسؤول

إني لفي منزل مازلـت أعـمـره                      على يقين بأني عنـه مـنـقـول

وليس في موضع يأتيه ذو نـفـس                      إلا وللموت سيف فيه مـسـلـل

لم يشغل الموت عنا مذ أعج لـنـا                      وكلنا عنه باللـذات مـشـغـول

ومن يمت فهو مقطوع ومجتـنـب                      والحي ماعاش مغشي وموصـول

كل مابدا لـك فـالآكـال فـانـية                      وكـل ذي أكـل لابـد مـأكـول قال: ثم أنشدني عدة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته؛ فتغير لونه وقال: لم خبرته بما قلت قد والله أجاد ولم يقل فيه سوءا  .

كان أبو نواس يجله ويعظمه أخبرن يالحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني علي بن عبد الله بن سعد قال حدثني هارون بن سعدان وملى البجليين قال: كنت مع ابو نواس قريبا  من دور بين نيبخت بنهر طابق وعنده جماعة، فجعل يمر به القواد والكتاب وبنو هاشم فيسلمون عليه وهو متكىء ممدود الرجل لايتحرك أحد منهم، حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه ووثب وقام إلى شيخ قد أقبل علي حمار له، فاعتنق أبا نواس ووقف أبو نواس يحادثه، فلم يزل واقفا  معه يروح بين رجليه يرفع رجلا  ويضع أخرى، ثم مضى الشيخ ورجع إلينا أبو نواس وهو يتأوه. فقال له بعض من حضر: والله لأنت أشعر منه. فقال: والله مارأيته قط إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض  رأي بشارفيه

قال محمد بن القاسم حدثني علي بن محمد بن عبد الله الكوفي قال حدثني السري بن الصباح مولى ثوبان بن علي قال: كنت عند بشار فقلت له: من أشعر أهل زماننا? فقال: مخنث أهل بغداد )يعني أبا العتاهية(  عزى المهدي في وفاة ابنته فأجازه

أخبرني يحيىبن علي المنجم إجازة: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الخزجي الشاعر قال حدثني عبد الله بن أيوب الأنصاري قال حدثني أبو العتاهية قال: ماتت بنت المهدي فحزن عليها حزنا  شديدا  حتى امتنع من الطعام والشراب، فقلت أبياتا  أعزيه بها؛ فوافيته وقد سلا وضحك وأكل وهويقول: لابد من الصبر على مالابد منه، ولئن سلونا عمن فقدنا ليسلون عنا من يفقدنا، ومايأتي الليل والنهار على شيء إلا أبليه. فلما سمعت هذا منه قلت: ياأمير المؤمنين، أتأذن لي أن أنشدك? قال هات؛ فأنشدته:

ما للجديدين لايبلى اختلافـهـمـا                      وكل غض جديد فيهمـا بـالـي

يامن سلا عن حبيب بعد مـيتـتـه                      كم بعد موتك أيضا  عنك من سالي

كأن كـل نـعـيم أنـت ذائقــه                      من لذة العيش يحكي لمـعة الآل

لاتلعبن بك الـدنـيا وأنـت تـرى                      ماشئت من عبر فيهـا وأمـثـال

ماحيلة الموت إلا كـل صـالـحة                      أولا  فما حيلة فيه لـمـحـتـال

 

صفحة : 369

 

فقال لي: أحسنت ويحك وأصبت مافي نفسي وأوجزت ثم أمر لكل بيت بأفل درهم  حبسه الرشيد مع إبراهيم الموصلي ثم أطلقهما

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال: لما مات موسى الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية: قل شعرا  في الغمزل؛ فقال: لاأقول شعرا  بعد موسى أبدا  ، فحبسه. وأمر إبراهيم الموصلي أن يغني؛ فقال: لاأغني بعد موسى أبدا  ، وكان محسنا  إليهما، فحبسه. فلما شخص إلى الرقه حفر لهما حفرة واسعة وقطع بينهما بحائط، وقال: كونا بهذا المكان لاتخرجا منه حتى تشعر أنت ويغني هذا. فصبرا على ذلك برهة. وكان الرشيد يشرب ذات يوم وجعفر بن يحيى معه، فغنت جارية صوتا  فاستحسناه وطربا  عليه طربا  شديدا  ، وكان بيتا  واحدا  . فقال الرشيد: يماكان أحوجه إلى بيت ثان ليطول الغناء فيه فنستمتع مدة طويلةبه فقال له جعفر: قد أصبته. قال: من أين? قال: تبعث إلى أبي العتاهية فيلحقه به لقدرته على الشعر وسرعته. قال: هو أنكد من ذلك، لايجيبنا وهو محبوس ونحن في نعيم وطرب. قال: بلى فاكتب إليه حتى تعلم صحة ماقلت لك. فكتب غليه بالقصة وقال: ألحق لنا بالبيت بيتا  ثانيا  . فكتب إليه أبوالعتاهية:

شغل المسكين عن تلك المحن                      فارق الروح وأخلى من بدن

ولفد كلفت أمرا  عـجـبـا                       اسأل التفريخ نم بيت الحزن فلما وصلت قال الرشيد: قد عرفتك أنه لايفعل. قال: فتخرجه حتى يفعل. قال: لا حتى يشعر؛ فقد حلفت. فأقام أياما  لايفعل. قال: ثم قال أبو العتاهية لإبراهيم: إلى كم هذا نلاج الخلفاء هلم أقل شعرا  وتغن فيه. فقال أبو العتاهية:

بأبي من كان في قلبي له                      مرة حب قليل فـسـرق

يابني العباس فيكم مـلـك                      شعب الإحسان منه تفترق

إنما هارون خـير كـلـه                      مات كل الشرمذ يوم خلق وغنى فيه إبراهيم. فدعا بهماالرشيد؛ فأنشده أبوالعتاهية وغناه إبراهيم، فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم ومائة ثوب.

حدثني الصولي بهذا الحديث عن الحسين بن يحيى عن عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع، فقال فيه: غضب الرشيد على جارية له فحلف ألا يدخل إليها أياما  ، ثم ندم فقال:

صد عني إذ رآني مفتـتـن                      وأطال الصد لما أن فطـن

كان مملوكي فأضحى مالكي                      إن هذا من أعاجيب الزمن وقال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد على هذين البيتين. فقال له: ليس غير ابي العتاهية. فبعث إليه فأجاب بالجواب المذكور، فأمر بإطلاقه وصلته. فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال:

عزة الحب أرته ذلـتـي                      في هواه وله وجه حسن

ولهذا صرت مملوكا  له                      ولهذا شاع مابي وعلـن فقال: احسنت والله وأصبت مافي نفسي وأضعف صلته  شعره في ذم الناس

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الهيثم بن عثمان قال حدثني شبيب بن منصور قال: كنت في الموقف واقفا  على باب الرشيد، فإذا رجل بشع الهيئة على بغل قد جاء فوقف، وجعل الناس يسلمون عليه ويسائلونه ويضاحكونه، ثم وقف في الموقف، فأقبل الناس يشكون أحوالهم: فواحد يقول: كنت منقطعا  إلىفلان فلم يصنع بي خيرا  ، ويقول آخر: أملت فلانا  فخاب أملي وفعل بي، ويشكو آخر من حاله؛ فقال الرجل:

فتشت ذي الدنيا فليس بها                      أحد أراه لآخر حـامـد

حتى كأن الناس كلـهـم                      قد أفرغوا في قالب واحد فسألت عنه فقيل: هو أبو العتاهية يخاطب سلما  الخاسر:

تعالى الله ياسلم بن عمـرو                      إذل الحرص أعناق الرجال فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للذين والمروءة، والله ماعرفت من رجل قط حرصا  ولا شرها  فرأيت فيه مصطنعا  . فبلغ ذلك سلما  فقال: ويلي على المخنث الجرارالزنديق جمع الأموال وكنزها وعبأ البدور في بيته ثم تزهد مراءاة ونفاقا  ، فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب.

اقتص منه الجماز لخاله مسلم فاعتذر له

أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا أحمد بن خلاد عن أبيه عن عبد الله بن الحسن قال: انشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما  الخاسر:

 

صفحة : 370

 

 

تعالى الله ياسلم بن عمـرو                      أذل الحرص أعناق الرجال فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للدين والمروءة، والله ماعرفت من رجل قط حرصا  ولا شرها  فرأيت فيه مصطنعا  . فبلغ ذلك سلما  فقال: ويلي على المخنث الجرار الزنديق جمع الأموال وكنزها وعبأ البذور في بيته ثم تزهد مراءاة ونفاقا  ، فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب.

اقتص منه الجماز لخاله مسلم فاعتذر له: أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب ومحمد بن عمران الصيرفي قلا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن أحمد بن سليمان العتكي قال حدثني العباس بن عبيد الله بن سنان بن عبد الملك بن مسمع قال: كنا عند قثم بن جعفر وعنده أبو العاهية ينشد في الزهد، فقال قثم: ياعباس، اطلب الساعة الجماز حيث كان، ولك عندي سبق. فطلبته فوجدته عند ركن جعفر بن سليمان، فقلت: أجب الأمير؛ فقام معي حتى أتى قثم؛ فجلس في ناحية مجلسه وأبوالعتاهية ينشده؛ فأنشأ الجماز يقول:

ماأقبح التزهيد مـن واعـظ                      يزهـد الـنـاس ولايزهـد

لو كان في تزهيده صـادقـا                       أضحى وأمسى بيته المسجد

يخاف أن تـنـفـذ أرزاقـه                      والرزق عند اللـه لاينـفـد

والرزق مقسوم على من ترى                      ينـالـه الأبـيض والأسـود قال: فالتفت أبوالعتاهية إليه فقال: من هذا? قالوا:  هذا  الجماز وهو ابن أخت الحاسر، اقتص لهخاله منك. فأقبل عليه وقال: يابن أخي، إني لم أذهب حيث ظننت ولاظن خالك، ولاأردت أن أهتف به؛ وإنما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه، فالله يغفر لكما، ثم قام  غناه مخارق بشعره

أخبرني أحمد بن عبيد بن عمار قال حدثني محمد بن أحمد بن خلف الشمري عن أبيه قال: كنت عند مخارق، فجا أبو العتهاية في يوم الجمعة فقال: لي حاجة وأريد الصلاة؛ فقال مخارق: لاأبرح حتى تعود. قال: فرجع وطرح ثيابه، وهي صوف، وغسل وجهه، ثم قال له: غنني:  صوت

 

قال لـي أحــمـــد ولـــم يدر مـــابـــي                      أتـحـب الـغــداة عـــتـــبة حـــقـــا

فتنفست ثم قلت نعم حبا جرى في العروق عرقا  فعرقا فجذب مخارق دواة كانت بين يديه فأوقع عليها ثم غناه؛ فاستعاده ثلاث مرات فأعاده عليه، ثم قام يقول: لايسمع والله هذا الغناء أحد فيفلح. وهذا الخبر رواية محمد بن القاسم بن مهروية عنه.

زحدثنا  به  أيضا  في كتاب هارون بن علي بن يحيى عن ابن مهروية عن ابن عمار قال حدثني أحمد بن يعقوب عن محمد بن حسان الضبي قال حدثنا مخارق قال: لقيني أبو العتاهية فقال: بلغني أنك خرجت قولي:

قال لي أحمد ولم يدر مابي                      أتحب الغداة عتبة حـقـا فقلت نعم. فقال: غنه فملت معه إلى خراب، فيه قوم فقراء سكان، فغنيته إياه؛ فقال: أحسنت والله منذ ابتدأت حتى سكت؛ ثم قال لي: أبتدأت حتى سكت؛ ثم قال لي: أماترى مافعل الملك بأهل هذا الخراب  شعره في تبخيل الناس

أخبرني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال: قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له: يا أبا إسحاق، أتنشدني قولك في تبخيلك الناس كلهم? فضحك وقال لي: هاهنا? قلت نعم. فأنشدني:

إن كنت متخذا  خـلـيلا                       فتنق وانتقـد الـخـلـيلا

من لم يكن لك منصـفـا                       في الود فأبغ بـه بـديلا

ولربما سـئل الـبـخـي                      ل الشيء لايسوى فتـيلا

فيقول لاأجـد الـسـبـي                      ل إلـيه يكـره أن ينـيلا

فلـذاك لاجـعــل الإل                      ه له إلى خـير سـبـيلا

فاضرب بطرفك حيث شئ                      ت فلن ترى إلا بـخـيلا فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق فقال: فديتك فأكذبني بجواد واحد. فأحببت موافقته، فالتفت يمينا  وشمالا  ثم قلت: ماأجد. فقبل بين عيني وقال: فديتك يابني لقدر رفقت حتى كدت تسرف  كان بعد تنسكه يطرب لحديث ابن مخارق

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق قال: كان أبو العتاهية لما نسك يقول لي: يابني، حدثني؛ فإن ألفاظك تطرب كما يطرب غناؤك  جفاه أحمد بن يوسف فعاتبه بشعر

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري قال حدثني أبو هفان قال حدثني موسى بن عبد الملك قال:

 

صفحة : 371

 

كان أحمد بن يوسف صدقا  لأبي العتاهية، فلما خدم المأمون وخص به، رأى منه أبو العتاهية جفوة، فكتب إليه:

أبا جعفر إن الشـريف يشـينـه                      تتايهه على اللأخلاء بـالـوفـر

ألم تر أن الفقر يرجى له الغنـى                      وأن الغنى يخشى عليه من الفقر

فإن نلت تيها  بالذي نهلت من غنى                      فإن غناي في التجمل والصبـر قال: فبعث إليه بألفي درهم، وكتب إليه يعتذر مما أنكره.

طلب إليه أن يجيز شعرا

فأجازه على البديهة:

أخبرني الحسن ين علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الكوفي قالاحدثني أبو جعفر المعبدي قال: قلت لأبي العتاهية: أجز لي قول الشاعر:

وكان المال يأتينا فكـنـا                      نبذره وليس لنا عـقـول

فلما أن تولى المال عنـا                      عقلنا حين ليس لنا فضول قال: فقال أبو العتاهية على المكان:

فقصر ماترى بالصبر حقا                       فكل إن صبرت له مزيل أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابهن مهروية قال حدثني الحسن بن الضل الزعفراني قال: حدثني من سمع أبا العتاهية يقول لابنه وقد غضب عليه: اذهب فإنك ثقيل الظل جامد الهواء  أهدى إلى الفضل نعلا  فأهداها للخليفة

أخبرن الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدنث ي يحيى بن خليفة الرازي قال حدثنا حبيب بن الجهم النميري قال: حضرت الفضل بن الربيع متنجزا  جائزتي وفرضي، فلم يدخل عليه أحد قبلي، فإذا عون حاجبه قد جاء فقال: هذا أبو العتاهية يسلم عليك وقد قدم من مكة؛ فقال: أعفني منه الساعة يشغلني عن ركوبي. فخرج إليه عون فقال: إنه على الركوب إلى أمير المؤمنين. فأخرج منكمه نعلا  عليها شراك فقال: قل له إن أبا العتاهية أهداها إليك جعلت فداءك. قال: فدخل بها؛ فقال: ماهذه? فقال:: نعل وعلى شرامها مكتوب كتاب. فقال: ياحبيب، أقرأ ماعليها فقرأته فإذا هو:

نعل بعثت بها ليلبـسـهـا                      قرم بها يشي إلى المجـد

لوكان يصلح أن أشركهـا                      خدي جعلت شراكها خدي فقال لحاجبه عون: احملها معنا، فحملها. فلما دخل على الأمين قالله: ياعباسي، ماهذا النعل? فقال: أهادها إلي أبو العتاهية وكتب عليها بيتين، وكان أمبر المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لابسها. فقال: وما هما? فقرأهما. فقال: أجاد والله وماسبقه إلى هذا المعنى أحد، هبوا له عشرة آلاف درهم. فأخرجت والله في بدرة وهو راكب علىحماره، فقبضها وانصرف.

قيل إنه كان من أقل الناس معرفة

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكوفي قال حدثناعمروس صاحب الطعام وكان جار أبي العتاهية، قال: كان أبو العتاهية من أقل الناس معرفة، سمعت بشرا  المريسي يقول له: يا أبا إسحاق، لاتصل خلف فلان جارك وإمام مسجدكم؛ فإنه مشبه. قال: كلا إنه قرأ بنا البارحة في الصلاة:  قل هو الله أحد  ؛ وإذغ هو يظن أن المشبه لايقرأ  قل هو الله أحد   شكا غليه بكر عن المعتمر ضيق حبسه

فكتب إليه شعرا  :

أخبرن يالحسن قال حدثنا ابن مهروية قال حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كنت أمشي مع أبي العتاهية يده في يدي وهو متكء علي ينظر إلى الناس يذهبون ويجيئونن فقال: أما تراهم هذا يتيه فلا يتكلم، وهذا يتكلم بصلف ثم قال لي: مر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يخطر، فقال: يابني، للو خفضت بعض هذه الخيلاء ألم يكن احسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك? فقال له الفتى: أو ماتعرف من أنا فقال له: بلى والله أعرفك معرفة جيدة، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذينك حامل عذرة. قال: فأرخى الفتى أذنيه وكف عما كان يفعل وطأطأ رأسه ومشى مسترسلا  . ثم أنشدني أبو العتاهية:

أيا واها  لذكـر الـل                      ه ياواها  لـه واهـا

لقد طيب ذكـر الـل                      ه يالتسبيح أفـواهـا

فيا أنتن مـن حـش                      على حش إذا تاهـا

أرى قوما  يتـيهـون                      حشوشا  رزقوا جاها  مدح إسماعيل بن محمد شعره واستنشده إباه

حدثني اليزيدي عن عمه إسماعيل بن محمد بن أبي محمد قال.

 

 

صفحة : 372

 

قلت لأبي العتاهية وقد جاءنا: يا أبا إسحاق، شعرك كله حسن عجيب، وقلد مرت بي منذ أيام أبيات لك استحسنتها جدا  ،؛ وذلك أنها مقلوبة أيضا  ، فأواخرها كأنها رأسها، لو كتبها الإنسان إلى صديق له كتابا  والله لقد كان حسنا  أرفع مايكون شعرا  . قال: وماهي? قلت:

المرء في تأخـير مـدتـه                      كالثوب يخلق بعبد جـدتـه

وحياتـه نـفـس يعـد بـه                      ووقاته استكمـال عـدتـه

ومصيره من بعـد مـدتـه                      لبلى وذا من بعد وحـدتـه

من مات مال ذوومـودتـه                      عنه وحالوع عن مـودتـه

أزف الرحيل ونحن في لعب                      مانستعـد لـه بـعـدتـه

ولقلما تبقي الخطوب علـي                      أشر الشباب وحر وقـدتـه

عجبا  لمنتبـه يضـيع مـا                      يحتاج فيه لـيوم رقـدتـه  شبه أبو نواس شعرا  له بشعره

قال اليزيدي: قال عمي وحدثني الحسين بن الضحاك قال: كنت مع أبي نواس فأنشدني أبياته التي يقول فيها:

يابني النقص والغـير                      وبني الضعف والخور فلما فرغ منها قال لي: يا أبا علي، والله لكأنها من كلام صاحبك)يعني أبا العتاهية(  سأل أعرابيا  عن معاشه ثم قال شعرا

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني حذيفة بن محمد الطائي قال حدثني أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي قال: حججت فرأيت أبا العتاهية واقفا  على أعرابي في ظل ميل وعليه شملة إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطى رجليه بدا رأسه. فقال له أبو العتاهية: كيف اخترت هذا البلد القفر على البلدان المخصبة? فقال له: ياهذا، لولا أن الله أقنع بعض العباد بشر البلاد، وماوسع خير البلاد جميع العباد. فقال له: فمن أين معاشكم? فقال: منكم معشر الحااج، تمرون بنا فتنال من فضولكم، وتنصرفون فيكون ذلك. فقال  له  : إنما نمر وننصرف في وقت من السنة، فمن أين معاشكم? فأطرق الأعرابي ثم قال: لا والله لاأدري ماأقول إلا أنا نرزق من حيث لا نحتسب أكثر مما نرزق من حيث نحتسب. فولى أبو العتاهية وهو يقول:

ألا ياطالب الدنـيا                      دع الدنيا لشانيكـا

وماتصنع بالدنـيا                      وظل الميل بكفيكا  شتمه سلم لما سمع هجوه فيه

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لما قال أبو العتاهية:

تعالى الله ياسلم بن عـمـر                      أذل الحرص أعناق الرجال قال سلم: ويلي علي ابن الفاعلة كنز البدور ويزعم أني حريص وأنا في ثوبي هذين  كان ابن عبد العزيز يتمثل كثيرا  بشعره

أخبرني محمد بن مزيد والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمرو بن أدعح قال: قلت لعبد الله بن عبد العزيز العمري وسمعته يتمثل كثيرا  من شعر أبي العتاهية: أشهد أني سمعته ينشد لنفسه:

مرت اليوم شاطره                      بضة الجسم ساخره

إن دنيا هي التـب                      مرت اليوم سافره

سرقوا نصف اسمها                      فهي دنيا وآخـره فقال علد الله بن عبد العزيز: وكله الله إلىآخرتها. قال: وماسمع بعد ذلك يتمثل ببيت من شعره.

قال علي بن الحسين مؤلف هذا الكتاب: هذه الأبيات لأبي عيينة المهلبي، وكان يشبب بدينا في شعره، لإإما أن يكون الخبر غلطا  ، وإما أنيكون الرجل أنشدها العمري لأبي العتاهية وهو لايعلم أنها ليست له.

موازنة بينه وبين أبي نواس

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل قال: قال لي الحرمازي: شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس، وكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جوابا  عند البديهة، وكان أبو نواس أسرعهما في وقل الشعر؛ فإذا تعاطيا جميعا  السرعة فضله أبو العتاهية، وإذا توقفا وتمهلا فضله أبو نواس.

رأى من صالح المسكين جفوة فعاتبه

فجاهره بالعداوة:

أخبرني أحمد بن العباس عن ابن عليل العنزي قال حدثنا أبو أنس كثير بن محمد الحزاميقال حدثني الزبير بن بكار  عن  معروف العاملي قال:

 

صفحة : 373

 

قال أبو العتاهية: كنت منقطعا  إلى صالح المسكين، وهو ابن جعفر المنصور، فأصبت في ناحيته مائة ألف درهم، كان لي ودودا  وصديقا  ، فجئته يوما  ، وكان لي في مجليه مرتبة لايجلس فيها غيري، فنظرت إليه قد قصربي عنها، وعاودته ثانية  فكانت حاله تلك، ورأيت نظره إلي ثقيلا  ، فنهضت وقلت:

أراني صالح بغضـا                      فأظهرت له بغضـا

ولا والـلـه لاينــق                      ض إلا زدته نقضـا

وإلا زدتـه مـقـتـا                      وإلا زدته رفـضـا

ألا يامفـسـد الـود                      وقد كان له محضـا

تغضبت مـن الـريح                      فما أطلب أن ترضى

لئن كان لك المال الم                      صفى إن لي عرضا قال أبو العتاهية: فنمي الكلام إلى صالح فنادى بالعداوة؛ فقلت فيه:

مددت لمعرض حبلا  طويلا                       كأطول مايكون من الحبـال

حبال بالصريمة ليس تفنـى                      موصلة على عدد الرمـال

فلا تنظر إلي ولاتـردنـي                      ولاتقرب حبالك من حبالـي

فليت الردم من يأجوج بينـي                      وبينك كثبتا  أخرى الليالـي

فكرش إن أردت لنا كلامـا                       ونقطع قحف رأسك بالقذال  استنشده مساور شعرا  في جنازة فأبى

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: قال مساور السباق، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن مساور السباق قال: شهدت جنازة في أيام الحج وقت خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن المقتول بفخ، فرأيت رجلا: قد حضر الجنازة معنا وقد قال آخر: هذا الرجل الذي صفته كذا وكذا أبو العتاهية فالتفت إليه فقلت له: أنت أبو العتاهية? فقال: لا، أنا أبو إسحاق. فقلتله: أنشدني شيئا  من شعرك؛ فقال لي: ماأحمقك نحن علي سفر وعلى شفير قبر، وفي أيا م العشر، وببلدكم هذا تستنشدني الشعر ثم أدبر عني ثم عاد إلي فقال: وأخرى أزيدكها، لا والله في بني آدم أسمج منك وجها   قال النوفلي في خبرهك وصدق أبو العاتهية، وكان مساور هذا مقبحا  طويل الوجه كأنه ينظر في سيف.

حجبه حاجب يحيى بن خاقان

فقال شعرا  فاسترضاه فأبى:

أخبرني عمي الحسن بن محمد وجحظة قالا حدثنا ميمون بن هارون قال: قدم أبو العتاهية يوما  منزل يحيى بن خاقان، فلما قدم بادر له الحاجب فانصرف. وأتاه يوما  آخر فصادفه حين نزل، فسلم عيه ودخل إلى منزله ولم يأذن له؛ فأخذ قرطاسا  وكتب إليه:

أراك تراع حين ترى خيالي                      فما هذا يروعك من خيالي

لعلك خائف منـي سـؤال                      ألا فلك الأمان من السؤال

كفيتك إن حالك لم تمل بـي                      لأطلب مثلها بدلا  بحالـي

وإن اليسر مثل العسر عندي                      يأيهما منيت فـلا أبـالـي فلما قرأ الرقعة أمر الحاجب بإدخاله إليه، فطلبه فأبى أن يرجع معه، ولم يلتقيا بعد ذلك.

كان بينه وبين أبي الشمقمق شر

أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال: اجتمع أبو نواس وأبو الشمقمق في بيت ابن أذين، ومان بين أبي العتاهية وبين أبي الشمقمق شر، فخبؤه من أبي العتاهية في بيت. ودخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فطن أنه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه الجارية? فقال: قريبا  يا أبا إسحاق، فقال: قل فيها ماحضر؛ فمد أبو العتاهية يده إيه قال:

مددت كفي نحوكم سائلا                       ماذا تردون على السائل فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت:

نرد فـي كـفـك ذا فــيشة                      يشفي جوى في استك من داخل فقال أبو العتاهية: شمقمق والله وقام مغضبا   استنشد ابن أبي أمية شعره ومدحه

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلب قال حدثني سليمان بن عباد قال حدثنا سليمان بن مناذر قال:

 

صفحة : 374

 

كنا عند جعفر بن يحيى وأبو العتاهية حاضر في وسط المجلس؛ فقال أبو العتاهية لجعفر: جعلين الله فداك معك شاعر يعرف بابن أبي أمية أحب أن أسمعه ينشد؛ فقال له جعف: هو أقرب الناس منك. فأقبل أبو العتاهية على محمدن وكان إلى جانبه، وسأله أن ينشده، فكأنه حصر ثم أنشده:  صوت

 

رب وعد ممنك لاأنساه لـي                      أوجب الشكر وإن لم تفعل

اقطع الدهر بوعد حـسـن                      وأجلي غمرة ماتنجـلـي

كلما أملت وعدا  صالـحـا                       عرض المكروه دون الأمل

وأرى الأيام لاتدنـي الـذي                      أرتجي منك وتدني أجلـي -في هذه الأبيات لأبي حبشة رمل-قال: فأقبل ابو العتاهية يردد البيت الأخير ويقبل رئاي ابن أبي أمية ويبكي، وقال: وددت والله أنه لي بكثير من شعري.

لم يرض بتزويج ابنته لمنصور بن المهدي

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال: كانت لأبي العتاهية بنتان، اسم إحداهما  لله  والأخرى  بالله  فخطب منصور بن المهدي  لله  فلم يزوجه، وقال: إنما طلبها لأنها بنت أبي العتاهية، وكأني بها قد ملها، لم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار، ولكني اختاره لها موسرا  .

كان له ابن شاعر

وكان لأبي العتاهية ابن يقال له محمد وكان شاعرا  ، وهو القائل:

قد أفلح السالم الصموت                      كلام راعي الكلام قوت

ماكل نطف له جـواب                      جواب مايكره السكوت

ياعجبا  لامرىء ظلـوم                      مستيقـن أنـه يمـوت  أخبار متفرقة

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثنا زكريا بن الحسين عن عبد الله بن الحسن سهل الكاتب قال: قلت لأبي العتاهية: أنشدني من شعرك ماتستحسن، فأنشدني:

ماأسرع الأيام في الشهـر                      وأسرع الأشهر في العمر  صوت

 

ليس لمن لبست لـه حـيلة                      موجودة خير من الصبـر

فاخط مع الدهر إذا ماخطا                      واجر مع الدهر كما يجري

من سابق الهر كبا كـبـوة                      لم يستقله آخـر الـدهـر لإبراهيم في هذه الأبيات خفيف ثقيل وثقيل أول قال عبد الله بن الحسن: وسمعت أبا العتاهية يحدث قال: مازال الفضل بن الربيع من أميل الناس إلي، فملا رجع من خراسان بعد موت الرشيد دخلت إليه، فاستنشدني فأنشدته:

أفنيت عمـرك إدبـارا  وإقـبـالا                       تبغي البنين وتبغي الأهل والـمـالا

الموت هول فكن ماشئت ملتمـسـا                       من هوله حيلة إن كنت مـحـتـالا

ألم تر الملك الأمسيحـين مـضـى                      هل نال حي من الدنيا كـمـا نـالا

أفناه من لم يزل يفني القرون فـقـد                      أضحى وأصبح عنه الملك قـد زالا

كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم                      فأصبحوا عبرا  فـينـا وأمـثـالا فاستحسنها وقال: أنت تعرف شغلي، فعد إلي في وقت فراغي اقعد وآنس بك. فلم أزل أرقب أيامه حتى كان يوم فراغه فصرت إليه؛ فبينما هو مقبل علي يسنشدني ويسألني فأحدثه، إذ أنشدته:

ولى الشباب فماله منـحـيلة                      وكسا ذؤابتي المشيب حمارا

أين البرامكة الذين عهدتهـم                      بالأمس أعظم أهلها أخطارا  فلما سمع ذكرى البرامكة تغير لونه ورأيت الكراهية في وجهه، فما رأيت منه خيرا  بعد ذلك.

قال: وكان أبو العتاهية يحدث هذا الحديث ابن الحسن بن سهل؛ فقال له: لئن كان ذلك ضرك عند الفضل بن الربيع لقد نفعك عندنا؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب وأجرى له كل ثلاثة آلاف درهم، فلم زيل يقبلها دارة إلى أن مات.

عاتب مجاشع بن مسعدة فرد عليه من شعره: قال عبد الله بن السحن بن سهل: وسمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لي أخي مجاشع: بينما أنا في بيتي إذ جائتني رقعة من أبي العتاهية فيها:

خليل لي أكاتـمـه                      أرانـي لاألائمــه

خليل لاتهب الـري                      ح إلا هب لائمـه

كذا من نال سلطانـا                       ومن كثرت دراهمه

 

صفحة : 375

 

قال: فبعثت إليه فأتاني، فقلت له: أما رعيت حقا  ولا ذماما  ولا مودة فقال لي: ما قلت سوءا  . قلت: فما حملك علي هذا? قال: أغيب عنك عشرة أيام فلا تسأل عني ولا تبعث إلي رسولا   فقلت: يا أبا اسحاق، أنسيت قولك:

يأبى المعلق بالمـنـى                      إلا رواحـا وادلاجـا

أرفق فعمرك عود ذي                      أود رأيت به اعوجاجا

من عاج من شيء إلى                      شيء أصاب له معاجا فقال: حسبك حسبك أوسعتني عذرا  .

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي الزارع قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عمران بن عبد الصمد الزارع قال حدثنا ابن عائشة قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: شعرك مهجن لا يلحق بالفحول، وأنت خارج عن طبقة المحدثين. فإن كنت تشبهت بالعجاج ورؤبة فما لحقتها ولاأنت في طريقهما، وإن كنت تذهب مذهب المحدثين فما صنعت شيئا  . أخبرني عن قولك:  ومن عاداك لاقى المرمريسا  أخبرني عن المرمريس ماهو? قال: فخجل ابن مناذر وماراجعه حرفا  . قال: وكان بينهما تناغر.

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني الحسين بن إسماعيل المهدي قال حدثني رجاء بن سلمة قال: وجد المأمون علي في شيء، فاستأذنته في الحج فأذن لي، فقدمت البصرة وعبيد الله بن إسحاق بن الفضل الهاشمي عليها وإليه أمر الحج، فزاملته إلى مكة. فينا نحن في الطواف رأيت أبا العتاهية، فقلت لعبيد الله: جعلت فداك أتحب أن ترى أبا العتاهية? فقال: والله إني لأحب أن أراه وأعاشرهز قلت: فافرغ من طوافك واخرج، ففعل. فأخذت بيد أبي العتاهية فقلت له: يا أبا إسحاق، هل لك في رجل من أهل البصرة شاعر أديب ظريف? قال: وكيف لي بذلك? فأخذت بيده فجئت به إلى عبيد الله، وكان لايعرفه، فتحدثا ساعة  ، ثم قال له أبو العتاهية: هل لك في بيتين تجيزهما? فقال له عبيد الله: إنه لارفث ولافسوق ولاجدال في الحج. فقال له: لانرفث ولا نفسق ولانجادل. فقال: هات إذا  . فقال أبو العتاهية:

إن المنون غدوها ورواحهـا                      في الناس دائبة تجيل قداحها

ياساكر الدنيا لقد أوطنتـهـا                      ولتنزحن وإن كرهت نواحها فأطرق عبيد الله ينظر إلى الأرض ساعة  ، ثم رفع رأسه فقال:

خذ لاأبالـك لـلـمـنـية عـدة                       واحتل لنفسك إن أردت صلاحها

لاتغترر فكأننـي بـعـقـاب ري                      ب الموت قد نشرت عليها جناحها قال: ثم سمعت الناس ينحلون أبا العتاهية هذه الأربعة الأبيات كلها، وليس له إلا البيتان الأولان.

أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا ميمون بت هارون قال حدثني إبراهيم بن رباح قال أخبرني إبراهيم بن عبد الله، وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا هارون بن مخارق قال حدثني إبراهيم بن دسكرة، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: قال أبو العتاهية: حبسني الرشيد لما تركت قول الشعر، فأدخلت السجن وأغلق الباب علي، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال، وإذا أنا برجل جالس في جانب مقيد، فجعلت أنظر إليه ساعة  ، ثم تمثل:  صوت

 

تعودت مر الصبر حتىألـفـتـه                      وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر

وصيرني يأسي من الناس راجـيا                       لحسن صنيع الله من حيث لاأدري

 

صفحة : 376

 

فقلت له: أعد، يرحمك الله، هذين البيتين. فقال لي: ويلك أبا العتاهية ماأسوأ أدبك وأقل عقلك دخلت علي الحبس فما سلمت تسليم المسلم على المسلم، ولاسألت مسألة الحر للحر، ولاتوجعت توجع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لافضل فيك غيره، لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذرا  لنفسك في طلبهما فقلت: ياأخي إني دهشت لهذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضلا  بذلك. فقال: أنا والله أولى بالدهش والحيرة؛ لأنك حبست في في أن تقول شعرا  به ارتفعت وبلغت، فإذا قلت أمنت، وأنا مأخوذ بأن أدل على ابن الرسول الله صلى الله علسه وسلم ليقتل أو أقتل دونه، ووالله لا أدل عليه أبدا  ، والساعة يدعى بي فأقتل، فأينا أحق بالدهش? فقلت له: أنت والله أولى، سلمك الله وكفاك، ولو علمت أن هذه حالك ماسألتك. قال: فلا تبخل عليك إذا  ، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما. قال: فسألأته من هو? فقال: أنا خاص داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. ولم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جره، ولبس ثوبا  نظيفا  كان عنده، ودخل الحرس والجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا  ، وقدم قبلي إلى الرشد. فسأله عن أحمد بن عيسى؛ فقال: لاتسألني عنه واصنع ماأنت صانع، فو أنه تحت ثوبي هذا مااكتشفته عنه. وأمر بضرب عنقه فضرب. ثم قال لي: أظنك قد ارتعت ياإسماعيل فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس. فقال: ردوه إلى محبسه فرددت، وانتحلت هذين البيتين وزدت فيهما:

إذا أنا لم أقبل من الدهر كـل مـا                      تكرهت منه طال عتبي على الدهر لزرزور غلام المارقي في هذين البيتين المذكورين خفيف رمل. وفيهما لعريب خفيف ثقيل.

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثني ناجية بن عبد الواحد قال: قال لي أبو العباس الخزيمي: كان أبو العتاهية خلفا  في الشعر، بينما هو يقول في موسى الهادي:

لهفي على الزمن القصير                      بين الخورنق والسـدير إذ قال:

أيا ذوي الوخـامة                      أكثرتم المـلامة

فليس لي على ذا                      صبر ولاقـلامة

نعم عشقت موقا                       هل قامت القيامة

لأركبن فـيمـن                      هويته الصرامة ونسخت من كتابه: حدثني علي بن مهدي قال حدثني أحمد بن عيسى قال حدثني الجماز قال: قال سلم الخاسر: صار إلي إبو العتاهية فقال: جئتك زائرا  ؛ فقلت: مقبول منك ومشكور أنت عليه، فأقم. فقال: إن هذا مما يشتد علي. قلت: ولم يشتد عليك مايسهل علىأهل الأدب? فقال: لمعرفتي بضيق صدرك. فقلت له وأنا أضحك وأعجب من مكابرته:  رمتني بدائها وانسلت  . فقال: دعني من هذا واسمع مني أبيتا  . فقلت: هات؛ فأنشدني:

نغص الموت كل لذة عـيش                      يالقومي للموت مـاأوحـاه

عجبا  أنـه إذا مـات مـيت                      صد عنه حبيبـه وجـفـاه

حيثما وجه امرؤ ليفـوت ال                      موت فالموت واقف بحـذاه

إنما الشيبـد لابـن آدم نـاع                      قام في عارضيه ثم نـعـاه

من تمنى المنى فأغرق فيها                      مات من قبل أن ينال منـاه

ماأذل المقل في أيعن الـنـا                      س لإقلالـه ومـاأقـمـاه

إنما تنظر العيون من الـنـا                      س إلى من ترجوه أو تخشاه ثم قال لي: كيف رأيتها? فقلت له: لقد جودتها لو لم تكن ألفاظها سوقية  . فقال: والله مايرغبني فيها إإلا الذي زهدك فيها.

ونسخت من كتابه: عن علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية عن محمد بن عيسى الحربي قال: كنت جالسا  مع أبي العتاهية، إذ مر بنا حميد الطوسي في موكبه وبين يديه الفرسان والرجالة، وكان بقرب أبي العتاهية سوادي على أتان، فضربوا وجه الأتان ونحوه عن الطريق، وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لايلتفت تيها  ؛ فقال أبو العتاهية:

للموت أبـنـا بـهـم                      ماشئت من صلف وتيه

وكأنني بالـمـوت قـد                      دارت رحاه علي بنيه قال: فلما جاز حميد مع صاحب الأتان قال أبو العتاهية:

ماأذل المقل في أعين النا                      س لإقلاله وماأقـمـاه

 

صفحة : 377

 

 

إنما تنظر العيون من الـنـا                      س إلى من ترجوه أو تخشاه  اعترض عليه في بخله فأجاب

قال علي بن مهدي وحدثني الحسين بن أبي السري قال: قيل لأبي العتاهية: مالك تبخل بما رزقك الله? فقال: والله مابخلت بما رزقني الله قط. قيل له: وكيف ذاك وفي بيتك من المال مالايحصى? قال: ليس في ذلك رزقي، ولو كان رزقي لأنفقته.

قال علي بن مهدي وحدثني محمد بن جعفري الشهزوري قال حدثني رجاء مولى صالح الشهزوري قال: كان أبو العتاهية صديقا  لصالح الشهزوري وآنس الناس به، فسأله أن يكلم الفضل بن يحيى في حاجة له؛ فقال له صالح: لستأكلمه في أشباه هذا، ولكن حملني ماشئت في مالي. فانصرف عنه أبو العتاهية وأقام أياما  لا يأتيه؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

أقلل زيارتك الصديق ولاتطل                      إتيانه فتلج في هـجـرانـه

إن الصديق يلج في غشيانـه                      لصديقه فيمل من غشيانـه

حتى تراه بعد طول مسـرة                      بمكانه متبرما  بمـكـانـه

وأقل مايلفى الفتى ثقلا  على                      إخوانه ما كف عن إخوانـه

وإذا توانى عن صيانة نفسـه                      رجل تنقص واستخف بشانه فلما قرأ الأبيات قال: سبحان الله أتهجرني لمنعي إياك شيئا  تعلم أني ماابتذلت نفسي قط، وتنسى مودتي وأخوتي، ومن دون مابيني وبين وبينك ماأوجب عليك أن تعذرني فكتب إليه:

أهل التخلق لو يدوم تخـلـق                      لسكنت ظل جناح من يتخلق

ماالناس في غلإمسك إلا واحد                      فبأيهم إن حصلوا أتـعـلـق

هذا زمان قد تعـود أهـلـه                      تيه الملوك وقعل من يتصدق فلما أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى وحدثه بالحديث؛ فقال له: لا والله ماعلى الأرض أبغض إلي من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية؛ لأنه ممن ليس يظهر عليه أثر صنيعه، وقد قضيت حاجته لك؛ فرجع وأرسلني إليه بقضاء حاجته. فقال أبو العتاهية:

جزى الله عني صالحا  بوفـائه                      وأضعف أضعافا  له في جزائه

بلوت رجالا  بعده في إخـائهـم                      فما ازددت إلا رغبة  في إخائه

صديق إذا ماجئت أبغيه حـاجة                       رجعت بما أبغي ووجهي بمائه. أخبرني الصولي قالحدثني محمد بن موسى قال حدثني أحمد بن حرب قال: أنشدني محمد بن أبي العتاهية لأبيه يعاتب صالحا  هذا في تأخيره قضاء حاجته: صوت

أعيني جوادا  وابكيا ود سالـح                      وهيجا عليه معولات النـوائح

فمازال سلطانا  أخ لـي أوده                      فيقطعني جرما  قطيعة صالح الغناء في هذين البيتين للإبارهين ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

أمر الرشيد مؤدب ولده أن يرويهم شعره: أخبرن محمد بن أبي الأزهر قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده قال: كان الرشيد معجبا  بشعر أبي العتاهية، فخرج إلينا يوما  وفي يده رقعتان على نسخة واحدة، فبعث بإحداهما إلى مؤدب لولده وقال: ليروهم ما فيها، ودفع الأخرى إلي وقال: غن في هذه الأبيات. ففتحتها فإذا فيها:  صوت

 

قل لمن ضن بـوده                      وكوى القلب بصده

ما ابتلى الله فؤادي                      بك إلا شؤم جـده

أيها السارق عقلي                      لا تضنـن بـرده

ما أرى حبـك إلا                      بالغا بي فوق حده  تمثل المعتصم عند موته بشعر له

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن محمد الأموي العتبي قال قال لي محمد بن عبد الملك الزيات: لما أحس المعتصم بالموت قال لابنه الواثق: ذهب والله أبوك يا هارون لله در أبي العتاهية حيث يقول:

الموت بين الخلق مشتـرك                      لا سوقة يبقى ولا مـلـك

ما ضر أصحاب القليل وما                      أغنى عن الأملاك ما ملكوا  عد أبو تمام خمسة أبيات من شعره وقال

لم يشركه فيها غيره:

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي الحسن والكوكبي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: قال لي أبو تمام الطائي: لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد، ولاقدر على مثلها متقدم ولا متأخر، وهو قوله:

الناس في غفلاتهـم                      ورحى المنية تطحن

 

صفحة : 378

 

وقوله لأحمد بن يوسف:

ألم تر أن الفقر يرجى له الغنـى                      وأن الغنى يخشى عليه من الفقر وقوله في موسى الهادي:

ولما استقلوا بأثقـالـهـم                      وقد أزمعوا للذي أزمعوا

قرنت التفاتي بآثـارهـم                      وأتبعتهم مقـلة تـدمـع وقوله:

هب الدنيا تصير إليك عفوا                      أليس مصير ذاك إلى زوال أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن سعيد المهدي عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: مات شيخ لنا ببغداد، فلما دفناه أقبل الناس على أخيه يعزونه، فجاء أبو العتاهية إليه وبه جزع شديد، فعزاه ثم أنشده:

لاتأمن الدهر وألبس                      لكل حين لبـاسـا

ليدفـنـنـا أنـاس                      كما دفنا أنـاسـا قال: فانصرف الناس، وما حفظوا غير قول أبي العتاهية.

نسخت من كتاب هارون بن علي: حدثني علي بن مهدي قال حدثني حبيب بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه: قال: كنت في مجلس خزيمة، فجرى حديث ما يسفك من الدماء، فقال: والله ما لنا عند الله عذر ولا حجة إلا رجاء عفوه ومغفرته. ولولا عز السلطان وكراهة الذلة، وأن أصير بعد الرياسة سوقة وتابعا بعد ما كنت متبوعا، ما كان في الأرض أزهد ولا أعبد مني؛ فإذا هو بالحاجب قد دخل عليه برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب:

أراك امرأ ترجو من الله عفوه                      وأنت على ما لا يحب مقـيم

تدل على التقوى وأنت مقصر                      أيا من يداوي الناس وهو سقيم

وإن امرأ لم يلهه اليوم عن غد                      تخوف ما يأتي به لـحـكـيم

وإن امرأ لم يجعل البر كنـزه                      وإن كانت الدنيا لـه لـعـديم فغضب خزيمة وقال: والله ما المعروف عند هذا المعتوه الملحف من كنوز البر فيرغب فيه حر. فقيل له: وكيف ذاك? فقال: لأنه من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.

ونسخت من كتابه: عن علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال قال لي الفضل بن العباس: قال لي أبو العتاهية: دخلت على يزيد بن مزيد، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:

وما ذاك إلا أننـي واثـق بـمـا                      لديك وأني عـالـم بـوفـائكـا

كأنك في صدري إذا جئت زائرا                      تقدر فيه حاجتي بـابـتـدائكـا

وإن أمير المـؤمـنـين وغـيره                      ليعلم في الهيجاء فضل غنائكـا

كأنك عند الكر في الحرب إنمـا                      تفر من السلم الذي من ورائكـا

فما آفة الأملاك غيرك في الوغى                      ولا آفة الأموال غير حـبـائكـا قال: فأعطاني عشرة آلاف درهم، ودابة بسرجها ولجامها..

وعظ راهب رجلا عابدا بشعره

وأخبرني عيسى بن الحسين الوراق وعمي الحسن بن محمد وحبيب بن نصر المهلبي قالوا: حدثنا عمر بن شبة قال: مر عابد براهب في صومعة؛ فقال له عظني. فقال: أعظك وعليكم نزل القرآن، ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم قريب العهد بكم? قلت نعم. قال: فاتعظ ببيت من شعر شاعركم أبي العتاهية حين يقول:

تجرد من الدنيا فإنك إنـمـا                      وقعت إلى الدنيا وأنت مجرد  فضله العتأبي على أبي نواس

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني الفضل بن محمد الزارع قال حدثني جعفر بن جميل قال: قدم العتأبي الشاعر على المأمون، فأنزله على إسحاق بن إبراهيم، فأنزله على كاتبه ثوابة بن يونس، وكنا نختلف إليه نكتب عنه. فجرى ذات يوم ذكر الشعراء؛ فقال: لكم يا أهل العراق شاعر منوه الكنية، ما فعل? فذكر االقوم أبا نواس؛ فانتهرهم ونفض يده وقال: ليس ذلك، حتى طال الكلام. فقلت: لعلك تريد أبا العتاهية. فقال: نعم ذاك أشعر الأولين والآخرين في وقته.

لام أبا نواس في استماع الغناء أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله الكندي قال: جلس أبو العتاهية يوما يعذل أبا نواس ويلومه في استماع الغناء ومجالسته لأصحابه؛ فقال له أبو نواس:

أتراني يا عتاهـي                      تاركا تلك الملاهي

 

صفحة : 379

 

 

أتراني مفسدا بالنسك عند القوم جاهي قال: فوثب أبو العتاهية وقال: لا بارك الله عليك وجعل أبو نواس يضحك.

بلغه أن إبراهيم بن المهدي رماه بالزندقة

فبعث إليه يعاتبه فرد عليه إبراهيم:

أخبرني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: بلغ أبا العتاهية أن أبي رماه في مجلسه بالزندقة وذكره بها؛ فبعث إليه يعاتبه على لسان إسحاق الموصلي، فأدى إليه إسحاق الرسالة؛ فكتب إليه أبي:

إن المنية أمهلتك عـتـاهـي                      والموت لا يسهو وقلبك ساهي

يا ويح ذي السن الضعيف أماله                      عن غيه قبل الممات تناهـي

وكلت بالدنيا تبـكـيهـا وتـن                      دبها وأنت عن القيامة لاهـي

والعيش حلو والمنون مـريرة                      والدار دار تفاخر وتبـاهـي

فاختر لنفسك دونها سبـلا ولا                      تتحامقن لها فـإنـك لاهـي

لا يعجبنك أن يقـال مـفـوه                      حسن البلاغة أو عريض الجاه

أصلح جهولا من سريرك التي                      تخلوا بها وارهب مقام الـلـه

إني رأيتك مظهرا لـزهـادة                      تحتاج منك لها إلـى أشـبـاه  أخبار متفرقة

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين ين يحيى الصولي قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: رآني الرشيد مشغوفا بالغناء في شعر أبي العتاهية:  صوت

 

أحـمـد قـال لـــي ولـــم يدر مـــا بـــي                      أتـحـب الـغـــداة عـــتـــبة حـــقـــا

فتنفست ثم قلت نعم حببا جرى في العروق عرقا فعرقا

لو تجسين يا عتيبة قلبي                      لوجـدت الـفـؤاد قــرحـــا تـــفـــقـــا

قد لعمري مل الطبيب ومل الأهل مني مما أقاسي وألقى

ليتني مت فاسترحت فإني                      أبـدا مـا حـييت مـنـهـــا مـــلـــقـــى ولا سيما من مخارق، وكان يغني فيه رملا لإبراهيم أخذه عنه. وفيه لحن لفريدة رمل. هكذا قال الصولي:  فريدة  بالياء، وغيره يقول:  فرندة  بالنون.

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن صالح العدوي قال أخبرني أبو العتاهية قال: كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه. قيل له: ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس. قال: فوجه إلي الرشيد: قل شعرا حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقي؛ فغاظني ذلك فقلت: والله لأقولن شعرا يحزنه ولايسر به، فعملت شعرا ودفعته إلى من حفظه الملاحين. فلما ركب الحراقة سمعه، وهو:

خانـك الـطـرف الـطـمـــوح                      أيهـا الـقـلـب الـجــمـــوح

لدواعي الخير والشر دنـو ونـزوح

هل لمطلوب بذنب                      توبة مــنـــه نـــصـــوح

كيف إصـــلاح قـــلــــوب                      إنـــمـــا هـــن قـــروح

أحسن الله بنا أن الخطـايا لا تـفـوح

فإذا المستور منا                      بين ثــوبـــيه نـــضـــوح

كم رأينـــا مـــن عـــــزيز                      طويت عـنـه الـكـــشـــوح

صاح مــنـــه بـــرحـــيل                      صائح الـدهـر الـــصـــدوح

موت بـعـض الـنـاس فــي الأر                      ض عـلـى قــوم فـــتـــوح

سيصـير الـــمـــرء يومـــا                      جســـدا مـــا فــــيه روح

بين عــينـــي كـــل حـــي                      علــم الـــمـــوت يلـــوح

كلـنـا فـــي غـــفـــلة وال                      موت يغــــــــــدو ويروح

لبـنـي الـدنــيا مـــن الـــدن                      يا غــبـــوق وصـــبـــوح

رحـن فـي الـوشـى وأصـبـــح                      ن عـلـيهـن الــمـــســـوح

كل نــطـــاح مـــن الـــده                      ر لـــه يوم نـــطـــــوح

نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عمرت                      ما عـــمـــر نـــــــوح قال: فلما سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة. فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه، أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا.

حدثني الصولي قال حدثني الحسن بن جابر كاتب الحسن بن رجاء قال:

 

صفحة : 380

 

لما حبس الرشيد أبا العتاهية دفعه إلى منجاب، فكان يعنف به؛ فقال أبو العتاهية:

منجاب مـات بـدائه                      فاعجل لـه بـدوائه

إن الإمـام أعـلـه                      ظلما بحد شـقـائه

لا تعنفـن سـياقـه                      ما كل ذاك بـرائه

ما شمت هذا في مخا                      يل بارقات سمـائه : أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن معاوية القرشي قال: لما عقد الرشيد ولاية العهد لبنيه الثلاثة: الأمين، والمأمون، والمؤتمن، قال أبو العتاهية:

رحلت عن الربع المحيل قعـودي                      إلى ذي زحوف جـمة وجـنـود

وراع يراعي الليل في حفـظ أمة                      يدافع عنها الشـر غـير رقـود

بألوية جـبـريل يقـدم أهـلـهـا                      ورايات نصر حـولـه وبـنـود

تجافى عن الدنـيا وأيقـن أنـهـا                      مفارقة لـيسـت بـدار خـلـود

وشد عرا الإسلام منـه بـفـتـية                      ثلاثة أمـلاك ولاة عـهـــود

هم خير أولاد، لهـم خـير والـد                      له خير أبـاء مـضـت وجـدود

بنو المصطفى هارون حول سريره                      فخـير قـيام حـولـه وقـعـود

تقلب ألحاظ المـهـابة بـينـهـم                      عيون ظباء في قـلـوب أسـود

جدودهم شمس أتـت فـي أهـلة                      تبدت لراء في نـجـوم سـعـود قال: فوصله الرشيد بصلة ما وصل بمثلها شاعرا قط.

ذكر لملك الروم فالتمسه من الرشيد

فاستعفى هو، فكتب من شعره في مجلسه وعلى باب مدينته:

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي إجازة قال حدثنا الرياشي قال: قدم رسول لملك الروم إلى الرشيد، فسأل عن أبي العتاهية وأنشده شيئا من شعره، وكان يحسن العربية، فمضى إلى ملك الروم وذكره له؛ فكتب ملك الروم إليه، ورد سوله يسأل الرشيد أن يوجه بأبي العتاهية ويأخذ فيه رهائن من أراد، وألح في ذلك. فكلم الرشيد أبا العتاهية في ذلك، فاستعفى منه وأباه. واتصل بالرشيد أن ملك الروم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه وباب مدينته، وهما:  صوت

 

ما اختلف الليل والنهـار ولا                      دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن مـلـك                      قد انقضى ملكه إلى ملـك  مع الرشيد

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا الربيع بن محمد الختلي الوراق قال اخبرني ابن أبي العتاهية: أن الرشيد لما أطلق أباه من الحبس، لزم بيته وقطع الناس؛ فذكره الرشيد فعرف خبره، فقال: قولوا له: صرت زير نساء وحلس بيت؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

برمت بالناس وأخلاقهـم                      فصرت أستأنس بالوحده

ما أكثر الناس لعمري وما                      أقلهم في منتهى العـده ثم قال: لا ينبغي أن يمضي شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له، فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها، وهي:  صوت

 

عاد لي من ذكرها نصب                      فدموع العين تنسـكـب

وكذاك الحب صاحـبـه                      يعتريه الهم والوصـب

خير من يرجى ومن يهب                      ملك دانت له الـعـرب

وحـقـيق أن يدان لـه                      من أبوه للـنـبـي أب أمره الرشيد أن يعظه فقال شعرا فبكى حدثنا الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: قال الرشيد لأبي: عظني؛ فقال له: أخافك. فقال له: أنت آمن. فأنشده:

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس                      إذا تسترت بالأبواب والـحـرس

واعلم بأن سهام الموت قـاصـدة                      لكل مـدرع مـنـا ومـتـرس

ترجو النجاة ولم تسلك طريقتـهـا                      إن السفينة لا تجري على اليبـس قال: فبكى الرشيد حتى بل كمه.

تناظر ابن أبي فنن وابن خاقان فيه

وفي أبي نواس، ثم حكما ابن الضحاك ففضله:

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال:

 

صفحة : 381

 

قال لي أحمد بن أبي فنن: تناظرت أنا والفتح بن خاقان في منزله: أيما  الرجلين  أشعر: أبو نواس أم أبو العتاهية. فقال الفتح: أبو نواس، وقلت: أبو العتاهية. ثم قلت: لو وضعت أشعار العرب كلها بإزاء شعر أبي العتاهية لفضلها، وليس بيننا خلاف في أن له في كل قصيدة جيدا ووسطا وضعيفا، فإذا جمع جيده كان أكثر من جيد كل مجود.  ثم  قلت له: بمن ترضى? قال: بالحسين بن الضحاك. فما انقطع كلامنا حتى دخل الحسين بن الضحاك؛ فقلت: ما تقول في رجلين تشاجرا، فضل أحدهما أبا نواس وفضل الآخر أبا العتاهية? فقال الحسين: أم من فضل أبا نواس على أبي العتاهية زانية؛ فخجل الفتح حتى تبين ذلك فيه، ثم لم يعاودني في شيء من ذكرهما حتى افترقنا.

مع مخارق

وقد حدثني الحسن بن محمد بهذا الخبر على خلاف ما ذكره إبراهيم بن المهدي فيما تقدم، فقال: حدثني هارون بن مخارق قال حدثني أبي قال: جاءني أبو العتاهية فقال: قد عزمت على أن أتزود منك يوما تهبه لي، فمتى تنشط? فقلت: متى شئت. فقال: أخاف أن تقطع بي فقلت: والله لا فعلت وإن طلبني الخليفة. فقال: يكون ذلك في غد. فقلت: أفعل. فلما كان من غد باكرني رسوله فجئته، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه حتى اكتفينا، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا، وجاؤونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك منها؛ فاخترت وشربت؛ وصب قدحا ثم قال: غنني في قولي:

أحمد قال لي ولم يدر ما بي                      أتحب الغداة عتبة حـقـا فغنيته، فشرب قدحا وهو يبكي أحر بكاء. ثم قال: غنني في قولي:

ليس لمن ليست له حيلة                      موجودة خير من الصبر فغنيته وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحا آخر ثم قال: غنني، فديتك، في قولي:

خليلي ما لي لا تزال مضرتـي                      تكون من الأقدار حتما من الحتم فغنيته إياه. وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره فأغنيه ويشرب ويبكي حتى صار العتمة. فقال: أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع فجلست. فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم أمر بإخراج كل ما في بيته من النبيذ وآلته، فأخرج جميعه، فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل، ثم لبس ثيأبا بيضا من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيببي وفرحي من الناس كلهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛ وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا؛ فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت، وما لقيته زمانا. ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب الأخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكا ما ضحكت مثله قط. فقال: من أي شيء تضحك? فقلت: أسخن الله عينك هذا أي شيء هو? من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين، انزع عنك هذا يا ???سخين العين ????????????فكأنه أستحيا مني. ثم بلغني أنه جلس حجاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره. ثم مرض، فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه، فأتيته عائدا، فخرج إلي رسوله يقول: إن دخلت إلي جددت لي حزنا وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به.

??تمنى عند موته أن يجيء مخارق فيغنيه حدثني جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قيل لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي? فقال: أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنيني.

 

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي                      ويحدث بعدي للخـلـيل خـلـيل

إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي                      فإن غنـاء الـبـاكـيات قـلـيل وأخبرني به أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح  بن  النطاح قال:

 

صفحة : 382

 

قال بشر بن الوليد لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي? فذكر مثل الأول.

وأخبرني به ابن عمار أبو العباس عن ابن أبي سعد عن محمد بن صالح: أن بشرا قال ذلك لأبي العتاهية عند الموت، فأجابه بهذا الجواب.

?آخر شعر قاله في مرضه الذي مات فيه

نسخت من كتاب هارون بن علي: حدثني علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال: آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه:

إلهي لا تعـذبـنـي فـإنـي                      مقر بالذي قـد كـان مـنـي

فمـا لـي حـيلة إلا رجـائي                      لعفوك إن عفوت وحسن ظني

وكم من زلة لي في الخطـايا                      وأنت علي ذو فضـل ومـن

إذا فكرت في ندمي عـلـيهـا                      عضضت أناملي وقرعت سني

أجن بزهرة الدنـيا جـنـونـا                      وأقطع طول عمري بالتمنـي

ولو أني صدقت الزهد عنـهـا                      قلبت لأهلها ظهر الـمـجـن

يظن الناس بـي خـيرا وإنـي                      لشر الخلق إن لم تعف عنـي  أمر بنته أن تندبه بشعر له

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني أحمد بن حمزة الضبعي قال أخبرني أبو محمد المؤدب قال: قال أبو العتاهية لابنته رقية في علته التي مات فيها: قومي يا بنية فاندبي أباك بهذه الأبيات؛ فقامت فندبته بقوله:

لعب البلى بمعالمي ورسومي                      وقبرت حيا تحت ردم همومي

لزم البلى جسمي فأوهن قوتي                      إن البلى لموكل بـلـزومـي تاريخ وفاته ومدفنه أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثني علي بن محمد قال حدثني مخارق المغني قال: توفي أبو العتاهية، وإبراهيم الموصلي، وأبو عمروا الشيباني عبد السلام في يوم واحد في خلافة المأمون، وذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن أحمد بن يوسف عن أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبي قتيبة قال: مات أبو العتاهية، وراشد الخناق، وهشيمة الخمارة في يوم واحد سنة تسع ومائتين.

وذكر الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن سعد كاتب الواقدي: أن أبا العتاهية مات في يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة ومائتين، ودفن حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد.

أخبرني الصولي عن محمد بن موسى عن أبي محمد الشيباني عن محمد بن أبي العتاهية: أن أباه توفي سنة عشر ومائتين.

الشعر الذي أمر أن يكتب على قبره أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى عن محمد بن القاسم عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن إسحاق بن عبد الله بن شعيب قال: أمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره:

أذن حي تـسـمـعـي                      اسمعي ثم عي وعـي

أنا رهن بمضجـعـي                      فاحذري مثل مصرعي

عشت تسعـين حـجة                      أسلمتني لمضجـعـي

كم ترى الحي ثـابـتـا                      في ديار التـزعـزع

ليس زاد سوى التقـى                      فخذي منـه أو دعـي رثاه ابنه بشعر أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: لما مات أبو العتاهية رثاه ابنه محمد بن أبي العتاهية فقال:

يا أبي ضمك الثـرى                      وطوى الموت أجمعك

ليتني يوم مـت صـر                      ت إلى حفرة معـك

رحم الله مصـرعـك                      برد الله مضجـعـك أنكر ابنه أنه أوصى بذلك أخبرني الحسن قال حدثني أحمد بن زهير قال: قال محمد بن أبي العتاهية: لقيني محمد بن أبي محمد اليزيدي فقال: أنشدني الأبيات التي أوصى أبوك أن تكتب على قبره؛ فأنشأت أقول له:

كذبت على أخ لك في مماته                      وكم كذب فشا لك في حياته

وأكذب ما تكون على صديق                      كذبت عليه حيا في مماتـه فخجل وانصرف. قال: والناس يقولون: إنه أوصى أن يكتب على قبره شعر له، وكان ابنه ينكر ذلك.

وذكر هارون بن علي بن مهدي عن عبد الرحمن بن الفضل أنه قرأ الأبيات العينية التي أولها:

أذن حي تسمعي

 

صفحة : 383

 

على حجر عند قبر أبي العتاهية.

ولم أذكر هاهنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة، وهي من أعظم أخباره؛ لأنها طويلة، وفيها أغان كثيرة، وقد طالت أخباره هاهنا فأفردتها.

 

أخبار فريدة

أخبار فريدة الكبرى ونشأتها ومصيرها

قال مؤلف هذا الكتاب: هما اثنتان محسنتان لهما صنعة تسميان بفريدة. فأما إحداهما، وهي الكبرى، فكانت مولدة نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل الربيع، فعلمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة. فلما قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت، وطلبها الرشيد فلم يجدها، ثم صارت إلى الأمين، فلما قتل خرجت، فتزوجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد الله، ثم مات عنها، فتزوجها السندي بن الحرشي وماتت عنده. ولها صنعة جيدة، منها في شعر الوليد بن يزيد:  بعض الشعر الذي لها في صنعته

صوت

 

ويح سلمى لو تراني                      لعناها ما عنـانـي

واقفا في الدار أبكي                      عاشقا حور الغواني ولحنا فيه خفيف رمل.

ومن صنعتها:  صوت

 

ألا أيها الـركـب ألا هـبـوا                      نسائلكم هل يقتل الرجل الحب

ألا رب ركب قد وقفت مطيهم                      عليك ولولا أنت لم يقف الركب لحنها فيه ثاني ثقيل. وفيه لابن جامع خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى.

سأل صالح بن حسان الهيثم بن عدي عن بيت نصفه بدوي والآخر حضري ثم ذكره:

فحدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثني العمري قال حدثني الهيثم بن عدي قال: قال صالح بن حسان يوما: ما نصف بيت كأنه أعرأبي في شملة، والنصف الآخر كأنه مخنث مفكك? قلت: لا أدري. فقال: قد أجلتك حولا. فقلت: لو أجلتني عشرة أحوال ما عرفته. فقال: أوه أف لك قد كنت أحسبك أجود ذهنا مما أرى. فقلت: فما هو الآن? قال: قول جميل.

 

ألا أيها الركب النيام ألا هبوا هذا كلام أعرأبي، ثم قال:

أسائلكم هل يقتل الرجل الحب كأنه والله من مخنثي العقيق.

 

أخبار فريدة المحسنة

وأما فريدة الأخرى فهي التي أرى بل لا أشك في أن اللحن المختار لها؛ لأن إسحاق اختار هذه المائة الصوت للواثق، فاختار فيها لمتيم لحنا، ولأبي دلف لحنا، ولسليم بن سلام لحنا، ولرياض جارية أبي حماد لحنا. وكانت فريدة أثيرة عند الواثق وحظية لديه جدا، فاختار لها هذا الصوت، لمكانها من الواثق، ولأنها ليست دون من اختار له من نظرائها.

قدمت هي وشارية في الطيب وإحكام الغناء

أخبرني الصولي قال حدثنا الحسين بن يحيى عن ريق: أنها اجتمعت هي وخشف الواضحية يوما، فتذاكرتا أحسن ما سمعتاه من المغنيات؛ فقالت ريق: شارية أحسنهن غناء ومتيم، وقالت خشف: عريب وفريدة؛ ثم اجتمعتا على تساويهن، وتقديم متيم في الصنعة، وعريب في الغزارة والكثرة، وشارية وفريدة في الطيب وإحكام الغناء.

أهداها ابن بانة للواثق

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد اله الهشامي قال: كانت فريدة جارية الواثق لعمروا بن بانة، وهو أهداها إلى الواثق، وكانت من الموصوفات المحسنات، وربيت عند عمروا بن بانة مع صاحبة لها اسمها  خل  ، وكانت حسنة الوجه، حسنة الغناء، حادة الفطنة والفهم.

سألت ابن بانة عن صاحبة لها بالإشارة قال الهشامي فحدثني عمروا بن بانة قال: غنيت الواثق:

قلت حلا فاقبلي معـذرتـي                      ما كذا يجزى محب من أحب فقال لي: تقدم على الستارة فألقه على فريدة، فألقيته عليها؛ فقالت: هو حل أو خل كيف هو? فعلمت أنها سألتني عن صاحبتها في خفاء من الواثق.

تزوجها المتوكل ثم ضربها حتى غنت ولما تزوجها المتوكل أرادها على الغناء، فأبت أن تغني وفاء للواثق، فأقام على رأسها خادما وأمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغني؛ فاندفعت وغنت:

فلا تبعد فكل فتى سـيأتـي                      عليه الموت يطرق أو يغادي نقل ابن بسخنر قصة لها مع الواثق وغيرته من جعفر المتوكل: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال:

 

صفحة : 384

 

كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار؛ فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت. وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا علي وقالوا لي: احضر. فقلت: ألخير? قالوا: خير. فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم. فقالوا: الله المستعان، لا تطل وبادر؛ فقد أمرنا ألا ندعك تستقر علي الأرض. فداخلني فزع شديد؛ وخفت أن يكون ساع قد سعى بي، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي؛ فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار؛ فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل، فمنعت، وأخذ بيدي الخدم فأدخلوني وعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي وغمي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود. فلما رآني قال: جودت والله يا محمد إلينا. فقبلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين خيرا قال: خيرا، أما ترانا طلبت والله ثالثا يؤنسنا فلم أر أحق بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئا وبادر إلينا. فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت أيضا. قال: فاجلس فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغني:

أهابك إجلالا وما بك قـدرة                      علي ولكن ملء عين حبيبها

وما هجرتك النفس يا ليل أنها                      قلتك ولا أن قل منك نصيبها فجاءت والله بالسحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا في خلال غنائها، فمر لنا أحسن ما مر لأحد. فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض وتفتت عودها ومرت تعدو وتصيح، وبقيت أنا كالمنزوع الروح؛ ولم أشك في أن عينه وقعت علي وقد نظرت إليها ونظرت إلي؛ فأطرق ساعة إلى الأرض متحيرا وأطرقت أتوقع ضرب العنق. فإني لكذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت. فقال: ويحك أرأيت أغرب مما تهيأ علينا فقلت: يا سيدي، الساعة والله تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنه الله فما كان السبب? ألذنب? قال: لا والله ولكن فكرت أن جعفرا يقعد هذا المقعد ويقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسري عني وقلت: بل يقتل الله جعفرا، ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبلت الأرض وقلت: يا سيدي الله الله ارحمها ومر بردها. فقال: لبعض الخدم الوقوف: من يجيء بها? فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها وعليها غير الثياب التي كانت عليها. فلما رآها جذبها وعانقها، فبكت وجعل هو يبكي، واندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي ويا سيدي? وبأي شيء استوجبت هذا? فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي تيكي. فقالت: سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت قلبك من الهم بي، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما ورجعت إلى مكانها؛ وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه، فألبسها إياه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن مما كنا؛ فلم نزل كذلك إلى الليل، ثم تفرقنا.

قصتها مع المتوكل بعد الواثق وضرب الدرهم ضربه وتقلد المتوكل. فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم علي رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانب فريدة. فلما رآني قال: ويحك أما ترى ما أنا فيه من هذه أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنيني فتأبى ذلك فقلت: يا سبحان الله أتخالفين سيدك وسيدنا وسيد البشر بحياته غني فعرفت والله ثم اندفعت تغني:

 

صفحة : 385

 

 

مقيم بالمجازة من قنـونـي                      وأهلك بالأجيفر فالـثـمـاد

فلا تبعد فكل فتى سـيأتـي                      عليه الموت يطرق أو يغادي ثم ضربت بالعود الأرض، ثم رمت بنفسها على السرير ومرت تعدو وهي تصيح واسيداه فقال لي: ويحك ما هذا? فقلت: لا أدري والله يا سيدي. فقال: فما ترى? فقلت: أرى أن أنصرف أنا وتحضر هذه ومعها غيرها؛ فإن الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ الله فانصرفت ولم أدر ما كانت القصة.

مدح محمد بن عبد الملك غناءها

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الملك قال: سمعت فريدة تغني:

أخلاي بي شجو وبليس بكم شـجـو                      وكل امرئ مما بصاحبـه خـلـو

أذاب الهوى لحمي وجسمي ومفصلي                      فلم يبق إلا الروح والجسد النضـو فما سمعت قبله ولا بعده غناء أحسن منه.

الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي، وله أيضا فيه خفيف ثقيل بالسبابة والبنصر عن ابن المكي. وفيه لعمرو بن بانة رمل بالوسطى من مجموع أغانيه. وفيه لعريب خفيف ثقيل آخر صحيح في غنائها من جمع ابن المعتز وعلي بن يحيى. وتمام هذه الأبيات:

وما من محب نال ممن يحبه                      هوى صادقا إلا سيدخله زهو وفيها كل غناء مفترق الألحان في أبياته -:

بليت وكان المزح بجدء بليتي                      فأحببت جهلا والبلايا لها بدو

وعلقت من يزهو علي تجبرا                      وإني في كل الخصال له كفو

صوت من المائة المختارة

من رواية جحظة عن أصحابه

باتت همومي تسري طوارقها                      أكف عيني والدمع سابقهـا

لما أتاها من الـيقـين ولـم                      تكن تراه يلـم طـارقـهـا الشعر لأمية بن أبي الصلت، والغناء للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى. وفيه لابن محرز لحنان: هزج وثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش. وذكر يونس: أن فيه لابن محرز لحنا واحدا مجنسا.

 

ذكر امية بن أبي الصلت ونسبه وخبره

نسبه من قبل أبويه

واسم أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عنزة بن قسي، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوزان. هكذا يقول من نسبهم إلى قيس، وقد شرح ذلك في خبر طريح. وأم أمية بن أبي الصلت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف. وكان أبو الصلت شاعرا، وهو الذي يقول في مدح سيف بن ذي يزن:

ليطلب الثأر أمثال ابـن ذي يزن                      إذ صار في البحر للأعداء أحوالا وقد كتب خبر ذلك في موضعه.

أولاد أمية

وكان له أربع بنين: عمرو وربيعة ووهب والقاسم. وكان القاسم شاعرا، وهو الذي يقول - أنشدنيه الأخفش وغيره عن ثعلب، وذكر الزبير أنها لأمية -:  صوت

 

قوم إذا نزل الغريب بدارهـم                      ردوه رب صواهل وقـيان

لا ينكتون الأرض عند سؤالهم                      لتلمس العلات بـالـعـيدان يمدح عبد الله بن جدعان بها، وأولها:

قومي ثقيف إن سألت وأسرتي                      وبهم أدافع ركن من عاداني غناه الغريض، ولحنه ثقيل أول بالبنصر. ولابن محرز فيه خفيف ثقيل أول بالوسطى، عن الهشامي جميعا. وكان ربيعة ابنه شاعرا، وهو الذي يقول:

وإن يك حيا من إياد فـإنـنـا                      وقيسا سواء ما بقينا وما بقوا

ونحن خيار الناس طرا بطانة                      لقيس وهم خير لنا إن هم بقوا  كان يستعمل في شعره كلمات غريبة

أخبرني إبراهيم بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال: كان أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله عز وجل الأول، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب؛ فمنها قوله:

قمر وساهور يسل ويغمد وكان يسمي الله عز وجل في شعره السلطيط، فقال:

والسلطيط فوق الأرض مقتدر وسماه في موضع آخر التغرور فقال:  وأيده التغرور  . وقال ابن قتيبة: وعلماؤنا لا يحتجون بشيء من شعره لهذه العلة.

من أشعر ثقيف بل أشعر الناس

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال:

 

صفحة : 386

 

قال أبو عبيدة: اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال: قال يحيى بن محمد: قال الكميت: أمية أشعر الناس، قال كما قلنا ولم نقل كما قال.

تعبد والتمس الدين وطمع في النبوة

قال الزبير وحدثني عمي مصعب عن مصعب بن عثمان قال: كان أمية بن أبي الصلت قد نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية، وحرم الخمر وشك في الأوثان، وكان محققا، والتمس الدين وطمع في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب، فكان يرجو أن يكونه. قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه؛ فحسده عدو الله وقال: إنما كنت أرجو أن أكونه؛ فأنزل الله فيه عز وجل:  واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها  . قال: وهو الذي يقول:

كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور  كان يحرض قريشا بعد بدر

قال الزبير وحدثني يحيى بن محمد قال: كان أمية يحرض قريشا بعد وقعة بدر، وكان يرثي من قتل من قريش في وقعة بدر؛ فمن ذلك قوله:

ماذا ببـدر والـعـقـن                      قل من مرازبة جحاجح وقال: وهي قصيدة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رواياتها. ويقال: إن أمية قدم على أهل مكة  باسمك اللهم  ؛ فجعلوها في أول كتبهم مكان  بسم الله الرحمن الرحيم  .

?أسف الحجاج على ضياع شعره

قال الزبير وحدثني علي بن محمد المدائني قال: قال الحجاج على المنبر: ذهب قوم يعرفون شعر أمية، وكذلك اندراس الكلام.

كان يتحسس أخبار نبي العرب

فلما أخبر ببعثته تكدر:

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمر بن أبي بكر المؤملي وغيره قال: كان أمية بن أبي الصلت يلتمس الدين ويطمع في النبوة، فخرج إلى الشأم فمر بكنيسة، وكان معه جماعة من العرب وقريش، فقال أمية: إن لي حاجة في هذه الكنيسة فانتظروني، فدخل الكنيسة وأبطأ، ثم خرج إليهم كاسفا متغير اللون، فرمى بنفسه، وأقاموا حتى سري عنه، ثم مضوا فقضوا حوائجهم ثم رجعوا. فلما صاروا إلى الكنيسة قال لهم: انتظروني، ودخل إلى الكنيسة فأبطأ، ثم خرج إليهم أسوأ من حاله الأولى؛ فقال أبو سفيان بن حرب: قد شقفت على رفقائك. فقال: خلوني؛ فإني أرتاد على نفسي لمعادي، إن هاهنا راهبا عالما أخبرني أنه تكون بعد عيسى عليه السلام ست رجعات، وقد مضت منها خمس وبقيت واحدة، وأنا أطمع في النبوة وأخاف أن تخطئني، فأصابني ما رأيت. فلما رجعت ثانية أتيته فقال: قد كانت الرجعة، وقد بعث نبي من العرب؛ فيئست من النبوة، فأصابني ما رأيت؛ إذ فاتني ما كنت أطمع فيه.

أخبره راهب أن ليست فيه أوصاف النبي قال: وقال الزهري: خرج أمية في سفر فنزلوا منزلا، فأم أمية وجها وصعد في كثيب، فرفعت له كنيسة فانتهى إليها، فإذا شيخ جالس، قال لأمية حين رآه: إنك لمتبوع، فمن أين يأتك رئيك? قال: من شقي الأيسر. قال: فأي الثياب أحب إليك أن يلقاك فيها? قال: السواد. قال: كدت تكون نبي العرب ولست به، هذا خاطر من الجن وليس بملك، وإن نبي العرب صاحب هذا الأمر يأتيه من شقه الأيمن، وأحب الثياب إليه أن يلقاه فيها البياض.

حديثه مع أبي بكر قال الزهري: وأتى أمية أبا بكر فقال: يا أبا بكر، عمي الخبر، فهل أحسست شيئا? قال: لا والله قال: قد وجدته يخرج العام.

سأل أبا سفيان عن عتبة بن ربيعة أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: سمعت خالد بن يزيد يقول: إن أمية وأبا سفيان اصطحبا في تجارة إلى الشأم، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: فخرج من عند الراهب وهو ثقيل. فقال له أبو سفيان: إن بك لشرا، فما قصتك? قال: خير، أخبرني عن عتبة بن ربيعة كم سنه? فذكر سنا. وقال أخبرني ماله فذكر مالا. فقال له: وضعته. فقال أبو سفيان. بل رفعته. فقال له: إن صاحب هذا الأمر ليس بشيخ ولا ذي مال. قال: وكان الراهب أشيب، وأخبره أن الأمر لرجل من قريش.

زعم أنه فهم ثغاء شاة

 

 

صفحة : 387

 

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثت عن عبد الرحمن بن أبي حماد المنقري قال: كان أمية جالسا معه قوم، فمرت بهم غنم فثغت منها شاة؛ فقال للقوم: هل تدرون ما قالت الشاة? قالوا لا. قال: إنها قالت لسخلتها: مري لا يجيء الذئب فيأكلك كما أكل أختك عام أول في هذا الموضع. فقام بعض القوم إلى الراعي فقال له: أخبرني عن هذه الشاة التي ثغت ألها سخلة? فقال: نعم، هذه سخلتها. قال أكانت لها عام أول سخلة? قال: نعم، وأكلها الذئب في هذا الموضع.

قال الأصمعي كل شعره في بحث الآخرة

قال الزبير وحدثني يحيى بن محمد عن الأصمعي قال: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب.

جاءه طائران وهو نائم فشق احدهما عن قلبه

قال الزبير حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كان أمية نائما فجاء طائران فوقع أحدهما على باب البيت، ودخل الآخر فشق عن قلبه ثم رده الطائر؛ فقال له الطائر الآخر: أوعى? قال نعم. قال: زكا? قال: أبى.

خبره مع ركب الشام أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن الحارث عن ابن الأعرأبي عن ابن دأب قال: خرج ركب من ثقيف إلى الشأم، وفيهم أمية بن أبي الصلت، فلما قفلوا راجعين نزلوا منزلا ليتعشوا بعشاء، إذ أقبلت عظاية حتى دنت منهم، فحصبها بعضهم بشيء في وجهها فرجعت؛ وكفتوا سفرتهم ثم قاموا يرحلون ممسين؛ فطلعت عليهم عجوز من وراء كثيب مقابل لهم تتوكأ على عصا، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رجيمة الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشية? قالوا: ومن أنت? قالت: أنا أم العوام، إمت منذ أعوام؛ أما ورب العباد، لتفترقن في البلاد؛ وضربت بعصاها الأرض ثم قالت: بطئي إيابهم، ونفري ركابهم؛ فوثب الإبل كأن على ذروة كل بعير منها شيطانا ما يملك منها شيء، حتى افترقت في الوادي. فجمعناها في آخر النهار من الغد ولم نكد. فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فضربت الأرض بعصاها ثم قالت كقولها الأول؛ ففعلت الإبل كفعلها بالأمس، فلم نجمعها إلا الغد عشية. فلما أنخناها لنرحلها أقبلت العجوز ففعلت كفعلها في اليومين ونفرت الإبل. فقلنا لأمية: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك? فقالت: اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني. فتوجه إلى ذلك الكثيب الذي كانت العجوز تأتي منه حتى علاه وهبط منه إلى واد، فإذا فيه كنيسة وقناديل، وإذا رجل مضطجع معترض على بابها، وإذا رجل أبيض الرأس واللحية؛ فلما رأى أمية قال: إنك لمتبوع، فمن أين يأتيك صاحبك? قال: من أذني اليسرى. قال فبأي الثياب يأمرك? قال: بالسواد. هذا خطيب الجن؛ كدت والله أن تكونه ولم تفعل؛ إن صاحب النبوة يأتيه صاحبه من قبل أذنه اليمنى، ويأمره بلباس البياض؛ فما حاجتك? فحدثه حديث العجوز؛ فقال: صدقت، وليست بصادقة هي امرأة يهودية من الجن هلك زوجها منذ أعوام، وإنها لن تزال تصنع ذلك بكم حتى تهلككم إن آستطاعت. فقال أمية: وما الحيلة? فقال: جمعوا ظهركم، فإذا جاءتكم ففعلت كما كانت تفعل فقولوا لها: سبع من فوق وسبع من أسفل، باسمك اللهم؛ فلن تضركم. فرجع أمية إليهم وقد جمعوا الظهر. فلما أقبلت قال لها ما أمره به الشيخ، فلم تضرهم. فلما رأت الإبل لم تتحرك قالت: قد عرفت صاحبكم، وليبيضن أعلاه، وليسودن أسفله؛ فأصبح أمية وقد برص في عذاريه واسود أسفله. فلما قدموا مكة ذكروا لهم هذا الحديث؛ فكان ذلك أول ما كتب أهل مكة  باسمك اللهم  في كتبهم.

خبر الطائرين أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال حدثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر بن مسعود عن الزهري قال: دخل يوما أمية بن أبي الصلت على أخته وهي تهيئ أدما لها، فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت. قال: فانشق جانب من السقف في البيت، وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه، فشق الواقع صدره فأخرج قلبه فشقه؛ فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره: أوعى? قال: وعى. قال: أقبل? قال: أبى. قال: فرد قلبه في موضعه فنهض؛ فأتبعهما أمية طرفه فقال:

 

صفحة : 388

 

 

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما لا بريء فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه، ثم أخرج قلبه فشقه؛ فقال: الطائر الأعلى: أوعى? قال: وعى. قال: أقبل? قال:? أبى، ونهض فأتبعهما بصره وقال:

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما لا مال يغنيني، ولا عشيرة تحميني. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه، ثم أخرج قلبه فشقه؛ فقال الطائر الأعلى: أوعى? قال: وعى. قال: أقبل? قال: أبى، ونهض، فأتبعهما بصره وقال:

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما محفوف بالنعم، محوط من الريب. قال: فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه وأخرج قلبه فشقه؛ فقال الأعلى: أوعى? قال: وعى. قال: أقبل? قال: أبى، ونهض، فأتبعهما بصره وقال:

لبيكـمـا لـبـيكـمـا                      هأنـذا لـديكـمــا

إن تغفر اللهم تغفر جما                      وأي عبد لك لا ألمـا قالت أخته: ثم انطبق السقف وجلس أمية يمسح صدره. فقلت: يا أخي، هل تجد شيئا? قال: لا، ولكني أجد حرا في صدري. ثم أنشأ يقول:

ليتني كنت قبل ما قد بـدا لـي                      في قنان الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينك واحذر                      غولة الدهر إن للدهـر غـولا  تصديق النبي له في شعره

حدثني محمد بن جرير الطبري قال حدثنا ابن حميد قال حدثني سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية في قوله:

رجل وثور تحت رجل يمينـه                      والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.  صدق  .

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حماد بن عبد الرحمن بن الفضل الحراني قال حدثنا أبو يوسف - وليس بالقاضي - عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا.

أنشد النبي بعض شعره فقال  إن كاد أمية ليسلم  : أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثنا جعفر بن الحسين المهلبي قال حدثني إبراهيم بن إبراهيم بن أحمد عن عكرمة قال: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم قول أمية:

الحمد لله ممسانا ومصبحـنـا                      بالخير صبحنا ربي ومسانـا

رب الحنيفة لم تنفد خزائنهـا                      مملوءة طبق الآفاق سلطانا

ألا نبي لنا منا فـيخـبـرنـا                      ما بعد غايتنا من رأس محيانا

بينا يربيننا أباؤنـا هـلـكـوا                      وبينما نقتني الأولاد أفنـانـا

ولقد علمنا لو أن العلم ينفعنـا                      أن سوف يلحق أخرانا بأولانا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  إن كاد أمية ليسلم  .

شعر له في عتاب ابنه وتوبيخه

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثنا عبد الله بن أبي بكر، وحدثنا خالد بن عمارة: أن أمية كتب على ابن له فأنشأ يقول:

غذوتك مولودا ومنتك يافـعـا                      تعل بما أجني عليك وتنـهـل

إذا ليلة نابتك بالشكو لـم أبـت                      لشكواك إلا ساهرا أتملـمـل

كأني أنا المطروق دونك بالذي                      طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنني                      لأعلم أن الموت حتم مؤجـل

فلما بلغت السن والغاية التـي                      إليها مدى ما كنت فيك أؤمـل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة                      كأنك أنت المنعم المتفـضـل  محاورة بين الهذلي وعكرمة في شعر له

قال الزبير قال أبو عمرو الشيباني قال أبو بكر الهذلي قال: قلت لعكرمة: ما رأيت من يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأمية:  آمن شعره وكفر قلبه  ؛ فقال: هو حق، وما الذي أنكرتم من ذلك? فقلت له: أنكرنا قوله:

والشمس تطلع كل آخر ليلة                      حمراء مطلع لونها متورد

تأبى فلا تبدو لنا في رسلها                      إلا معـذبة وإلا تـجـلـد

 

صفحة : 389

 

فما شأن الشمس تجلد? قال: والذي نفسي بيده ما طلعت قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون لها: اطلعي؛ فتقول أأطلع على قوم يعبدونني من دون الله قال: فيأتيها شيطان حين تستقبل الضياء تريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع على قرنيه، فيحرقه الله تحتها. وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود، فتغرب على قرنيه فيحرقه الله تحتها؛ وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:  تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان  .

تمثل ابن عباس بشعره عند معاوية

حدثني أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد أنه سمع ابن حاضر يقول: اختلف ابن عباس وعمرو بن العاصي عند معاوية؛ فقال ابن عباس: ألا أغنيك? قال بلى فأنشده:

والشمس تغرب كل آخر لـيلة                      في عين ذي خلب وثأط حرمد  أحاديثه وأحواله في مرض موته

أخبرني الحرمي قال حدثنا عمي عن مصعب بن عثمان عن ثابت بن الزبير قال: لما مرض أمية مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا أجلي، وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد. قال: ولما دنت وفاته أغمي عليه قليلا ثم أفاق وهو يقول:

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما لا مال يفديني، ولا عشيرة تنجيني. ثم أغمي عليه أيضا بعد ساعة حتى ظن ممن حضره من أهله أنه قد قضى، ثم أفاق وهو يقول:

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما لا برىء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم إنه بقي يحدث من حضره ساعة، ثم أغمي عليه مثل المرتين الأوليين حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول:

لبيكما لبيكما                      هأنذا لديكما محفوف بالنعم،

إن تغفر اللهم تغفر جما                      وأي عبد لك لا ألمـا ثم أقبل على القوم فقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي؛ وحدثهم قليلا حتى يئس القوم من مرضه، وأنشأ يقول:

كل عيش وإن تـطـاول دهـرا                      منتهـى أمـره إلـى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قـد بـدا لـي                      في رؤوس الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينيك واحذر                      غولة الدهر إن للـدهـر غـولا ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل في وفاة أمية غير هذا.

لما بعث النبي هرب بابنتيه إلى اليمن

ثم مات بالطائف:

أخبرني عبد العزيز بن أحمد عم أبي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: سمعت في خبر أمية بن أبي الصلت، حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أخذ بنتيه وهرب بهما إلى أقصى اليمن، ثم عاد إلى الطائف؛ فبينما هو يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف، وقد أودع ابنتيه اليمن ورجع إلى بلاد الطائف، إذ سقط غراب على شرفة في القصر نعب نعبة؛ فقال أمية: بفيك الكثكث - وهو التراب - فقال أصحابه: ما يقول? قال يقول إنك إذا شربت الكأس التي بيدك مت، فقلت: بفيك الكثكث. ثم نعب نعبة أخرى، فقال أمية نحو ذلك؛ فقال أصحابه: ما يقول? قال زعم أنه يقع على هذه المزبلة أسفل القصر، فيستثير عظما فيبتلعه فيشجى به فيموت، فقلت نحو ذلك. فوقع الغراب على المزبلة، فأثار العظم فشجي به فمات، فانكسر أمية، ووضع الكأس من يده، وتغير لونه. فقال له أصحابه: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا وكان باطلا فألحوا عليه حتى شرب الكأس، فمال في شق وأغمي عليه ثم أفاق، ثم قال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم خرجت نفسه.

 

صوت من المائة المختارة

 

تبلت فؤادك في المنام خريدة                      تشفي الضجيع ببارد بسـام

كالمسك تخلطه بماء سحابة                      أو عاتق كدم الذبيح مـدام عروضه من الكامل، الشعر لحسان بن ثابت، والغناء لموسى بن خارجة الكوفي ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر حماد عن أبيه أن فيه لحنا لعزة الميلاء. وليس موسى بكثير الصنعة ولا مشهور، ولا ممن خدم الخلفاء.

 

أخبار حسان بن ثابت ونسبه

نسبه من قبل أبويه وكنيته

 

 

صفحة : 390

 

هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، واسمه تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة، وهو العنقاء بن عمرو؛ وإنما سمي العنقاء لطول عنقه. وعمرو هو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد، وهو ذري - وقيل: ذراء ممدود - بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

قال مصعب الزبيري فيما أخبرنا  به  الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عمه قال: بنو عدي بن عمرو بن مالك  بن  النجار يسمون بني معالة. ومعالة أمه، وهي امرأة من القين وإليها كانوا ينسبون. وأم حسان بن ثابت بن المنذر، الفريعة بنت خالد بن قيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. وقيل: إن اسم النجار تيم اللات؛ وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:

وأم ضرار تنشد الناس والها                      أما لابن تيم الله ماذا أضلت يعني ضرار بن عبد المطلب، وكان ضل فنشدته أمه. وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم تيم الله؛ لأن الأنصار كانت تنسب إليه، فكره أن يكون في أنسابها ذكر اللات.

ويكنى حسان بن ثابت أبا الوليد. وهو فحل من فحول الشعراء. وقد قيل: إنه أشعر أهل المدر. وكان أحد المعمرين من المخضرمين، عمر مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية وستين في الإسلام.

عاش حسان مائة وعشرين سنة

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: عاش ثابت بن المنذر مائة وخمسين سنة، وعاش حسان مائة وعشرين سنة. ومما يحقق ذلك ما أخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن حسين عن إبراهيم بن محمد عن صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، إذا بيهودي بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود؛ فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك مالك? قال: طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة. قال: ثم أدركه اليهودي ولم يؤمن به. فهذا يدل على مدة عمره في الجاهلية؛ لأنه ذكر أنه أدرك ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وله يومئذ ثمان سنين، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث وله أربعون سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فقدم المدينة ولحسان يومئذ، على ما ذكره، ستون سنة أو إحدى وستون سنة، وحينئذ أسلم.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثني ابن أبي الزناد قال: عمر حسان بن ثابت عشرين ومائة سنة: ستين في الجاهلية وستين في الإسلام.

قال أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني أحمد بن زهير قال حدث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال: رأيت حسان بن ثابت وله ناصية قد سدلها بين عينيه.

كان يخضب شاربه وعنفقته بالحناء

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال: كان حسان بن ثابت يخضب شاربه وعنفقته بالحناء، ولا يخضب سائر لحيته. فقال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت، لم تفعل هذا? قال: لأكون كأني أسد والغ في دم.

فضل الشعراء بثلاث

أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.

أجمعت العرب على أنه أشعر أهل المدر قال أبو عبيدة: وأجمعت العرب على أن حسان أشعر أهل المدر. أخبرنا بذلك أيضا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي عبيدة قال: اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب، ثم عبد القيس ثم ثقيف؛ وعلى أن أشعر أهل يثرب حسان بن ثابت.

سأل أبا هريرة عن حديث في شأنه فأجابه

 

 

صفحة : 391

 

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عفان قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال.

جاء حسان إلى نفر فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  أجب عني  ثم قال:  اللهم أيده بروح القدس  ? قال أبو هريرة: اللهم نعم.

كان أحد ثلاثة عارضوا شعراء قريش

أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن سيرين، قال أبو زيد وحدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف بن محمد بن سيرين قال: كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة رهط من قريش: عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاصي؛ فقال قائل لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه: اهج عنا القوم الذين قد هجونا. فقال علي رضي الله عنه: إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت. فقال رجل: يا رسول الله، ائذن لعلي كي يهجو عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا. قال  ليس هناك  أو  ليس عنده ذلك  ؛ ثم قال للأنصار:  ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم?  . فقال حسان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء. فقال:  كيف تهجوهم وأنا منهم  ? فقال: إني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قال: فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثالب، وكان عبد اله بن رواحة يعيرهم بالكفر. قال: فكان في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة. فلما أسلموا وفقهوا الإسلام، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة.

استأذن النبي في هجو قريش

فأمره أن يأخذ أنسابهم عن أبي بكر:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي قال حدثنا أبو يونس القشيري وهو حاتم بن أبي صغيرة قال حدثنا سماك بن حرب قال: قام حسان أبو الحسام فقال: يا رسول الله، ائذن لي فيه، وأخرج لسانا له أسود، فقال: يا رسول الله، لو شئت لفريت به المزاد، ائذن لي فيه. فقال:  اذهب ألى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم أهجهم وجبريل معك  . قال أبو زبد قال ابن وهب وحدثنا بهذا الحديث حاتم عن السدي عن البراء بن عازب وعن سماك بن حرب - فأنا أشك: أهو عن أحدهما أم عنهما جميعا - قال أبو زيد: وحدثنا علي بن عاصم قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب بنحوه، وزاد فيه: فأخرج لسانه أسود، فوضعه على طرف أرنبته، وقال: يا رسول الله، لو شئت لفريت به المزاد؛ فقال:  يا حسان وكيف وهو مني وأنا منه  ? قال: والله لأسلنه منك كما يسل الشعر من العجين قال:  يا حسان فأت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك  . فأتى أبا بكر فأعلمه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: كف عن فلانة واذكر فلانة. فقال:

هجوت محمدا فأجبت عنه                      وعند الله في ذاك الجزاء

فإن أبي ووالده وعرضي                      لعرض محمد منكم وقاء

أتهجوه ولست له بكـفء                      فشركما لخيركما الفـداء لما بلغ قريشا شعره اتهموا أبا بكر أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أحمد بن سليمان عن الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: لما أنشدت قريش شعر حسان قالت: إن هذا الشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة.

قال الزبير: وحدثني محمد بن يحيى عن يعقوب بن إسحاق بن مجمع عن رجل من بني العجلان قال: لما بلغ أهل مكة شعر حسان ولم يكونوا علموا أنه قوله، جعلوا يقولون: لقد قال أبو بكر الشعر بعدنا.

خبره مع ابن الزبعري وضرار

 

صفحة : 392

 

قال الزبير: وحدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد بن محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: نهى عمر بن الخطاب الناس أن ينشدوا شيئا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام. فقدم المدينة عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار بن الخطاب الفهري ثم المحاربي، فنزلا على أبي أحمد بن جحش، وقالا له: نحب أن ترسل إلى حسان بن ثابت حتى يأتيك، فننشده، وينشدنا مما قلنا له وقال لنا. فأرسل إليه فجاءه؛ فقال له: يا أبا الوليد، هذان أخواك ابن الزبعري وضرار قد جاءا أن يسمعاك وتسمعهما ما قالا لك وقلت لهما. فقال ابن الزبعري وضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا أن نسمعك وتسمعنا? فقال حسان: أفتبدآن أم أبدأ? قالا: نبدأ نحن. قال: ابتدئا؛ فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضبا، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة؛ فخرج حسان حتى دخل على عمر بن الخطاب فقص عليه قصتهما وقصته? فقال له عمر: لن يذهبا عنك بشيء إن شاء الله، وأرسل من يردهما، وقال له عمر: لو لم تدركهما إلا بمكة فارددهما علي. وخرجا فلما كانا بالروحاء رجع ضرار إلى صاحبه بكره، فقال له يابن الزبعري: أنا أعرف عمر وذبه عن الإسلام وأهله، وأعرف حسان وقلة صبره على ما فعلنا به، وكأني به قد جاء وشكا إليه ما فعلنا، فأرسل في آثارنا وقال لرسوله: أن لم تلحقهما إلا بمكة فارددهما علي؛ فاربح بنا ترك العناء وأقم بنا مكاننا؛ فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الروحاء أسهل منه من أبعد منها، وإن أخطأ ظني فذلك الذي نحب ونحن من وراء المضي. فقال ابن الزبعري: نعم ما رأيت. قال: فأقاما بالروحاء، فما كان إلا كمر الطائر حتى وافاهما رسول عمر فردهما إليه؛ فدعا لهما بحسان، وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما؛ فأنشدهما حتى فرغ مما قال لهما فوقف. فقال له عمر: أفرغت? قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخلاء وأنشدتهما في الملا. وقال لهما عمر: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذ أبو فاكتبوه، واحتفظوا به. فدونوا ذلك عندهم. قال خلاد بن محمد: فأدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه.

شعر له في هجو أبي سفيان بن الحارث أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عمران بن زيد قال: سمعت أبا إسحاق قال في قصة حسان وأبي سفيان بن الحارث نحو ما ذكره مما قدمنا ذكره، وزاد فيه: فقال حسان فيه:

وإن سنام المجد مـن آل هـاشـم                      بنو بنت مخزوم، ووالدك العـبـد

ومن ولدت أبناء زهرة مـنـكـم                      كرام ولم يلحق عجائزك المـجـد

وإن امرأ كـانـت سـمـية أمـه                      وسمراء مغلوب إذا بلغ الجـهـد

وأنت هجين نيط فـي آل هـاشـم                      كما نيط خلف الراكب القدح الفرد فقال العباس: وما لي وما لحسان يعني ذكره نتيلة، فقال فيها:

ولست كعباس ولا كابـن أمـه                      ولكن هجين ليس يورى له زند  أعانه جبريل في مديح النبي

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا القعنبي قال حدثنا مروان بن معاوية قال حدثنا إياس السلمي عن ابن بريدة قال: أعان جبريل عليه السلام حسان بن ثابت في مديح النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا.

مدحه النبي وكعبا وابن رواحة أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا محمد بم منصور قال حدثنا سعيد بن عامر قال حدثني جويرية بن أسماء قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى  .

أخبره النبي أن روح القدس يؤيده

 

صفحة : 393

 

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا أحمد بن عيسى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان ويعلى بن شداد بن أوس عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت الشاعر:  إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما كافحت عن الله عز وجل وعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

استنشده النبي وجعل يصغي إليه أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف بن محمد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وهو في سفر:  أين حسان بن ثابت  ? فقال حسان: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال:  أحد  ، فجعل ينشد ويصغي إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع، فما زال يستمع إليه وهو سائق راحلته حتى كان رأس الراحلة يمس الورك حتى فرغ من نشيده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  لهذا أشد عليهم من وقع النبل  .

انتهره عمر لإنشاده في مسجد الرسول

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا أبو عاصم النبيل قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا زياد بن أبي سهل قال حدثني سعيد بن المسيب: أن عمر مر بحسان بن ثابت وهو ينشد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهره عمر؛ فقال حسان: قد أنشدت فيه من هو خير منك؛ فانطلق عمر.

أخبرنا أحمد قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن عمر مر على حسان وهو ينشد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله وزاد فيه: وعلمت أنه يريد النبي صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا شجاع بن الوليد عن الإفريقي عن مسلم بن يسار: أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأذنه وقال: أرغاء كرغاء البعير فقال حسان: دعنا عنك يا عمر فوالله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فلا يغير علي فصدقه عمر.

مدحه الزبير

حدثنا محمد بن جرير الطبري والحرمي بن أبي العلاء وعبد العزيز بن أحمد عم أبي وجماعة غيرهم قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو غزية محمد بن موسى قال حدثني عبد الله بن مصعب عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بن العوام بمجلس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه، فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة فلقد كان يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه بشيء. فقال حسان:

أقام على عهد الـنـبـي وهـديه                      حواريه والقول بالفـعـل يعـدل

أقام على منهـاجـه وطـريقـه                      يوالي ولي الحق والحـق أعـدل

هو الفارس المشهور والبطل الذي                      يصول إذا ما كان يوم محـجـل

إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها                      بأبيض سباق إلى المـوت يرقـل

وإن امرأ كانـت صـفـية أمـه                      ومن أسد في بيتهـا لـمـرفـل

له من رسول الله قربـى قـريبة                      ومن نضرة الإسلام نصر مؤثـل

فكم كربة ذب الزبـير بـسـيفـه                      عن المصطفى والله يعطي فيجزل

فما مثله فيهم و لا كـان قـبـلـه                      وليس يكون الدهر مـا دام يذبـل

ثناؤك خير من فعال مـعـاشـر                      وفعلك يابن الهاشمـية أفـضـل  تقدم هو وكعب وابن رواحة فاختاره النبي

أخبرني أحمد بن عيسى العجلي قال حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن فضيل عن مجالد عن الشعبي قال: لما كان عام الأحزاب وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:  من يحمي أعراض المسلمين  ? فقال كعب: أنا يا رسول الله، وقال عبد الله بن رواحة: أنا يا رسول الله، وقال حسان بن ثابت: أنا يا رسول الله؛ فقال:  نعم اهجهم أنت فإنه سيعينك عليهم روح القدس  .

سبه قوم في مجلس ابن عباس فدافع عنه

 

 

صفحة : 394

 

أخبرني أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فجاء حسان، فقالوا: قد جاء اللعين. فقال ابن عباس: ما هو بلعين؛ لقد نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه ويده.

حدثنيه أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا حديج بن معاوية قال حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: قد جاء اللعين حسان من الشأم. فقال ابن عباس: ما هو بلعين؛ لقد جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه ونفسه.

قدم وفد تميم فأمره النبي أن يجيب شاعرهم

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا عبد الله بن عمرو وشريح بن النعمان قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما قدم وفد بني تميم وضع النبي صلى الله عليه وسلم لحسان منبرا وأجلسه عليه، وقال:  إن الله ليؤيد حسان بروح القدس ما كافح عن نبيه  صلى الله عليه وسلم. هكذا روى أبو زيد هذا الخبر مختصرا. وأتينا به على تمامه ها هنا؛ لأن ذلك حسن فيه: أخبرنا به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الضحاك عن أبيه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم وهم سبعون أو ثمانون رجلا، فيهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم، وانطلق معهم عيينة بن حصن، فقدموا المدينة، فدخلوا المسجد، فوقفوا عند الحجرات، فنادوا بصوت عال جاف: اخرج إلينا يا محمد؛ فقد جئنا لنفاخرك، وقد جئنا بشاعرنا وخطيبنا. فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس. فقام الأقرع بن حابس فقال: والله إن مدحي لزين، وإن ذمي لشين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  ذلك الله  . فقالوا: إنا أكرم العرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام  . فقالوا: ايذن لشاعرنا وخطيبنا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وجلس معه الناس، فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا وجعلنا أعز أهل المشرق، وآتانا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، ليس في الناس مثلنا؛ ألسنا برؤوس الناس وذوي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، ولو نشاء لأكثرنا، ولكنا نستحي من الإكثار فيما خولنا الله وأعطانا. أقول هذا، فأتوا بقول أفضل من قولنا، أو أمر أبين من أمرنا. ثم جلس.

فقام ثابت بن قيس بن شماس فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يقض شيئا إلا من فضله وقدرته؛ فكان من قدرته أن اصطفى من خلقه لنا رسولا أكرمهم حسبا وأصدقهم حديثا وأحسنهم رأيا، فأنزل عليه كتأبا، وأتمنه على خلقه، وكان خيرة الله من العالمين. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان، فأجابه من قومه وذوي رحمه المهاجرون أكرم الناس أنسأبا، وأصبح الناس وجوها، وأفضل الناس فعالا. ثم كان أول من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب واستجاب له نحن معشر الأنصار؛ فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا ويقولوا: لا إله إلا الله. فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في الله، وكان جهاده يسيرا. أقول قولي هذا، وأستغفرالله للمؤمنين والمؤمنات.

فقام الزبرقان فقال:

نحن الملوك فلا حي يقاربـنـا                      منا الملوك وفينا يؤخذ الربـع

تلك المكارم حزناها مقـارعة                      إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

كم قد نشدنا من الأحياء كلـهـم                      عند النهاب وفضل العز يتبـع

وننحر الكوم عبطا في منازلنـا                      للنازلين إذا ما استطعموا شبعوا

ونحن نطعم عند المحل ما أكلوا                      من العبيط إذا لم يظهر الفزع

وننصر الناس تأتينا سراتـهـم                      من كل أوب فتمضي ثم تتبـع فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسان بن ثابت فجاء، فأمره أن يجيبه.

فقال حسان:

 

صفحة : 395

 

 

إن الـذوائب مــن فـــهـــر وإخـــوتـــهـــم                      قد بـينـوا سـنة لـــلـــنـــاس تـــتـــبـــع

يرضـى بـهـا كـل مـن كــانـــت ســـريرتـــه                      تقـوى الإلـه وبــالأمـــر الـــذي شـــرعـــوا

قوم إذا حـــاربـــوا ضـــروا عـــدوهــــــم                      أو حـاولـوا الـنـفـع فـي أشـياعـهـم نـفــعـــوا

سجـية تـلـك مـنـــهـــم غـــير مـــحـــدثة                      إن الـخـلائق فـاعـلـم شـــرهـــا الـــبـــدع

لا يرقـع الـنـاس مــا أوهـــت أكـــفـــهـــم                      عنـد الـدفــاع ولا يوهـــون مـــا رقـــعـــوا

إن كـان فـي الـنـاس سـبـاقــون بـــعـــدهـــم                      فكـل سـبـق لأدنـى سـبــقـــهـــم تـــبـــع

أعـفة ذكـرت فـي الـوحــي عـــفـــتـــهـــم                      لا يطـمـعــون ولا يزري بـــهـــم طـــمـــع

ولا يضـنـون عـن جـار بــفـــضـــلـــهـــم                      ولا يمـسـهـم مـن مـــطـــمـــع طـــبـــع

يسـمـون لـلـحـرب تـبــدو وهـــي كـــاحـــلة                      إذا الـزعـانـف مـن أظـفـارهـا خـــشـــعـــوا

لا يفـــرحـــون إذا نـــالـــوا عـــدوهــــم                      وإن أصـــيبـــوا فـــلا خـــور ولا جـــــزع

كأنـهـم فـي الـوغـى والـمـوت مـكـــتـــنـــع                      أسـود بــيشة فـــي أرســـاغـــهـــا فـــدع

خذ مـنـهـم مـا أتـى عـفــوا وإن مـــنـــعـــوا                      فلا يكـن هـمـك الأمـر الـــذي مـــنـــعـــوا

فإن في حربهم فاترك عداوتهمسما يخاض عليه الصاب والسلع

أكرم بقوم رسول الله قائدهم                      إذا تـــفـــرقـــت الأهـــواء والـــشــــيع

أهـدى لــهـــم مـــدحـــي قـــلـــب يؤازره                      فيمـــا أراد لـــســـان حـــائك صـــنــــع

فإنـهـم أفـــضـــل الأحـــياء كـــلـــهـــم                      إن جـد بـالـنـاس جـد الـقـول أو شــمـــعـــوا فقام عطارد بن حاجب فقال:

أتيناك كيما يعلم الناس فضـلـنـا                      إذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم

بأنا فروع الناس في كل مـوطـن                      وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

فقام حسان بن ثـابـت فـقـال:

منعنا رسول اله من غضب له                      على أنف راض من معد وراغـم

هل المجد إلا السؤدد العود والندى                      وجاه الملوك واحتمال العـظـائم إسلام وفد تميم وإكرام النبي لهم قال: فقال الأقرع بن حابس: والله إن هذا الرجل لمؤتى له والله لشاعره أشعر من شاعرنا، ولخطيبه أخطب  من خطيبنا  ، ولأصواتهم أرفع من أصواتنا أعطني يا محمد فأعطاه. فقال: زدني فزاده. فقال: اللهم إنه سيد العرب. فنزلت فيهم:  إن اللذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون  . ثم إن القوم أسلموا، وقاموا عند النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون القرآن، ويتفقهون في الدين. ثم أرادوا الخروج إلى قومهم، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وقال:  أما بقي منكم أحد?  ، وكان عمرو بن الأهتم في ركابهم، فقال قيس بن عاصم، وهو من رهطه وكان مشاحنا له، لم يبق منا أحد إلا غلام حديث السن في ركابنا؛ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم.

<H6 مناقضة عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم</H6 فبلغ عمرا ما قال قيس؛ فقال عمرو بن الأهتم لقيس:

ظللت مفترش الهلباء تشتمـنـي                      عند الرسول فلم تصدق ولم تصب

إن تبغضونا فإن الروم أصلـكـم                      والروم لا تملك البغضاء للعـرب

فإن سؤددنـا عـود وسـؤددكـم                      مؤخر عند أصل العجب والذنـب فقال له قيس:

لولا دفاعي كنتم أعـبـدا                      داركم الحيرة والسيلحون  شعر حسان الذي يقرر به إيمانه بالرسل

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عمر بن علي بن مقدم عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان التيمي عن حبيب بن أبي ثابت، قال أبو زيد وحدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم، قالوا: قال حسان: ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم:  صوت

 

شهدت بإذن الـلـه أن مـحـمـدا                      رسول الذي فوق السماوات من عل

وأن أخا الأحقـاف إذ يعـذلـونـه                      يقوم بدين اللـه فـيهـم فـيعـدل

وأن أبا يحيى ويحـيى كـلاهـمـا                      له عمل فـي دينـه مـتـقـبـل

 

صفحة : 396

 

 

وأن الذي عادى اليهـود ابـن مـريم                      رسول أتى من عند ذي العرش مرسل

وأن الذي بالجزع من بطـن نـخـلة                      ومن دونها فل من الخـير مـعـزل - غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل أول بالبنصر من رواية يونس وغيره - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  أنا أشهد معك  .

أنكرت عليه عائشة شعرا له في مدحها

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثني جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، وأخبرني بها أحمد بن عيسى العجلي قال حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان وهو يرثي بنتا له، وهو يقول:

رزان حصان ما تـزن بـريبة                      وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز وجل:  والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم   فقالت: أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره  أخبر بوقعة صفين قبل وقوعها

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني أبي ومالك بن الربيع بن مالك حدثاني جميعا عن الربيع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه قال: بينا نحن جلوس عند حسان بن ثابت، وحسان مضطجع مسند رجليه إلى فارع قد رفعهما عليه، إذ قال: مه أما رأيتم ما مر بكم الساعة? قال مالك: قلنا: لا والله، وما هو? فقال حسان: فاختة مرت الساعة بيني وبين فارع فصدمتني، أو قال: فزحمتني. قال: قلنا: وما هي? قال:

ستأتيكم غدوا أحاديث جـمة                      فأصغوا لها آذانكم وتسمعوا قال مالك بن أبي عامر: فصبحنا من الغد حديث صفين.

سمعه المغيرة ينشد شعرا فبعث إليه بمال

أخبرنا وكيع قال حدثنا الليث بن محمد عن الحنظلي عن أبي عبدة عن العلاء بن جزء العنبري قال: بينا حسان بن ثابت بالخيف وهو مكفوف، إذ زفر زفرة ثم قال:

وكأن حافرها بكـل خـمـيلة                      صاع يكيل به شحيح مـعـدم

عاري الأشاجع من ثقيف أصله                      عبد ويزعم أنـه مـن يقـدم قال: والمغيرة بن شعبة جالس قريبا منه يسمع ما يقول، فبعث إليه بخمسة آلاف درهم. فقال: من بعث بهذا? قال: المغيرة بن شعبة سمع ما قلت. قال: واسوءتاه وقبلها.

استجار الحارث بن عوف من شعره بالنبي

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الأصمعي قال: جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أجرني من شعر حسان، فلو مزج البحر بشعره لمزجه. قال: وكان السبب في ذلك - فيما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن الأصمعي، وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب -أن الحارث بن عوف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ابعث معي من يدعو إلى دينك وأنا له جار. فأرسل معه رجلا من الأنصار. فغدرت بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاري، فقدم الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام لا يؤنب أحدا في وجهه، فقال:  ادعوا لي حسان  ، فدعي له، فلما رأى الحارث أنشده:

يا حار من يغدر بـذمة جـاره                      منكم فإن محمـدا لـم يغـدر

إن تغدروا فالغدر منكم شـيمة                      والغدر ينبت في أصول السخبر فقال الحارث: اكففه عني يا محمد، وأؤدي إليك دية الحفارة؛ فأدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم سبعين عشراء، وكذلك دية الخفارة، وقال: يا محمد، أنا عائذ بك من شره، فلو مزج البحر بشعره مزجه.

أنشد شعرا بلغ النبي فآلمه

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرنا العطاف بن خالد قال: كان حسان بن ثابت يجلس إلى أطمه فارع، ويجلس معه أصحاب له ويضع لهم بساطا يجلسون عليه؛ فقال يوما، وهو يرى كثرة من يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من العرب فيسلمون:

أرى الجلأبيب قد عزوا وقد كثروا                      وابن الفريعة أمسى بيضة البلـد

 

صفحة : 397

 

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:  من لي بأصحاب البساط بفارع?  . فقال صفوان بن المعطل: أنا لك يا رسول الله منهم؛ فخرج إليهم فاخترط سيفه، فلما راوه عرفوا الشر بوجهه ففروا وتبددوا، وأدرك حسان داخلا بيته، فضرب وفلق أليته. قال: فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عوضه وأعطاه حائطا، فباعه من معاوية بعد ذلك بمال كثير، فبناه معاوية قصرا، وهو الذي يقال له:  قصر الدارين  . وقد قيل: إن صفوان بن المعطل إنما ضرب حسان لما قاله فيه وفي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم من الإفك؛ لأن صفوان هو الذي رمى أهل الإفك عائشة به.

وأخبرنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال: اعترض صفوان بن المعطل حسان بن ثابت بالسيف لما قذفه به من الإفك حين بلغه ما قاله. وقد كان حسان قال شعرا يعرض بابن المعطل وبمن أسلم من العرب من مضر فقال:

أمسى الجلأبيب قد عزوا وقد كثروا                      وابن الفريعة أمسى بيضة البـلـد

قد ثكلت أمه من كنت صـاحـبـه                      أو كان منتشبا في بـرثـن الأسـد

ما للقتـيل الـذي أعـدو فـآخـذه                      من دية فيه أعـطـيهـا ولا قـود

ما البحر حين تهب الريح شـامـية                      فيغطئل ويرمي العبـر بـالـزبـد

يوما بأغلب مني حين تبـصـرنـي                      بالسيف أفري كفري العارض البرد فاعترضه صفوان بن المعطل بالسيف فضربه وقال:

تلق ذباب السيف عني فإننـي                      غلام إذا هوجيت لست بشاعر قبض ثابت بن قيس على ابن المعطل لضربه له، ثم انتهى الأمر إلى النبي فاسترضاه: وحدثنا محمد بن جرير قال حدثنا  ابن  حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن ثابت بن قيس بن الشماس أخا بلحارث بن الخزرج وثب على صفوان بن المعطل في ضربه حسان فجمع يديه على عنقه، فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا? فقال: ألا أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله. فقال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من هذا? قال: لا والله. قال: لقد اجترأت أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فدعا حسان صفوان بن المعطل؛ فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان:  يا حسان أتعيب على قومي أن هداهم الله عز وجل للإسلام  ، ثم قال:  أحسن يا حسان في الذي أصابك  . قال: هي لك يا رسول الله.

<H6 إيراد ما تقدم برواية أخرى مفصلة</H6 أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني المدائني قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار بمثل ذلك، وزاد في الشعر الذي قاله حسان زيادة ووافقه عليها مصعب الزبيري، فيما أخبرنا به الحسن بن علي، قال قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب في القصة، فذكر أن فتية من المهاجرين والأنصار تنازعوا على الماء وهم يسقون خيولهم، فغضب من ذلك حسان فقال هذا الشعر.

وذكر الزهري، فيما أخبرنا أحمد بن يحيى بن الجعد، قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيببي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن هذا الخبر كان بعد غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق.

قال: وكان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: سنان، ورجل من بني غفار يقال له: جهجاه؛ فخرج جهجاه بفرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس له يومئذ يسقيهما، فأوردهما الماء، فوجد على الماء فتية من الأنصار، فتنازعوا فاقتتلوا؛ فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: هذا ما جزونا به، آويناهم ثم هم يقاتلوننا وبلغ حسان بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار، فقال وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام - وهذا الشعر من رواية مصعب دون الزهري -:

 

صفحة : 398

 

 

أمسى الجلأبيب قد عزوا وقد كثـروا                      وابن الفريعة أمسى بيضة الـبـلـد

يمشون بالقول سرا فـي مـهـادنة                      تهددا لي كأني لـسـت مـن أحـد

قد ثكلت أمه من كنـت صـاحـبـه                      أو كان منتشبا في بـرثـن الأسـد

ما للقتيل الذي أسمـوا فـأقـتـلـه                      من دية فيه أعـطـيهـا ولا قـود

ما البحر حين تهب الـريح شـامـية                      فيغطئل ويرمي العبـر بـالـزبـد

يوما بأغلب مني حين تبـصـرنـي                      أفري من الغيظ فري العارض البرد

أما قريش فإني لسـت تـاركـهـم                      حتى ينيبوا من الغـيات بـالـرشـد

ويتركوا اللات والعزى بـمـعـزلة                      ويسجدوا كلهم للواحـد الـصـمـد

ويشهدوا أن ما قال الرسـول لـهـم                      حق ويوفوا بعهد الـلـه فـي سـدد

أبلغ بني بأني قـد تـركـت لـهـم                      من خير ما ترك الأبـاء لـلـولـد

الدار واسطة والـنـخـل شـارعة                      والبيض يرفلن في القسي كالـبـرد قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يا حسان نفست علي إسلام قومي  وأغضبه كلامه. فغدا صفوان بن المعطل السلمي على حسان فضربه بالسيف. وقال صفوان:

تلق ذباب السيف عني فإننـي                      غلام إذا هوجيت لست بشاعر فوثب قومه على صفوان فحبسوه، ثم جاؤوا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وهو مقبل على ناضحه بين القربتين، فذكروا له ما فعل حسان وما فعلوا؛ فقال: أشاورتم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم? قالوا لا. فقعد إلى الأرض. وقال: وانقطاع ظهراه أتأخذون بأيديكم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيكم ودعا بصفوان فأتي به، فكساه وخلاه. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من كساك كساه الله  . وقال حسان لأصحابه: احملوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضاه ففعلوا؛ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردوه. ثم سألهم فحملوه إليه الثانية؛ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا به. ثم قال لهم: عودوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا له: قد جئنا بك مرتين كل ذلك يعرض فلا نبرمه بك. فقال: احملوني إليه هذه المرة وحدها، ففعلوا. فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي احفظ قولي:

هجوت محمدا فأجبت عنه                      وعند الله في ذاك الجزاء

فإن أبى ووالده وعرضي                      لعرض محمد منكم وقاء فرضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووهب له سيرين أخت مارية أم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم. هذه رواية مصعب. وأما الزهري فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ضرب السلمي حسان قال لهم:  خذوه فإن هلك حسان فاقتلوه  . فأخذوه فأسروه وأوثقوه؛ فبلغ ذلك سعد بن عبادة فخرج في قومه إليهم فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه؛ فقال: أعمدتم إلى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤذونهم وتشتمونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم أرسلوا الرجل؛ فأبوا عليه حتى كاد يكون قتال، ثم أرسلوه. فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة، ثم أرسله سعد إلى أهله. فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ليصلي فيه، فقال:  من كساك كساه الله من ثياب الجنة  . فقال: كساني سعد بن عبادة. وذكر باقي الخبر نحوه.

مدح عائشة والاعتذار عما رماها به

وحدثني محمد بن جرير الطبري قال حدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث:

 

صفحة : 399

 

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء، وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه حسان في ضربته، وأعطاه سيرين  أمة قبطية  فولدت له عبد الرحمن بن حسان. قال: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن صفوان بن المعطل، فإذا هو حصور  لا يأتي النساء  ؛ قتل بعد ذلك شهيدا. قال ابن إسحاق في روايته عن يعقوب بن عتبة: فقال حسان يعتذر من الذي قال في عائشة:

حصان رزان ما تـزن بـريبة                      وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم                      فلا رفعت سوطي إلي أناملـي

وكيف وودي من قديم ونصرتي                      لآل رسول الله زين المحـافـل

فإن الذي قد قيل لـيس بـلائط                      ولكنه قول امرئ بي مـا حـل  هجاه رجل بما فعل به ابن المعطل

قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك: أن رجلا هجا حسان بن ثابت بما فعل به ابن المعطل فقال:

وإن ابن المعطل من سليم                      أذل قياد رأسك بالخطام  سبه أناس فدافعت عنه عائشة

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا أبو عاصم قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني محمد بن السائب عن أمه: أنها طافت مع عائشة ومعها أم حكيم وعاتكة:  امرأتان من بني مخزوم  . قالت: فابتدرنا حسان نشتمه وهو يطوف؛ فقالت: أبن الفريعة تسببن قلن: قد قال فيك فبرأك الله. قالت: فأين قوله:

هجوت محمدا فأجبت عنه                      وعند الله في ذاك الجزاء

فإن أبي ووالده وعرضي                      لعرض محمد منكم وقاء أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة عن محمد بن السائب بن بركة عن أمه بنحو ذلك، وزاد فيه: إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بقوله.

أخبرني الحسن قال حدثنا الزبير عن عبد العزيز بن عمران عن سفيان بن عيينة وسلم بن خالد عن يوسف بن ماهك عن أمه قالت: كنت أطوف مع عائشة بالبيت، فذكرت حسان فسببته؛ فقالت: بئس ما قلت أتسبينه وهو الذي يقول:

فإن أبي ووالده وعرضي                      لعرض محمد منكم وقاء فقلت: أليس ممن لعن الله في الدنيا وفي الآخرة بما قال فيك? قالت: لم يقل شيئا، ولكنه الذي يقول:

حصان رزان ما تـزن بـريبة                      وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فإن كان ما قد جاء عني قلـتـه                      فلا رفعت سوطي إلي أناملـي أخبرني الحسن قال حدثنا الزبير قال حدثني مصعب عمي قال حدثني بعض أصحابنا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كنت قاعدا عند عائشة، فمر بجنازة حسان بن ثابت فنلت منه، فقالت: مهلا فقلت: أليس الذي يقول قالت: فكيف يقوله:

فإن أبي ووالده وعرضي                      لعرض محمد منكم وقاء  فخره بلسانه

أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثني أحمد بن سلمان عن سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين: أن حسان أخذ يوما بطرف لسانه وقال: يا رسول الله، ما يسرني أن لي به مقولا بين صنعاء وبصرى، ثم قال:

لساني مغول لا عيب فيه                      وبحري ما تكدره الدلاء  خبره يوم الخندق

أخبرنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال:

 

صفحة : 400

 

كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع  حصن حسان بن ثابت  ، يعني يوم الخندق. قالت: وكان حسان معنا فيه والنساء والصبيان. قالت: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله؛ فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه؛ فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.

حديث ابن الزبير عن يوم الخندق وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثنا علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه قال: كان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع  أطم حسان بن ثابت  مع النساء يوم الخندق ومعهم عمر بن أبي سلمة. قال ابن الزبير: ومعنا حسان بن ثابت ضاربا وتدا في آخر الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين حمل على الوتد فضربه بالسيف؛ وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد حتى كأنه يقاتل قرنا، يتشبه بهم كأنه يري أنه مجاهد حين جبن. وإني لأظلم ابن أبي سلمة وهو أكبر مني بسنتين فأقول له: تحملني على عنقك حتى أنظر، فإني أحملك إذا نزلت. قال: فإذا حملني ثم سألني أن يركب قلت له: هذه المرة أيضا. قال: وإني لأنظر إلى أبي معلما بصفرة، فأخبرتها أبى بعد؛ فقال:  أين كنت حينئذ? فقلت: على عنق ابن أبي سلمة يحملني. فقال  : أما والذي نفسي بيده إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع لي أبويه.

قال ابن الزبير: وجاء يهودي يرتقي إلى الحصن. فقالت صفية له: أعطني السيف، فأعطاها. فلما ارتقى اليهودي ضربته حتى قتلته، ثم احتزت رأسه فأعطته حسان فقالت: طوح به؛ فإن الرجل أقوى وأشد رمية من المرأة. تريد أن ترعب به أصحابه.

كان حسان مقطوع الأكحل قال الزبير: وحدثني عمي عن الواقدي قال: كان أكحل حسان قد قطع فلم يكن يضرب بيده.

أنشد النبي شعرا في شجاعته فضحك قال الزبير وحدثني علي بن صالح عن جدي أنه سمع أن حسان بن ثابت أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لقد غدوت أمام القوم منتطـقـا                      بصارم مثل لون الملح قطـاع

يحفز عني نجاد السيف سابـغة                      فضفاضة مثل لون النهي بالقاع قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فظن حسان أنه ضحك من صفته نفسه مع جبنه.

قال النابغة إنه شاعر والخنساء بكاءة

قال الزبير وحدثني محمد بن الحسن قال: قال حسان بن ثابت: جئت نابغة بني ذبيان، فوجدت الخنساء بنت عمرو حين قامت من عنده، فأنشدته؛ فقال: إنك لشاعر، وإن أخت بني سليم لبكاءة.

مع الحطيئة

قال الزبير وحدثني يحيى بن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال أخبرني غير واحد من مشايخي: أن الحطيئة وقف على حسان بن ثابت وحسان ينشد من شعره؛ فقال له حسان وهو لا يعرفه: كيف تسمع هذا الشعر يا أعرأبي? قال الحطيئة: لا أرى به بأسا. فغضب حسان وقال: اسمعوا إلى كلام هذا الأعرأبي ما كنيتك? قال: أبو مليكة. قال: ما كنت قط أهون علي منك حين كنيت بامرأة، فما اسمك? فال: الحطيئة فقال حسان: امض بسلام.

اتهمه أعشى بكر عند خمار بالبخل

فاشترى كل الخمر وأراقها:

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني الزبير، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير قال حدثني بعض القرشيين قال:

 

صفحة : 401

 

دخل حسان بن ثابت في الجاهلية بيت خمار بالشأم ومعه أعشى بكر بن وائل، فاشتريا خمرا وشربا، فنام حسان ثم انتبه، فسمع الأعشى يقول للخمار: كره الشيخ الغرم. فتركه حسان حتى نام، ثم اشترى خمر الخمار كلها. ثم سكبها في البيت حتى سالت تحت الأعشى؛ فعلم أنه سمع كلامه فاعتذر إليه؛ فقال حسان:

ولسنا بشرب فوقهـم ظـل بـردة                      يعدون للخمار تيسا ومـفـصـدا

ولكننا شرب كـرام إذا انـتـشـوا                      أهانوا الصريح والسديف المسرهدا

كأنهـم مـاتـوا زمـان حـلـيمة                      فإن تأتهم تحمد ندامـتـهـم غـدا

وإن جئتهم ألفيت حول بـيوتـهـم                      من المسك والجادي فتيتا مـبـددا

ترى حول أثناء الزرأبي ساقـطـا                      نعالا وقسوبا وريطـا مـنـضـدا

وذا نمرق يسعى وملصـق خـده                      بديباجة تكفـافـهـا قـد تـقـددا  تعييره الحارث بن هشام بفراره

وهذه القصيدة يقولها حسان بن ثابت في وقعة بدر يفخر بها ويعير الحارث بن هشام بفراره عن أخيه أبي جهل بن هشام. وفيها يقول:  صوت

 

إن كنت كاذبة الذي حدثـتـنـي                      فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتـل دونـهـم                      ونجا برأس طمـرة ولـجـام - غناه يحيى المكي خفيف ثقيل أول بالوسطى. ولعزة الميلاء فيه خفيف رمل بالبنصر. وفيه خفيف ثقيل بالبنصر لموسى بن خارجة الكوفي - فأجاب الحارث بن هشام، وهو مشرك يومئذ، فقال:  صوت

 

الله يعلم ما تركت قـتـالـهـم                      حتى رموا فرسي بأشقر مزبد

وعلمت أني إن أقاتـل واحـدا                      أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي

ففررت منهم والأحبة فـيهـم                      طمعا لهم بعقاب يوم مرصـد غنى فيه إبراهيم الموصلي خفيف ثقيل أول بالبنصر، وقيل: بل هو لفليح.

تمثل رتبيل بشعر حسان

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثني سليمان بن أيوب قال حدثنا محمد بن سلام عن يونس قال: لما صار ابن الأشعث إلى رتبيل، تمثل رتبيل بقول حسان بن ثابت في الحارث بن هشام:

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم                      ونجا برأس طمرة ولجام فقال له ابن الأشعث: أو ما سمعت ما رد عليه الحارث بن هشام? قال: وما هو? فقال قال:

الله يعلم ما تركت قـتـالـهـم                      حتى رموا فرسي بأشقر مزبد

وعلمت أني إن أقاتـل واحـدا                      أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي

فصددت عنهم والأحبة فـيهـم                      طمعا لهم بعقاب يوم مرصـد فقال رتبيل: يا معشر العرب، حسنتم كل شيء حتى حسنتم الفرار.

 

أخبار غزاة بدر

حدثني بخبرها محمد بن جرير الطبري في  المغازي  قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا محمد بن سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن غزوة بدر وغيرهم من علمائنا عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سمعت من حديث بدر، قالوا:  استنفار أبي سفيان لقريش

لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال:  هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها؛ فلعل الله أن ينفلكموها  . فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. وكان أبو سفيان استقدم حين دنا من الحجاز وجعل يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا على أموال الناس، حتى أصاب خيرا من بعض الركبان أن محمدا استنفر أصحابه لك ولأصحابك ولعيرك، فجد عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه؛ فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.

رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب

 

 

صفحة : 402

 

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم  مكة  بثلاث  ليال  رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك  منها  شر أو مصيبة، فاكتم عني ما أحدثك. قال لها: وما رأيت? قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث؛ وأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثن أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة. فقال العباس: إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها  له  واستكتمه إياها؛ فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث  بمكة  حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام ورهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة. فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا؛ فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم. فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية? قال: قلت: وما ذاك? قال: الرؤيا التي رأت عاتكة. قلت: وما رأت? قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنها قالت: انفروا في ثلاث؛ فسنتربص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتأبا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان إليه مني كبير إلا أن جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرقنا. فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ويتناول النساء وأنت تسمع، ولم يكن عنك غير لشيء مما سمعت? قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له؛ فإن عاد لأكفينكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرآى  أني  قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه العرضنة ليعود لبعض ما كان فأوقع به. وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت في نفسي: ماله لعنه الله أكل هذا فرقا أن أشاتمه فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي  واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول  : يا معشر قريش اللطيمة  اللطيمة  أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها محمد في أصحابه، لاأرى أن تدركوها الغوث الغوث قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. قال: فتجهز الناس سراعا، وقالوا: لا يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين: إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.

خروج قريش وإرسال أبي لهب العاصي بن هشام مكانه

 

صفحة : 403

 

وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان لط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، فأفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه؛ فخرج عنه وتخلف أبو لهب. هكذا في الحديث. فذكر أبو عبيدة وابن الكلبي: أن أبا لهب قامر العاصي بن هشام في مائة من الإبل، فقمره أبو لهب، ثم عاد فقمره أيضا الثالثة، فذهب بكل ما كان يملكه. فقال له العاصي: أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطلب، هلم نجعلها على أينا يكون عبدا لصاحبه؛ قال: ذلك لك؛ فدحاها فقمره أبو لهب، فأسلمه قينا، وكان يأخذ منه ضريبة. فلما كان يوم بدر وأخذت قريش كل من لم يخرج بإخراج رجل مكانه أخرجه أبو لهب عنه وشرط له العتق؛ فخرج فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

رجع الحديث إلى وقعة بدر.

ابن أبي معيط و أمية بن خلف

قال محمد بن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود، وكان شيخا  جليلا جسيما  ثقيلا، فجاءه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر فإنما أنت من النساء قال: قبحك الله وقبح ما جئت به ثم تجهز وخرج مع الناس. فلما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير، ذكروا ما  كان  بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتوا من خلفنا.

تخوف قريش من كنانة وتأمين إبليس لهم

قال محمد بن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة، فكاد ذلك أن يثبطهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: إني جار لكم من أن تأتيكم كنانة  من خلفكم  بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا.

خروج النبي وعدد جيشه

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني عن غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خلون من شهر رمضان المعظم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه. فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة؛ فقال بعضهم: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان المهجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة.

حدثنا محمد قال حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام، قال أبو جعفر وحدثني محمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر - ولم يجز معه إلا مؤمن - ثلاثمائة وبضعة عشر.

استشارة النبي لأصحابه

 

 

صفحة : 404

 

قال ابن إسحاق في حديثه عمن روى عنه: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار، في ليال مضت من رمضان؛ فسار حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان له الخبر عن أبي سفيان بن حرب وغيره، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمهما. فلما استقبل الصفراء، وهي قرية بين جبلين، سأل عن جبليها ما أسماهما? فقيل: يقال لأحدهما هذا مسلح، وللآخر هذا مخرئ؛ وسأل عن أهلها فقالوا: بنو النار، وبنو حراق  بطنان من غفار  ؛ فكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل باسميهما وأسماء أهاليهما، فتركهما والصفراء يسارا، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه، حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم؛ فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون معلمون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك حتى تبلغه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير.

حدثنا محمد قال حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدثنا المخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما في الأرض من كل شيء، كان رجلا فارسا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب احمارت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال، فقال: أبشر يا رسول الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح الله تبارك وتعالى.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أشيروا علي أيها الناس  . وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوا بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى نصير إلى دارنا، فإذا وصلت فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في غير بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال:  أجل  . قال: فقد آمنا بك يا رسول الله وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا. إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله تعالى أن يريك منا ما تقر به عينك؛ فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك؛ ثم قال:  سيروا على بركة الله وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم  .

نزول النبي قريبا من بدر

 

 

صفحة : 405

 

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، وسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحط منها على بلد يقال له الدبة، ثم ترك الحنان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه - قال الطبري قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إذا أخبرتنا أخبرناك  فقال: أو ذاك بذاك? فقال:  نعم  . قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان صدقني الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا  للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم  . وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدثني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا  للمكان الذي به قريش  . فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  نحن من ماء  ، ثم انصرف الشيخ عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء? أمن ماء العراق? ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه.

إرساله نفرا من أصحابه إلى بدر فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون له الخبر عليه -.

قبض هؤلاء النفر على غلامين لقريش قال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير: - فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاصي بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم، ثم قال:  إذا صدقاكم ضربتموهما، فإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش. أخبراني أين قريش  ? قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب: العقنقل - فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:  كم القوم  ? قالا: لا ندري. قال:  كم ينحرون كل يوم  ? قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  القوم ما بين التسعمائة والألف  . ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:  فمن فيهم من أشراف قريش  ? قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عمر بن نوفل، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن ود. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال:  هذه مكة قد رمت إليكم أفلاذ كبدها  .

قدوم أبي سفيان إلى بدر متجسسا قال ابن إسحاق: وقد كان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجدي: صدقت، ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا. وأقبل أبو سفيان قد تقدم العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا? قال: ما رأيت أحد أنكره، إلا أني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره على الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا، ثم انطلق حتى أسرع.

رؤيا جهيم بن أبي الصلت

 

 

صفحة : 406

 

وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن أبي الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إني رأيت فيما يرى النائم، وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان - فعدد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش - ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضا نبي آخر من بني عبد المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.

ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع به، لهم بها سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثا، وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب  بمسيرنا وجمعنا  ، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.

رجوع بني زهرة

فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، وكان حليفا لبني زهرة، وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجى الله لكم عيركم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا؛ فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لما يقول هذا  يعني أبا جهل  ؛ فلم يشهدها زهري، وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا نفر منهم ناس، إلا بني عدي بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد. فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد.

اتهام قريش لبني هاشم ومضى القوم، وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة؛ فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم  لمع  محمد؛ فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع. وأما ابن الكلبي فإنه قال فيما حدثت عنه: شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرج كرها، فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله، وكان شاعرا، وهو الذي يقول:

يا رب إما يغزون طـالـب                      في مقنب من هذه المقانب

فليكن المسلوب غير السالب                      وليكن المغلوب غير الغالب  رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

نزول قريش بالعدوة القصوى من الوادي: قال: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل. وبطن الوادي، وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل: الكثيب الذي خلفه قريش. والقليب ببدر من العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة. وبعث الله عز وجل السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى حاذى ماء من مياه بدر فنزل به.

قال ابن إسحاق: فحدثني عشرة رجال من بني سلمة ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة? قال:  بل هو الرأي والحرب والمكيدة  . فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من مياه القوم فتنزله، ثم تعور ما سواه من القلب ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لقد أشرت الرأي  . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فعورت وبنوا حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية.

 

 

صفحة : 407

 

قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن أبي بكر أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؛ فإن نحن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه.

وقد ارتحلت قريش حين أصبحت وأقبلت. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي منه جاؤوا - إلى الوادي قال:  اللهم هذي قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم فأحنهم الغداة  . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر:  إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا  .

عرض خفاف بن إيماء معونته على قريش

ولقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، أو أبوه أيما بن رحضة، بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك رحم فقد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم، ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة. فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  دعوهم  . فما شرب منهم رجل إلا قتل يومئذ، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، نجا على فرس له يقال الوجيه، وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد في يمينه قال: والذي نجاني من يوم بدر.

بعثت قريش عمير بن وهب متجسسا

فأخبرهم بما روعهم:

قال محمد بن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد؛ فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر: أللقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي حتى أمعن، فلم ير شيئا، فرجع فقال: لم أر شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم. والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة وقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أمر ما تزال تذكر منه بخير إلى آخر الدهر? قال: وما ذاك يا حكيم? قال: ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت، أنت على ذلك شهيد، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله؛ فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يسحر الناس غيره يعني أبا جهل بن هشام.

حكيم بن حزام يقص حديث بدر لمروان

حدثنا محمد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا غمامة بن عمرو السهمي قال حدثنا مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال:

 

صفحة : 408

 

بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل عليه حاجبه فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام. قال: إيذن له. فلما دخل حكيم بن حزام، قال: مرحبا بك يا أبا خالد، أدن؛ فحال له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسادة، ثم استقبله مروان فقال: حدثنا حديث بدر. قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا؛ ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله عز وجل؛ فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت? قال: أفعل ماذا? قال: قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم واحد: ابن الحضرمي وهو حليفك، فتحمل ديته فيرجع الناس. قال: أنت وذاك، وأنا أتحمل ديته، فاذهب فاذهب إلى ابن الحنظلية يعني أبا جهل فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك? فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، فإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: قد فسخت عقدي من بني عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك? قال: أما وجد رسولا غيرك? قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولا لغيره. قال حكيم: فخرج مبادرا إلى عتبة وخرجت معه لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة يتكئ على إيماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشر في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك فقال عتبة: فستعلم. فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه؛ فقال إيماء بن رحضة: بئس المقام هذا فعند ذلك قامت الحرب.

رجع الحديث إلى ابن إسحاق

نصح عتبة بن ربيعة قريشا بالرجوع فأبى أبو جهل: ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا، فقال: يا معشر قريش، والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه، لا يزال الرجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، رجل قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعدموا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها وهو يهيئها؛ فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا الذي قال؛ فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه. كلا والله لا مرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه؛ وما يعتبه ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه قد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عامر الحضرمي فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه فحميت الحرب، وحقب أمر الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة. ولما بلغ عتبة قول أبي جهل:  انتفخ سحره  قال: سيعلم مصفر الإست من انتفخ سحره: أنا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فلم يجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته؛ فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.

أقسم الأسود بن عبد الأسد ليشربن من حوض المسلمين فقتل

وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلا شرسا سيء الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

 

 

صفحة : 409

 

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا نصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إلى فتية من الأنصار ثلاثة نفر، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة؛ فقالوا: من أنتم? قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا علي بن أبي طالب  . فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم? فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا: نعم أكفاء كرام. فبارز عبيدة بن الحارث، وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة؛ وبارز حمزة شيبة بن ربيعة؛ وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علي فلم يمهل الوليد بن عتبة أن قتله. واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه؛ فكر حمزة وعلي على عتبة بأسيافهما فذففا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة، فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخه يسيل. فلما أتو بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله? قال:  بلى  . فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم أني بما قال أحق منه حيث يقول:

ونسلمه حتى نصرع حوله                      ونذهل عن أبنائنا والحلائل قال محمد بن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا له: أكفاء كرام، إنما نريد قومنا. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض - وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم، وقال:  إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل  - ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر.

وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، قال ابن إسحاق: كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين.

قال محمد بن جرير وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال لي محمد بن إسحاق حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح، ثم قال:  استو يا سواد بن غزية  . فقال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق، فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال:  استقد  ؛ فاعتنقه وقبل بطنه. فقال:  ما حملك على هذا يا سواد  ? فقال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فلم آمن الموت، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا. ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش ودخله ومعه أبو بكر ليس معه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول:  اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم - يعني المسلمين - لا تعبد بعد اليوم  . وأبو بكر يقول: يا نبي الله خلي بعض مناشدتك ربك؛ فإن الله منجز لك ما وعدك.

دعاء النبي يوم بدر

حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قتال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثني سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعدتهم وإلى أصحابه وهم نيف على ثلاثمائة، استقبل الكعبة وجعل يدعوا ويقول:  اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من الإسلام لا تعبد في الأرض  . فلم يزل كلك حتى سقط رداؤه؛ فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من ورائه فقال: كفاك يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، مناشدتك لربك، سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى:  إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين  .

حدثنا محمد قال حدثنا ابن وكيع قال حدثنا الثقفي يعني عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس:

 

صفحة : 410

 

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبته يوم بدر  اللهم أسألك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم  . قال:  فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا نبي الله، فقد ألححت على ربك، وهو في الدرع؛ فخرج وهو يقول:  سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر  .

رجع الحديث إلى حديث ابن أبي إسحاق

أخذت النبي سنة ثم انتبه مبشرا بالنصر ومحرضا على القتال: قال: وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو بالعريش، ثم انتبه فقال:  يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده وعلى ثناياه النقع  ، قال: وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم ونفل كل امرئ ما أصاب، وقال:  والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجلا فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة  . فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلها: بخ بخ أما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال: ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، وهو يقول:

ركضا إلى الله بغـير زاد                      إلا التقى وعمل المـعـاد

والصبر في الله على الجهاد                      وكل زاد عرضة النـفـاد

غير التقى والبر والرشاد حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده? قال:  غمسه يده في العدو حاسرا  ؛ فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

التقاء الفريقين وهزيمة المشركين

حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة؛ فكان هو المستفتح على نفسه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء واستقبل بها قريشا، ثم قال:  شاهت الوجوه  ثم نفحهم بها، وقال لأصحابه:  شدوا  ؛ فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر منهم. فلما وضع القوم أيديهم يأسرون - ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشخا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو - رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهة فيما يصنع الناس؛ فقال له:  كأنك كرهت ما يصنع الناس   قال: أجل يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله عز وجل بأهل الشرك؛ فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال.

نهى النبي عن قتل جماعة خرجوا مستكرهين حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس:

 

صفحة : 411

 

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ:  إني قد عرفت أن رجلا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا؛ فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب - عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا يقتله، فأنما خرج مستكرها  . قال: فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أيقتل آباؤنا وأبناؤنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول لعمر بن الخطاب:  يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف  . فقال: عمر: يا رسول الله، دعني فلأضربن عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق. قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص. قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة شهيدا.

سبب نهي النبي عن قتل أبي البختري قال: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري، لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، كان لايؤذيه ولا يبلغه عنه بمكة شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب. فلقيه المجدر بن ذياد البلوي حليف الأنصار من بني عدي، فقال المجذر بن ذياد لأبي البختري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بن زهير بن الحارث بن أسد - وجنادة رجل من بني ليث. واسم أبي البحتري العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد - قال: وزميلي? فقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك؛ ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك. قال: والله إذن لأموتن أنا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء قريش بين أهل مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة. فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال وهو يرتجز:

لن يسلم ابن حرة أكـيلـه                      حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا، فقتله المجذر بن ذياد. ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلا القتال، فقاتلته فقتلته.

عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف

قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة. قال: وكان اسمي عبد عمرو، فسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة. قال: وكان يلقاني بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماك به أبواك? فأقول نعم؛ فيقول: فإني لآ أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه. فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا علي ما شئت. قال: فأنت عبد الإله. فقلت نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه. حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع علي ابنه آخذا بيده، ومعي أدراع قد سلبتها وأنا أحملها. فلما رآني قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه. فقال: يا عبد الإله، قلت نعم. قال: هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع? قلت: نعم، هلم إذا. فطرحت الأدراع بين يدي وأخذت بيده وبيد ابنه علي، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن? ثم خرجت أمشي بينهما.

مقتل أمية بن خلف وابنه قال إبن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال:

 

صفحة : 412

 

قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل المعلم منكم بريش نعامة في صدره? قال قلت: ذلك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد؛ فيقول بلال: أحد أحد - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوا قال: قلت: أي بلال، أبأسيري قال: لا نجوت إن نجوا قلت: أي بلال، أبأسيري تسمع يا بن السوداء قال: لا نجوت إن نجوا ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نحوت إن نجوا. قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه. قال: فأخلف رجل السيف ضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط. قال قلت: انج بنفسك ولا نجاء فوالله ما أغني عنك شيئا. قال: فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا ذهب بأدراعي وفجعني بأسيري.

قتال الملائكة في غزوة بدر

قال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة - فننهب من ينهب. فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه. وأما أنا فكدهت أهلك، ثم تماسكت.

قال محمد بن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجار عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرا، قال: إن لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعلمت أنه قد قتله غيري.

حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم المصري قال حدثنا يحي بن بكير قال حدثني محمد بن إسحاق عن العلاء بن كثير عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال لي أبي: يا بني، لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير إلى المشرك بسيفه فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.

لباس الملائكة يوم بدر وحنين حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد قال، وحدثني الحسن بن عمارة قال أخبرنا سلمة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام مددا وعددا ولا يضربون.

مقتل أبي جهل بن هشام

حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال، قال محمد وحدثني ثور بن زيد ولي بني الديل عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر، قالا: كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة يقول: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، وقال:  اللهم لا يعجزنك  . وكان أول من لقي أبا جهل بن معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم، وأبو جهل في مثل الحرجة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلتها من شأني، فعمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا كالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلده من جنبي، وأجهضني القتال عنها؛ فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها.

 

 

صفحة : 413

 

قال: ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفان. قال: ثم مر بأبي جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل. فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلمس في القتلى، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني:  انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته؛ فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان، وكنت أشب - أو أشف - منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فخدش في إحداهما خدشا لم يزل أثره فيها بعد  . فقال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني، ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدو الله? قال: وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه لمن الدبرة اليوم? قال: قلت: لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد قال: زعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  الله الذي لا إله غيره  - وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت: نعم والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحمد الله.

تكليم النبي أصحاب القليب بعد موتهم

قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن ابن الزبير عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيها إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها؛ فذهبوا به ليخرجوه فتزايل، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. فلما ألقوهم في القليب، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا  . فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى? قال:  لقد علموا إن ما وعدهم ربهم حق  . قالت عائشة: والناس يقولون:  لقد سمعوا ما قلت لهم  ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لقد علموا  .

قال ابن إسحاق وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول من جوف الليل:  يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا  قال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماص قد جيفوا فقال:  ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونني  .

قال محمد بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال هذه المقالة قال:  يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس  . ثم قال:  هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا  للمقالة التي قالها. ولما أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغير؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء  أو كما قال. قال فقال: لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعلاف من أبي رأيا وفضلا وحلما، فكنت أرجو أن يهديه الله إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير وقال له خيرا.

اختلاف المسلمين على الفيء

 

 

صفحة : 414

 

ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع، واختلف المسلمون فيه: فقال من جمعه: هو لنا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرىء ما أصاب. فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم: لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم بأحق منا، ولقد رأينا أن نقتل العدو إذ ولانا الله ومنحنا أكتافهم، ولقد رأينا أن تأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولقد خفنا على رسول الله كرة العدو، فقمنا دونه، فما أنتم أحق به منا.

مقتل النضر بن الحارث

قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الأسارى من المشركين، وكانوا أربعة وأربعين أسيرا، وكان من القتلى مثل ذلك، وفي الأسارى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء، قتل النضر بن الحارث بن كلدة، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

تعنيف سودة لسهيل بن عمرو

حين أسر وعتاب النبي لها في ذلك:

قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم، وسودة بن زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب قال: تقول سودة: والله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أوتي بهم، فرحت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. قالت: فو الله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما فو الله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت:  يا سودة أعلى الله وعلى رسوله   قالت: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت.

إخبار الحيسمان أهل مكة عن قتلى بدر

قال محمد بن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش، الحيسمان بن عبيد الله بن إياس بن ضبيعة بن رومان بن كعب بن عمرو الخزاعي. قالوا: ما وراءك? قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري بن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا فسلوه عني. قالوا: ما فعل صفوان بن أمية? قال: هو ذالك جالس في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

أبو لهب وتخلفه عن الحرب ثم موته

قال محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال:

 

صفحة : 415

 

قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبر عن مصاب أهل بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا؛ وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم؛ فو الله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه يسير حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم؛ فقال أبو لهب: هلم إلي يا بن أخي، فعندك لعمري الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه. فقال يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس? قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فأبحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجلا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة. قال: فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا؛ فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة، فشجت في رأسه شجة منكرة وقالت: أتستضعفه أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا. فو الله ما عاش فيها إلا سبع ليال حتى رماه الله جل جلاله بالعدسة فقتلته؛ فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا لا يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتقي العدسة كما يتقى الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما لا تستحييان أن أباكما قد أنتن في بيته فلا تغيبانه فقالا: نخشى هذه القرحة. قال: فانطلقا فأنا معكما. فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه؛ فاحتملوه فدفنوه بأعلى مكة على جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه.

العباس وتألم النبي لأسره

قال محمد بن إسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس قال: لما أمسى القوم من يوم بدر، والأسارى محبوسون في الوثاق، بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهرا أول ليلته. فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام? فقال:  سمعت تضور العباس في وثاقه  ؛ فقاموا إلى العباس فأطلقوه؛ فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر:  كيف أسرت العباس يا أبا اليسر  ? فقال: يا رسول الله، أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لقد أعانك عليه ملك كريم  .

قال ابن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة:  يا عباس افد نفسك، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال  . فقال: يا رسول الله، إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال:  الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا؛ فافد نفسك  . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب. فقال العباس: يا رسول الله، احسبها لي في فدائي. قال:  لا، ذلك شيء أعطاناه الله منك  . قال: فإنه ليس لي مال. قال قال:  فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها أن أصبت في سفرتي هذه فللفضل كذا ولعبد الله كذا ولقثم كذا ولعبيد الله كذا  ? قال: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه وابن أخيه وحليفه.

 

 

صفحة : 416

 

فدت زينب زوجها أبا العاصي فرد عليها النبي الفداء: قال إبن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاصي بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال:  إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا   فقالوا: نعم يا رسول الله؛ فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.

رثاء الأسود بن المطلب لأولاده

قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال: ناحت قريش على قتلاها، ثم قالت: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء. قال: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل والحارث بنو الأسود، وكان يحب أن يبكي على بنيه. فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل، فقال لغلامه وقد ذهب بصره: انظر هل أحل النحيب? وهل بكت قريش على قتلاها? لعلي أبكي على أبي حكيمة  يعني زمعة  ؛ فإن جوفي قد احترق. فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته؛ فذلك حين يقول الأسود:

أتبكي أن أضل لها بـعـير                      ويمنعها البكاء من الهجـود

ولا تبكي على بكر ولـكـن                      على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سراة بني هصيص                      ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكي إن بكيت على عقـيل                      وبكي حارثا أسـد الأسـود

وبكيهم ولا تسمي جمـيعـا                      فما لأبي حكيمة من نـديد

ألا قد ساد بعدهـم رجـال                      ولولا يوم بدر لـم يسـودوا رثاء هند بنت عتبة أباها ومما قيل في بدر من الشعر وغني به قول هند بنت عتبة ترثي أباها:  صوت

 

من حس لي الأخوين كال                      غصنين أو من راهمـا

قرمان لا يتـظـالـمـا                      ن ولا يرام حماهـمـا

ويلي علـى أبـوي وال                      قبر الـذي واراهـمـا

لا مثل كهلي في الكهـو                      ل ولا فتى كفتاهـمـا ذكر الهشامي أن الغناء لابن سريج رمل، وفي الكتاب الكبير المنسوب إلى إسحاق أنه للغريض - وتمام هذه الأبيات:

أسدان لا يتـذلـلا                      ن ولا يرام حماهما

رمحين خطيين في                      كبد السماء تراهما

ما خلفـا إذ ودعـا                      في سدود شرواهما

سادا بغير تكـلـف                      عفوا يفيض نداهما معاظمتها الخنساء بعكاظ وشعرهما في مصابهما أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي، وأخبرني ابن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: لما كانت وقعة بدر، قتل فيها عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة؛ فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم، وبلغها تسويم الخنساء هودجها في الموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وأنها جعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وقد سومت هودجها براية، وأنها تقول: أنا أعظم العرب مصيبة، وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك. فلما أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك، قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة ، وأمرت بهودجها فسوم براية، وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت سوقا يجتمع فيها العرب، فقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء، ففعلوا. فلما أن دنت منها، قالت لها الخنساء: من أنت يا أخية? قالت: أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك، فبم تعاظمينهم? فقالت الخنساء: بعمرو بن الشريد، وصخر ومعاوية ابني عمرو، وبم تعاظمينهم أنت? قالت: بأبي عتبة بن ربيعة، وعمي شيبة بن ربيعة، وأخي الوليد. قالت الخنساء: أو سواء هم عندك? ثم أنشدت تقول:

أبكي أبي عمرا بعين غزيرة                      فليل إذا نام الخلي هجودهـا

وصنوي لا أنسى معاوية الذي                      له من سراة الحرتين وفودها

 

صفحة : 417

 

 

وصخرا، ومن ذا مثل صخر إذا غدا                      بساهمة الآطال قـبـا يقـودهـا

فذلك يا هند الرزية فـاعـلـمـي                      ونيران حرب حين شب وقـودهـا فقالت هند تجيبها:

أبكي عميد الأبطحين كلـيهـمـا                      وحاميهما من كل بـاغ يريدهـا

أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي                      وشيبة والحامي الذمار ولـيدهـا

أولئك آل المجد من آل غـالـب                      وفي العز منها حين ينمي عديدها وقالت لها أيضا يومئذ:

من حس لي الأخوين كال                      غصنين أو من راهمـا أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني بعض القرشيين قال: قدم عبد الله بن جعفر على معاوية وافدا، فدخل عليه إنسان ثم ذهب إلى معاوية فقال: هذا ابن جعفر يشرب النبيذ، ويسمع الغناء، ويحرك رأسه عليه. فجاء معاوية متغيرا حتى دخل على ابن جعفر، وعزة الميلاء بين يديه كالشمس الطالعة في كواء البيت يضيء بها البيت، تغنيه على عودها:

تبلت فؤادك في الظلام خريدة                      تشفي الضجيع ببارد بسـام وبين يديه عس؛ فقال: ما هذا يا أبا جعفر? قال: أقسمت عليك يا أمير المؤمنين لتشربن منه، فإذا عسل مجدوح بمسك وكافور. فقال: هذا طيب، فما هذا الغناء? قال: هذا شعر حسان بن ثابت في الحارث بن هشام. قال: فهل تغني بغير هذا? قال: نعم، بالشعر الذي يأتيك به الأعرأبي الجافي الأدفر، القبيح المنظر، فيشافهك به، فتعطيه عليه؛ وآخذه أنا، فأختار محاسنه ورقيق كلامه، فأعطيه هذه الحسنة الوجه، اللينة اللمس، الطيبة الريح، فترتله بهذا الصوت الحسن. قال: فما تحريكك رأسك? قال: أريحية أجدها إذا سمعت الغناء، لو سئلت عندها لأعطيت، ولو لقيت لأبليت. فقال معاوية: قبح الله قوما عرضوني لك. ثم خرج وبعث إليه بصلة.

 

صوت من المائة المختارة

عمر بن أبي ربيعة ونعم:

أيها القلـب لا أراك تـفـيق                      طالما قد تعلقتك العـلـوق

من يكن من هوى حبيب قريبا                      فأنا النازح البعيد السـحـيق

قضي الحب بيننا فالتـقـينـا                      وكلانا إلى اللقاء مـشـوق الشعر في البيت الأول والثالث لعمر بن أبي ربيعة، والبيت الثاني ليس له، ولكن هكذا غني؛ وليس هو أيضا مشاكلا لحكاية ما في البيت الثالث. والغناء لبابويه الكوفي، خفيف ثقيل أول. وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من قريش، يقال لها نعم، كان كثير الذكر لها في شعره. أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي عبد الله التميمي عن القحذمي والمدائني. قال: وهي التي يقول فيها:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر قال: وكانت تكنى أم بكر، وهي من بني جمح. وتمام هذه الأبيات على ما حكاه ابن المرزبان عمن ذكرت:

فالتقينا ولم نخف ما لـقـينـا                      ليلة الخيف، والمنى قد تشوق

وجرى بيننا فـجـدد وصـلا                      قلـب حـول أريب رفـيق

لا تظني أن التراسل والـبـد                      ل لكل النساء عنـدي يلـيق

هل لك اليوم إن نأت أم بكـر                      وتولت إلى عـزاء طـريق أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثت عن محمد بن حميد عن عبد الله بن سوار القاضي عن بشر بن المفضل قال: بلغ عمر بن أبي ربيعة أن نعما اغتسلت في غدير، فأتاه فأقام عليه، وما زال يشرب منه حتى جف.

أخبرني محمد بن خلف قال: قال محمد بن حبيب الراوية: بلغني أن نعما استقبلت عمر بن أبي ربيعة في المسجد الحرام، وفي يدها خلوق من خلوق المسجد، فمسحت به ثوبه، ومضت وهي تضحك؛ فقال عمر:

أدخل الله رب موسى وعيسى                      جنة الخلد من ملاني خلوقـا

مسحته من كفها في قميصـي                      حين طافت بالبيت مسحا رفيقا

غضبت أن نظرت نحو نسـاء                      ليس يعرفنني سلكن طريقـا

وأرى بينهـا وبـين نـسـاء                      كنت أهذي بهن بونا سحيقـا وهذا البيت الأول مما عيب على عمر.

ومما غني فيه من تشبيب عمر بنعم هذه:  صوت

 

دين هذا القلب من نعم                      بسقام ليس كالسـقـم

إن نعما أقصدت رجلا                      آمنا بالخيف إذ ترمى

 

صفحة : 418

 

 

بشتيت نبـتـه رتـل                      طيب الأنياب والطعم

وبوحف مائل رجـل                      كعناقيد من الكـرم ومنها:  صوت

 

خليلي أربعـا وسـلا                      بمغنى الحي قد مثـلا

بأعلى الواد عند البـئ                      ر هيج عبرة سـبـلا

وقد تغنى بـه نـعـم                      وكنت بوصلها جـذلا

ليالي لا نحـب لـنـا                      بعيش قد مضى بـدلا

وتهوانـا ونـهـواهـا                      ونعصي قول من عذلا

وترسل في ملاطـفة                      ونعمل نحوها الرسلا غناه الهذلي، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن سريج لحنان: رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها عن إسحاق ثاني ثقيل، ولسليم خفيف رمل، جميعا عن الهشامي. قال: ويقال: إن اللحن المنسوب إلى سليم لحكم الوادي.

ومنها من قصيدة أولها:

لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتـنـا                      فأحبب بها من مرسل متغضب يغنى منها في قوله:  صوت

 

فقلت لجناد خذ السيف واشـتـمـل                      عليه برفق وارقب الشمس تغـرب

وأسرج لي الدهماء واعجل بممطري                      ولا تعلمن حيا من الناس مذهـبـي

فلما التقينا سلمـت وتـبـسـمـت                      وقالت مقال المعرض المتجـنـب

أمن أجل واش كاشـح بـنـمـيمة                      مشى بيننا صدقـتـه لـم تـكـذب

وقطعت حبل الوصل منا، ومن يطع                      بذي وده قول الـمـؤرش يعـتـب  صوت

 

ما بال أهلك يا ربـاب                      خزرا كانهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا                      وتهر دونهم الكـلاب عروضه من الكامل. الشعر لعلس ذي جدن الحميري، أخبرنا بذلك محمد بن الحسن بن دريد عن عمه عن العباس بن هشام عن أبيه. والغناء لطويس؛ ولحنه المختار خفيف رمل بالبنصر.

 

نسب علس ذي جدن وأخباره

نسبه وسبب لقبه

هو علس بن زيد بن الحارث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أعز بن الهم بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهو ملك من ملوك حمير. ولقب ذا جدن لحسن صوته - والجدن: الصوت بلغتهم - ويقال: إنه أول من تغنى باليمن.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي وأبي مسكين قالا: إنما سمي ذا جدن لحسن صوته.

قبره بصنعاء وآثاره

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن إسماعيل بن إبراهيم بن ذي الشعار الهمداني عن حيان بن هانئ الأرحبي عن أبيه قال: أخبرني رجل من أهل صنعاء: أنهم حفروا حفيرا في زمن مروان، فوقفوا على أزج له باب، فإذا هم برجل على سرير كأعظم ما يكون من الرجال، عليه خاتم من ذهب وعصابة من ذهب، وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه:  أنا علس ذو جدن القيل، لخليلي مني النيل، ولعدوي مني الويل. طلبت فأدركت وأنا ابن مائة سنة من عمري، وكانت الوحش تأذن لصوتي. وهذا سيفي ذو الكف عندي، ودرعي ذات الفروج ورمحي الهزبري، وقوسي الفجواء، وقربي ذات الشر، فيها ثلاثمائة حشر، من صنعة ذي نمر؛ أعددت ذلك لدفع الموت عني فخانني  . قال: فنظرنا فإذا جميع ذلك عنده. ووجدت هذا الخبر عن ابن الكلبي في بعض الكتب من غير رواية ابن عمار، فوجدت فيه: فإذا طول السيف اثنا عشر شبرا، وعليه مكتوب تحت شاربه بالمسند:  باست امرئ كنت في يده فلم ينتصر  .

انقضت أخباره.

 

أخبار طويس ونسبه

أول من صنع الهزج والرمل

طويس لقب، واسمه طاوس، مولى بني مخزوم. وهو أول من غنى الغناء المتقن من المخنثين. وهو أول من صنع الهزج والرمل في الإسلام. وكان يقال: أحسن الناس غناء في الثقيل ابن محرز، وفي الرمل ابن سريج، وفي الهزج طويس، وكان الناس يضربون به المثل، فيقال:  أهزج من طويس  .

غنى أبان بن عثمان بالمدينة

فطرب وسأله عن عقيدته وعن سنه وعن شؤمه:

 

 

صفحة : 419

 

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه وأبي مسكين، قال إسحاق: وحدثني المدائني والهيثم بن عدي عن صالح بن كيسان: أن أبان بن عثمان وفد على عبد الملك بن مروان، فأمره على الحجاز؛ فأقبل حتى إذا دنا من المدينة تلقاه أهلها، وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس؛ فلما رآه سلم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إني كنت أعطيت الله عهدا لئن رأيتك أميرا لأخضبن يدي إلى المرفقين، ثم أزدو بالدف بين يديك، ثم أبدى عن دفه وتغنى بشعر ذي جدن الحميري:

ما بال أهلك يا رباب                      خزرا كأنهم غضاب قال: فطرب أبان حتى كاد أن يطير، ثم جعل يقول له: حسبك يا طاوس - ولا يقول له: يا طويس لنبله في عينه - ثم قال له: اجلس فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال: جعلت فداءك والله إني لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأصلي الخمس، وأصوم شهر رمضان، وأحج البيت. فقال: أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان? - وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمه - فقال له طويس: أنا والله، جعلت فداءك، مع جلائل نساء قومي، أمسك بذيولهن يوم زفت أمك المباركة إلى أبيك الطيب. قال: فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض.

وأخبرني بهذه القصة إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا العتبي عن أبيه بمثل هذه القصة عن أبان وطويس. وزاد فيها أن طويسا قال له: نذري أيها الأمير قال: وما نذرك? قال: نذرت إن رأيتك أميرا في هذه الدار أن أغني لك وأزدو بدفي بين يديك. فقال له: أوف بنذرك؛ فإن الله عز وجل يقول:  يوفون بالنذر  . قال: فأخرج يديه مخضوبتين، وأخرج دفه وتغنى:

ما بال أهلك يا رباب وزاد فيه: فقال له أبان: يقولون: إنك مشؤوم، قال: وفوق ذلك قال وما بلغ من شؤمك? قال: ولدت ليلة قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت ليلة مات أبو بكر رضي الله عنه، واحتملت ليلة قتل عمر رضوان الله عليه، وزفت إلي أهلي ليلة قتل عثمان رضي الله عنه. قال: فاخرج عني عليك الدبار.

أهدر دمه أمير المدينة مع المخنثين

أخبرني إسماعيل قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن الوليد قال حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخص بالسبخة مما يلي مسجد الأحزاب، فلما نظر إلى يحيى بن الحكم جلس، فاستراب به، فوجه أعوانه في طلبه؛ فأتي به كأنه امرأة في ثياب مصبغة مصقولة وهو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش المخنث. فقال له: ما أحسبك تقرأ من كتاب الله عز وجل شيئا، اقرأ أم القرآن. فقال: يا أبانا لو عرفت أمهن لعرفت البنات. فقال له: أتتهزأ بالقرآن لا أم لك وأمر به فضربت عنقه. وصاح في المخنثين: من جاء بواحد منهم فله ثلاثمائة درهم. قال زرجون المخنث: فخرجت بعد ذلك أريد العالية، فإذا بصوت دف أعجبني، فدنوت من الباب حتى فهمت نغمات قوم آنس بهم، ففتحته ودخلت، فإذا بطويس قائم في يده الدف يتغنى، فلما رآني قال لي: إيه يا زرجون قتل يحيى بن الحكم ابن نغاش? قلت نعم. قال: وجعل في المخنثين ثلاثمائة درهم? قلت نعم. فاندفع يغني:

ما بال أهلك يا ربـاب                      خزرا كانهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا                      وتهر دونهم كـلاب ثم قال لي: ويحك أما جعل في زيادة ولا فضلني عليهم في الجعل بفضلي شيئا.

مالك بن أنس وحسين بن دحمان الأشقر

أخبرني محمد بن عمرو العتأبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان - ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف - قال حدثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي قال حدثني حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة، فخلا لي الطريق وسط النهار، فجعلت أتغنى:

ما بال أهلك يا رباب                      خزرا كأنهم غضاب

 

صفحة : 420

 

قال: فإذا خوخة قد فتحت، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة؛ ثم اندفع يغنيه، فظننت أن طويسا قد نشر بعينه، فقلت له: أصلحك الله من أين لك هذا الغناء? فقال: نشأت وأنا غلام حدث أتبع المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه؛ فإنه لا يضر معه قبح الوجه. فتركت المغنين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي عز وجل ما ترى. فقلت له: فأعد جعلت فداءك قال: لا ولا كرامة أتريد أن تقول: أخذته عن مالك بن أنس وإذا هو مالك بن أنس ولم أعلم.

 

صوت من المائة المختارة

 

لمن ربع بذات الجي                      ش أمسى دارسا خلقا

وقفت بـه أسـائلـه                      ومرت عيسهم حزقا

علوا بك ظاهر البيدا                      ء والمحزون قد قلقا - ذات الجيش: موضع. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن جيشا يغزو الكعبة، فيخسف بهم إلا رجلا واحدا يقلب وجهه إلى قفاه، فيرجع إلى قومه كذلك، فيخبرهم الخبر. حدثني بهذا الحديث أحمد بن محمد الجعدي قال حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقة قال سمعت نافع بن جبير بن مطعم يقول حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم  . قالت عائشة: فقلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم سواهم ومن ليس منهم? قال:  يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على قدر نياتهم  - الشعر للأحوص، والغناء في هذا اللحن المختار للدلال المخنث وهو أحد من خصاه ابن حزم بأمر الوليد بن عبد الملك مع المخنثين. والخبر في ذلك يذكر بعد. ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأول والثالث. ولإسحاق فيه ثقيل أول آخر. وفيه لمالك لحن من خفيف الرمل عن يونس والهشامي وغيرهما. وفيه رمل ينسب إلى ابن سريج، وهو مما يشك في نسبته إليه. وقيل: إن خفيف الرمل لابن سريج، والرمل لمالك. وذكر حبش أن فيه للدلال خفيف ثقيل بالبنصر أيضا.

 

ذكر الأحوص وأخباره ونسبه

اسم الأحوص ولقبه ونسبه

هو الأحوص. وقيل: إن اسمه عبد الله، وإنه لقب بالأحوص لحوص كان في عينيه. وهو ابن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - واسم أبي الأقلح قيس - بن عصيمة بن النعمان بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وكان يقال لبني ضبيعة بن زيد في الجاهلية: بنو كسر الذهب. وقال الأحوص حين نفي إلى اليمن:

بدل الدهر من ضبيعة عكا                      جيرة وهو يعقب الأبدالا سبب تسمية جده عاصم حمي الدبر وكان جده عاصم يقال له حمي الدبر؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بعثا، فقتله المشركون؛ وأرادوا أن يصلبوه فحمته الدبر، وهي النحل، فلم يقدروا عليه، حتى بعث الله عز وجل الوادي في الليل فاحتمله فذهب به. وفي ذلك يقول الأحوص مفتخرا:

وأنا ابن الذي حمت لحمه الدب                      ر قتيل اللحيان يوم الرجـيع <H6 قصة وفد عضل والقارة وقتل البعث</H6 <H6 الذي أرسل معهم: </H6 حدثنا بالخبر في ذلك محمد بن جرير الطبري قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عن عاصم بن عمر بن قتادة قال:

 

صفحة : 421

 

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما وخيرا، فابعث معنا نفرا من أصحابك، يفقهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير حليف بني عدي بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي أخا بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخا بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفا لبني ظفر من بلي، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  عليهم  مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع  ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدر الهدأة  غدروا بهم، واستصرخصوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم؛ فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم؛ فقالوا  إنا  والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقالوا: إنا والله ما نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا. وأما زيد بن الدثنة، وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم؛ فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها؛ حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما مكة فباعوهما. فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل - وكان حجير أخا الحارث بن عامر بن نوفل لأمه - ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأمية بن خلف أبيه. وقد كان هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين قتل عاصم ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر، فمنعته الدبر. فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي، فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله عز وجل الوادي فاحتمل عاصما فذهب به. وكان عاصم قد أعطى الله عز وجل عهدا لا يمسه مشرك أبدا ولا يمس مشركا أبدا تنجسا منه. فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته:  عجبا لحفظ الله عز وجل العبد المؤمن كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد مماته كما امتنع منه في حياته  .

رواية أخرى عن البعث ومصيره قال محمد بن جرير: وأما غير ابن إسحاق، فإنه قص من خبر هذه السرية غير الذي قصه غيره: من ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون العمري قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمر أو عمرو بن أسيد عن أبي هريرة:

 

صفحة : 422

 

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة رهط، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فخرجوا، حتى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فبعثوا إليهم مائة رجل راميا، فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر، فقالوا: نوى يثرب ثم اتبعوا آثارهم؛ حتى إذا أحس بهم عاصم وأصحابه التجؤوا إلى جبل، فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم، وأعطوهم العهد. فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، اللهم أخبر نبيك عنا. ونزل إليهم ابن الدثنة البياضي، وخبيب، ورجل آخر؛ فأطلق القوم أوتار قسيهم، ثم أوثقوهم، فجرحوا رجلا من الثلاثة، فقال: هذا والله أول الغدر، والله لا أتبعكم، فضربوه وقتلوه؛ وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة، فدفعوا خبيبا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد. فبينما خبيب عند بنات الحارث، استعار من إحدى بنات الحارث موسى ليستحد بها للقتل، فما راع المرأة ولها صبي يدرج إلى خبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى بيده، فصاحت المرأة؛ فقال خبيب: أتحسبين أني أقتله إن الغدر ليس من شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا. وبعث حي من قيس إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشيء، وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحد، فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا. فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ذروني أصلي ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين - فجرت سنة لمن قتل صبرا أن يصلي ركعتين - ثم قال: لولا أن يقال جزع لزدت، وما أبالي:

على أي شق كان لله مصرعي ثم قال:

وذلك في ذات الإله وإن يشـأ                      يبارك على أوصال شلو ممزع اللهم أحصهم عددا، وخذهم بددا. ثم خرج به أبو سروعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله.

حدثنا محمد قال حدثنا كريب قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل، قال وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش. قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها، فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفت فلم أر لخبيب أثرا، فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تظهر لخبيب رمة حتى الساعة.

قال محمد بن جرير: وأما زيد بن الدثنة، فإن صفوان بن أمية بعث  به  -فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق -  مع  مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، فأخرجه من الحرم ليقتله؛ واجتمع  إليه  رهط من قرش فيهم أبو سفيان بن حرب؛ فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وأنك في أهلك? فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس.

أخبرني أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: نزل عبد الله وأبو أحمد ابنا جحش، حين قدما مهاجرين، على عاصم بن ثابت، وكنيته أبو سليمان.

شعر لعاصم بن ثابت وكنيته وقال عاصم:

أبو سليمان وريش المقعد                      ومجنأ من جلد ثور أجرد وذكر لنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير أن عاصما، فيما قيل، كان يكنى أبا سفيان. قال: وقال في يوم الرجيع:

أنا أبو سفيان مثـلـي رامـا                      أضرب كبش العارض القداما  كنية الأحوص واسم أمه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه قال: كنية الأحوص أبو محمد. وأمه أثيلة بنت عمير بن مخشي؛ وكان أحمر أحوص العينين.

رأي الفرزدق في شعره

قال الزبير فحدثني محمد بن يحيى قال:

 

صفحة : 423

 

قدم الفرزدق المدينة، ثم خرج منها، فسئل عن شعرائها، فقال: رأيت بها شاعرين وعجبت لهما: أحدهما أخضر يسكن خارجا من بطحان يريد ابن هرمة؛ والآخر أحمر كأنه وحرة على برودة في شعره يريد الأحوص. والوحرة: يغسوب أحمر ينزل الأنبار.

هجاؤه لابنه

وقال الأحوص يهجو نفسه ويذكر حوصه:

أقبح به من ولد وأشـقـح                      مثل جري الكلب لم يفقح

إن ير سوءا لم يقم فينبـح                      بالباب عند حاجة المستفتح قال الزبير: ولم يبق للأحوص من ولده غير رجلين.

طبقته في الشعر

قال الزبير: وجعل محمد بن سلام الأحوص، وابن قيس الرقيات، ونصيبا، وجميل بن معمر طبقة سادسة من شعراء الإسلام، وجعله بعد ابن قيس، وبعد نصيب. قال أبو الفرج: والأحوص، لولا ما وضع به نفسه من دنيء الأخلاق والأفعال، أشد تقدما منهم عند جماعة أهل الحجاز وأكثر الرواة؛ وهو أسمح طبعا، وأسهل كلاما، وأصح معنى منهم؛ ولشعره رونق وديباجة صافية وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لواحد منهم. وكان قليل المروءة والدين، هجاء للناس، مأبونا فيما يروى عنه.

جلد سليمان بن عبد الملك إياه

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أبو عبيدة أن جماعة من أهل المدينة أخبروه: أن السبب في جلد سليمان بن عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك إياه ونفيه له، أن شهودا شهدوا عليه عنده أنه قال: إذا أخذت جريري لم أبال أي الثلاثة لقيت ناكحا أو منكوحا أو زانيا. قالوا: وانضاف إلى ذلك أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما فخرت يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففاخرها بقصيدته التي يقول فيها:

ليس جهل أتيته ببديع فزاده ذلك حنقا عليه وغيظا حتى نفاه.

فخرت سكينة بالنبي ففاخرها بجده وخاله

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة: أن الأحوص كان يوما عند سكينة، فأذن المؤذن، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، فخرت سكينة بما سمعت؛ فقال الأحوص:

فخرت وانتمت فقلت ذرينـي                      ليس جهل أتـيتـه بـبـديع

فأنا ابن الذي حمت لحمه الدب                      ر قتيل اللحيان يوم الرجـيع

غسلت خالي الـمـلائكة الأب                      رار ميتا طوبى له من صريع قال أبو زيد: وقد لعمري فخر بفخر لو على غير سكينة فخر به وبأبي سكينة صلى الله عليه وسلم حمت أباه الدبر وغسلت خاله الملائكة.

هجاؤه لابن حزم عامل المدينة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن يحيى عن أيوب بن عمر عن أبيه قال: لما جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة والحج، جاءه ابن أبي جهم بن حذيفة وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وسراقة، فدخلوا عليه فقالوا له: إيه ياابن حزم ما الذي جاء بك? قال: استعملني والله أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه. فقال له ابن أبي جهم: يا ابن حزم، فإني أول من يرغم من ذلك أنفه. قال فقال ابن حزم: صادق، والله يحب الصادقين. فقال الأحوص:

سليمان إذ ولاك ربك حكمـنـا                      وسلطاننا فاحكم إذا قلت واعدل

يؤم حجيج المسلمين ابن فرتني                      فهب ذاك حجا ليس بالمتقبـل فقال ابن أبي عتيق للأحوص: الحمد لله يا أحوص، إذ لم أحج ذلك العام بنعمة ربي وشكره. قال: الحمد لله الذي صرف ذلك عنك يا ابن أبي بكر الصديق، فلم يضلل دينك، ولم تعن نفسك، وتر ما يغيظك ويغيظ المسلمين معك.

وفد على الوليد وتعرض للخبازين

فأمر عامل المدينة بجلده:

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه موسى بن عبد العزيز قال:

 

صفحة : 424

 

وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك وامتدحه، فأنزله منزلا، وأمر بمطبخه أن يمال عليه؛ ونزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبازين عن أنفسهم ويريدهم أن يفعلوا به. وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحاه. فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان، اندس لمولى شعيب ذلك فقال: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أن شعيبا أرادك عن نفسك، ففعل المولى. فالتفت الوليد إلى شعيب فقال: ما يقول هذا? فقال: لكلامه غور يا أمير المؤمنين، فاشدد به يدك يصدقك. فشدد عليه، فقال: أمرني بذلك الأحوص. فقال قيم الخبازين: أصلحك الله إن الأحوص يراود الخبازين عن أنفسهم. فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة، وأمره أن يجلده مائة، ويصب على رأسه زيتا، ويقيمه على البلس، ففعل ذلك به. فقال وهو على البلس أبياته التي يقول فيها:

ما من مصيبة نكبة أمنى بها                      إلا تشرفني وترفع شأنـي شعره الذي أنشده حين شهر به أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أيوب بن عمر قال أخبرني عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال: رأيت الأحوص حين وقفه ابن حزم على البلس في سوق المدينة وإنه ليصيح ويقول:

ما من مصيبة نكبة أمنى بهـا                      إلا تعظمني وترفع شـانـي

وتزول حين تزول عن متخمط                      تخشى بوادره على الأقـران

إني إذا خفي اللئام رأيتـنـي                      كالشمس لا تخفى بكل مكان شعره في هجو ابن حزم قال: وهجا الأحوص ابن حزم بشعر كثير، منه:

أقول وأبصرت ابن حزم بن فرتني                      وقوفا له بالمأزمـين الـقـبـائل

ترى فرتنى كانت بما بلغ ابنـهـا                      مصدقة لـو قـال ذلـك قـائل - أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن أبي عبيدة قال: كل أمة يقال لها فرتنى. وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: فرتني: الأمة بنت الأمة - قال الزبير: فقال ابن حزم حين سمع قول الأحوص فيه  ابن فرتنى  لرجل من قومه له علم: أنحن من ولد فرتنى? أو تعرفها? فقال: لا والله قال: ولا أنا أعلم والله ذلك ولقد عضهني به، ولو كانت ولدتني لم أجهل ذلك.

قال الزبير: وحدثني عمي مصعب عن عبد الله بن محمد بن عمارة قال: فرتنى: أم لهم في الجاهلية من بلقين، كانوا يسبون بها، لا أدري ما أمرها، قد طرحوها من كتاب النسب وهي أم خالد  بنت خالد  بن سنان بن وهب بن لوذان الساعدية أم بني حزم.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون: أن الأحوص قال لابن حزم:

لعمري لقد أجرى ابن حزم بن فرتنى                      إلى غاية فيها السمام الـمـثـمـل

وقد قلت مهلا آل حزم بن فرتـنـى                      ففي ظلمنا صاب ممر وحنـظـل وهي طويلة. وقال أيضا:

أهوى أمية إن شطت وإن قربـت                      يوما وأهدي لها نصحي وأشعاري

ولو وردت عليها الفيض ما حفلت                      ولا شفت عطشي من مائه الجاري

لا تـأوين لـحـزمـي رأيت بـه                      ضرا ولو طرح الحزمي في النار

الناخسين بمروان بـذي خـشـب                      والنفحمين على عثمان في الـدار دفع عنه بنو زريق فمدحهم أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جماعة من مشايخ الأنصار: أن ابن حزم لما جلد الأحوص و وقفه على البلس يضربه، جاءه بنو زريق فدفعوا عنه، واحتملوه من أعلى البلس. فقال في ذلك - قال ابن الزبير: أنشدنيه عبد الملك بن الماجشون عن يوسف بن أبي سلمة الماجشون -:

إما تصبني المنايا وهـي لاحـقة                      وكل جنب له قد حم مضطجـع

فقد جزيت بنو حزم بظلـمـهـم                      وقد جزيت زريقا بالذي صنعـوا

قوم أبى طبع الأخـلاق أولـهـم                      فهم على ذاك من أخلاقهم طبعوا

وإن أناس ونوا عن كل مكـرمة                      وضاق باعهم عن وسعهم وسعوا

إني رأيت غداة السوق محضرهم                      إذ نحن ننظر ما يتلى ونستـمـع نفاه ابن حزم إلى دهلك وشعره في ذلك

 

صفحة : 425

 

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني غير واحد من أهل العلم: أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم جلد الأحوص في الخنث، وطاف به وغربه إلى دهلك في محمل عريانا. فقال الأحوص وهو يطاف به:

ما من مصيبة نكبة أبلى بها الأبيات. وزاد فيها:

إني على ما قد ترون محسد                      أنمى على البغضاء والشنآن

أصبحت للأنصار فيما نابهم                      خلفا وللشعراء من حسـان قال الزبير: ومما ضرب فيه أيضا قوله:

شر الحزاميين ذو السـن مـنـهـم                      وخير الحزاميين يعدلـه الـكـلـب

فإن جئت شيخا من حـزام وجـدتـه                      من النوك والتقصير ليس له قـلـب

فلو سبني عـون إذا لـسـبـبـتـه                      بشعري أو بعض الأولى جدهم كعب - عون، يعني عون بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله. وكعب، يعني كعب بن لؤي -:

أولئك أكفـاء لـبـيتـي بـيوتـهـم                      ولا تستوي الأعلاث والأقدح القضب  أخبار متفرقة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن ثابت الأنصاري عن محمد بن فضالة قال: كان الأحوص بن محمد الأنصاري قد أوسع قومه هجاء فملاهم شرا، فلم يبق لهم فيه صديق، إلا فتى من بني جحجبى. فلما أراد الأحوص الخروج إلى يزيد بن عبد الملك، نهض الفتى في جهاره وقام بحوائجه وشيعه؛ فلما كان بسقاية سليمان وركب الأحوص محمله، أقبل على الفتى فقال: لا أخلف الله عليك بخير فقال: مه غفر الله لك قال الأحوص: لا والله أو أعلقها حربا يعني قباء وبني عمرو بن عوف.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال قال غسان بن عبد الحميد: أقبل الأحوص حتى وقف على معن بن حميد الأنصاري، أحد بني عمرو بن عوف بن جحجبى، فقال:

رأيتـك مـزهـوا كـأن أبـاكـم                      صهيبة أمسى خير عوف مركـبـا

تقر بكم كوثى إذا مـا نـسـبـتـم                      وتنكركم عمر بن عوف بن جحجبى

عليك بأدنى الخطب إن أنت نلـتـه                      وأقصر فلا يذهب بك التيه مذهبـا فقام إليه بنوه ومواليه؛ فقال: دعوا الكلب، خلوا عنه، لا يمسه أحد منكم؛ فانصرف. حتى إذا كان عند أحجار المراء بقباء لقيه ابن أبي جرير أحد بني العجلان، وكان شديدا ضابطا فقال له الأحوص:

إن بقوم سودوك لحـاجة                      إلى سيد لو يظفرون بسيد فألقى ثيابه وأخذ بحلق الأحوص، ومع الأحوص راويته، وجاء الناس ليخلصوه، فحلف لئن خلصه أحد من يديه ليأخذنه وليدعن الأحوص؛ فخنقه حتى استرخى، وتركه حتى أفاق؛ ثم قال له: كل مملوك لي حر، لئن سمع أو سمعت هذا البيت من أحد من الناس لأضربنك ضربة بسيفي أريد بها نفسك ولو كنت تحت أستار الكعبة. فأقبل الأحوص على راويته فقال: إن هذا مجنون، ولم يسمع هذا البيت غيرك؛ فإياك أن يسمعه منك خلق.

أخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني بعض أصحابنا: أن الأحوص مر بعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير ومحمد بن مصعب بن الزبير بخيمتي أم معبد، وهما يريدان الحج مرجعه من عند يزيد بن عبد الملك، وهو على نجيب له فاره ورحل فاخر وبزة مرتفعة، فحدثهما أنه قدم على يزيد بن عبد الملك، فأجازه وكساه وأخدمه؛ فلم يرهما يهشان لذلك، فجعل يقول: خيمتي أم معبد، عباد ومحمد، كأنه يروض القوافي للشعر يريد قوله. فقال له محمد بن مصعب: إن أراك في تهيئة شعر وقواف وأرك تريد أن تهجونا وكل مملوك لي حر لئن هجوتنا بشيء إن لم أضربك بالسيف مجتهدا على نفسك. فقال الأحوص: جعلني الله فداك إني أخاف أن تسمع هذا في عدوا فيقول شعرا يهجو كما به فينحلنيه، وأنا أبرئكما الساعة، كل مملوك لي حر إن هجوتكما ببيت شعر أبدا.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال حدثنا الزبير بن خبيب عن أبيه خبيب بن ثابت قال:

 

صفحة : 426

 

خرجنا مع محمد بن عباد بن عبد الله بن الزبير إلى العمرة، فإنا لبقرب قديد إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برحل؛ فقال: الحمد لله الذي وفقكم لي، ما أحب أنكم غيركم، وما زلت أحرك في آثاركم مذ رفعتم لي؛ فقد ازددت فيكم غبطة. فأقبل عليه محمد، وكان صاحب جد يكره الباطل وأهله، فقال: لكنا والله ما اغتبطنا بك ولا نحب مسايرتك، فتقدم عنا أو تأخر. فقال: والله ما رأيت كاليوم جوابا قال: هو ذاك. قال: وكان محمد صاحب جد يكره الباطل وأهله، فأشفقنا مما صنع، ومعه عدة من آل الزبير، فلم يقدر أحد منهم أن يرد عليه. قال: وتقدم الأحوص، ولم يكن لي شأن غير أن أعتذر غليه. فلما هبطنا من المشلل على خيمتي أم معبد سمعت الأحوص يهمهم بشيء، فتفهمته فإذا هو يقول: خيمتي أم معبد، محمد، كأنه يهيىء القوافي؛ فأمسكت راحلتي حتى جاءني محمد، فقلت. إني سمعت هذا يهيىء لك القوافي، فإما أذنت لنا أن نعتذر إليه ونرضيه، وإما خليت بيننا وبينه فنضربه؛ فإنا لا نصادفه في أخلى من هذا المكان. قال: كلا إن سعد بن مصعب قد أخذ عليه ألآ يهجو زبيريا أبدا، فإن فعلت رجوت أن يخزيه الله، دعه.

قال الزبير: وأما خبره مع سعد بن مصعب، فحدثني به عمي مصعب قال أخبرني يحيى بن الزبير بن عباد أو مصعب بن عثمان - شك: أيهما حدثه - قال: كانت أمة الملك بنت حمزة بن عبد الله بن الزبير، تحت سعد بن مصعب بن الزبير، وكان فيهم مأتم، فاتهمته بامرأة، فغارت عليه وفضحته. فقال الأحوص يمازحه:

وليس بسعد النار من تزعمونـه                      ولكن سعد النار سعد بن مصعب

ألم تر أن القوم ليلة نـوحـهـم                      بغوه فألفوه على شر مـركـب

فما يبتغي بـالـغـي لا در دره                      وفي بيته مثل الغزال المربـب - قال: وسعد النار رجل يقال له سعد حضنة، وهو الذي جدد لزياد بن عبيد الله الحارثي الكتاب الذي في جدار المسجد، وهو آيات من القرآن أحسب أن منها  إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي  . فلما فرغ منه قال لزياد: أعطني أجري. فقال له زياد: انتظر، فإذا رأيتنا نعمل بما كتبت، فخذ أجرك -.

قال: فعمل سعد بن مصعب سفرة، وقال للأحوص: اذهب بنا إلى سد عبيد الله بن عمر نتغذ عليه، ونشرب من مائة، ونستنقع فيه؛ فذهب معه. فلما صارا إلى الماء، أمر غلمانه أن يربطوه وأراد ضربه، وقال: ما جزعت من هجائك إياي، ولكن ما ذكرك زوجتي? فقال له: يا سعد، إنك لتعلم أنك إن ضربتني لم أكفف عن الهجاء، ولكن خير لك من ذلك أحلف لك بما يرضيك ألا أهجوك ولا أحدا من آل الزبير أبدا؛ فأحلفه وتركه.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني مصعب عمي عن مصعب بن عثمان قال: قال الأحوص لمجمع بن يزيد بن جارية:

وجمعت من أشياء شتى خبيثة                      فسميت لما جئت منها مجمعا فقال له مجمع: إني لا أحسن الشعر، ثم أخذ كرنافة فغمسها في ماء فغاصت، ثم رفع يده عنها فطفت، فقال: هكذا والله كانت تصنع خالاتك السواحر.

خبره مع أم الليث والأنصارية الجميلة

أخبرني الحرمي قال وحدثنا الزبير قال: كانت امرأة يقال لها أم ليث امرأة صدق، فكانت قد فتحت بينها وبين جارة لها من الأنصار خوخة، وكانت الأنصارية من أجمل أنصارية خلقت. فكلم الأحوص أم ليث أن تدخله في بيتها يكلم الأنصارية من الخوخة التي فتحت بينها وبينها، فأبت؛ فقال: أما لأكافئنك، ثم قال:

هيهات منك بنو عمر ومسكنهم                      إن تشتيت قنسرين أو حلـبـا

قامت تراءى وقد جد الرحيل بنا                      بين السقيفة والباب الذي نقبـا

إني لمانحهـا ودي ومـتـخـذ                      بأم ليث إلى معروفها سبـبـا فلما بلغت الأبيات زوج المرأة، سد الخوخة؛ فاعتذرت إليه أم ليث، فأبى أن يقبل ويصدقها. فكانت أم ليث تدعو على الأحوص.

: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبي قال:

 

صفحة : 427

 

ركب الأحوص إلى الوليد بن عبد الملك قبل ضرب ابن حزم إياه، فلقيه رجل من بني مخزوم يقال له محمد بن عتبة، فوعده أن يعينه. فلما دخل على الوليد قال: ويحك ما هذا الذي رميت به يا أحوص? قال: والله يا أمير المؤمنين، لو كان الذي رماني به ابن حزم من أمر الدين لاحتنبته، فكيف وهو من أكبر معاصي الله فقال ابن عتبة: يا أمير المؤمنين، إن من فضل ابن حزم وعذله كذا وكذا، وأثنى عليه. فقال الأحوص: هذا والله كما قال الشاعر:

وكنت كذئب السوء لما رأى دما                      يصاحبه يوما أحال على الـدم فأما خبره في بقية أيام سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، فأخبرني به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا عون بن محمد بن سلام قال حدثني أبي عمن حدثه عن الزهري، وأخبرني به الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن مصعب بن عثمان قال: كان الأحوص ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة، ويتغنى من شعره معبد ومالك، ويشيع ذلك في الناس، فنهي فلم ينته؛ فشكي إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة وسألوه الكتاب فيه إليه، ففعل ذلك. فكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط ويقيمه على البلس للناس، ثم يصيره إلى دهلك ففعل ذلك به؛ فثوى هنالك سلطان سليمان بن عبد الملك. ثم ولي عمر ابن عبد العزيز؛ فكتب إليه يستأذنه في القدوم ويمدحه؛ فأبى أن يأذن له. وكتب فيما كتب إليه به:

أيا راكبا إما عرضت فبلـغـن                      هديت أمير المؤمنين رسائلـي

وقل لأبي حفص إذا ما لقـيتـه                      لقد كنت نفاعا قليل الـغـوائل

وكيف ترى للعيش طيبـا ولـذة                      وخالك أمسى موثقا في الحبائل -هذه الأبيات من رواية الزبير وحده، ولم يذكرها ابن سلام - قال: فأتى رجال من الأنصار عمر بن عبد العزيز، فكلموه فيه وسألوه أن يقدمه، وقالوا: قد عرفت نسبه وموضعه وقديمه، وقد أخرج إلى أرض الشرك، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار قومه. فقال لهم عمر: فمن الذي يقول:

فما هو إلا أن أراها فجاءة                      فأبهت حتى ما كاد أجيب قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

أدور ولولا أن أرى أم جعفـر                      بأبياتكم ما درت حـيث أدور

وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى                      إذ لم يزر لا بـد أن سـيزور قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

كأن لبنى صبير غـادية                      أو دمية زينت بها البيع

الله بيني وبين قيمـهـا                      يفر مني بها وأتـبـع قالوا: الأحوص. قال: بل الله بين قيمها وبينه. قال: فمن الذي يقول:

ستبقى لها في مضمر القلب والحشا                      سريرة حب يوم تبلى الـسـرائر قالوا: الأحوص. قال: إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول، والله لاأرده ما كان لي سلطان. قال: فمكث هناك بقية ولاية عمر وصدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك.

قال: فبينا يزيد وجاريته حبابة ذات ليلة على سطح تغنيه بشعر الأحوص، قال لها: من يقول هذا الشعر? قالت: لا وعينيك ما أدري - قال: وقد كان ذهب من الليل شطره - فقال: ابعثوا إلى ابن شهاب الزهري، فعسى أن يكون عنده علم من ذلك. فأتي الزهري فقرع عليه بابه فخرج مروعا إلى يزيد. فلما صعد إليه قال له يزيد: لا ترع، لم ندعك إلا لخير، اجلس، من يقول هذا الشعر? قال: الأحوص بن محمد يا أميرالمؤمنين. قال: ما فعل? قال: قد طال حبسه بدهلك. قال: قد عجبت لعمر كيف أغفله. ثم أمر بتخلية سبيله، ووهب له أربعمائة دينار. فأقبل الزهري من ليلته إلى قومه من الأنصار فبشرهم بذلك.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل ومحمد بن زيد الأنصاري قالا: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أدنى زيد بن أسلم، وجفا الأحوص. فقال له الأحوص:

ألست أبا حفص هديت مـخـبـري                      أفي الحق أن أقصى ويدنى ابن أسلما فقال عمر: ذلك هو الحق.

قال الزبير: وأنشدنيها عبد الملك بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون:

ألا صلة الأرحام أدنى إلى التقى                      وأظهر في أكفائه لو تكرمـا

 

صفحة : 428

 

 

فما ترك الصنع الذي قد صنعـتـه                      ولا الغيظ مني ليس جلدا ولا أعظما

وكنا ذوي قربى لديك فأصبـحـت                      قرابتنـا ثـديا أجـد مـصـرمـا

وكنت وما أملت مـنـك كـبـارق                      لوى قطره من بعد ما كان غـيمـا

وقد كنت أرجى الناس عندي مـودة                      ليالي كان الظن غيبـا مـرجـمـا

أعدك حرزا إن جـنـيت ظـلامة                      ومالا ثريا حين أحمل مـغـرمـا

تدارك بعتبـي عـاتـبـا ذا قـرابة                      طوى الغيظ لم يفتح بسخط له فمـا أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كتب إلي إسحاق بن إبراهيم أن أبا عبيدة حدثه: أن الأحوص لم يزل مقيما بدهلك حتى مات عمر بن عبد العزيز، فدس إلى حبابة فغنت يزيد بأبيات له - قال أبو عبيدة: أظنها قوله:  صوت

 

أيهذا المخـبـري عـن يزيد                      بصلاح فداك أهلي ومالـي

ما أبالي إذا يزيد بقـي لـي                      من تولت به صروف الليالي لم يجنسه. كذا جاء في الخبر أنها غنته به، ولم يذكر طريقته قال أبو عبيدة: أراه عرض بعمر بن عبد العزيز ولم يقدر أن يصرح مع بني مروان - فقال: من يقول هذا? قالت: الأحوص، وهونت أمره، وكلمته في أمانه فأمنه. فلما أصبح حضر فاستأذنت له، ثم أعطاه مائة ألف درهم.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان: أن الأحوص دس إلى حبابة، فغنت يزيد قوله:

كريم قريش حين ينسـب والـذي                      أقرت له بالملك كهـلا وأمـردا

وليس وإن أعطاك في اليوم مانعـا                      إذا عدت من أضعاف أضعافه غدا

أهان تلاد المال في الحـمـد إنـه                      إمام هدى يجري على ما تعـودا

تشرف مجـدا مـن أبـيه وجـده                      وقد ورثا بنيان مـجـد تـشـيدا فقال يزيد: ويلك يا حبابة من هذا من قريش? قالت: ومن يكون أنت هو يا أمير المؤمنين. فقال: ومن قال هذا الشعر? قالت: الأحوص يمدح به أمير المؤمنين؛ فأمر به أمير المؤمنين أن يقدم عليه من دهلك، وأمر له بمال وكسوة.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بعض أهل العلم قال: دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك وهو خليفة؛ فقال له يزيد: والله لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا توسلت بدالة، ولا جددت لنا مدحا، غير أنك مقتصر على البيتين اللذين قلتهما فينا، لكنت مستوجبا لجزيل الصلة مني حيث تقول:

وإني لأستحـييكـم أن يقـودنـي                      إلى غيركم من سائر الناس مطمع

وأن أجتدي للنفع غيرك مـنـهـم                      وأنت إمام للـرعـية مـقـنـع قال: وهذه قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال حدثني عمر بن موسى بن عبد العزيز قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك بعث إلى الأحوص، فأقدم عليه، فأكرمه وأجازه بثلاثين ألف درهم. فلما قدم قباء صب المال على نطع ودعا جماعة من قومه، وقال: إني قد عملت لكم طعاما. فلما دخلوا عليه كشف لهم عن ذلك المال، وقال:  أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون  .

قال الزبير: وقال في يزيد بن عبد الملك يمدحه حينئذ بهذه القصيدة:

صرمت حبلك الغداة نوار                      إن صرما لكل حبل قصار وهي طويلة، يقول فيها:

من يكن سـائلا فـإن يزيدا                      ملك من عطائه الإكثـار

عم معروفه فعز به الـدي                      ن وذلت لملكه الكـفـار

وأقام الصراط فابـتـهـج                      الحق منيرا كما أنار النهار ومن هذه القصيدة بيتان يغنى فيهما، وهما:  صوت

 

بشر لو يدب ذر علـيه                      كان فيه من مشيه آثار

إن أروى إذا تذكر أروى                      قلبه كاد قلبه يستطـار غنت فيه عريب لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، وذكر ابن المكي أنه لجده يحيى.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:

 

صفحة : 429

 

حج يزيد بن عبد الملك فتزوج بنت عون بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصدقها مالا كثيرا؛ فكتب الوليد بن عبد الملك إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن خزم: أنه بلغ أمير المؤمنين أن يزيد بن عبد الملك قد تزوج بنت عون بن محمد بن علي بن أبي طالب وأصدقها مالا كثيرا، ولا أراه فعل ذلك إلا وهو يراها خيرا منه، قبح الله رأيه فإذا جاءك كتابي هذا فادع عونا فاقبض المال منه؛ فإن لم يدفعه إليك فأضربه بالسياط حتى تستوفيه منه ثم افسخ نكاحه. فأرسل أبو بكر بن محمد بن عمرو إلى عون بن محمد وطالبه بالمال. فقال له: ليس عندي شيء وقد فرقته. فقال له أبو بكر: إن أمير المؤمنين أمرني إن لم تدفعه إلي كله أن أضربك بالسياط ثم لا أرفعها عنك حتى أستوفيه منك. فصاح به يزيد: تعال إلي؛ فجاءه؛ فقال له فيما بينه وبينه كأنك خشيت أن أسلمك إليه، ادفع إليه المال ولا تعرض له نفسك؛ فإنه إن دفعه إليك رددته عليك، وإن لم يرده علي أخلفته عليك، ففعل. فلما ولي يزيد بن عبد الملك، كتب في أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وفي الأحوص، فحملا إليه، لما بين أبي بكر والأحوص من العداوة؛ وكان أبو بكر قد ضرب الأحوص وغربه إلى دهلك وأبو بكر مع عمر بن عبد العزيز، وعمر إذ ذاك على المدينة. فلما صارا باب يزيد أذن للأحوص، فرفع أبو بكر يديه يدعو، فلم يخفضهما حتى خرج الغلمان بالأحوص ملببا مكسور الأنف، وإذا هو لما دخل علي يزيد قال له: أصلحك الله هذا ابن حزم الذي سفه رأيك ورد نكاحك. وقال يزيد: كذبت عليك لعنة الله ومن يقول ذلك أكسروا أنفه، وأمر به فأخرج ملببا.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو الجمحي قال: كان عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا، فمن جاء علق ثيابه على وتد منها، ثم جر دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم. قال: فإن عبد الحكم يوما لفي المسجد الحرام إذا فتى داخل من باب الحناطين، باب بني جمح، عليه ثوبان معصفران مدلوكان وعلى أذنه ضغث ريحان وعليه ردع الخلوق، فأقبل يشق الناس حتى جلس إلى عبد الحكم بن عبد الله؛ فجعل من رآه يقول: ماذا صب عليه من هذا ألم يجد أحدا يجلس إليه غيره ويقول بعضهم: فأي شيء يقوله له عبد الحكم وهو أكرم من أن يجبه من يقعد إليه فتحدث إليه ساعة ثم أهوى فشبك يده في يد عبد الحكم وقام يشق المسجد حتى خرج من باب الحناطين - قال عبد الحكم: فقلت في نفسي: ماذا سلط الله علي منك رآني معك نصف الناس في المسجد ونصفهم في الحناطين -حتى دخل مع عبد الحكم بيته، فعلق رداءه على وتد وحل أزراره واجتر الشطرنج وقال: من يلعب? فبينا هو كذلك إذ دخل الأبجر المغني، فقال له: أي زنديق ما جاء بك إلى هاهنا? وجعل يشتمه ويمازحه. فقال له عبد الحكم: أتشتم رجلا في منزلي فقال: أتعرفه? هذا الأحوص. فاعتنقه عبد الحكم وحياه. وقال له: أما إذا كنت الأحوص فقد هان علي ما فعلت.

أخبرني الطوسي والحرمي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حميد بن عبد العزيز عن أبيه قال: لما قدم عبد الملك بن مروان حاجا سنة خمس وسبعين، وذلك بعد ما اجتمع الناس عليه بعامين، جلس على المنبر فشتم أهل المدينة ووبخهم ثم قال: إني والله يا أهل المدينة قد بلوتكم فوجدتكم تنفسون القليل وتحسدون على الكثير، وما وجدت لكم مثلا إلا ما قال مخنثكم وأخوكم الأحوص:

وكم نزلت بي من خطوب مهمة                      خذلتم عليها ثم لم أنـخـشـع

فأدبر عني شرها لم أبل بـهـا                      ولك أدعكم في كربها المتطلع فقام إليه نوفل بن مساحق فقال: يا أمير المؤمنين، أقررنا بالذنب وطلبنا المعذرة؛ فعد بحلمك، فذلك ما يشبهنا منك ويشبهك منا؛ فقد قال من ذكرت من بعد بيتيه الأولين:

وإني لمستأن ومنتـظـر بـكـم                      وإن لم تقولوا في الملمات دع دع

أؤمل منكم أن تروا غير رأيكـم                      وشيكا وكيما تنزعوا خير منـزع أخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك عن المنذر بن عبد الله الحزامي:

 

صفحة : 430

 

إن عراك بن مالك كان من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم. فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى عبد الواحد بن عبد الله النصري المدينة، فقرب عراك بن مالك وقال: صاحب الرجل الصالح، وكان لا يقطع أمرا دونه، وكان يجلس معه على سريره. فبينا هو معه إذ أتاه كتاب يزيد بن عبد الملك: أن أبعث مع عراك بن مالك حرسيا حتى ينزله أرض دهلك وخذ من عراك حمولته. فقال لحرسي بين يديه وعراك معه على السرير: خذ بيد عراك فابتع من ماله راحلة ثم توجه به نحو دهلك حتى تقره فيها؛ ففعل ذلك الحرسي. قال: وأقدم الأحوص؛ فمدحه الأحوص؛ فأكرمه وأعطاه. قال: فأهل دهلك يأثرون الشعر عن الأحوص، والفقه عن عراك بن مالك.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام عن أبي الغراف عمن يثق به قال: بعث يزيد بن عبد اللملك حين قتل يزيد بن المهلب في الشعراء، فأمر بهجاء يزيد بن المهلب، منهم الفرزدق وكثير والأحوص. فقال الفرزدق: لقد امتدحت بني المهلب بمدائح ما امتدحت بمثلها أحدا، وإنه لقبيح بمثلي أن يكذب نفسه على كبر السن، فليعفني أمير المؤمنين؛ قال: فأعفاه. وقال كثير: إني أكره أن أعرض نفسي لشعراء أهل العراق إن هجوت بني المهلب. وأما الأحوص فإنه هجاهم. ثم بعث به يزيد بن عبد الملك إلى الجراح بن عبد الله الحكمي وهو بأذربيجان، وقد كان بلغ الجراح خجاء الأحوص بني المهلب، فبعث إليه بزق من خمر فأدخل منزل الأحوص، ثم بعث إليه خيلا فدخلت منزله فصبوا الخمر على رأسه ثم أخرجوه على رؤوس الناس فأتوا به الجراح، فأمر بحلق رأسه ولحيته، وضربه الحد بين أوجه الرجال، وهو يقول: ليس هكذا تضرب الحدود؛ فجعل الجراح يقول: أجل ولكن لما تعلم. ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يعتذر فأغضى له عليها.

رأي أبي الفرج قال أبو الفرج الأصبهاني: وليس ما جرى من ذكر الأحوص إرادة للغض منه في شعره، ولكن ذكرنا من كل ما يؤثر عنه ما تعرف به حاله من تقدم وتأخر، وفضيلة ونقص؛ فأما تفضيله وتقدمه في الشعر فمتعالم مشهور، وشعره ينبئ عن نفسه ويدل على فضله فيه وتقدمه وحسن رونقه وتهدبه وصفائه.

رأي الفرزدق وجرير في نسيبه

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثني عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي قال حدثنا شيخ لنا من هذيل كان خالا للفرزدق من بعض أطرافه قال: سمعت بالفرزدق وجرير على باب الحجاج، فقلت: لو تعرضت ابن أختنا فامتطيت إليه بعيرا، حتى وجدتهما قبل أن يخلصا، ولكل واحد منهما شيعة؛ فكنت في شيعة الفرزدق؛ فقام الآذن يوما فقال: أين جرير? فقال: جرير: هذا أبو فراس؛ فأظهرت شيعته لومه وأسرته. فقال الآذن: أين الفرزدق? فقام فدخل. فقالوا لجرير: أتناوئه وتهاجيه وتشاخصه، ثم تبدى عليه فتأبى وتبديه? قضيت له على نفسك فقال لهم: إنه نزر القول، ولم ينشب أن ينفد ما عنده وما قال فيه فيفاخره ويرفع نفسه وعليه؛ فما جئت به بعد حمدت عليه واستحسن. فقال قائلهم: لقد نظرت نظرا بعيدا. قال: فما نشبوا أن خرج الآذن فصاح: أين جرير? فقام جرير فدخل. قال: فدخلت، فإذا ما مدحه به الفرزدق قد نفد، وإذا هو يقول:

أين الذين بهم تسامي دارمـا                      أم من إلى سلفي طهية تجعل قال: وعمامته على رأسه مثل المنسف، فصحت من ورائه:

هذا ابن يوسف فاعلموا وتفهموا                      برح الخفاء فليس حين تناجي

من سد مطلع النفاق علـيكـم                      أم من يصول كصوله الحجاج

أم من يغار على النساء حفيظة                      إذ لا يثقـن بـغـيرة الأزواج

قل للجبان إذا تأخر سـرجـه                      هل أنت من شرك المنية ناجي قال: وما تشبيبها? وطرب: فقال جرير:

لج الهوى بفؤادك الملـجـاج                      فاحبس بتوضح باكر الأحداج

 

صفحة : 431

 

وأمرها، أو قال: أمضاها. فقال: عطوه كذا وكذا؛ فاستقللت ذلك. فقال الهذلي: وكان جرير عربيا قرويا، فقال الحجاج: قد أمر لي الأمير بما لا يفهم عنه، فلو دعا كاتبا وكتب بما أمر به الأمير فدعا كاتبا واحتاط فيه بأكثر من ضعفه، وأعطى الفرزدق أيضا. قال الهذلي: فجئت الفرزدق فأمر لي بستين دينارا وعبد، ودخلت على رواته فوجدتهم يعدلون ما انحرف من شعره، فأخذت من شعره ما أردت. ثم قلت له: يا أبا فراس، من أشعر الناس? قال: أشعر الناس بعدي ابن المراغة. قلت: فمن أنسب الناس? قال الذي يقول:

لي ليلتان فليلة مـعـسـولة                      ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

ومريحة همي علي كأننـي                      حتى الصباح معلق بالفرقد قلت: ذاك الأحوص. قال: ذاك هو. قال الهذلي: ثم أتيت جريرا فجعلت أستقل عنده ما أعطاني صاحبي أستخرج به منه؛ فقال: كم أعطاك ابن أختك? فأخبرته. فقال: ولك مثله؛ فأعطاني ستين دينارا وعبدا. قال: وجئت رواته وهم يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد، فأخذت منه ما أردت، ثم قلت: يا أبا حزرة، من أنسب الناس? قال الذي يقول:

يا ليت شعري عمن كلفت بـه                      من خثعم إذ نأيت ما صنعـوا

قوم يحلون بالـسـدير وبـال                      حيرة منهم مرأى ومستـمـع

أن شطت الدار عـن ديارهـم                      أأمسكوا بالوصال أم قطعـوا

بل هم على خير ما عهدت وما                      ذلك إلا التأميل والـطـمـع قلت: ومن هو? قال: الأحوص. فاجتمعا على أن الأحوص أنسب الناس.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء منها الأبيات التي يقول فيها الأحوص:

لي ليلتان فليلة معسولة وأول ما يغني به فيها:  صوت

 

يا للرجال لوجدك المتـجـدد                      ولما تؤمل من عقيلة في غد

ترجو مواعد بعث آدم دونهـا                      كانت خبالا للفؤاد المقتصـد

هل تذكرين عقيل أو أنساكـه                      بعدي تقلب ذا الزمان المفسد

يومي ويومك بالعقيق إذ الهوى                      منا جميع الشمل لـم يتـبـدد

لي ليلتان فلـيلة مـعـسـولة                      ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

ومريحة همي علي كأنـنـي                      حتى الصباح معلق بالفرقـد - عروضه من الكامل. يقال: يا للرجال ويا للرجال بالكسر والفتح وفي الحديث أن عمر رضي الله عنه صاح لما طعن: يا لله ويا للمسلمين. وقوله:  في غد  ، يريد فيما بعد وفي باقي الدهر؛ قال الله سبحانه:  سيعلمون غدا من الكذاب الأشر  . والخبل والخبال: النقصان من الشيء. والمخبل:، أصله مأخوذ من النقص بلأنه ناقص العقل. والمعسولة: الحلوة المشتهاة -.

الشعر للأحوص. والغناء في البيت الأول والثاني لمالك خفبف رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش. وفي الثالث والرابع لسليمان أخي بابويه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيهما وفي الخامس والسادس لحن لابن سريج ذكره يونس ولم يجنسه. وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أن لمعبد في الأبيات كلها لحنا وأنه من صحيح غنائه، ولم يجنسه.

سألت امرأة ابنا للأحوص عن شعر له

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه. عن أيوب بن عباية قال: بلغني أن ابنا للأحوص بن محمد الشاعر دخل على امرأة شريفة، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إبراهيم بن زيد عن عنبسة بن سعيد بن العاصي قال أخبرني أشعب بن جبير قال: حضرت امرأة شريفة ودخل عليها ابن الأحوص بن محمد الشاعر؛ فقالت له: أتروي قول أبيك:

لي ليلتان فليلة مـعـسـولة                      ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

ومريحة همي علي كأننـي                      حتى الصباح معلق بالفرقد قال نعم. قالت: أتدري أي الليلتين التي يبيت فيها معلقا بالفرقد? قال: لا والله. قالت: هي ليلة أمك التي يبيت معها فيها. قال إبراهيم في خبره: فقلت لأشعب: يا أبا العلاء، فأي ليلتيه المعسولة? فقال:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا                      ويأتيك بالأخبار من لم تـزود هي ليلة الإسراف، ولا تسأل عما بعدها.

ما قاله ابن جندب حين أنشد شعر الأحوص

أخبرني عبد العزيز ابن بنت الماجشون قال: أنشد ابن جندب قول الأحوص:

 

صفحة : 432

 

 

لي ليلتان فليلة مـعـسـولة                      ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

ومريحة همي علي كأننـي                      حتى الصباح معلق بالفرقد فقال: أما إن الله يعلم أن الليلة المريحة همي لأبلذ الليلتين عندي. قال الحرمي بن أبي العلاء: وذلك لكفله بالغزل والشوق والحنين وتمني اللقاء.

من هي عقيلة التي شغف بها الأحوص

وللأحوص مع عقيلة هذه أخبار قد ذكرت في مواضع أخر. وعقيلة امرأة من ولد عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد ذكر الزبير عن ابن بنت الماجشون عن خاله أن عقيلة هذه هي سكينة بنت الحسين عليهما السلام، كنى عنها بعقيلة.

أخبار متفرقة

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي: أن إنسانا أنشد عند إبراهيم بن هشام وهو والي المدينة قول الأحوص:

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية                      وإذ أجر إليكم سادرا رسني فوثب أبو عبيدة بن عمار بن ياسر قائما ثم أرخى رداءه ومضى يمشي على تلك الحال ويجره حتى بلغ العرض ثم رجع. فقال له إبراهيم بن هشام حين جلس: ما شأنك? فقال: أيها الأمير، إني سمعت هذا البيت مرة فأعجبني، فحلفت لا أسمعه إلا جررت رسني.

نسبة هذا البيت وما غني فيه من الشعر  صوت

 

سقـيا لـربـعـك مـن ربـع بـــذي ســـلـــم                      وللزمان به إذ ذاك من زمن أة ابنا للأحوص عن شعر له : أة أة أة

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية                      وإذ أجر إليكم سادرا رسني عروضه من البسيط. غنى ابن سريج في هذين البيتين لحنا من الثقيل الأول بالوسطى عن عمرو. وذكر إسحاق فيه لحنا من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى ولم ينسبه إلى أحد، وذكر حبش أنه للغريض.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن سلام بن أبي السحماء وكان صاحب حماد الراوية: أن حمادا كان يقدم أحوص في النسيب.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عمر بن أبي سليمان عن يوسف بن أبي سليمان بن عنيزة قال: هجا الأحوص رجلا من الأنصار من بني حرام يقال له ابن بشير، وكان كثير المال؛ فغضب من ذلك، فخرج حتى قدم على الفرزدق بالبصرة وأهدى إليه وألطفه، فقبل منه، ثم جلسا يتحدثان؛ فقال الفرزدق: ممن أنت? قال: من الأنصار. قال: ما أقدمك? قال: جئت مستجيرا بالله عز وجل ثم بك من رجل هجاني. قال: قد أجارك الله منه وكفاك مؤنته، فأين أنت عن الأحوص? قال: هو الذي هجاني. فأطرق ساعة ثم قال: أليس هو الذي يقول:

ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما                      فقد هاج أحزاني وذكرني نعـمـا قال بلى. قال: فلا والله لا أهجو رجلا هذا شعره. فخرج ابن بشير فاشترى أفضل من الشراء الأول من الهدايا، فقدم بها على جرير؛ فأخذها وقال له: ما أقدمك? قال: جئت مستجيرا بالله وبك من رجل هجاني. فقال: قد أجارك الله عز وجل منه وكفاك، أين أنت عن ابن عمك الأحوص بن محمد? قال: هو الذي هجاني. قال: فأطرق ساعة ثم قال: أليس هو الذي يقول:

تمشى بشتمي في أكاريس مالـك                      تشيد به كالكلب إذ ينبح النجـمـا

فما أنت بالمخسوس في جذم مالك                      ولا بالمسمى ثم يلتـزم الإسـمـا

ولكن بيتي إن سـألـت وجـدتـه                      توسط منها العز والحسب الضخما قال: بلى والله. قال: فلا والله لا أهجو شاعرا هذا شعره. قال: فاشتري أفضل من تلك الهدايا وقدم على الأحوص فأهداها إليه وصالحه.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء  صوت

 

ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما                      فقد هاج أحزاني وذكرني نعمـى

فبت كأنـي شـارب مـن مـدامة                      إذا أذهبت هما أتاحت لـه هـمـا غناه إبراهيم الموصلي خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. وذكر عبد الله بن العباس الربيعي أنه له.

أنشد أبو السائب شعرا له فطرب ومدحه

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: قال لي أبو السائب المخزومي: أنشدني للأحوص؛ فأنشدته قوله:

قالت وقلت تحرجي وصلـي                      حبل امرئ بوصالكم صـب

واصل إذا بعلي فقلت لـهـا                      الغدر شيء ليس من ضربي  صوت

 

 

صفحة : 433

 

 

ثنتان لا أدنو لوصـلـهـمـا                      عرس الخليل وجارة الجنب

أما الخليل فلست فـاجـعـه                      والجار أوصاني بـه ربـي

عوجوا كذا نذكر لـغـانـية                      بعض الحديث مطيكم صحبي

ونقل لها فيم الصـدود ولـم                      نذنب بل أنت بدأت بالذنـب

إن تقبلي نقبل ونـنـزلـكـم                      منا بدار السهل والـرحـب

أو تدبري تكدر معيشـتـنـا                      وتصدعي متلائم الشـعـب - غنى في  ثنتان لا أدنو  والذي بعده ابن جامع ثقيلا أول بالوسطى. وغنى في  عوجوا كذا نذكر لغانية  والأبيات التي بعده ابن محرز لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأول مطلقا في مجرى البنصر - قال: فأقبل علي أبو السائب فقال: يابن أخي، هذا والله المحب عينا لا الذي يقول:

وكنت إذا خليل رام صرمـي                      وجدت وراي منفسحا عريضا اذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك  يغني قائل هذا البيت  .

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثنا خالد بن وضاح قال حدثني عبد الأعلى بن عبد الله بن محمد بن صفوان الجمحي قال: حملت دينا بعسكر المهدي، فركب المهدي بين أبي عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه في موكبه على برذون قطوف؛ فقال: ما أنسب بيت قالته العرب? فقال له أبو عبيد الله: قول امرئ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي                      بسهميك في أعشار قلب مقتل فقال: هذا إعرابي قح. فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل فقال: ما هذا بشيء وماله يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثل له فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك قال: الحق بي. قلت: لا لحاق بي، ليس ذلك في دابتي. قال: احملوه على دابة. قلت: هذا أول الفتح؛ فحملت على دابة، فلحقت. فقال: ما عندك? فقلت: قول الأحوص:

إذا قلت إني مشتف بلفـائهـا                      فحم التلاقي بيننا زادني سقما فقال: أحسن والله اقضوا عنه دينه؛ فقضي عني ديني.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني منها الشعر الذي هو:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل  صوت

 

ألا حييا ليلى أجد رحـيلـي                      وآذن أصحابي غدا بقفـول

ولم أر من ليلى نوالا أعـده                      ألا ربما طالبت غير منـيل

أريد لأنسى ذكرها فكأنـمـا                      تمثل لي ليلى بكل سـبـيل

وليس خليلي بالملول ولا الذي                      إذا غبت عنه باعني بخلـيل

ولكن خليلي من يدوم وصاله                      ويحفظ سري عند كل دخيل عروضه من الطويل. الشعر لكثير. والغناء في ثلاثة الأبيات الأول لإبراهيم، ولحنه من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. ولابنه إسحاق في:

وليس خليلي بالملول ولا الذي ثقيل آخر بالوسطى.

حديث ابن سلام عن كثير وجميل

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام، وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن محمد بن سلام قال: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب جميعا، ولكثير من فنون الشعر ما ليس لجميل. وكان كثير راوية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق، وكان يتقول. قال: وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل قال: وقد رأيت من يفضل عليه بيت جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما                      قتيلا بكى من حب قاتله قبلي حديث ابن مصعب الزبيري عن كثير قرأت في كتاب منسوب إلى أحمد بن يحيى البلاذري: وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن عبد الله بن مصعب الزبيري كان يوما يذكر شعر كثير ويصف تفضيل أهل الحجاز إياه، إلى أن انتهى إلى هذا البيت. قال إسحاق: فقلت له: إن الناس يعيبون عليه هذا المعنى ويقولون: ما له يريد أن ينساها فتبسم ابن مصعب ثم قال: إنكم يا أهل العراق لتقولون ذلك.

ذكر كثير عن أنسب بيت قاله فأجاب

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري قال حدثني الهزبري قال:

 

صفحة : 434

 

قيل لكثير: ما أنسب بيت قلته? قال: الناس يقولون:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما                      تمثل لي ليلى بكل سبيل وأنسب عندي منه قولي:

وقل أم عمر داؤه وشـفـاؤه                      لديها ورياها الشفاء من الخبل وقد قيل: إن بعض هذه الأبيات للمتوكل الليثي.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عثمان - قال الحرمي: أحسبه ابن عبد الرحمن المخزومي - قال حدثنا إبراهيم بن أبي عبد الله قال: قيل لمحرز بن جعفر: أنت صاحب شعر، ونراك تلزم الأنصار، وليس هناك منه شيء؛ قال: بلى والله، إن هناك للشعر عين الشعر، وكيف لا يكون الشعر هناك وصاحبهم الأحوص الذي يقول:

يقولون لو ماتت لقد غاض حبه                      وذلك حين الفاجعات وحينـي

لعمرك إني إن تحم وفاتـهـا                      بصحبة من يبقى لغير ضنين وهو الذي يقول:

وإني لمكرام لسـادات مـالـك                      وإني لنوكى مالك لـسـبـوب

وإني على الحلم الذي من سجيتي                      لحمال أضغان لهن طـلـوب  ما قاله الأحوص في مرض موته

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمي مصعب قال حدثني يحيى بن الزبير بن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، قال الزبير وحدثني علي بن صالح عن عامر بن صالح: أن الأحوص قال في مرضه الذي مات فيه - وقال عامر بن صالح: حين هرب من عبد الواحد النصري إلى البصرة -:

يا بشر يا رب محزون بمصرعنا                      وشامت هذل ما مسه الـحـزن

وما شمات امرئ إن مات صاحبه                      وقد يرى أنه بالموت مرتـهـن

يا بشر هبي فإن الـنـوم أرقـه                      نأي مشت وأرض غيرها الوطن

ذكر الدلال

 

وقصته حين خصي ومن خصي معه والسبب في ذلك وسائر أخباره

اسمه وكنيته وولاؤه

الدلال اسم ناقد، وكنيته أبو زيد، وهو مدني مولى بني فهم.

وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبة قال: قال إسحاق: لم يكن من المخنثين أحسن وجها ولا أنظف ثوبا ولا أظرف من الدلال. قال: وهو أحد من خصاه ابن حزم. فلما فعل ذلك به قال: الآن تم الخنث.

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبد الله مصعب الزبيري قال: الدلال مولى عائشة بنت سعيد بن العاص.

كان ظريفا صاحب نوادر

وكان يغني غناء كثير العمل:

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبد الله مصعب الزبيري قال: كان الدلال من أهل المدينة، ولم يكن أهلها يعدون في الظرفاء وأصحاب النوادر من المخنثين بها إلا ثلاثة: طويس، الدلال، وهنب؛ فكان هنب أقدمهم، والدلال أصغرهم. ولم يكن بعد طويس أظرف من الدلال ولا أكثر ملحا.

قال إسحاق: وحدثني هشام بن المرية عن جرير، وكانا نديمين مدنيين، قال: ما ذكرت الدلال قط إلا ضحكت لكثرة نوادره. قال: وكان نزر الحديث، فإذا تكلم أضحك الثكلى، و، وكان ضاحك السن، وصنعته نزرة جيدة، ولم يكن يغني إلا غناء مضعفا، يعني كثير العمل.

كان أهل المدينة يفخرون به

قال إسحاق: وحدثني أيوب بن عباية قال: شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدلال وأحاديثه، طولوا رقابهم وفخروا به؛ فعلمت أن ذلك لفضيلة كانت فيه.

كان يلازم النساء

قال وحدثني ابن جامع عن يونس قال: كان الدلال مبتلى بالنساء والكون معهن، وكان يطلب فلا يقدر عليه، وكان بديع الغناء صحيحه حسن الجرم.

سبب لقبه، وتوسطه بين الرجال والنساء

قال إسحاق وحدثني الزبيري قال: إنما لقب بالدلال لشكله وحسن دله وظرفه وحلاوة منطقه وحسن وجهه وإشارته. وكان مشغوفا بمخالطة النساء ووصفهن للرجال. وكان من أراد خطبة امرأة سأله عنها وعن غيرها، فلا يزال يصف له النساء واحدة فواحدة حتى ينتهي إلى وصف ما يعجبه؛ ثم يتوسط بينه وبين من يعجبه منهن حتى يتزوجها؛ فكان يشاغل كل من جالسه عن الغناء بتلك الأحاديث كراهة منه للغناء.

قال إسحاق وحدثني مصعب الزبيري قال:

 

صفحة : 435

 

أنا أعلم خلق الله بالسبب الذي من أجله خصي الدلال؛ وذلك أنه كان القادم يقدم المدينة، فيسأل عن المرأة يتزوجها فيدل على الدلال؛ فإذا جاءه قال له: صف لي من تعرف من النساء للتزويج؛ فلا يزال يصف له واحدة بعد واحدة حتى ينتهي إلى ما يوافق هواه؛ فيقول: كيف لي بهذه? فيقول: مهرها كذا وكذا؛ فإذا رضي بذلك أتاها الدلال، فقال لها: إني قد أصبت لك رجلا من حاله وقصته وهيئته ويساره ولا عهد له بالنساء، وإنما قدم بلدنا آنفا؛ فلا يزال بذلك يشوقها ويحركها حتى تطيعه؛ فيأتي الرجل فيعلمه أنه قد أحكم له ما أراد. فإذا سوي الأمر وتزوجته المرأة، قال لها: قد آن لهذا الرجل أن يدخل بك، والليلة موعده، وأنت مغتلمة شبقة جامة؛ فساعة يدخل عليك قد دفقت عليه مثل سيل العرم، فيقذرك ولا يعاودك، وتكونين من أشأم النساء على نفسك وغيرك، فتقول: فكيف أصنع? فيقول: أنت أعلم بدواء حرك ودائه ما يسكن غلمتك. فتقول: أنت أعرف. فيقول: ما أجد له شيئا أشفى من النيك. فيقول لها: إن لم تخافي الفضيحة فابعثي إلى بعض الزنوج حتى يقضي بعض وطرك ويكف عادية حرك؛ فتقول له: ويلك ولا كل هذا فلا تزال المحاورة بينهما حتى يقول لها: فكما جاء علي أقوم، فأخففك وأنا والله إلى التخفيف أحوج. فتفرح المرأة فتقول: هذا أمر مستور، فينيكها؛ حتى إذا قضى لذته منها، قال لها: أما أنت فقد استرحت وأمنت العيب، وبقيت أنا. ثم يجيء إلى الزوج فيقول له: قد واعدتها أن تدخل عليك الليلة، وأنت رجل عزب، ونساء المدينة خاصة يردن المطاولة في الجماع، وكأني بك كما تدخله عليها تفرغ وتقوم، فتبغضك وتمقتك ولا تعاودك بعدها ولو أعطيتها الدنيا، ولا تنظر في وجهك بعدها. فلا يزال في مثل هذا القول حتى يعلم أنه قد هاجت شهوته؛ فيقول له: كيف أعمل? قال: تطلب زنجية فتنكيها مرتين أو ثلاثا حتى تسكن غلمتك؛ فإذا دخلت الليلة إلى أهلك لم تجد أمرك إلا جميلا. فيقول له ذاك: أعوذ بالله من هذه الحال، أزنا وزنجية لا والله لا أفعل فإذا أكثر محاورته قال له: فكما جاء علي قم فنكني أنا حتى تسكن غلمتك وشبقك؛ فيفرح فينيكه مرة أو مرتين. فيقول له: قد استوى أمرك الآن وطابت نفسك، وتدخل على زوجتك فتنيكها نيكا يملؤها سرورا ولذة. فينيك المرأة قبل زوجها، وينيكه الرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه، إلى أن بلغ خبره سليمان بن عبد الملك، وكان غيورا شديد الغيرة، فكتب أن يحصى هو وسائر المخنثين بالمدينة ومكة، وقال: إن هؤلاء يدخلون على نساء قريش ويفسدونهن. فورد الكتاب على ابن حزم فخصاهم. هذه رواية إسحاق عن الزبيري. والسبب في هذا أيضا مختلف فيه، وليس كل الرواة يروون ذلك كما رواه مصعب.

رواية أخرى في سبب خصي المخنثين فمما روي من أمرهم ما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري - وهذا خبر أصح ما روي في ذلك إسنادا - قال أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة عن معن بن عيسى، هكذا رواه الجوهري، وأخبرنا به إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: قال ابن جناح معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وعن محمد بن معن الغفاري قالا:

 

صفحة : 436

 

كان سبب ما خصي له المخنثون بالمدينة أن سليمان بن عبد الملك كان في نادية له يسمر ليلة على ظهر سطح، فتفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له. فبينا هي تصب عليه إذ أومأ بيده وأشار بها مرتين أو ثلاثا، فلم تصب عليه؛ فأنكر ذلك فرفع رأسه، فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية المعسكر، وإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى سمع جميع ما تغنى به. فلما أصبح أذن الناس، ثم أجرى ذكر الغناء فلين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه ويريده، فأفاضوا فيه بالتسهيل وذكر من كان يسمعه. فقال سليمان: فهل بقي أحد يسمع منه الغناء? فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان محكمان. قال: وأين منزلك? فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها. قال: فابعث إليهما، ففعل. فوجد الرسول أحدهما، فأدخله على سليمان؛ فقال: ما اسمك? قال: سمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به. فقال: متى عهدك به? قال: الليلة الماضية. قال: وأين كنت. فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان الغناء منها. قال: فما غنيت به? فخبره الشعر الذي سمعه سليمان. فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، ونب التيس فشكرت الشاة، وهدر الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله? فقيل: بالمدينة في المخنثين، وهم أئمته والحذاق فيه. فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وكان عامله عليها، أن أخص من قبلك من المخنثين المغنين - فزعم موسى بن جعفر بن أبي كثير قال أخبرني بعض الكتاب قال: قرأت كتاب سليمان في الديوان، فرأيت على الخاء نقطة كتمرة العجوة. قال: ومن لا يعلم يقول: أنه صحف القارئ، وكانت أحص - قال: فتبعتهم ابن حزم فخصى منهم تسعة؛ فمنهم الدلال وطريف، وحبيب نومة الضحى. وقال بعضهم حين خصي: سلم الخاتن والمختون. وهذا كلام يقوله الصبي إذا ختن.

قال: فزعم ابن أبي ثابت الأعرج قال أخبرني حماد بن نشيط الحسني قال: أقبلنا من مكة ومعنا بدراقس وهو الذي ختنهم، وكان غلامه قد أعانه على خصائهم، فنزلنا على حبيب نومة الضحى، فاحتفل لنا وأكرمنا. فقال له ثابت: من أنت? قال: يا ابن أخي أتجهلني وأنت وليت ختاني أو قال: وأنت ختنتني. قال: واسوأتاه وأيهم أنت? قال أنا حبيب. قال ثابت: فاجتنبت طعامه وخفت أن يسمني. قال: وجعلت لحية الدلال بعد سنة أو سنتين تتناثر. وأما ابن الكلبي فإنه ذكر عن أبي مسكين ولقيط أن أيمن كتب بإحصاء من في المدينة من المخنثين ليعرفهم، فيوفد عليه من يختاره للوفادة؛ فظن الوالي أنه يريد الخصاء، فخصاهم.

أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني ابن جعدبة، ونسخت أنا من كتاب أحمد بن الحارث الخراز عن المديني عن ابن جعدبة واللفظ له: أن الذي هاج سليمان بن عبد الملك على ما صنعه بمن كان بالمدينة من المخنثين، أنه كان مستلقيا على فراشه في الليل، وجارية له إلى جانبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فصلان من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفا، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأيلي يغني، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلا بها وإقبالا عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه مصغية إلى الرجل، حتى طال ذلك عليه، فحول سليمان وجهه عنها مغضبا، ثم عاد إلى ما كان مشغولا عن فهمه بها، فسمع سميرا يغني بأحسن صوت وأطيب نغنة:  صوت

 

محجوبة سمعت صوتي فأرقـهـا                      من آخر الليل حتى شفها السهـر

تدني على جيدها ثنتي معصـفـرة                      والحلي منها على لباتها خـصـر

في ليلة النصف ما يدري مضاجعها                      أوجهها عنده أبهى أم الـقـمـر - ويروى:

أوجهها ما يرى أم وجهها القمر

لو خليت لمشت نحوي على قدم                      تكاد من رقة للمشي تنفـطـر

 

صفحة : 437

 

-الغناء لسمير الأيلي رمل بالبنصر عن حبش. وأخبرني ذكاء وجه الرزة أنه سمع فيه لحنا للدلال من الثقيل الأول - فلم يشكك سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميرا؛ فوجه من وقته من أحضره وحبسه، ودعا لها بسيف ونطع، وقال: والله لتصدقني أو لأضربن عنقك قالت: سلني عما تريد. قال: أخبريني عما بينك وبين هذا الرجل. قالت: والله ما أعرفه ولا رأيته قط، وأنا جارية منشئي الحجاز، ومن هناك حملت إليك، ووالله ما أعرف بهذه البلاد أحدا سواك. فرق لها، وأحضر الرجل فسأله، وتلطف له في المسألة، فلم يجد بينه وبينها سبيلا، ولم تطب نفسه بتخليته سويا فخصاه؛ وكتب في المخنثين بمثل ذلك. هذه الرواية الصحيحة.

<H6 أسف ابن أبي عتيق لخصاء الدلال</H6 وقد أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: قيل للوليد بن عبد الملك: إن نساء قريش يدخل عليهن المخنثون بالمدينة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لا يدخل عليكن هؤلاء  . فكتب إلى ابن حزم الأنصاري أن اخصهم، فخصاهم. فمر ابن أبي عتيق فقال: أخصيتم الدلال أما والله لقد كان يحسن:

لمن ربع بذات الجي                      ش أمسى دارسا خلقا

تأبد بعـد سـاكـنـه                      فأصبح أهله فرقـا

وقفت بـه أسـائلـه                      ومرت عيسهم حزقا ثم ذهب ثم رجع، فقال: إنما أعني خفيفه، لست أعني ثقيله.

<H6 أسف الماجشون لذلك</H6 أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الواقدي عن ابن الماجشون: أن خليفة صاحب الشرطة لما خصي المخنثون مر بأبيه الماجشون وهو في حلقته؛ فصاح به: تعال فجاءه؛ فقال: أخصيتم الدلال قال نعم. قال: أما والله إنه كان يجيد:

لمن ربع بذات الجي                      ش أمسى دارسا خلقا ثم مضى غير بعيد فرده، ثم قال: أستغفر الله إنما أعني هزجه لا ثقيله.

أضحك الناس في الصلاة

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني حمزة النوفلي قال: صلى الدلال المخنث إلى جانبي في المسجد، فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد، فرفعنا رؤوسنا وهو ساجد، وهو يقول في سجوده رأفعا بذلك صوته: سبح لك أعلاي وأسفلي؛ فلم يبق في المسجد أحد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك.

طرب شيخ في مجلس ابن جعفر

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن المدائني عن أشياخه: أن عبد الله بن جعفر قال لصديق له: لو غنتك جارية فلانة:

لمن ربع بذات الجي                      ش أمسى دارسا خلقا لما أدركت دكانك. فقال: جعلت فداك، قد وجبت جنوبها  فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير  . فقال عبد الله: يا غلام، مر فلانة أن تخرج؛ فخرجت معها عودها. فقال عبد الله: إن هذا الشيخ يكره السماع. فقال: ويحه لو كره الطعام والشراب كان أقرب له إلى الصواب فقال الشيخ: فكيف ذاك وبهما الحياة? فقالت: إنهما ربما قتلا وهذا لا يقتل. فقال عبد الله غني:

لمن ربع بذات الجي                      ش أمسى دارسا خلقا فغنت؛ فجعل الشيخ يصفق ويرقص ويقول:

هذا أوان الشد فاشتدي زيم ويحرك رأسه ويدور حتى وقع مغشيا عليه، وعبد الله بن جعفر يضحك منه.

غنى الدلال الغمر بن يزيد فطرب

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: مر الغمر بن يزيد بن عبد الملك حاجا، فغناه الدلال:

بانت سعاد وأمسى حبلها انصرمـا                      واحتلت الغمر فالأجراع من إضما فقال له الغمر: أحسنت والله، وغلبت فيه ابن سريج فقال له الدلال: نعمة الله علي فيه أعظم من ذلك. قال: وما هي? قال: السمعة، ولا يسمعه أحد إلا علم أنه غناء مخنث حقا.

نسبة هذا الصوت:  صوت

 

بانت سعاد وأمسى حبلها انصرمـا                      واحتلت الغمر فالأجراع من إضما

إحدى بلي وما هام الفـؤاد بـهـا                      إلا السفاه وإلا ذكـرة حـلـمـا

هلا سألت بني ذبيان ما حسـبـي                      إذا الدخان تغشى الأشمط البرمـا

 

صفحة : 438

 

الشعر للنابغة الذبياني. والغناء للدلال خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وفيه خفيف ثقيل بالبنصر لمعبد عن عمرو بن بانة. وفيه لابن سريج ثقيل أول بالبنصر عن حبش. وفيه لنشيط ثاني ثقيل بالبنصر عنه. وذكر الهشامي أن لحن معبد ثقيل أول، وذكر حماد أنه للغريض. وفيه لجميلة ودحمان لحنان، ويقال: إنهما جميعا من الثقيل الأول.

احتكم إليه شيعي ومرجئ

أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حماد بن إسحاق إجازة عن أبيه عن المدائني قال: اختصم شيعي ومرجئ، فجعلا بينهما أول من يطلع، فطلع الدلال. فقالا له: أبا زيد، أيهما خير الشيعي أم المرجئ? فقال: لا أدري إلا أن أعلاي الشيعي وأسفلي مرجئ  هربه من االمدينة إلى مكة

قال إسحاق قال المدئني وأخبرني أبو مسكين عن فليح بن سليمان قال: كان الدلال ملازما لأم سعيد الأسلمية وبنت ليحيى بن الحكم بن أبي العاصي، وكانتا من أمجن النساء، كانتا تخرجان فتركبان الفرسين فتستبقان عليهما حتى تبدو خلا خيلهما. فقال معاوية لمروان بن الحكم: اكفني بنت أخيك؛ فقال: أفعل. فاستزارها، وأمر ببئر فحفرت في طريقها، وغطيت بحصير، فلما مشت عليه سقطت في البئر فكانت قبرها. وطلب الدلال فهرب إلى مكة. فقال له نساء أهل مكة: قتلت نساء أهل المدينة وجئت لتقتلنا فقال: والله ما قتلهن إلا الحكاك. فقلن: اعزب أخزاك الله، ولا أدنى بك درا، ولا آذانا بك قال: فمن لكن بعدي يدل على دائكن ويعلم موضع شفائكن? والله ما زنيت قط ولا زني بي، وإني لأشتهي ما تشتهي نساؤكم ورجالكم.

كان الماجشون يستحسن غناءه

قال إسحاق وحدثني الواقدي عن ابن الماجشون قال: كان أبي يعجبه الدلال ويستحسن غناءه ويدنيه ويقربه، ولم أره أنا، فسمعت أبي يقول: غناني الدلال يوما بشعر مجنون بني عامر، فلقد خفت الفتنة على نفسي. فقلت: يا أبت، وأي شعر تعنى? قال قوله.

صوت

 

عسى الله أن يجري المودة بينـنـا                      ويوصل حبلا منكم بـحـبـالـيا

فكم من خليلي جفوة قد تقاطـعـا                      على الدهر لما أن أطالا التلاقـيا

وإني لفي كـرب وأنـت خـلـية                      لقد فارقت في الوصف حالك حاليا

عتبت فما أعتـبـتـنـي بـمـودة                      ورمت فما أسعفتني بـسـؤالـيا الغناء في هذا الشعر للغريض ثقيل أول بالوسطى، ولا أعرف فيه لحنا غيره. وذكر حماد في أخبار الدلال أنه للدلال، ولم يجنسه.

خبره مع مخة المخنث

قال إسحاق وحدثني الواقدي عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي قال: قدم مخنث من مكة يقال له مخة، فجاء إلى الدلال فقال: يا أبا زيد، دلني على بعض مخنثي أهل المدينة أكايده وأمازحه ثم أجاذبه. قال: قد وجدته لك - وكان خثيم بن عراك بن مالك صاحب شرطة زياد بن عبيد الله الحارثي جاره، وقد خرج في ذلك الوقت ليصلي في المسجد - فأومأ إلى خثيم فقال: الحقه في المسجد؛ فإنه يقوم فيه فيصلي ليرائي الناس، فإنك ستظفر بما تريد منه. فدخل المسجد وجلس إلى جنب ابن عراك، فقال: عجلي بصلاتك لا صلى الله عليك فقال خثيم: سبحان الله فقال المخنث: سبحت في جامعة قراصة، انصرفي حتى أتحدث معك. فانصرف خثيم من صلاته، ودعا بالشرط والسياط فقال: خذوه فأخذوه، فضربه مائة وحبسه.

أضحاكه الناس في الصلاة

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال: صلى الدلال يوما خلف الإمام بمكة، فقرأ:  وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون  ؛ فقال الدلال: لا أدري والله فضحك أكثر الناس وقطعوا الصلاة. فلما قضى الوالي صلاته دعا به وقال له: ويلك ألا تدع هذا المجون والسفه فقال له: قد كان عندي أنك تعبد الله، فلما سمعتك تستفهم، ظننت أنك قد تشككت في ربك فثبتك. فقال له: أنا شككت في ربي وأنت ثبتني اذهب لعنك الله ولا تعاود فأبالغ والله في عقوبتك  أخبار متفرقة

قال إسحاق وحدثني الواقدي عن عثمان بن إبراهيم قال:

 

صفحة : 439

 

سأل رجل الدلال أن يزوجه امرأة فزوجه. فلما أعطاها صداقها وجاء بها إليه فدخلت عليه، قام إليها فواقعها، فضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها الرجل ومقتها وأمر بها فأخرجت؛ وبعث إلى الدلال، فعرفه ما جرى عليه. فقال له الدلال: فديتك هذا كله من عزة نفسها. قال: دعني منك؛ فإني قد أبغضتها، فاردد علي دراهمي، فرد بعضها. فقال له: لم رددت بعضها وقد خرجت كما دخلت? قال: للروعة التي أدخلتها على استها. فضحك وقال له: اذهب فأنت أقضى الناس وأفقههم.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني محمدو بن سلام عن أبيه قال، و أخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام عن أبيه قال: أن الدلال خرج يوما مع فتية من قريش في نزهة لهم، وكان معهم غلام جميل الوجه، فأعجبه؛ وعلم القوم بذلك، فقالوا: قد ظفرنا به بقية يومنا، وكان لا يصبر في مجلس حتى ينقضي، وينصرف عنه استثقالا لمحادثة الرجال ومحبة في محادثة النساء. فغمزوا الغلام عليه؛ وفطن لذلك فغضب، وقال لينصرف؛ فأقسم الغلام عليه والقوم جميعا فجلس. وكان معهم شراب فشربوا، وسقوه وحملوا عليه لئلا يبرح، ثم سألوه أن يغنيهم فغناهم:  صوت

 

زبيرية بالعرج منهـا مـنـازل                      وبالخيف من أدنى منازلها رسم

أسائل عنها كل ركب لـقـيتـه                      وما لي بها من بعد مكتنا عـلـم

أيا صاحب الخيمات من بطن أرثد                      إلى النخل من ودان ما فعلت نعم

فإن تك حرب بين قومي وقومها                      فإني لها في كل نـائرة سـلـم ذكر يحيى المكي وعمرو بن بانة أن الغناء في هذا الشعر لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى، وذكر غيرهما أنه للدلال. وفيه لمخارق رمل. وذكر إسحاق هذا اللحن في طريقة الثقيل الثاني ولم ينسبه إلى أحد -قال: فاستطير القوم فرحا وسرورا وعلا نعيرهم؛ فنذر بهم السلطان، وتعادت الأشراط، فأحسوا بالطلب فهربوا؛ وبقي الغلام والدلال ما يطيقان براحا من السكر؛ فأخذا فأتي بهم أمير المدينة. فقال للدلال: يا فاسق فقال له: من فمك إلى السماء. قال: جئوا فكه؛ قال: وعنقه أيضا. قال: يا عدو الله أما وسعك بيتك حتى خرجت بهذا الغلام إلى الصحراء تفسق به فقال: لو علمت أنك تغار علينا وتشتهي أن نفسق سرا ما خرجت من بيتي. قال: جردوه وأضربوه حدا. قال: وما ينفعك من ذلك وأنا والله أضرب في كل يوم حدودا. قال: ومن يتولى ذلك منك? قال: أيور المسلمين. قال: ابطحوه على وجهه واجلسوا على ظهره. قال: أحسب الأمير قد اشتهى أن يرى كيف أناك. قال: أقيموه لعنه الله واشهروه في المدينة مع الغلام. فأخرجا يدار بهما في السكك. فقيل له: ما هذا يا دلال? قال: اشتهى الأمير أن يجمع بين الرأسين، فجمع بيني وبين هذا الغلام ونادى علينا، ولو قيل له الآن: إنك قواد غضب فبلغ قوله الوالي فقال: خلو سبيلهما، لعنة الله عليهما قال إسحاق في خبره خاصة -ولم يذكره أبو أيوب- فحدثني أبي عن ابن جامع عن سياط قال: سمعت يونس يقول قال لي معبد: ما ذكرت غناء الدلال في هذا الشعر:

زبيرية بالعرج منها منازل إلا جدد لي السرور، ولوددت أني كنت سبقته إليه لحسنه عندي. قال يونس: ما بلغ من حسنه عندك? قال: يكفيك أني لم أسمع أحسن منه قط.

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان قال: كان بالمدينة عرس، فاتفق فيه الدلال وطويس والوليد المخنث، فدخل عبد الرحمن بن حسان، فلما رآهم قال: ما كنت لأجلس في مجلس فيه هؤلاء. فقال له طويس: قد علمت يا عبد الرحمن نكايتي فيك وأن جرحي إياك لم يندمل - يعني خبره معه بحضرة عبد الله بن جعفر، وذكره لعمته الفارعة - فاربح نفسك وأقبل على شأنك؛ فإنه لا قيام لك بمن يفهمك فهمي. وقال له الدلال: يا أخا الأنصار إن أبا عبد النعيم أعلم بك مني، وسأعلمك بعض ما أعلم به. ثم اندفع ونقر بالدف، وكله ينقر بدفه معه، فتغنى:  صوت

 

اتهجر يا إنسان من أنت عاشقة                      ومن أنت مشتاق إليه وشائقـه

وريم أحم المقلـتـين مـوشـح                      زرابيه مبثـوثة ونـمـارقـه

ترى الرقم والديباج في بيته معا                      كما زين الروض الأنيق حدائقه

 

صفحة : 440

 

 

وسرب ظباء ترتعي جانب الحمـى                      إلى الجو فالخبتين بيض عقـائقـه

وما من حمى في الناس إلا لنا حمى                      وإلا لنا غـربـيه ومـشـارقـه فاستضحك عبد الرحمن وقال: اللهم غفرا، وجلس.

لحن الدلال في هذه الأبيات هزج بالبنصر عن يحيى المكي وحماد.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبد الله الجمحي عن محمد بن عثمان عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت عمي عتبة يقول حدثني مولى للوليد بن عبد الملك قال: كان الدلال ظريفا جميلا حسن البيان، من أحضر الناس جوابا وأحجهم؛ وكان سليمان بن عبد الملك قد رق له حين خصي غلطا، فوجه إليه مولى له وقال له: جئني به سرا، وكانت تبلغه نوادره وطيبه، وحذر سوله أن يعلم بذلك أحد. فنفذ المولى إليه وأعلمه ما أمره به، وأمره بالكتمان وحذره أن يقف على مقصده أحد، ففعل. وخرج به إلى الشام، فلما قدم أنزله المولى منزله المولى منزله وأعلم سليمان بمكانه؛ فدعا به ليلا فقال: ويلك ما خبرك? فقال: جببت من القبل مرة أخرى يا أمير المؤمنين، فخل تريد أن تجبني المرة من الدبر? فضحك وقال: اعزب أخزاك الله ثم قال له: غن. فقال: لا أحسن إلا بالدف. فأمر فأتي له بدف؛ فغنى في شعر العرجي:

أفي رسم دار دمعك الـمـنـحـدر                      سفاها وما استنطاق ما ليس يخبـر

تغير ذاك الربع مـن بـعـد جـدة                      وكـل جـديد مـرة مـتـغــير

لأسماء إذ قلبي بأسـمـاء مـغـرم                      وما ذكر أسماء الجميلة مـهـجـر

وممشى ثلاث بعد هـدء كـواعـب                      كمثل الدمى بل هن من ذاك أنضر

فسلمن تسليما خـفـيا وسـقـطـت                      مصاعبه ظلع من السـير حـسـر

لها أرج من زاهر البقل والـثـرى                      وبرد إذا ما باشر الجلـد يخـصـر

فقالت لتربيهـا الـغـداة تـبـقـيا                      بعين ولا تستبعـدا حـين أبـصـر

ولا تظهر برديكمـا وعـلـيكـمـا                      كساءان من خز بنقش وأخـضـر

فعدي فما هذا العـتـاب بـنـافـع                      هواي ولا مرجي الهوى حين يقصر فقال له سليمان: حق لك يا دلال أن يقال لك الدلال أحسنت وأجملت فو الله ما أدري أي أمريك أعجب: أسرعة جوابك وجودة فهمك أم حسن غنائك، بل جميعا عجب وأمر له بصلة سنية. فأقام عنده شهرا يشرب على غنائه، ثم سرحه إلى الحجاز مكرما.

قصته مع شامي من قواد هشام

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعي قال: حج هشام بن عبد الملك، فلما قدم المدينة نزل رجل من أشراف أهل الشأم وقوادهم بجنب دار الدلال، فكان الشامي يسمع غناء الدلال ويصغي إليه ويصعد فوق سطح ليقرب من الصوت؛ ثم بعث إلى الدلال: إما أن تزورنا وإما أن نزورك؛ فبعث إليه الدلال: بل تزورنا. فتهيأ الشامي ومضى إليه، وكان للشامي غلمان روقة، فمضى معه بغلامين منهم كأنهما درتان. فغناه الدلال:

قد كنت آمـل فـيكـم أمـلا                      والمرء ليس بمدرك أمـلـه

حتى بدا لي منـكـم خـلـف                      فزجرت قلبي عن هوى جهله

ليس الفتى بـمـخـلـد أبـدا                      حقا وليس بـفـائت أجـلـه

حي العمود ومن بعـقـوتـه                      وقفا العمود وإن جلا أهـلـه قال: فاستحسن الشامي غناءه، وقال له: زدني؛ فقال: أو ما يكفيك ما سمعت? قال: لا والله ما يكفيني. قال: فإن لي إليك حاجة. قال: ما هي? قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما. قال: اختر أيهما شئت؛ فاختار أحدهما. فقال الشامي: هو لك؛ فقبله الدلال، ثم غناه:

دعتني دواع من أريا فهـيجـت                      هوى كان قدما من فؤاد طروب

لعل زمانا قد مضى أن يعود لي                      فتغفر أروى عند ذاك ذنـوبـي

سبتني أريا يوم نعف محـسـر                      بوجه جميل للقلـوب سـلـوب

 

صفحة : 441

 

فقال له الشامي: أحسنت ثم قال له: أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجة. قال: وما هي? قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة، في بياض مشربة حمرة، حسنة القامة، سبطة، أسيلة الخد، عذبة اللسان، لها شكل ودل، تملأ العين والنفس. فقال له الدلال: قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك? قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقبلتها فالغلام لي? قال نعم. فأتى امرأة كنى عن اسمها، فقال لها: جعلت فداك إنه نزل بقربي رجل من أهل الشأم من قواد هشام له ظرف وسخاء، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة والقمر المنير والكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما ولا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده؛ وإن لم يصل إلي فنفسي خارجة. قالت: فتريد ماذا? قال: طلب مني وصيفة يشتريها على صفة لا أعلمها في أحد إلا في فلانة بنتك، فهل لك أن تريها له? قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها? قال: فإني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت: فشأنك ولا يعلم أحد بذلك. فمضى الدلال فجاء الشامي معه. فلما صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة وفيها امرأة على سرير مشرف برزة جميلة، فوضع له كرسي فجلس. فقالت له: أمن العرب أنت? قال نعم. قالت: من أيهم? قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك وأهلا، أي شيء طلبت? فوصف الصفة؛ فقالت: أصبتها، وأصغت إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت؛ فنظرت إليها المرأة فقالت لها: أي حبيبتي، اخرجي؛ فخرجت وصيفة ما رأى الراءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت لها أدبري، فأدبرت تملأ العين والنفس؛ فما بقي منها شيء إلا وضع يده عليه. فقالت: أتحب أن نؤزرها لك? قال نعم. قالت: أي حبيبتي ائتزري، فضمها الإزار وظهرت محاسنها الخفية، وضرب بيده على عجيزتها وصدرها. ثم قالت أتحب أن نجردها لك? قال نعم. قالت: أي حبيبتي وضحي؛ فألقت إزارها فإذا أحسن خلق الله كأنها سبيكة. فقالت: يا أخا أهل الشأم كيف رأيت? قال منية المتمني. قال: بكم تقولين? قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غدا حتى نبايعك ولا تنصرف إلا على الرضا، فانصرف من عندها. فقال له الدلال: أرضيت? قال: نعم، ما كنت أحسب أن مثل هذه في الدنيا؛ فإن الصفة لتقصر دونها. ثم دفع إليه الغلام الثاني. فلما كان من الغد قال له الشامي: امض بنا، فمضيا حتى قرعا الباب؛ فأذن لهما، فدخلا وسلما، ورحبت المرأة بهما، ثم قالت للشامي: أعطنا ما تبذل؛ قال: ما لها عندي ثمن إلا وهي أكبر منه، فقولي يا أمة الله. قالت: بل قل؛ فإنا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك وأنت لها رضا. قال: ثلاثة آلاف دينار. فقالت: والله لقبلة من هذه خير من ثلاثة آلف دينار. قال: بأربعة آلاف دينار. قالت: غفر الله لك أعطنا أيها الرجل. قال: والله ما معي غيرها - ولو كان لزدتك - إلا رقيق ودواب وخرثي أحمله إليك. قالت: ما أراك إلا صادقا، أتدري من هذه? قال: تخبريني. قالت: هذه ابنتي فلانة بنت فلان، وأنا فلانة بنت فلان، وقد كنت أردت أن أعرض عليك وصيفة عندي، فأحببت إذا رأيت غدا غلظ أهل الشأم وجفائهم، ذكرت ابنتي فعلمت أنكم في غير شيء، قم راشدا. فقال للدلال: خدعتني قال: أو لا ترضى أن ترا ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك? قال: أما هذا فنعم. وخرجا من عندها.

نسبة ما عرفت نسبته من الغناء المذكور في هذا الخبر:  صوت

 

قد كنت آمـل فـيكـم أمـلا                      والمرء ليس بمدرك أمـلـه

حتى بدا لي منـكـم خـلـف                      فزجرت قلبي عن هوى جهله الشعر للمغيرة بن عمرو بم عثمان. والغناء للدلال، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها؛ وجدته في بعض كتب إسحاق بخط يده هكذا. وذكر علي بن يحيى المنجم إن هذا اللحن في هذه الطريقة لابن سريج، وأن لحن الدلال خفيف ثقيل نشيد. وذكر أحمد بن المكي أن لحن الدلال ثاني ثقيل بالوسطى، ولحن ابن سريج ثقيل أول. وفيه لمتيم وعريب خفيفا ثقيل، المطلق المسجح منهما لعريب.

ومنها:  صوت

 

دعتني دواع من أريا فهـيجـت                      هوى كان قدما من فؤاد طروب

 

صفحة : 442

 

 

سبتني أريا يوم نعف مسـحـر                      بوجه صبيح للقلوب سـلـوب

لعل زمانا قد مضى أن يعود لي                      وتغفر أروى عند ذاك ذنوبـي الغناء للدلال خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من رواية حماد عن أبيه، وذكر يحيى المكي أنه لابن سريج.

غنى نائلة بنت عمار الكلبي فأجازته

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي قبيصة قال: جاء الدلال يوما إلى منزل نائلة بنت عمار الكلبي، وكانت عند معاوية فطلقها، فقرع الباب فلم يفتح له؛ فغنى في شعر مجنون بني عامر ونقر بدفه:

خليلي لا والله ما أملك الـبـكـا                      إذا علم من أرض ليلى بدا لـيا

خليلي إن بانوا بلـيلـى فـهـيئا                      لي النعش والأكفان واستغفرا ليا فخرج حشمها فزجروه وقالوا: تنح عن الباب. وسمعت الجلبة فقالت: ما هذه الضجة بالباب? فقالوا: الدلال. فقالت: ائذنوا له. فلما دخل عليها شق ثيابه وطرح التراب على رأسه وصاح بويله وحربه؛ فقالت له: الويل ويلك ما دهاك? وما أمرك? قال: ضربني حشمك. قالت: ولم? قال غنيت صوتا أريد أن أسمعك إياه لأدخل إليك؛ فقالت: أف لهم وتف نحن نبلغ لك ما تحب ونحسن تأديبهم. يا جارية هاتي ثيأبا مقطوعة. فلما طرحت عليه جلس. فقالت: ما حاجتك? قال: لا أسألك حاجة حتى أغنيك. قالت: فذاك إليك؛ فاندفع يغني شعر جميل:

ارحميني فقد بليت فحسـبـي                      بعض ذا الداء يا بثينة حسبي

لا مني فيك يا بثينة صحـبـي                      لا تلوموا قد أقرح الحب قلبي

زعم الناس أن دائي طـبـي                      أنت والله يا بـثـينة طـبـي ثم جلس فقال: هل الطعام? قالت: علي بالمائدة؛ فأتي بها كأنها كانت مهيأة عليها أنواع الأطعمة، فأكل، ثم قال: هل من شراب? قالت: أما نبيذ فلا، ولكن غيره. فأتي بأنواع الأشربة، فشرب من جميعها. ثم قال: هل من فاكهة? فأتي بأنواع الفواكه فتفكه، ثم قال: حاجتي خمسة آلاف درهم، وخمس حلل من حلل معاوية، وخمس حلل من حلل حبيب بن مسلمة، وخمس حلل من حلل النعمان بن بشير. فقالت: وما أردت بهذا? قال: هو ذاك، والله ما أرضى ببعض دون بعض، فإما الحاجة وإما الرد. فدعت له بما سأل، فقبضه وقام. فلما توسط الدار غنى ونقر بدفه:

ليت شعري أجفـوة أم دلال                      أم عدو أتى بثينة بـعـدي

فمريني أطعك في كل أمر                      أنت والله أوجه الناس عندي وكانت نائلة عند معاوية، فقال لفاختة بنت قرظة: اذهبي فانظري إليها، فذهبت فنظرت إليها، فقالت له: ما رأيت مثلها، ولكني رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن منه رأس زوجها في حجرها. فطلقها معاوية؛ فتزوجها بعده رجلان: أحدهما حبيب بن مسلمة، والآخر النعمان بن بشير؛ فقتل احدهما فوضع رأسه في حجرها.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني  صوت

 

خليلي لا والله ما أملـك الـبـكـا                      إذا علم من أرض ليلـى بـدالـيا

خليلي إن بانوا بـلـيلـى فـهـيئا                      لي النعش والكفان واستغفـرا لـيا

أمضروبة ليلى على أن أوزارهـا                      ومتخذ ذنـبـا لـهـا أن تـرانـيا

خليلي لا والله مـا أمـلـك الـذي                      قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا

قضاها لغيري وابتلاني بحـبـهـا                      فهلا بشيء غير ليلى ابـتـلانـيا الشعر للمجنون. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر الهشامي أن فيه لحنا لمعبد ثقيلا أول لايشك فيه. قال: وقد قال قوم: إنه منحول يحيى المكي. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل عن الهشامي أيضا. وفيه ليحيى المكي رمل من رواية ابنه أحمد. وفيه خفيف رمل عن أحمد بن عبيد لا يعرف صانعه.

ومنها:  صوت

 

ليت شعري أجفـوة أم دلال                      ام عدو أتى بثينة بـعـدي

فمريني أطعك في كل أمر                      أنت والله أوجه الناس عندي

 

صفحة : 443

 

الشعر لجميل. والغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لعلويه خفيف ثقيل آخر. وذكر عمرو بن بانة أن فيه خفيف ثقيل بالوسطى لمعبد. وذكر إسحاق أن فيه رملا بالبنصر في مجراها ولم ينسبه إلى أحد، وذكر الهشامي أنه لمالك. وفيه لمتيم خفيف رمل. وفيه لعريب ثقيل أول بالبنصر. وذكر حبش أن فيه للغريض ثقيلا أول بالبنصر. ولمعبد فيه ثقيل أول بالوسطى. وذكر ابن المكي أن فيه خفيف ثقيل لمالك وعلويه.

غنى في زفاف ابنة عبد الله بن جعفر

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني عن عوانة بن الحكم قال: لما أراد عبد الله بن جعفر إهداء بنته إلى الحجاج، كان ابن أبي عتيق عنده، فجاءه الدلال متعرضا فاستأذن. فقال له ابن جعفر: لقد جئتنا يا دلال في وقت حاجتنا إليك. قال: ذلك قصدت. فقال له ابن أبي عتيق: غننا؛ فقال ابن جعفر: ليس وقت ذلك، نحن في شغل عن هذا. فقال ابن أبي عتيق: ورب الكعبة ليغنين. فقال له ابن جعفر: هات. فغنى ونقر بالدف - والهوادج والرواحل قد هيئت، وصيرت بنت ابن جعفر فيها مع جواريها والمشيعين لها -:

يا صاح لو كنت عالما خبرا                      بما يلاقي المحب لم تلمـه

لا ذنب لي في مقرط حسن                      أعجبني دله ومبتـسـمـه

شيمته البخل والبعاد لـنـا                      يا حبذا هو وحبذا شـيمـه

مضمخ بالعبير عـارضـه                      طوبى بمن شمه ومن لثمه - قال: ولابن محرز في هذا الشعر لحن أجود من لحن الدلال - فطرب ابن جعفر وابن أبي عتيق. وقال له ابن جعفر: زدني وطرب. فأعاد اللحن ثلاثا ثم غنى:

بكر العواذل في الصبا                      ح يلمنني وألومهـنـه

ويقلن شيب قـد عـلا                      ك وقد كبرت فقلت إنه ومضت بنت الجعفر، فاتبعها بهذا الشعر - ولعبد آل الهذلي فيه لحن وهو أحسنها -:

إن الخليط أجد فاحـتـمـلا                      وأراد غيظك بالذي فـعـلا

فوقفت انظر بعض شأنـهـم                      والنفس مما تأمـل الأمـلا

وإذا البغال تـشـد صـافـنة                      وإذا الحداة قد أزمعوا الرحلا

فهناك كاد الشوق يقتـلـنـي                      لو أن شوقا قبـلـه قـتـلا فدمعت عينا عبد الله بن جعفر، وقال الدلال: حسبك فقد أوجعت قلبي وقال لهم: تمضوا في حفظ الله على خير طائر وأيمن نقيبة.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء  صوت

 

بكر العواذل في الصبـا                      ح يلمنني وألومهـنـه

ويقلن شـيب قـد عـلا                      ك وقد كبرت فقلت إنه

لا بد مـن شـيب فـدع                      ن ولا تطلن ملامكنـه

يمشين كالبقر الـثـقـا                      ل عمدن نحو مراحهنه

يحفين في الممشى القري                      ب إذا يردن صديقهنـه الشعر لابن قيس الرقيات. والغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ثقيل أول للغريض عن الهشامي. وفيه خفيف ثقيل آخر بالوسطى ليعقوب بن هبار عن الهشامي ودنانير، وذكر حبش أنه ليعقوب.

ومنها:  صوت

 

إن الخليط أجد فاحتمـلا                      وأراد غيظك بالذي فعلا الأبيات الأربعة.

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض ثقيل أول بالسبابة عن يحيى المكي. وفيه ليحيى أيضا ثقيل أول بالوسطى من رواية أحمد ابنه، وذكر حبش أن هذا اللحن لبسباسة بنت معبد.

سأله ابن أبي ربيعة الغناء في شعر له

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص الثقفي قال: كان للدلال صوت يغني به ويجيده، وكان عمر بن أبي ربيعة سأله الغناء فيه وأعطاه مائة دينار ففعل، وهو قول عمر:  صوت

 

ألم تسأل الأطلال والمـتـربـعـا                      ببطن حليات دوارس بـلـقـعـا

إلى السرح من وادي المغمس بدلت                      معالمه وبلا ونكبـاء زعـزعـا

وقربن أسباب الـهـوى لـمـتـيم                      يقيس ذراعا كلما قسن إصبـعـا

فقلت لمطربهن في الحسن إنـمـا                      ضررت فهل تسطيع نفعا فتنفعـا

 

صفحة : 444

 

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض فيه لحنان: أحدهما في الأول والثاني من الأبيات ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، والآخر في الثالث والرابع ثاني ثقيل بالبنصر. وفي هذين البيتين الآخرين لابن سريج ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفي الأول والثاني للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيهما لابن جامع رمل بالوسطى عنه أيضا. وقال يونس: لمالك فيه لحنان، ولمعبد لحن واحد.

روى هشام بن المرية عن جرير صوتين له

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال حدثني هشام بن المرية قال: كنا نعرف للدلال صوتين عجيبين، وكان جرير يغني بهما فأعجب من حسنهما. فأخذتهما عنه وأنا أغني بهما. فأما أحدهما فإنه يفرح القلب. والآخر يرقص كل من سمعه. فأما الذي يفرح القلب فلابن سريج فيه أيضا لحن حسن وهو:

ولقد جرى لك يوم سرحة مالك                      مما تـعـيف سـانـح ويريح

أحوى القوادم بالبياض ملـمـع                      قلق المواقع بالفـراق يصـيح

الحب أبغـضـه إلـي أقـلـه                      صرح بالذاك فراحتي التصريح

بانت عويمة فالـفـؤاد قـريح                      ودموع عينك في الرداء سفوح والآخر:

كلما أبصرت وجهـا                      حسنا قلت خلـيلـي

فإذا مـا لـم يكـنـه                      صحت ويلي وعويلي

فصلي حبل مـحـب                      لكـم جـد وصـول

وانظري لا تخـذلـيه                      إنـه غـير خـذول نسبة هذين الصوتين للدلال في الشعر الأول الذي أوله:

ولقد جرى لك يوم سرحة مالك خفيف ثقيل بالوسطى. وفيه لابن سريج ثقيل أول عن الهشامي. وقال حبش: إن للدلال فيه لحنين: خفيف ثقيل أول وخفيف رمل. وأول خفيف الرمل:

بانت عويمة فالفؤاد قريح وذكر أن لحن ابن سريج ثاني ثقيل، وأن لابن مسجح فيه أيضا خفيف ثقيل.

والصوت الثاني الذي أوله:

كلما أبصرت وجها                      حسنا قلت خليلي الغناء فيه لعطرد خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش، ويقال إنه للدلال. وفيه ليونس خفيف رمل، وفيه لإبراهيم الموصلي خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.

شرب النبيذ وكان لا يشربه فسكر

حتى خلع ثيابه:

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان الدلال لا يشرب النبيذ، فخرج مع قوم إلى متنزه لهم ومعهم نبيذ، فشربوا ولم يشرب منه، وسقوه عسلا مجدوحا، وكان كلما تغافل صيروا في شرابه النبيذ فلا ينكره، وكثر ذلك حتى سكر وطرب، وقال: اسقوني من شرابكم، فسقوه حتى ثمل، وغناهم في شعر الأحوص:

طاف الخيال وطاف الهم فاعتكرا                      عند الفراش فبات الهم محتضـرا

أراقب النجم كالحيران مرتقـبـا                      وقلص النوم عن عيني فانشمـرا

من لوعة أورثت قرحا على كبدي                      يوما فأصبح منها القلب منفطـرا

ومن يبت مضمرا هما كما ضمنت                      مني الضلوع يبيت مستبطنا غيرا فاستحسنه القوم وطربوا وشربوا. ثم غناهم:

طربت وهاجك من تدكر                      ومن لست من حبه تعتذر

فإن نلت منها الذي أرتجي                      فذاك لعمري الذي أنتظر

وإلا صبرت فلا مفحشـا                      عليها بسوء ولا مبتهـر - لحن الدلال في هذا الشعر خفيف ثقيل أول بالبنصر عن حبش. قال: وذكر قوم أنه للغريض -.

قال: وسكر حتى خلع ثيابه ونام عريانا، فغطاه القوم بثيابهم وحملوه إلى منزله ليلا فنوموه وانصرفوا عنه. فأصبح وقد تقيأ ولوث ثيابه بقيئه، فأنكر نفسه، وحلف ألا يغني أبدا ولا يعاشر من يشرب النبيذ؛ فوفى بذلك إلى أن مات. وكان يجالس المشيخة والأشراف فيفيض معهم في أخبار الناس وأيامهم حتى قضى نحبه.

انقضت أخبار الدلال.

 

ومما في شعر الأحوص من المائة المختارة

 

صوت من المائة المختارة

 

يا دين قلبك منها لسـت ذاكـرهـا                      إلا ترقرق ماء العـين أو دمـعـا

أدعوا إلى هجرها قلبي فيتبعـنـي                      حتى إذا قلت هذا صادق نـزعـا

لا أستطيع نزوعا عن محـبـتـهـا                      أو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا

كم من دني لها قد صرت أتبـعـه                      ولو سلا القلب عنها صار لي تبعـا

 

صفحة : 445

 

 

وزادني كلفا في الحب أن منعت                      وحب شيء إلى الإنسان ما منعا الشعر للأحوص. والغناء ليحيى بن واصل المكي، وهو رجل قليل الصنعة غير مشهور، ولا وجدت له خبرا فأذكره. ولحنه المختار ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق. وذكر يونس أن فيه لحنا لمعبد ولم يجنسه.

محبوبة الأحوص في كبرها

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا مطرف بن عبد الله المدني قال حدثني أبي عن جدي قال: بينا أطوف بالبيت ومعي أبي، إذا بعجوز كبيرة يضرب أحد لحييها الآخر. فقال لي أبي: أتعرف هذه? قلت: لا، ومن هي? قال: هذه التي يقول فيها الأحوص:

يا سلم ليت لسانا تنطـقـين ب                      قبل الذي نالني من حبكم قطعا

يلومني فيك أقوام أجالسـهـم                      فما أبالي أطار اللوم أو وقعا

أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني                      حتى إذا قلت هذا صادق نزعا قال: فقلت له: يا أبت، ما أرى أنه كان في هذه خير قط. فضحك ثم قال: يا بني هكذا يصنع الدهر بأهله.

حدثنا به وكيع قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا أبو خويلد مطرف بن عبد الله المدني عن أبيه، ولم يقل عن جده، وذكر الخبر مثل الذي قبله.

 

صوت من المائة المختارة

 

كالبيض بالأدحي يلمع في الضحى                      فالحسن حسن والنـعـيم نـعـيم

حلين من در البـحـور كـأنـه                      فوق النحور إذا يلـوح نـجـوم الأدحي: المواضع التي يبيض فيها النعام، واحدتها أدحية. وذكر أبو عمرو الشيباني أن الأدحي البيض نفسه. ويقال فيه أدحي وأداح أيضا.

الشعر لطريح بن إسماعيل الثقفي. والغناء لأبي سعيد مولى فائد، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه للهذلي خفيف ثقيل من رواية الهشامي. وقد سمعنا من يغني فيه لحنا من خفيف الرمل، ولست أعرف لمن هو.

 

ذكر طريح وأخباره ونسبه

نسبه

هو - فيما أخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن عمه ابن الكلبي في كتاب النسب إجازة، وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبي أيوب المديني عن ابن عائشة ومحمد بن سلام ومصعب الزبيري، قال: - طريح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن عنزة بن عوف بن قسي - وهو ثقيف - بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.

ثقيف والخلاف في نسبه قال ابن الكلبي: ومن النسابين من يذكر أن ثقيفا هو قسي بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار. ويقال: إن ثقيفا كان عبدا لأبي رغال، وكان أصله من قوم نجوا من ثمود، فانتمى بعد ذلك إلى قيس. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه: أنه مر بثقيف، فتغامزوا به؛ فرجع إليهم فقال لهم: يا عبيد أبي رغال، إنما كان أبوكم عبدا له فهرب منه، فثقفه بعد ذلك، ثم انتمى إلى قيس.

وقال الحجاج في خطبة خطبها بالكوفة: بلغني أنكم تقولون إن ثقيفا من بقية ثمود، ويلكم وهل نجا من ثمود إلا خيارهم ومن آمن بصالح فبقي معه عليه السلام ثم قال: قال الله تعالى:  وثمود فما أبقى  . فبلغ ذلك الحسن البصري: فتضاحك ثم قال: حكم لكع لنفسه، إنما قال عز وجل:  فما أبقى  أي لم يبقهم بل أهلكهم. فرفع ذلك إلى الحجاج فطلبه، فتوارى عنه حتى هلك الحجاج. وهذا كان سبب تواريه منه. ذكر ابن الكلبي أنه بلغه عن الحسن.

وكان حماد الراوية يذكر أن أبا رغال أبو ثقيف كلها، وأنه من بقية ثمود، وأنه كان ملكا بالطائف، فكان يظلم رعيته. فمر بامرأة ترضع صبيا يتيما بلبن عنز لها، فأخذها منها، وكانت سنة مجدبة؛ فبقي الصبي بلا مرضعة فمات، فرماه الله بقارعة فأهلكه، فرجمت العرب قبره، وهو بين مكة والطائف. وقيل: بل كان قائد الفيل ودليل الحبشة لما غزوا الكعبة، فهلك فيمن هلك منهم، فدفن بين مكة والطائف؛ فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبره، فأمر برجمه فرجم؛ فكان ذلك سنة.

قال ابن الكلبي وأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:

 

صفحة : 446

 

كان ثقيف والنخع من إياد قسي بن منبه بن النبيت بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد. والنخع ابن عمرو بن الطمنان بن عبد مناة بن يقدم بن أقصى، فخرجا ومعهما عنز لهما لبون يشربان لبنها، فعرض لهما مصدق لملك اليمن فأراد أخذها؛ فقالا له: إنما نعيش بدرها؛ فأبى أن يدعها؛ فرماه أحدهما فقتله. ثم قال لصاحبه: إنه لا يحملني وإياك أرض فأما النخع فمضى إلى بيشة فأقام بها ونزل القسي موضعا قريبا من الطائف؛ فرأى جارية ترعى غنما لعامر بن الظرب العدواني، فطمع فيها، وقال: أقتل الجارية ثم أحوي الغنم. فأنكرت الجارية منظره، فقالت له: إني أراك تريد قتلي وأخذ الغنم، وهذا شيء إن فعلته قتلت وأخذت الغنم منك، وأظنك غريبا جائعا، فدلته على مولاها. فأتاه واستجار به فزوجه بنته، وأقام بالطائف. فقيل: لله دره ما أثقفه حين ثقف عامرا فأجاره. وكان قد مر بيهودية بوادي القرى حين قتل المصدق، فأعطته قضبان كرم فغرسها بالطائف فأطعمته و نفعته.

قال ابن الكلبي في خبر طويل ذكره: كان قسي مقيما باليمن، فضاق عليه موضعه ونبا به، فأتى الطائف - وهو يومئذ منازل فهم وعدوان ابني عمرو بن قيس بن عيلان - فانتهى إلى الظرب العدواني، وهو أبو عامر بن الظرب؛ فوجده نائما تحت الشجرة، فأيقظه وقال: من أنت? قال: أنا الظرب. قال: علي ألية إن لم أقتلك أو تحالفني وتزوجني ابنتك، ففعل. وانصرف الظرب وقسي معه، فلقيه ابنه عامر بن الظرب فقال: من هذا معك يا أبت? فقص قصته. قال عامر: لله أبوه لقد ثقف أمره؛ فسمي يومئذ ثقيفا. قال: وعير الظرب تزويجه قسيا، وقيل: زوجت عبدا. فسار إلى الكهان يسألهم، فانتهى إلى شق ابن مصعب البجلي وكان أقربهم منه. فلما انتهى إليه قال: إنا قد جئناك في أمر فما هو? قال: جئتم في قسي، وقسي عبد إياد، أبق ليلة الواد، في وج ذات الأنداد، فوالى سعدا ليفاد، ثم لوى بغير معاد.  يعني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر  . قال: ثم توجه إلى سطيح الذئبي،  حي من غسان، ويقال: إنهم حي من قضاعة نزول في غسان  ، فقال: إنا جئناك في أمر فما هو? قال: جئتم في قسي، وقسي من ولد ثمود القديم، ولدته أمه بصحراء بريم، فالتقطه إياد وهو عديم، فاستعبده وهو مليم. فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره، وقد وكد عليه في الحلف والتزويج؛ وكانوا على كفرهم يوفون بالقول. فلهذا يقول من قال: إن ثقيفا من ثمود لأن إيادا من ثمود.

قال: وقد قيل: إن حربا كانت بين إياد وقيس، وكان رئيسهم عامر بن الظرب، فظفرت بهم قيس، فنفتهم إلى ثمود وأنكروا أن يكونوا من نزار.

قال: وقال عامر بن الظرب في ذلك:

قالت إياد قد رأينا نـسـبـا                      في ابني نزار ورأينا غلبا

سيري إياد قد رأينا عجبـا                      لا أصلكم منا فسامي الطلبا

دار ثمود إذ رأيت السببـا قال: وقد روي عن الأعمش أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال على المنبر بالكوفة وذكر ثقيفا: لقد هممت أن أضع على ثقيف الجزية؛ لأن ثقيفا كان عبدا لصالح نبي الله عليه السلام، وإنه سرحه إلى عامل له على الصدقة، فبعث العامل معه بها، فهرب واستوطن الحرم، وإن أولى الناس بصالح محمد صلى الله عليهما وسلم، وإني أشهدكم أني قد رددتهم إلى الرق.

قال: وبلغنا أن ابن عباس قال، وذكر عنده ثقيف، فقال: هو قسي بن منبه، وكان عبدا لامرأة صالح نبي الله صلى الله عليه وسلم، هي الهيجمانة بنت سعد، فوهبته لصالح، وإنه سرحه إلى عامل له على الصدقة؛ ثم ذكر باقي خبره مثل ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال فيه: إنه مر برجل معه غنم ومعه ابن له صغير ماتت أمه فهو يرضع من شاة ليست في الغنم لبون غيرها، فأخذ الشاة؛ فناشده الله، وأعطاه عشرا فأبى، فأعطاه جميع الغنم فأبى. فلما رأى ذلك تنحى، ثم نثل كنانته فرماه ففلق قلبه؛ فقيل له: قتلت رسول رسول الله صالح. فأتى صالحا فقص عليه قصته؛ فقال: أبعده الله فقد كنت أنتظر هذا منه؛ فرجم قبره، فإلى اليوم والليلة يرجم، وهو أبو رغال.

 

 

صفحة : 447

 

قال: وبلغنا عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الطائف مر بقبر أبي رغال فقال:  هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف كان في الحرم فمنعه الله عز وجل، فلما خرج منه رماه الله وفيه عمود من ذهب  ؛ فابتدره المسلمون فأخرجوه.

قال: وروى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه سئل عن جرهم: هل بقي منهم أحد? قال: ما أدري، غير أنه لم يبق من ثمود إلا ثقيف في قيس عيلان، وبنو لجا في طيىء، والطفاوة في بني أعصر.

قال عمرو بن عبيد وقال الحسن: ذكرت القبائل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:  قبائل تنتمي إلى العرب وليسوا من العرب حمير من تبع وجرهم من عاد وثقيف من ثمود  .

قال: وروي عن قتادة أن رجلين جاءا إلى عمران بن حصين. فقال لهما: ممن أنتما? قالا: من ثقيف. فقال لهما: أتزعمان أن ثقيفا من إياد? قالا نعم. قال: فإن إيادا من ثمود؛ فشق ذلك عليهما. فقال لهما: أساءكما قولي? قالا: نعم والله. قال: فإن أنجى من ثمود صالحا والذين آمنوا معه؛ فأنتم إن شاء الله من ذرية من آمن، وإن كان أبو رغال قد أتى ما بلغكما. قالا له: فما اسم أبي رغال؛ فإن الناس قد اختلفوا علينا في اسمه? قال: قسي بن منبه.

قال: وروي الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يحب ثقيفا، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبغض الأنصار  .

قال: وبلغنا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:  بنو هاشم والأنصار حلفان وبنو أمية وثقيف حلفان  .

قال: وفي ثقيف يقول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

إذا الثقفي فاخركم فقولوا                      هلم نعد شأن أبي رغال

أبوكم أخبث الآباء قدمـا                      وأنتم مشبهوه على مثال

عبيد الفزر أورثهم بنـيه                      وولى عنهم أخرى الليالي أم طريح ونسبها وأم طريح بنت عبد الله بن سباع بن عبد العزى بن نضلة بن غبشان من خزاعة، وهم حلفاء بني زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وسباع بن عبد العزى هو الذي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم أحد. ولما برز إليه سباع قال له حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور - وكانت أمه تفعل ذلك وتقبل نساء قريش بمكة - فحمي وحشي لقوله وغضب السباع، فرمى حمزة بحربته فقتله - رحمة الله عليه - وقد كتب ذلك في خبر غزاة أحد في بعض هذا الكتاب.

كنيته

ويكنى طريح أبا الصلت؛ كني بذلك لابن كان له اسمه صلت. وله يقول:

يا صلت إن أباك رهـن مـنـية                      مكتـوبة لا بـد أن يلـقـاهـا

سلفت سوالفها بالأنفس من مضى                      وكذاك يتبع بـاقـيا أخـراهـا

والدهر يوشك أن يفـرق ريبـه                      بالموت أو رحل تشت نـواهـا

لا بد بينكما فتـسـمـع دعـوة                      أو تستجيب لدعوة تـدعـاهـا  طرح ابنه الصلت إلى أخواله بعد موت أمه

وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال أخبرني أبو الحسن الكاتب: أن أم الصلت بن طريح ماتت وهو صغير، فطرحه طريح إلى أخواله بعد موت أمه. وفيه يقول:

بات الخيال من الصليت مؤرقي                      يفري السراة مع الرباب المثلق

ما راعني إلا بياض وجـيهـه                      تحت الدجنة كالسراج المشرق  طائفة من أخباره

نشأ طريح في دولة بني أمية، واستفرغ شعره في الوليد ين يزيد، وأدرك دولة بني العباس، ومات في أيام المهدي؛ وكان الوليد له مكرما مقدما؛ لانقطاعه إليه ولخؤولته في ثقيف.

فأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أحمد بن حماد بن الجميل عن العتبي عن سهم بن عبد الحميد قال أخبرني طريح بن إسماعيل الثقفي قال:

 

صفحة : 448

 

خصصت بالوليد بن يزيد حتى صرت أخلو معه. فقلت له ذات يوم وأنا معه في مشربة: يا أمير المؤمنين، خالك يحب أن تعلم شيئا من خلقه. قال: وما هو? قلت: لم أشرب شرأبا قط ممزوجا إلا من لبن أوعسل. قال: وقد عرفت ذاك ولم يباعدك من قلبي. قال: ودخلت يوما إليه وعنده الأمويون، فقال لي: إلي يا خالي، وأقعدني إلى جانبه، ثم أتي بشراب فشرب، ثم ناولني القدح؛ فقلت: يا أمير المؤمنين قد أعلمتك رأيي في الشراب. قال: ليس لذلك أعطيتك، إنما دفعته إليك لتناوله الغلام، وغضب. فرفع القوم أيديهم كأن صاعقة نزلت على الخوان؛ فذهبت أقوم، فقال: اقعد. فلما خلا البيت افترى علي، ثم قال: يا عاض كذا وكذا أردت أن تفضحني، ولولا أنك خالي لضربتك ألف سوط ثم نهى الحاجب عن إدخالي، وقطع عني أرزاقي. فمكثت ما شاء الله. ثم دخلت عليه يوما متنكرا، فلم يشعر إلا وأنا بين يديه وأنا أقول:

يابن الخلائف ما لي بعد مـقـربة                      إليك أقصى وفي حاليك لي عجب

ما لي أذاد وأقصى حين أقصدكـم                      كما توقي من ذي العرة الجـرب

كأنني لم يكن بـينـي وبـينـكـم                      إل ولا خلة ترعـى ولا نـسـب

لو كان بالود يدنى منك أزلفـنـي                      بقربك الود والإشفاق والـحـدب

وكنت دون رجال قد جعلـتـهـم                      دوني إذ ما رأوني مقبلا قطبـوا

إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا                      شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبـوا

رأوا صدودك عني في اللقاء فقـد                      تحدثوا ان حبلى منك منقـضـب

فذو الشماتة مسرور بهيضـتـنـا                      وذو النصيحة والإشفاق مكـتـئب قال: فتبسم وأمرني بالجلوس فجلست. ورجع إلي وقال: إياك أن تعاود. وتمام هذه القصيدة:

أين الـذمــامة والـــحـــق الـــذي نـــزلـــت                      بحـفـظـه وبـتـعـظــيم لـــه الـــكـــتـــب

وحـوكـي لـلـشـعـر أصـفـيه وأنـــظـــمـــه                      نظـم الـقـصـاد فـيهـــا الـــدر والـــذهـــب

وإن سـخــطـــك شـــيء لـــم أنـــاج بـــه                      نفـسـي ولـم يكـن مـمـا كـنـت أكــتـــســـب

لكـــن أتـــاك بـــقـــول كـــاذب أثــــــم                      قوم بـغـونـي فـنـالـوا فـي مـا طـــلـــبـــوا

ومـا عـهـدتـك فــيمـــا زل تـــقـــطـــع ذا                      قربـى ولا تـدفــع الـــحـــق الـــذي يجـــب

ولا تـوجـع مـــن حـــق تـــحـــمـــلـــه                      ولا تـتـبـع بـالـتـــكـــدير مـــا تـــهـــب

فقـد تـقـربـت جـهـدا مــن رضـــاك بـــمـــا                      كانـت تـنـال بـه مـن مـثــلـــك الـــقـــرب

فغـير دفـعـك حـقـي وارتـــفـــاضـــك لـــي                      وطـيك الـكـشـح عـنـي كـنـت أحــتـــســـب

أمـشـمــت بـــي أقـــوامـــا صـــدورهـــم                      علـي فـيك إلـى الأذقـــان تـــلـــتـــهـــب

قد كـنـت أحـسـب أنـي قــد لـــجـــأت إلـــى                      حرز وألا يضـــرونـــي وإن ألــــبـــــــوا

إن الـتـي صـنـتـهـا عـن مـعـشـر طـلـــبـــوا                      منـي إلـي الـذي لـم ينـجـــح الـــطـــلـــب

أخلصتها لك إخلاص امرئ عللم الأقوام إن ليس إلا فيك يرتغب

أصبحت تدفعها مني وأعطفها                      علـيك وهـي لـمـن يحـبــى بـــهـــا رغـــب

فإن وصـلـت فـأهـــل الـــعـــرف أنـــت وإن                      تدفـع يدي فـلـي بـقـــيا ومـــنـــقـــلـــب

إنــي كـــريم كـــرام عـــشـــت فـــي أدب                      نفـى الـعــيوب ومـــلـــك الـــشـــيمة الأدب

قد يعـلـمـون بـأن الـعـسـر مــنـــقـــطـــع                      يومـا وأن الـغـنـى لا بــد مـــنـــقـــلـــب

فمـالـهـم حـبـس فـي الـحــق مـــرتـــهـــن                      مثـل الـغـنـائم تـحـوى ثـم تـــنـــتـــهـــب

ومـا عــلـــى جـــارهـــم ألا يكـــون لـــه                      إذا تـكـنــفـــه أبـــياتـــهـــم نـــشـــب

لا يفـرحـون إذا مـا الـدهـــر طـــاوعـــهـــم                      يومـا بـيسـر ولا يشــكـــون إن نـــكـــبـــوا

فارقـت قـومـي فـلـم أعـتـض بـهـم عـــوضـــا                      والـدهـر يحـدث أحـــداثـــا لـــهـــا نـــوب رواية المدائني في ذلك

 

صفحة : 449

 

وأما المدائني فقال: كان الوليد بن يزيد يكرم طريحا، وكانت له منه منزلة قريبة ومكانة، وكان يدني مجلسه، وجعله أول داخل وآخر خارج، ولم يكن يصدر إلا عن رأيه. فاستفرغ مديحه كله وعامة شعره فيه؛ فحسده ناس من أهل بيت الوليد. وقدم حماد الراوية على التفئة الشأم، فشكوا ذلك إليه وقالوا: والله لقد ذهب طريح بالأمير، فما نالنا منه ليل ولا نهار. فقال حماد: ابغوني من ينشد الأمير بيتين من شعر، فأسقط منزلته. فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد، وجعلوا له عشرة آلاف درهم على أن ينشدهما الأمير في خلوة، فإذا سأله من قول من ذا? قال: من قول طريح؛ فأجابهم الخصي إلى ذلك، وعلموه البيتين. فلما كان ذات يوم دخل طريح على الوليد وفتح الباب وأذن للناس فجلسوا طويلا ثم نهضوا، وبقي طريح مع الوليد وهو ولي عهد؛ ثم دعا بغدائه فتغديا جميعا. ثم إن طريحا خرج وركب إلى منزله، وترك الوليد في مجلسه ليس معه أحد، فاستلقى على فراشه. واغتنم الخصي خلواته فاندفع ينشد:

سيري ركابي إلى من تسعدين به                      فقد أقمت بدار الهون ما صلحا

سيري إلى سيد سمح خـلائقـه                      ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا فأصغى الوليد إلى الخصي بسمعه وأعاد الخصي غير مرة؛ ثم قال الوليد: ويحك يا غلام من قول من هذا? قال: من قول طريح. فغضب الوليد حتى امتلأ غيظا؛ ثم قال: والهفا على أم لم تلدني قد جعلته أول داخل وآخر خارج، ثم يزعم أن هشاما يحمل المدح ولا أحملها ثم قال: علي بالحاجب، فأتاه. فقال: لا أعلم ما أذنت لطريح ولا رأيته على وجه الأرض؛ فإن حاولك فاخطفه بالسيف. فلما كان العشي وصليت العصر، جاء طريح للساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل. فقال له الحاجب: وراءك فقال: ما لك هل دخل علي ولي العهد أحد بعدي? قال: لا ولكن ساعة وليت من عنده دعاني فأمرني ألا آذن لك، وإن حاولتني في ذلك خطفتك بالسيف. فقال: لك عشرة آلاف درهم وأذن لي في الدخول عليه. فقال له الحاجب: والله لو أعطيتني خراج العراق ما أذنت لك في ذلك، وليس لك من خير في الدخول عليه فارجع. قال: ويحك هل تعلم من دهاني عنده? قال الحاجب: لا والله لقد دخلت عليه وما عنده أحد، ولكن الله يحدث ما يشاء في الليل والنهار. قال: فرجع طريح وأقام بباب الوليد سنة لا يخلص إليه ولا يقدر على الدخول عليه. وأراد الرجوع إلى بلده وقومه فقال: والله إن هذا لعجز بي أن أرجع من غير أن ألقى ولي العهد فأعلم من دهاني عنده. ورأى أناسا كانوا له أعداء قد فرحوا بما كان من أمره، فكانوا يدخلون على الوليد ويحدثونه ويصدر عن رأيهم. فلم يزل يلطف بالحاجب ويمنيه؛ حتى قال له الحاجب: أما إذ أطلت المقام فإني أكره أن تنصرف على حالك هذه، ولكن الأمير إذا كان يوم كذا وكذا دخل الحمام، ثم أمر بسريره فأبرز، وليس عليه يومئذ حجاب؛ فإذا كان ذلك اليوم أعلمتك فتكون قد دخلت عليه وظفرت بحاجتك وأكون أنا على حال عذر. فلما كان ذلك اليوم، دخل الحمام وأمر بسريره فأبرز وجلس عليه، وأذن للناس فدخلوا عليه، والوليد ينظر إلى من أقبل. وبعث الحاجب إلى طريح، فأقبل وقد تتام الناس. فلما نظر الوليد إليه من بعيد صرف عنه وجهه، واستحيا أن يرده من بين الناس؛ فدنا فسلم فلم يرد عليه السلام. فقال طريح يستعطفه ويتضرع إليه:

نام الخلي من الهموم وبات لـي                      ليل أكابـده وهـم مـضـلـع

وسهرت لا أسري ولا في لـذة                      أرقي وأغفل ما لقيت الهجـع

أبغي وجوه مخارجي من تهـمة                      أزمت علي وسد منها المطلـع

جزعا لمعتبة الوليد ولـم أكـن                      من قبل ذاك من الحوادث أجزع

يابن الخلائف إن سخطك لامرئ                      أمسيت عصمته بلاء مفـظـع

فلأنزعن عن الذي لـم تـهـوه                      إن كان لي ورأيت ذلك منـزع

فاعطف فداك أبي علي توسعـا                      وفضيلة فعلى الفضيلة تتـبـع

فلقد كفاك وزاد ما قد نـالـنـي                      إن كنت لي ببلاء ضر تقـنـع

سمة لذاك علي جسم شـاحـب                      باد تحـسـره ولـون أسـفـع

إن كنت في ذنب عتبت فإنـنـي                      عما كرهت لنازع متـصـرع

 

صفحة : 450

 

 

ويئست منك فكل عسـر بـاسـط                      كفا إلي وكـل يسـر أقـطـع

من بعد أخذي من حبالك بـالـذي                      قد كنت أحسب أنـه لا يقـطـع

فاربب صنيعك بي فإن بـأعـين                      للكاشحين وسمعهم ما تـصـنـع

أدفعتني حتى انقطعـت وسـددت                      عني الوجوه ولم يكن لي مدفـع

ورجيت واتقيت يداي وقـيل قـد                      أمسى يضر إذا أحـب وينـفـع

ودخلت في حرم الذمام وحاطنـي                      خفر أخذت به وعهـد مـولـع

أفهادم ما قد بـنـيت وخـافـض                      شرفي وأنت لغير ذلـك أوسـع

أفلا خشيت شمات قوم فـتـهـم                      سبقا وأنفسهم علـيك تـقـطـع

وفضلت في الحسب الأشم عليهـم                      وصنعت في الأقوام ما لم يصنعوا

فكأن آنفـهـم بـكـل صـنـيعة                      أسديتها وجميل فـعـل تـجـدع

ودوا لو أنهـم ينـال أكـفـهـم                      شلل وأنك عن صنيعك تـنـزع

أو تستليم فيجـعـلـونـك أسـوة                      وأبى الملام لك الندى والموضـع قال: فقربه وأدناه، وضحك إليه، وعاد له إلى ما كان عليه.

عاتبه المنصور في شعر مدح به الوليد

فأحسن الاعتذار:

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثنا محمد بن عبد الله بن حمزة بن عتبة اللهبي عن أبيه: أن طريحا دخل على أبي جعفر المنصور وهو في الشعراء؛ فقال له: لا حياك الله ولا بياك أما اتقيت الله -ويلك - حيث تقول للوليد بن يزيد:

لو قلت للسيل دع طريقك وال                      موج عليه كالهضب يعتـلـج

لساخ وارتـد أو لـكـان لـه                      في سائر الأرض عنك منعرج فقال له طريح: قد علم الله عز وجل أني قلت ذاك ويد ممدودة إليه عز وجل، وإياه تبارك وتعالى عنيت. فقال المنصور: يا ربيع، أما ترى هذا التخلص  أدخل على الوليد فمدحه فطرب وأجازه

نسخت من كتاب أحمد بن الحارث مما أجاز لي أبو أحمد الجريري روايته عنه: حدثنا المدائني: أن الوليد جلس يوما في مجلس له عام، ودخل إليه أهل بيته ومواليه والشعراء وأصحاب الحوائج فقضاها، وكان أشرف يوم رئى له؛ فقال بعض الشعراء فأنشد، ثم وثب طريح، وهو عن يسار الوليد، وكان أهل بيته عن يمينه، وأخواله عن شماله وهو فيهم، فأنشد:  صوت

 

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم                      تطرق عليك الحني والولـج

طوبى لفرعيك من هنا وهنـا                      طوبى لأعراقك التي تشـج

لو قلت للسيل دع طريقك وال                      موج عليه كالهضب يعتلـج

لساخ وارتد أو لـكـان لـه                      في سائر الأرض منعـرج  ولاؤه وكان مغنيا وشاعرا

فطرب الوليد بن يزيد حتى رئي الارتياح فيه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: ما أرى أحدا منكم يجيئني اليوم بمثل ما قال خالي، فلا ينشدني أحد بعده شيئا؛ وأمر لسائر الشعراء بصلات وانصرفوا، واحتبس طريحا عنده، وأمر ابن عائشة فغنى في هذا الشعر.

نسبة هذا الصوت

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم                      تطرق عليك الحني والولج الأبيات الأربعة. عروضه عن المنسرح. غناه ابن عائشة، ولحنه رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.

المسلنطح من البطاح: ما اتسع واستوى سطحه منها. وتطرق عليك: تطبق عليك وتغطيك وتضيق مكانك؛ يقال: طرقت الحادثة بكذا وكذا إذا أتت بأمر ضيق معضل. والوشيج: أصول النبت؛ يقال: أعراقك واشجة في الكرم، أي نابتة فيه. قال الشاعر:

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه                      وتنبت إلا في مغارسها النخل يعني أنه كريم الأبوين من قريش وثقيف. وقد ردد طريح هذا المعنى في الوليد، فقال في كلمة له:

واعتام كهلك من ثقيف كفـأه                      فتنازعاك فأنت جوهر جوهر

فنمت فروع القريتين قصيهـا                      وقيسها بك في الأشم الأكبـر

 

صفحة : 451

 

والحني: ما انخفض من الأرض، والواحدة حنا، والجمع حني مثل عصا وعصي. والولج: كل متسع في الوادي، والواحدة ولجة. ويقال: الولجات بين الجبال مثل الرحاب. أي لم تكن بين الحني ولا الولج فيخفى مكانك، أي لست في موضع خفي من الحسب. وقال أبو عبيدة: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقول لآخر يفخر عليه: أنا ابن مسلنطح البطاح، وابن كذا وكذا؛ فقال له عمر: إن كان لك عقل فلك أصل، وإن كان لك خلق فلك شرف، وإن كان لك تقوى فلك كرم، وإلا فذاك الحمار خير منك. أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سمتا، فإذا تلكمتم فأبينكم منطقا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا.

قول:  لو قلت للسيل دع الطريق:، يقول: أنت ملك هذا الأبطح والمطاع فيه، فكل من تأمره يطيعك فيه، حتى لو أمرت السيل بالانصراف عنه لفعل لنفوذ أمرك. وإنما ضرب هذا مثلا وجعله مبالغة، لأنه لا شيء أشد تعذرا من هذا وشبهه، فإذا صرفه كان على كل شيء سواه أقدر. وقوله:  لساح  أي لغاض في الأرض.  وارتد  أي عدل عن طريقه، وإن لم يجد إلى ذلك سبيلا كان له منعرج إلى سائر الأرض.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال إسحاق وحدثني به الواقدي عن أبي الزناد عن إبراهيم بن عطية: أن الوليد بن يزيد لما ولي الخلافة بعث إلى المغنين بالدينة ومكة فأشخصهم إليه، وأمرهم أن يتفرقوا ولا يدخلوا نهارا لئلا يعرفوا، وكان إذ ذاك يتستر في أمره ولا يظهره. فسبقهم ابن عائشة فدخل نهارا وشهر أمره، فحبسه الوليد وأمر به فقيد، وأذن للمغنين وفيهم معبد، فدخلوا عليه دخلات، ثم أنه جمعهم ليلة فغنوا له حتى طرب وطابت نفسه. فلما رأى ذلك منه معبد قال لهم: أخوكم ابن عائشة فيما قد علمتم، فاطلبوا فيه. ثم قال: يا أمير المؤمنين، كيف ترى مجلسنا هذا? قال: حسنا لذيذا. قال: فكيف لو رأيت ابن عائشة وسمعت ما عنده قال: فعلي به. فطلع ابن عائشة يرسف في قيده. فلما نظر إليه الوليد، اندفع ابن عائشة فغناه في شعر طريح، والصنعة فيه له:

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم                      تطرق عليك الحني والولج فصاح الوليد: اكسروا قيده وفكوا عنه؛ فلم يزل عنده أثيرا مكرما.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد عن الحزامي عن عثمان بن حفص عن إبراهيم بن عبد السلام بن أبي الحارث الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائر                      فأتمر أمر رشيد مؤتمن قال: والله إني لقاعد مع مسلمة بن محمد بن هشام إذ مر به ابن جوان بن عمر بن أبي ربيعة، وكان يغني؛ فقال له: اجلس يا بن أخي غننا، فجلس فغنى:

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم                      نطرق عليك الحني والولج فقال له: يا بن أخي، ما أنت وهذا حيت تغناه، ولا حظ لك فيه هذا قاله طريح فينا:

إذ الناس ناس والزمان زمان

ومما في المائة الصوت المختارة

من الأغاني من أشعار طريح بن إسماعيل التي مدح بها الوليد بن يزيد:

صوت من المائة المختارة

 

ويحي غدا إن غدا علي بمـا                      أحذر من لوعة الفراق غـد

وكيف صبري وقد تجاوب بال                      فرقة منها الغراب والصرد الشعر لطريح بن إسماعيل. والغناء مشعب الطائفي، ولحنه المختار من الرمل بالوسطى.

 

ذكر ابن مشعب وأخبار

أصله

هو رجل من أهل الطائف مولى لثقيف، وقيل: إنه من أنفسهم، وانتقل إلى مكة فكان بها. وإياه يعني العرجي بقوله:

بفناء بيتك وابن مشعب حاضـر                      في سامر عطر وليل مقمـر

فتلازما عند الفراق صـبـابة                      أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر  عامة الغناء الذي ينسب إلى أهل مكة له

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: ابن مشعب مغن من أهل الطائف، وكان من أحسن الناس غناء، وكان في زمن ابن سريج والأعرج؛ وعامة الغناء الذي ينسب إلى أهل مكة له، وقد تفرق غناؤه، فنسب بعضه إلى ابن سريج، وبعضه إلى الهذليين، وبعضه إلى ابن محرز. قال: ومن غنائه الذي ينسب إلى ابن محرز:

يا دار عاتكة التي بالأزهر ومنه أيضا:

أقفر ممن يحله السـنـد                      فالمنحنى فالعقيق فالجمد أخبرني الحسين قال قال حماد وحدثني أبي قال:

 

صفحة : 452

 

مرض رجل من أهل المدينة بالشام، فعاده جيرانه وقالوا له: ما تشتهي? قال: أشتهي إنسانا يضع فمه على أذني ويغنيني في بيتي العرجي:

بفناء بيتك وابن مشعب حاضـر                      في سامر عطر وليل مقمـر

فتلازما عند الفراق صـبـابة                      أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني

يا دار عاتكة التي بـالأزهـر                      أو فوقه بقفا الكثيب الأحمـر

بفناء بيتك وابن مشعب حاضـر                      في سامر عطر وليل مقمـر

فتلازما عند الفراق صـبـابة                      أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر الشعر للعرجي. والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالنصر خفيف، وذكر إسحاق أنه لابن مشعب. وذكر حبش أن فيه لابن المكي هزجا خفيفا بالبنصر.

وأما الصوت الآخر الذي أوله:

أقفر ممن يحله السند فإنه الصوت الذي ذكرناه الذي فيه اللحن المختار، وهو أول قصيدة طريح التي منها:

ويحيى غدا إن غدا علي بما                      أكره من لوعة الفراق غد وليس يغنى فيه زماننا هذا. وهذه القصيدة طويلة يمدح فيها طريح الوليد بن يزيد، يقول فيها:

لم يبق فيها من المعارف بع                      د الحي إلا الرماد والوتـد

وعرصة نكرت معاملتهـا                      الريح بها مسجد ومنتضـد  طائفة من أخباره

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني محمد بن خلف القارئ قال أخبرنا هارون بن محمد، وأخبرنا فيه وكيع - وأظنه هو الذي كنى عنه حيى بن علي، فقال: محمد بن خلف القارئ - قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني علي بن عبد الله اللهبي قال حدثنا أبي عن أبيه قال: أنشد المنصور هذه القصيدة، فقال للربيع: أسمعت أحدا من الشعراء ذكر في باقي معالم الحي المسجد غير طريح. وهذه القصيدة من جيد قصائد طريح، يقول فيها:

لم أنسى سلمى ولا لـيالـينـا                      بالحزن إذ عيشنا بهـا رغـد

إذ نحن في ميعة الشبـاب وإذ                      أيامنا تـلـك غـضة جـدد

في عيشة كالفريد عازبة الش                      قوة خضراء غصنها خضـد

نحسد فيها على النعـيم ومـا                      يولع إلا بالنعمة الـحـسـد

أيام سلـمـى غـريرة أنـف                      كأنـهـا خـوط بـانة رؤد

ويحيى غدا إن غدا علي بمـا                      أكره من لوعة الفراق غـد

قد كنت أبكي من الفراق وحي                      أنا جـمـيع ودارنـا صـدد

فكيف صبري وقد تجاوب بال                      فرقة منها الغراب والصـرد

دع عنك سلمى لغير مقـلـية                      وعد مدحـا بـيوتـه شـرد

للأفضل الأفضل الخليفة عب                      د الله من دون شأوه صـعـد

في وجهه النور يستبان كمـا                      لاح سراج النـهـار إذ يقـد

يمضي على خير ما يقول ولا                      يخلـف مـيعـاده إذا يعـد

من معشر لا يشم من خذلـوا                      عزا ولا يستذل مـن رفـدوا

بيض عظام الحلـوم حـدهـم                      ماض حسام وخيرهم عـتـد

أنت إمام الهدى الذي أصلح الله                      به الناس بعـدمـا فـسـدوا

لما أتى الناس أن ملـكـهـم                      إليك قد صار أمره سجـدوا

واستبشروا بالرضا تباشيرهـم                      بالخلد لو قيل إنـكـم خـلـد

وعج بالحمـد أهـل أرضـك                      حتى كاد يهتز فـرحة أحـد

واستقبل الناس عـيشة أنـفـا                      إن تبق فيها لهم فقد سعـدوا

رزقت من ودهم ومن طاعتهم                      ما لـم يجـده لـوالـد ولـد

أثلجهم منك أنهـم عـلـمـوا                      أنك فيما وليت مـجـتـهـد

وأن ما قد صنعت من حسـن                      مصداق ما كنت مرة تـعـد

ألفت أهوائهم فأصـبـحـت                      الأضغان سلما وماتت الحقـد

كنت أرى أن ما وجدت من ال                      فرحة لم يلق مثـلـه أحـد

حتى رأيت العبـاد كـلـهـم                      قد وجدوا من هواك ما أجـد  صوت

 

 

صفحة : 453

 

 

قد طلب الناس ما بلغت فما                      نالوا ولا قاربوا وقد جهدوا

يرفعك الله بالتكرم والتقوى                      فتعلو وأنت مـقـتـصـد

حسب امرئ من غنى تقربه                      منك وإن لم يكن له سبـد

فأنت أمن لمن يخاف وللـم                      خذول أودى نصيره عضد - غنى في هذه الأبيات الأربعة إبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر -.

 

كل امرىء ذي يد تعد علي                      ه منـك مـعـلـومة يد يد

فهم ملوك ما لم يروك فـإن                      داناهم منك منزل خمـدوا

تعروهم رعدة لديك كـمـا                      قفقف تحت الدجنة الصرد

لا خوف ظلم ولا قلى خلق                      إلا جلالا كساكسه الصمـد

وأنت غمر الندى إذا هبط ال                      زور أرضا تحلها حمـدوا

فهم رفاق فرفقة صـدرت                      عنك بغنـم ورفـقة تـرد

إن حال دهر بهم فـإنـك لا                      تنفك عن حالك التي عهدوا

قد صدق الله مادحيك فـمـا                      في قولهم فرية ولا فـنـد أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنه ما رأى أذكى من جعفر بن يحيى قط، ولا أفطن، ولا أعلم بكل شيء، ولا أفصح لسانا، ولا ابلغ في مكاتبة. قال: ولقد كنا يوما عند الرشيد، فغنى أبي لحنا في شعر طريح بن إسماعيل، وهو:

قد طلب الناس ما بلغت فما                      نالوا ولا قاربوا وقد جهدوا فاستحسن الرشيد اللحن والشعر واستعاده ووصل أبي عليه. وكان اللحن في طريقة خفيف الثقيل الأول. فقال جعفر بن يحيى: قد والله يا سيدي أحسن، ولكن اللحن مأخوذ من لحن الدلال الذي غناه في شعر أبي زبيد:

من يرى العير لابن أروى على ظه                      ر المروري حداتـهـن عـجـال وأما الشعر فنقله طريح من قول زهير:

سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم                      فلم يبلغوا ولم يلاموا ولم يألوا قال إسحاق: فعجبت والله من علمه بالألحان والأشعار، وإذا اللحن يشبه لحن الدلال، قال: وكذلك الشعر؛ فاغتممت أني لم أكن فهمت اللحن، وكان ذلك أشد علي من ذهاب أمر الشعر علي، وأنا والله مع ذلك أغني الصوتين وأحفظ الشعرين. قال الحسين: ولحن الدلال في شعر أبي زبيد هذا من خفيف الثقيل أيضا.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني أبو الحسن البلاذري أحمد بن يحيى وأبو أيوب المديني، قال البلاذري وحدثني الحرمازي، وقال أبو أيوب وحدثونا عن الحرمازي قال حدثني أبو القعقاع سهل بن عبد الحميد عن أبي ورقاء الحنفي قال:

 

صفحة : 454

 

خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلما صرت إلى أول خان نزلته، بسط غلماننا وهيئوا غداهم، ولم يجيء أحد بعد، إذ رمانا الباب برجل فاره البرذون حسن الهيئة، فصحت بالغلمان، فأخذوا دابته فدفعها إليهم، ودعوت بالغداء، فبسط يده غير محتشم، وجعلت لا أكرمه بشيء إلا قبله. ثم جاء غلمانه بعد ساعة في ثقل سري وهيئة حسنة. فتناسبنا فإذا الرجل طريح بن إسماعيل الثقفي. فلما ارتحلنا ارتحلنا في قافلة غناء لا يدرك طرفاها. قال: فقال لي: ما حاجتنا إلى زحام الناس وليست بنا إليهم وحشة ولا علينا خوف نتقدمهم بيوم فيخلوا لنا الطريق ونصادف الخانات فارغة ونودع أنفسنا إلى أن يوافوا. قلت: ذلك إليك. قال: فأصبحنا الغد فنزلنا الخان فتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل؛ فقال: هل لك أن نستنقع فيه? فقلت له شأنك. فلما سرا ثيابه إذا ما بين عصعصه إلى عنقه ذاهب، وفي جنبيه أمثال الجرذان، فوقع في نفسي منه شيء. فنظر إلي ففطن وتبسم، ثم قال: قد رأيت ذعرك مما رأيت؛ وحديث هذا إذا سرنا العشية إن شاء الله تعالى أحدثك به. قال: فلما ركبنا قلت: الحديث قال: نعم قدمت من عند الوليد بن يزيد بالدنيا، وكتب إلى يوسف بن عمر مع فراش فملأ يدي أصحابي، فخرجت أبادر الطائف. فلما امتد لي الطريق وليس يصحبني فيه خلق، عن لي أعرابي على بعير له، فحدثني فإذا هو حسن الحديث، وروى لي الشعر فإذا هو راوية، وأنشدني لنفسه فإذا هو شاعر. فقلت له: من أين أقبلت? قال: لا أدري. قلت: فأين تريد? فذكر قصة يخبر فيها أنه عاشق لمريئة قد أفسدت عليه عقله، وسترها عنه أهلها وجفاه أهله فإنما يستريح إلى الطريق ينحدر من منحدريه ويصعد مع مصعديه، قلت: فأين هي? قال: غدا ننزل بإزائها، فلما نزلنا أراني ظربا على يسار الطريق، فقال لي: أترى ذلك الظرب? قلت: أراه قال: فإنها في مسقطه. قال: فأدركتني أريحية الشباب، فقلت: أنا والله آتيك برسالتك. قال: فخرجت وأتيت الظرب، وإذا بيت حريد، وإذا فيه امرأة جميلة ظريفة، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت أضلاعها تساقط. ثم قالت: أوحي هو? قلت: نعم، تركته في رحلي وراء هذا الظرب، ونحن بأئتون ومصبحون. فقالت: يا أبي أرى لك وجها يدل على خير، فهل لك في الأجر? فقلت: فقير والله إليه. قالت: فالبس ثيابي وكن مكاني ودعني حتى آتيه، وذلك مغيربان الشمس. قلت: أفعل، قالت: إنك إذا أظلمت أتاك زوجي في هجمة من إبله، فإذا بركت أتاك وقال: يا فاجرة يا هنتاه، فيوسعك شتما فأوسعه صمتا، ثم يقول: اقمعي سقاءك، فضع القمع في هذا السقاء حتى يحقن فيه، وإياك وهذا الآخر فإنه واهي الأسفل. قال: فجاء ففعلت ما أمرتني به، ثم قال: اقمعي سقاءك، فحينني الله، فتركت الصحيح وقمعت الواهي، فما شعر إلا باللبن بين رجليه، فعمد إلى رشاء من قد مربوع، فثناه باثنين فصار على ثمان قوى، ثم جعل لا يتقي مني رأسا ولا رجلا ولا جنبا، فخشيت أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى.

 

ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد ونسبه

ولاؤه، وكان مغنيا وشاعرا

أبو سعيد مولى فائد، وفائد مولى عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن خرداذبة أن اسم أبي سعيد إبراهيم. وهو يعرف بين الشعراء باسم ابن سنة مولى بني أمية، وفي المغنين بأبي سعيد مولى فائد. وكان شاعرا مجيدا ومغنيا، وناسكا بعد ذلك، فاضلا مقبول الشهادة في المدينة معدلا. وعمر إلى خلافة الرشيد، ولقيه إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي وذووهما. وله قصائد جياد في مراثي بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله بن العباس، يذكر هاهنا في موضعه منها ما تسوق الأحاديث ذكره.

طائفة من أخباره

أخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله بن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن ابن أبي الأزهر بن حماد عن أبيه، واخبرنا به يحيى بن علي عن أخيه أحمد بن علي عن عافيه بنم شبيب عن أبي جعفر الأسدي عن إسحاق، قال يحيى خاصة في خبره:

 

صفحة : 455

 

قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلما قربت من مكة استأذنته في التقدم فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي: هو في المسجد الحرام. فأتيت المسجد فسألت عنه، فدللت عليه، فإذا هو قائم يصلي، فجئت فجلست قريبا منه. فلما فرغ قال لي: يا فتى، ألك حاجة? قلت: نعم، تغنيني:  لقد طفت سبعا  . هذه رواية يحيى بن علي. وأما الباقون فإنهم ذكروا عن إسحاق أن المهدي قال هذا لأبي سعيد وأمره أن يغني له:

لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها                      ألا ليت هذا لا على ولا لـيا ورفق به وأدنى مجلسه، وقد كان نسك؛ وقد كان نسك؛ فقال: أو أغنيك يا أمير المؤمنين أحسن منه? قال: أنت وذاك. فغنى:

إن هذا الطويل من آل حفص                      نشر المجد بعد ما كان ماتـا

وبناه علـى أسـاس وثـيق                      وعماد قد أثبتـت إثـبـاتـا

مثل ما قد بنى لـه أو لـوه                      وكذا يشبه البناة البـنـانـا -الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد - فأحسن، فقال له المهدي: أحسنت يا أبا سعيد فغنني  لقد طفت سبعا  . قال: أو أغنيك أحسن منه? قال: أنت وذاك. فغناه:

قدم الطويل فأشرقت واستبشرت                      أرض الحجاز وبان في الأشجار

إن الطويل من آل حفص فاعلموا                      ساد الحضور وساد في الأسفار فأحسن فيه. فقال: غنني  لقد طفت سبعا  قال: أو أغنيك أحسن منه? قال: فغنني. فغناه:

أيهـا الـــســـائل الـــذي يخـــبـــط الأر                      ض دع الـنــاس أجـــمـــعـــين وراكـــا

وأت هذا الطويل من آل حفص إن تخوفت عيلة أو هلاكا فأحسن فيه. فقال له: غنني  لقد طفت سبعا  ، فقد أحسنت فيما غنيت، ولكنا نحب أن تغني ما دعوناك إليه. فقال: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وفد يده شيء لا أدري ما هو، وقد رفعه ليضربني به وهو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعا، لقد طفت سبعا سبعا طفت ما صنعت بأمتي في هذا الصوت فقلت له: بأبي أنت وأمي واغفر لي، فو الذي بعثك بالحق واصطفاك بالنبوة لا غنيت ذا الصوت أبدا؛ فرد يده ثم قال: عفا الله عنك إذا ثم انتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا في منامي فأرجع عنه في يقظتي. فبكى المهدي وقال: أحسنت يا أبا سعيد أحسن الله إليك لا تعد في غنائه، وحباه وكساه وأمر برده إلى الحجاز. فقال له أبو سعيد: ولكن اسمعه يا أمير المؤمنين من منة جارية البرامكة. وأظن حكاية من حكى ذلك عن المهدي غلطا؛ لأن منة جارية البرامكة لم تكن في أيام المهدي، وإنما نشأت وعرفت أيام الرشيد.

وقد حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه أنه هو الذي لقي أبا سعيد مولى فائد وجاراه هذه القصة. وذكر ذلك أيضا حماد بن إسحاق عن إبراهيم بن المهدي. وقد يجوز أن يكون يكون إبراهيم بن المهدي وإسحاق سألاه عن هذا الصوت فأجابهما فيه بمثل ما أجاب المهدي. وإما خبر إبراهيم بن المهدي خاصة فله معان غير هذه، والصوت الذي سأله عنه غير هذا؛ وسيذكر بعد قضاء هذه الأخبار لئلا تنقطع.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة: أن إبراهيم بن المهدي لقي أبا سعيد مولى فائد؛ وذكر الخبر بمثل الذي قبله، وزاد فيه: فقال له: أشخص معي إلى بغداد، فلم يفعل. فقال: ما كنت لآخذك بما لا تحب، ولو كان غيرك لأكرهته على ما أحب، ولكن دلني على ما ينوب عنك. فدله على ابن جامع، وقال له: عليك بغلام من بني سهم قد أخذ عني وعن نظرائي وتخرج، وهو كما تحب. فأخذه إبراهيم معه فأقدمه بغداد؛ فهو الذي كان سبب وروده إياها.

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني

صوت من المائة المختارة

 

لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها                      ألا ليت هذا لا على ولا لـيا

يسائلني صحبي فما أعقل الذي                      يقولون من ذكر لليلى اعترانيا عروضه من الطويل. ذكر يحيى بن علي أن الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد، وذكر غيره أن الشعر للمجنون. ولحنه خفيف رمل بالبنصر وهو المختار. وذكر حبش أن فيه لإبراهيم خفيف رمل آخر. والذي ذكر يحيى بن علي من أن الشعر لأبي سعيد مولى فائد هو الصحيح.

 

 

صفحة : 456

 

أخبرني عمي عن الكراني عن عيسى بن إسماعيل عن القحذفي أنه أنشده لأبي سعيد مولى فائد. قال عمي: وأنشدني هذا الشعر أيضا أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة لأبي سعيد. وبعد هذين البيتين اللذين مضيا هذه الأبيات:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر                      فأقرئ غزال الشعب مني سلامـيا

وقل لغزال الشعب هل أنت نـازل                      بشعبك أم هل يصبح القلـب ثـاويا

لقد زادني الحجاج شـوقـا إلـيكـم                      وقد كنت قبل اليوم للحـج قـالـيا

وما نظرت عيني إلى وجـه قـادم                      من الحج إلا بـل دمـعـي ردائيا في البيت الأول من هذه الأبيات، هو:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر لحن لابن جامع خفيف رمل عن الهشامي.

ومنها:  صوت

 

إن هذا الطويل من آل حفص                      نشر المجد بعد ما كان ماتـا

وبناه علـى أسـاس وثـيق                      وعماد قد اثبتـت إثـبـاتـا

مثل ما قد بنى لـه أو لـوه                      وكذا يشبه البناة البـنـانـا عروضه من الخفيف. والشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد. ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:  صوت

 

قدم الطويل فأشرقت واستبشرت                      أرض الحجاز وبان في الأشجار

إن الطويل من آل حفص فاعلموا                      ساد الحضور وساد في الأسفار الشعر والغناء لأبي سعيد.

ومنها:  صوت

 

أيهـا الـطــالـــب الـــذي يخـــبـــط الأر                      ض دع الـنــاس أجـــمـــعـــين وراكـــا

وأت هذا الطويل من آل حفص إن تخوفت عيلة أو هلاكا عروضه من الخفيف. الشعر لأبي سعيد مولى فائد، وقيل: إنه للدارمي. والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل.

وفيه للدارمي ثاني ثقيل.

الطويل من آل حفص الذي عناه الشعراء في هذه الأشعار، وهو عبد الله بن عبد الحميد بن حفص، وقيل: ابن أبي حفص بن المغيرة المخزومي؛ وكان ممدحا.

فأخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة عن أبي أيوب المديني قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه: أن عبد الله بنعلي بن عبد الحميد المخزومي، كان يعطي الشعراء فيجزل، وكان موسرا، وكان سبب يساره ما صار إليه من أم سلمة المخزومية امرأة أبي العباس السفاح، فإنه تزوجها بعده، فصار إليه منها مال عظيم، فكان يتسمح به ويتفتى ويتسع بالعطايا. وكان أم سلمة مائلة إليه، فأعطته ما لا يدرى ما هو، ثن إنها اتهمته بجارية لها فاحتجبت عنه، فلم تعد إليه حتى مات. وكان جميل الوجه طويلا. وفيه يقول أبو سعيد مولى فائد:

إن هذا الطويل من آل حفص                      نشر المجد بعد ما كان ماتـا وفيه يقول الدرامي:

أيها السائل الذي يخـبـط الأر                      ض دع الناس أجمعين وراكا

وأت هذا الطويل من آل خفص                      إن تخوفت علية أو هـلاكـا وفيه يقول الدرامي أيضا:

إن الطويل إذا حللت به                      يوما كفاك مؤونة الثقل - ويروى:

ابن الطويل إذا حللت به

وحللت في دعة وفي كنف                      رحب الفناء ومنزل سهل غناء ابن عباد الكاتب، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن ابن المكي.

فأما خبر إبراهيم بن المهدي مع أبي سعيد مولى فائد الذي قلنا إنه يذكر ها هنا، فأخبرني به الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني القطراني المغني قال حدثني ابن جبر قال: سمعت إبراهيم بن المهدي يقول: كنت بمكة بالمسجد الحرام، فإذا بشيخ قد طلع وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى وقام يصلي؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا أبو سعيد مولى فائد. فقلت لبعض الغلمان: احصبه فحصبه؛ فأقبل عليه وقال: ما يظن أحدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له. فقلت للغلام: قل له: يقول لك مولاي: ابلغني؛ فقال ذلك له. فقال له أبو سعيد: من مولاك حفظه الله? قال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فمن أنت? قال: أنا أبو سعيد مولى فائد؛ وقام فجلس بين يدي، وقال: لا والله - بأبي أنت وأمي - ما عرفتك فقلت: لا عليك أخبرني عن هذا الصوت:

أفاض المدامع قتلى كدى                      وقتلى بكثوة لم ترمـس

 

صفحة : 457

 

قال: هو لي. قلت: ورب هذه البنية لا تبرح حتى تغنيه. قال: ورب هذه البنية لا تبرح حتى تسمعه. قال: ثم قلب إحدى نعليه وأخذ بعقب الأخرى، وجعل يقرع بحرفها على الأخرى ويغنيه حتى أتى عليه، فأخذته منه. قال ابن جبر: وأخذته أنا من إبراهيم بن المهدي.

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثني دنية المدني صاحب العباسة بنت المهدي، وكان آدب من قدم علينا من أهل الحجاز: أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة لأبي جعفر، وكان مقدما لأبي سعيد. فقال له ابن عمران التيمي: يا أبا سعيد أنت القائل:

لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها                      ألا ليت هذا لا علي ولا لـيا فقال: أي لعمر أبيك، وأني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ. فرد محمد بن عمران شهادته في لذك المجلس. وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبا وحلف أن لا يشهد عنده أبدا. فأنكر أهل المدينة على ابن عمران رده شهادته. وقالوا: عرضت حقوقنا للتوى وأموالنا للتلف؛ لأنا كنا نشهد هذا الرجل لعلمنا بما كنت عليه والقضاة قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله، فندم ابن عمران بعد ذلك على رد شهادته، ووجه إليه يسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليقضى بشهادته؛ فامتنع، وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمته إن حضره حنث. قال: فكان ابن عمران بعد ذلك، إذا ادعى أحد عنده شهادة أبو سعيد، صار إليه إلى منزله أو مكانه من المسجد حتى يسمع منه ويسأله عما يشهد به فيخبره. وكان محمد بن عمران كثير اللحم، عظيم البطن، كبير العجيزة، صغير القدمين، دقيق الساقين، يشتد عليه المشي، فكان كثيرا ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت  لقد طفت سبعا  وأضر بي ضررا طويلا شديدا، وأنا رجل ثقال، بترددي إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا النصر بن عمرو عن الهيثم بن عدي قال: كان المطلب بن عبد الله بن حنطب قاضيا على مكة، فشهد عنده أبو سعيد مولى فائد بشهادة؛ فقال له المطلب: ويحك ألست الذي يقول:

لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها                      ألا ليت هذا لا علي ولا لـيا لا قبلت لك شهادة أبدا. فقال له أبو سعيد: أنا والله الذي يقول:

كأن وجوه الحنطبيين في الدجى                      قناديل تسقيها السليط الهياكـل فقال الحنطبي: إنك ما علمتك إلا دبابا حول البيت في الظلم، مدمنا للطواف به في الليل والنهار؛ وقبل شهادته.

 

نسبة الصوت المذكور قبل هذا،

الذي في حديث إبراهيم بن المهدي وخبره

صوت

 

أفاض المدامع قتلـي كـدى                      وقتلي بكثـوة لـم تـرمـس

وقتلي بـوج وبـالـلابـتـب                      ن من يثرب خير ما أنفـس

وبالزابـيين نـفـوس ثـوت                      وأخرى بنهر أبي فـطـرس

أولئك قومي أناخـت بـهـم                      نوائب من زمن مـتـعـس

إذا ركبوا زينوا المـوكـبـين                      وإن جلسوا الزين في المجلس

هم أضرعوني لريب الزمـان                      وهم ألصقوا الرغم بالمعطس عروضه من المتقارب. الشعر للعبلي، واسمه عبد الله بن عمر، ويكنى أبا عدي، وله أخبار تذكر مفردة في موضعها إن شاء الله. والغناء لأبي سعيد مولى فائد، ولحنه من الثقيل الثاني بالسبابة في مجرى البنصر. وقصيدة العبلي أولها:

تقـول أمـامة لـمـا رأت                      نشوزي عن المضجع النفس نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار، وأخبرني الخفش عن المبرد عن المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير عن سليمان عن عياش السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس؛ وذلك بعقب أيام بني أمية وابتداء خروج ملكهم إلى بني العباس، فقصد عبد الله وحسنا ابني الحسن بن حسن بسويقة؛ فاستنشده عبد الله بن حسن شيئا من شعره فأنشده؛ فقال له: أريد أن تنشدني شيئا مما رثيت به قومك؛ فأنشده قوله:

تقـول أمـامة لـمـا رأت                      نشوزي عن المضجع الأنفس

وقلة نومي على مضجـعـي                      لدى هجعة الأعين النـعـس

أبي ما عراك? فقلت الهموم                      عرون أباك فلا تبـلـسـي

 

صفحة : 458

 

 

عرون أباك فـحـبـسـنـه                      من الذل في شر ما محبس

لفقـد الأحـبة إذ نـالـهـا                      سهام من الحدث المـبـئس

رمتها المنـون بـلا نـكـل                      ولا طائشـات ولا نـكـس

بأسهمها المتلفات النـفـوس                      متى ما تصب مهجة تخلس

فصرعنهم في نواحي البـلاد                      ملقى بأرض ولـم يرسـس

تقـي أصـيب وأثـوابــه                      من العيب والعار لم تدنـس

وآخر قد دس فـي حـفـرة                      وآخر قد طار لم يحـسـس

إذا عن ذكـرهـم لـن ينـم                      أبوك وأوحش في المجلـس

فذاك الذي غالني فأعلـمـي                      ولا تسألي بامرئ متـعـس

أذلوا قناتي لمـن رامـهـا                      وقد ألصقوا الرغم بالمعطس قال: فرأيت عبد الله بن حسن وإن دموعه لتجري على خده.

وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن إبراهيم بن رباح قال: عمر أبو سعيد بن أبي سنة مولى بني أمية وهو مولى فائد مولى عمرو بن عثمان إلى أيام الرشيد؛ فلما أحضره فقال: أنشدني قصيدتك:

تقول أمامة لما رأت فاندفع فغناه قبل أن ينشده الشعر لحنه في أبيات منها، أولها:

أفاض المدامع قتلى كدى وكان الرشيد مغضبا فسكن غضبه وطرب، فقال: أنشدني القصيدة. فقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم موالي وأنعموا علي، فرثيتهم ولم أهج أحدا؛ فتركه.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا الحزنبل قال: كنا عند ابن الأعرابي وحضر معنا أبو هفان، فأنشدنا ابن الأعرابي عمن أنشده قال: قال ابن أبي سبة العبلي:

أفاض المدامع قتلى كذا                      وقتلى بكبوة لم ترمس فغمز أبو هفان رجلا وقال له: ما معنى  كذا  ? قال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: أسمعت إلى هذا المعجب الرقيع صحف اسم الرجل. هو ابن أبي سبة، فقال: ابن أبي سبة؛ وصحف في بيت واحد موضعين؛ فقال:  قتلى كذا  وهو كدى، و  قتلى بكبوة  وهو بكثوة. وأغلظ علي من هذا أنه يفسر تصحيفه بوجه وقاح.

وهذا الشعر الذي غناه أبو سعيد يقوله أبو عدي عبد الله بن عمر العبلي فيمن قتله عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس أبو العباس السفاح أمير المؤمنين بعدهم من بني أمية. وخبرهم والوقائع التي كانت بينهم مشهورة يطول ذكرها جدا. ونذكر ها هنا ما يستحسن منها.

ذكر من قتل أبو العباس السفاح من بني أمية

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني مسبح بن حاتم العكلي قال حدثني الجهم بن السباق عن صالح بن ميمون مولى عبد الصمد بن علي قال: لما استمرت بمروان، أقام عبد الله بن علي بالرقة، وأنفذ أخاه عبد الصمد في طلبه فصار إلى دمشق، وأتبعه جيشا عليهم أبو إسماعيل عامر الطويل من قواد خراسان، فلحقه وقد جاز مصر في قرية تدعى بوصير، فقتله، وذلك يوم الأحد ثلاث بقين من ذي الحجة، ووجه برأسه إلى عبد الله بن علي، فأنفذه عبد الله بن علي إلى أبي العباس. فلما وضع بين يديه خر لله ساجدا، ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي أظهر عليك وأظفرن بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين؛ ثم تمثل قول ذي الإصبع العدواني:

لو يشربون دمي لم يرو شاربهم                      ولا دماءهم للغيظ تـروينـي أخبرني محمد بن خلف بن وكيع قال حدثني محمد بن يزيد قال: نظر عبد الله بن علي إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يقاتل مستنتلا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد. فقال: إلا أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان من كنت. فأطرق ثم قال:

أذل الحياة وكره الممات                      وكلا أرى لك شرا وبيلا - ويروى:

وكلا أراه طعـامـا وبـيلا

فإن لم يكن غير إحداهما                      فسيرا إلى الموت سيرا جميلا ثم قاتل حتى قتل. قال: فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان.

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني النضر بن عمرو عن المعيطي، وأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال قال أبو السائب سلم بن جنادة السوائي سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول:

 

صفحة : 459

 

دخل سديف - وهو مولى لآل أبي لهب - على أبي العباس بالحيرة. هكذا قال وكيع. وقال الكراني في خبره واللفظ له: كان أبو العباس جالسا في مجلسه على سريره وبنو هاشم دونه على الكراسي، وبنو أمية على الوسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هو والخلفاء منهم على السرير، ويجلس بنو هاشم على الكراسي؛ فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل حجازي أسود راكب على نجيب متلثم يستأذن ولا يحبر باسمه، ويحلف ألا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك. قال: هذا مولاي سديف، يدخل، فدخل. فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حوله، حدر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول:

أصبح الملك ثابـت الأسـاس                      بالبهاليل من بني العـبـاس

بالصدور المقدمـين قـديمـا                      والرؤوس القماقم الـرواس

يا أمير المطهرين من الـذم                      ويا رأس منتهى كـل راس

أنت مهدي هاشم وهـداهـا                      كم أناس رجوك بعـد إياس

لا تقيلن بعد شمس عـثـارا                      واقطعن كل رقلة وغـراس

أنزلوها بحيث أنزلهـا الـل                      ه بدار الهوان والإتـعـاس

خوفهم أظهر التودد منـهـم                      وبهم منكم كحز المـواسـي

أقصهم أيها الخليفة واحسـم                      عنك بالسيف شأفة الأرجاس

وأذكرن مصرع الحسين وزيد                      وقتيل بجانب الـمـهـراس

والإمام الذي بحران أمسـى                      رهن قبر في غزية وتناسي

فلقد ساءني وسـاء سـوائي                      قربهم من نمارق وكراسـي

نعم كلب الهراش مولاك لولا                      أود من حـبـائل الإفـلاس فتغير لون أبي العباس وأخذه زمع ورعدة؛ فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى رجل منهم، وكان إلى جنبه، فقال: قتلنا والله العبد. ثم أقبل أبو العباس عليهم فقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا خذوهم فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات، فأهمدوا، إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي وقال له: إن أبي لم يكن كأبائهم وقد علمت صنيعته إليكم؛ فأجاره واستوهبه من السفاح، وقال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنع أبيه إلينا. فوهبه له وقال له: لا تريني وجهه، وليكن بحيث تأمنه؛ وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية.

سبب قتل السفاح لبني أمية وتشفيه فيهم أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه: أن سبب قتل بني أمية: أن السفاح أنشد قصيدة مدح بها، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به ففقال: هيهات لا يقول والله أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:

ما نقموا من بني أمية إلا                      أنهم يحملون إن غضبوا

وأنهم معدن الملوك ولا                      تصلح إلا عليهم العرب فقال له: يا ماص كذا من أمه أو أن الخلافة لفي نفسك بعد خذوهم فأخذوا وقتلوا.

أخبرني عمي عن الكراني عن النصر بن عمرو عن المعيطي: أن أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا، وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته. فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها. فلما فرغ قال: جروا بأرجلهم؛ فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء. قال: فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشى حتى أنتنوا؛ ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها: دور ابن هرمة فيما أصاب بني أمية أخبرني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن معن الغفاري عن أبيه قال: لما أقبل داود بن علي من مكة أقبل معه بنو حسن جميعا وحسين بن علي بن حسين وعلي بن عمر بن علي بن حسين وجعفر بن محمد والأرقط محمد بن عبد الله وحسين بن زيد ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاصي وعروة وسعيد ابنا خالد بن سعيد بن عمرو بن عثمان، فعمل لداود مجلس بالرويثة؛ فجلس عليه هو والهاشميون، وجلس الأمويون تحتهم؛ فأنشده إبراهيم بن هرمة قصيدة يقول فيها.

 

 

صفحة : 460

 

 

فلا عفا الله عن مروان مظلمة                      ولا أمية بئس المجلس النادي

كانوا كعاد فأمسى الله أهلكهم                      بمثل ما أهلك الغاوين من عاد

فلن يكذبني من هاشـم أحـد                      فيما أقول ولو أكثرت تعدادي قال: فنبذ داودد نحو ابن عنبسة ضحكة كالكشرة. فلما قام عبد الله ابن حسن لأخيه حسن: أما رأيت ضحكته إلى ابن عنبسة الحمد لله الذي صرفها عن أخي يعني العثماني، قال: فما هو إلا أن قدم المدينة حتى قتل ابن عنبسة.

قال محمد بن معن حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: استحلف أخي عبد الله بن حسن داود بن علي، وقد حج معه سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بطلاق آمراته ملكية بنت داود بن حسن ألا يقتل أخويه محمدا والقاسم ابني عبد الله. قال: فكنت أختلف إليه آمنا وهو يقتل بني أمية، وكان يكره أن يراني أهل خراسان ولا يستطيع إلي سبيلا ليمينه. فاستدناني يوما فدنوت منه، فقال: ما أكثر الغفلة وأقل الحزمة فأخبرت بها عبد الله بن حسن؛ فقال: يا بن أم، تغيب عن الرجل؛ فتغيبت عنه حتى مات.

خبر سديف مع السفاح أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن الهيثم بن بشر مولى بن علي قال: أنشد سديف أبا العباس، وعنده رجال من بني أمية قوله:

يا بن عم النبي أنت ضياء                      استبنا بك اليقين الجلـيا فلما بلغ قوله:

جرد السيف وارفع العفو حتى                      لا ترى فوق ظهرهـا أمـويا

لا يغرنك ما ترى من رجـال                      إن تحت الضـلـوع داء دويا

بطن البغض في القديم فأضحى                      ثاويا في قلوبـهـم مـطـويا وهي طويلة قال: يا سديف، خلق الإنسان من عجل، ثم قال:

أحيا الضغائن أباء لنا سلفوا                      فلن تبيد وللأباء أبـنـاء ثم أمر بمن عنده منهم فقتلوا.

أخبرني أحمد بن عبيد اله بن عمار قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه عن عمومته: أنهم حضروا سليمان بن علي بالبصرة، وقد حضر جماعة من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة، فكأني أنظر إلى أحدهم وقد اسود شيب في عارضيه من الغالية، فأمر بهم فقتلوا وجروا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، وإن عليهم لسراويلات الوشي والكلاب تجر بأرجلهم.

عمرو بن معاوية يسأل الأمان أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن كثير العيال منتشر المال، فما أكون في قبيلة إلا شهر أمري وعرفت، وقد اعتزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي، فصر إلي. فوافيته فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض وسراويل وشي مسدول، فقلت: يا سبحان الله ما تصنع الحداثة بأهلها أبهذا اللباس تلقى القوم لما تريد لقاءهم فيه فقال: لا والله، ولكنه ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى. فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه ولويت سراويله إلى ركبتيه؛ فدخل ثم خرج مسرورا. فقلت له: حدثني ما حرى بينك وبين الأمير. قال: دخلت عليه ولم نتراء قط، فقلت: أصلح الله الأمير لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك؛ فإما قتلتني غانما، وإما رددتني سالما. فقال: ومن أنت? فقلت: إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن معنا وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فوالله ما أجابني إلا بدموع على خديه؛ ثم قال يا بن أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك. ووالله لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت، فكن متواريا كظاهر، وآمنا كخائف، ولتأتني رقاعك. قال: فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمه. قال: فلما فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه؛ فقال: مهلا، فإن ثيابنا إذا فارقتنا لن ترجع إلينا.

شعر لسديف في تحريض السفاح أخبرني أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: قال سديف لأبي العباس يحضه على بني أمية ويذكر من قتل مروان وبنو أمية من قومه:

 

صفحة : 461

 

 

كيف بالعفو عنهم وقـديمـا                      قتلوكم وهتكوا الحرمـات

أين زيد وأين يحيى بـن زيد                      يا لها من مصيبة وتـرات

والإمام الذي أصيب بحـرا                      ن إمام الهدى ورأس الثقات

قتلوا آل أحمد لا عفا الـذن                      ب لمروان غافر السـيئات <H6 شعر لرجل من شيعة بني العباس</H6 في التحريض على بني أمية: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمد بن يزيد لرجل من شيعة بن العباس يحرضهم على بني أمية:

إياكـم أن تـلـينـوا لاعـتـذارهـم                      فليس ذلك إلا الخوف والـطـمـع

لو أنهم أمـنـوا أبـدوا عـدواتـهـم                      فليس قمعوا بالذل فـانـقـمـعـوا

أليس في ألف شهر قد مضت لـهـم                      سقوكم جرعا من بـعـدهـا جـرع

حتى إذا ما انقضـت أيام مـدتـهـم                      متوا إليكم بالأرحام التي قـطـعـوا

هيهات لا بد أن يسقوا بـكـأسـهـم                      ريا وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا

إنا وإخواننا الأنصـار شـيعـتـكـم                      إذا تفـرقـت الأهـواء والـشـيع

إياكم أن يقـولـوا الـنـاس إنـهـم                      قد ملكوا ثم ما ضروا ولا نـفـعـوا <H6 رواية أخرى في تحريض سديف للسفاح</H6 وذكر ابن المعتز: أن جعفر بن إبراهيم حدثه عن إسحاق بن منصور عن أبي الخصيب في قصة سديف بمثل ما ذكره الكراني عن النضر بن عمرو عن المعيطي، إلا أنه قال فيها: فلما أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال: يا ماص بظر أمه اتجبهنا بهذا ونحن سروات الناس فغضب أبو العباس؛ وكان سليمان بن هشام صديقه قديما وحديثا يقضي حوائجه في أيامهم ويبره؛ فلم يلتفت إلى ذلك، وصاح بالخراسانية: خذوهم؛ فقتلوا جميعا إلا سليمان بن هشام، فأقبل عليه السفاح فقال: يا أبا الغمر، ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا. قال: لا والله. فقال: اقتلوه، وكان إلى جنبه، فقتل، وصلبوا في بستانه، حتى تأذى جلساؤه بروائحهم، فكلموه في ذلك، فقال: والله لهذا ألذ عندي من شم المسك والعنبر، غيظا عليهم وحنقا.

<H6 نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء</H6  صوت

 

أصبح الدين ثابت الآساس                      بالبهاليل من بني العبـاس

بالصدور المقدمين قديمـا                      والرؤوس القماقم الرؤاس عروضه من الخفيف، والشعر لسديف. والغناء لعطرد رمل بالبنصر عن حبش. قال: وفيه لحكم الوادي ثاني ثقيل. وفيه ثقيل أول مجهول.

ومما قاله أبو سعيد مولى فائد في قتلى بني أمية وغنى فيه:  صوت

 

بكيت ومـاذا يرد الـبـكـاء                      وقل البكاء لقـتـلـى كـداء

أصيبوا معا فتـولـوا مـعـا                      كذلك كانوا معا فـي رخـاء

بكت لهم الأرض من بعدهـم                      وناحت عليهم نجوم السـمـاء

وكانوا الضياء فلما انقضى الزم                      ان بقومي تولـى الـضـياء عروضه من المتقارب. الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر من رواية عمرو بن بانة وإسحاق وغيرهما.

ومما قاله فيهم وغنى فيه على أنه قد نسب إلى غيره:  صوت

 

أثر الدهر في رجالي فقـلـوا                      بعد جمع فراح عظمي مهيضا

ما تذكرتهم فتمـلـك عـينـي                      فيض غرب وحق لي أن تفيضا الشعر والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي والهشامي. وروى الشيعي عن عمر بن شبة عن إسحاق أن الشعر لسديف والغناء للغريض. ولعله وهم.

ومنها:  صوت

 

أولئك قومي بعد عـز ومـنـعة                      تفانوا فإلا تذرف العين أكـمـد

كأنهم لا ناس للمـوت غـيرهـم                      وإن كان فيهم منصفا غير معتدي الشعر والغناء لأبي سعيد. وفيه لحن لمتيم.

المأمون وعلوية يندب بني أمية

أخبرني عبد الله بن الربيع قال حدثنا أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني عمي طياب بن إبراهيم قال:

 

صفحة : 462

 

ركب المأمون بدمشق يتصيد حتى بلغ جبل الثلج، فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات لم ير أحسن منها ولا أعظم، فنزل المأمون وجعل ينظر إلى آثار بني أمية ويعجب منها ويذكرهم، ثم دعا بطبق عليه بزماورد ورطل نبيذ؛ فقام علويه فغنى:

أولئك قومي بعد عز ومنعة                      تفانوا فإلا تذرف العين أكمد قال: فغضي المأمون وأمر برفع الطبق، وقال: يا بن الزانية ألم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلا هذا الوقت قال: نعم أبكي عليهم مولاكم زرياب يركب معهم في مائة غلام، وأنا مولاهم معكم أموت جوعا فقام المأمون فركب وانصرف الناس، وغضب على علويه عشرين يوما؛ فكلمه فيه عباس أخو بحر؛ فرضي عنه، ووصله بعشرين ألف درهم.

 

صوت من المائة المختارة

 

مهاة أن الذر تمشي ضعافـه                      على متنها بضت مدارجه دما

فقلن لها قومي فديناك فاركبي                      فأومت بلالا غير أن تتكلمـا عروضه من الطويل. بضت: سالت. يقول: لو مشى الذر على جلدها لجرى الدم من رقته. وروى الأصمعي:

منعة لو يصبح الـذر سـاريا                      على متنها بضت مدارجه دما الشعر لحميد بن ثور الهلالي. والغناء في اللحن لفليح بن أبي العوراء، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أن لحن فليح من خفيف الثقيل الأول بالوسطى، وأن الثقيل الأول للهذلي.

ومما يغنى فيه من هذه القصيدة:  صوت

 

إذا شـئت بـأجـزاع بــيشة                      أو النخل من تثليث أو من يلملما

مطوقة طوقا وليس بـحـلـية                      ولا ضرب صواغ بكفيه درهما

تبكي على فرح لها ثم تغـتـدي                      مولهة تبغي لها الدهر مطمعـا

تؤمل منه مؤنسا لانـفـرادهـا                      وتبكي عليه إن زقا أو ترنمـا وغناه محمد الرف خفيف رمل بالوسطى.

 

ذكر حميد بن ثور ونسبه وأخباره

نسبه وطبقته في الشعراء

هو حميد بن ثور بن عبد الله بن عامر بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. وهو من شعراء الإسلام. وقرنه ابن سلام بنهشل بن حري وأوس بن مغراء.

هو مخضرم أدرك عمر بن الخطاب

وقد أدرك حميد بن ثور عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الشعر في أيامه. وقد أدرك الجاهلية أيضا.

نهى عمر الشعراء عن التشبيب أخبرني وكيع قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد وعبد الله بن شبيب قالا حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني محمد بن فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشعراء ألا يشبب أحد امرأة إلا جلده. فقال حميد بن ثور:

أبى الله إلا أن سـرحة مـالـك                      على كل أفنان العضـاه تـروق

فقد ذهبت عرضا وما فوق طولها                      من السرح إلا عشة وسـحـوق - العشة: القليلة الأغصان والورق. والمسحوق: الطويلة المفرطة -.

 

فلا الظل من برد الضحى تستطيعه                      ولا الفيء من برد العشي تـذوق

فهل أنا إن عللت نفسي بـسـرحة                      من السرح موجود علي طـريق وهي قصيدة طويلة أولها:

نأت أم عمر فالفؤاد مشوق                      يحن إليها والهـا ويتـوق  صوت

وفيها مما يغنى فيه:

سقى السرحة المحلال والأبرق الذي                      به الـسـرح غــيث دائم ويروق

وهل أنا إن عللت نفسي بـسـرحة                      من السرح موجود علـي طـريق غناه إسحاق، ولحنه ثاني ثقيل  بالوسطى  .

وفد على بعض خلفاء بني أمية

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال: وفد حميد بن ثور على بعض خلفاء بني أمية؛ فقال له: ما جاء بك? فقال:

أتاك بي الله الذي من فوق ما ترى                      وخير ومعروف عـلـيك دلـيل

ومطوية الأقراب أما نـهـارهـا                      فنص وأما لـيلـهـا فـذمـيل

ويطوي عليه الليل حضنيه أننـي                      لذاك إذا هاب الرجال فـعـول فوصله وصرفه شاكرا.

 

أخبار فليح بن أبي العوراء

 

 

صفحة : 463

 

فليح رجل من أهل مكة، مولى لبني مخزوم، ولم يقع إلينا اسم أبيه. وهو أحد مغني الدولة العباسية، له محل كبير من صناعته، وموضع جليل. وكان إسحاق إذا عد من سمع من المحسنين ذكره فيهم وبدأ به. وهو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة الصوت للرشيد.

مدح إسحاق الموصلي غناءه

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه عن إسحاق قال: ما سمعت أحسن غناء من فليح بن أبي العوراء وابن جامع: فقلت له: فأبو إسحاق?  يعني أباه  ؛ فقال: كان هذان لا يحسنان غير الغناء، وكان أبو إسحاق فيه مثلهما، ويزيد عليهما فنونا من الأدب والرواية لا يداخلانه فيها.

كان يحكي الأوائل فيصيب ويحسن

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: قال لي إسحاق: أحسن من سمعت غناء عطرد وفليح.

وكان فليح أحد الموصوفين بحسن الغناء المسموع في أيامه، وهو أحد من اكن يحكي الأوائل فيصيب ويحسن.

أمره الرشيد بتعليم ابن صدقة صوتا له

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني محمد بن محمد العنبسي قال حدثني محمد بن الوليد الزبيري قال: سمعت كثير بن المحول يقول: كان مغنيان بالمدينة يقال لأحدهما فليح بن أبي العوراء، والآخر سليمان بن سليم؛ فخرج إليهما رسول الرشيد يقول لفليح غناؤك من حلق أبي صدقة أحسن منه من حلقك، فعلمه إياه - قال: وكان يغني صوتا يجيده، وهو:

خير ما نشربها بالبكر - قال: فقال فليح للرسول: قل له: حسبك:. قال: فسمعنا ضحكه من وراء الستارة.

كانت ترفع الستارة بينه وبين المهدي

دون سائر المغنين:

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثنا الفضل بن الربيع: أن المهدي كان يسمع المغنين جميعا، ويحضرون مجلسه، فيغنونه من وراء الستارة لا يرون له وجها إلا فليح بن أبي العوراء؛ فإن عبد الله بن مصعب الزبيري كان يرويه شعره ويغني فيه في مدائحه للمهدي؛ فدس في أضعافها بيتين يسأله فيهما أن ينادمه، وسأل فليحا أن يغنيهما في أضعاف أغانيه، وهما:  صوت

 

يا أمين الإله في الشرق والـغـر                      ب على الخلق وابن عم الرسول

مجلسا بالعشي عندك في الـمـي                      دان أبغي والإذن لي في الوصول فغناه فليح إياهما. فقال المهدي: يا فضل، أجب عبد الله إلى ما سأل، وأحضره مجلسي إذا حضره أهلي وموالي وجلست لهم، وزده على ذلك أن ترفع بيني وبين راويته فليح الستارة؛ فكان فليح أول مغن عاين وجهه في مجلسهم.

دعاه محمد بن سليمان أول دخوله بغداد

أخبرني رضوان قال حدثني يوسف بن إبراهيم قال حدثني بعد قدومي فسطاط مصر زياد بن أبي الخطاب كاتب مسرور خادم الرشيد، قال: سمعت محبوب بن الهفتي يحدث أبي، قال: دعاني محمد بن سليمان بن علي، فقال لي: قد قدم فليح من الحجاز ونزل عند مسجد ابن رغبان، فصر إليه، فأعلمه أنه جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد، خلعت عليه خلعة سرية من ثيابي ووهبت له خمسة آلاف درهم. فمضيت إليه فخبرته بذلك؛ فأجابني إليه إجابة مسرور به نشيط له. وخرج معي، فعدل إلى حمام كان بقربه، فدعا القيم فأعطاه درهمين وسأله أن يجيئه بشيء يأكله ونبيذ يشربه؛ فجاءه برأس كأنه رأس عجل ونبيذ دوشابي غليظ مسحوري رديء، فقلت له: لا تفعل، وجهدت به ألا يأكل ولا يشرب إلا عند محمد بن سليمان؛ فلم يلتفت إلي، وأكل ذلك الرأس وشرب من ذلك النبيذ الغليظ حتى طابت نفسه وغنى وغنى القيم معه مليا؛ ثم خاطب القيم بما أغضبه، وتلاحيا وتواثبا؛ فأخذ القيم شيئا فضربه به على رأسه فشجه حتى جرى دمه.

 

 

صفحة : 464

 

فلما رأى الدم على وجهه اضطرب وجزع وقام يغسل جرحه، ودعا بصوفة محرقة وزيت، وعصبه وتعمم وقام معي. فلما دخلنا دار محمد بن سليمان. ورأى الفرش والآلة وحضر الطعام فرأى سروه وطيبه، وحضر النبيذ وآلته، ومدت الستائر وغنى الجواري، أقبل علي وقال: يا مجنون سألتك بالله أيما أحق بالعربدة وأولى: مجلس القيم أو مجلس الأمير? فقلت: وكأنه لابد من عربدة قال: لا والله مالي منها بد، فأخرجتها من رأسي هناك. فقلت: أما على هذا الشرط فالذي فعلت أجود. فسألني محمد عما كنا فيه فأخبرته؛ فضحك ضحكا كثيرا، وقال: هذا الحديث والله أظرف وأطيب من كل غناء؛ وخلع عليه وأعطاه خمسة آلاف درهم.

اتفق مع حكم الوادي على إسقاط ابن جامع

عند يحيى بن خالد:

قال هارون بن محمد وحدثني حماد بن إسحاق قال حدثني أبو إسحاق القرمطي قال حدثنا مدركة بن يزيد قال: قال لي فليح بن أبي العوراء: بعث يحيى بن خالد إلي وإلى حكم الوادي وإلى ابن جامع، فأتيناه. فقلت لحكم: إن قعد ابن جامع معنا فعاوني عليه لنكسره. فلما صرنا إلى الغناء غنى حكم؛ فصت وقلت: هكذا والله يكون الغناء ثم غنيت، ففعل لي حكم مثل ذلك. وغنى ابن جامع فما كنا معه في شيء. فلما كان العشي أرسل إلى جاريته دنانير: إن أصحابك عندنا، فهل لكي أن تخرجي إلينا? فخرجت وخرج معها وصائف؛ فأقبل عليها يقول لها من حيث يظن أنا لا نسمع: ليس في القوم أنزه نفسا من فليح. ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كل إنسان بألفي درهم، فجاء بها؛ فدفع إلى ابن جامع ألفي درهم فأخذها فطرحها في كمه، وفعل بحكم الوادي مثل ذلك فطرحها في كمه، ودفع إلي ألفين. فقلت لدنانير: قد بلغ مني النبيذ، فاحبسيها لي عندك حتى تبعثي بها إلي؛ فأخذت الدراهم مني بعثت بها إلى من الغد، وقد زادت عليها؛ وأرسلت إلي: قد بعثت إليك بوديعتك وبشيء أحببت أن تفرقه على أخواتي تعني جواري.

طلبه الفضل بن الربيع فجيء به مريضا

فغنى ورجع ثم مات في علته:

قال هارون بن محمد وحدثني حماد قال حدثني أبي قال: كنا عند الفضل بن الربيع، فقال: هل لك في فليح بن أبي العوراء? قلت نعم. فأرسل إليه، فجاء الرسول فقال: هو عليل؛ فعاد إليه فقال الرسول: لابد من أن تجيء؛ فجاء به محمولا في محفة؛ فحدثنا ساعة ثم غنى. فكان فيما غنى:

تقول عرسي إذ نبا المضجع                      ما بالك الليلة لا تهـجـع فاستحسناه منه واستعدناه منه مرارا؛ ثم انصرف ومات في علته تلك؛ وكان آخر العهد به ذلك المجلس.

روى قصة فتى عاشق غناه هو وعشيقته

فبعثت إليه مهرها ليخطبها إلى أبيها:

أخبرني أحمد بن أبي جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد ين يحيى المكي قال حدثني أبي عن فليح بن أبي العوراء قال: كان في المدينة فتى يعشق ابنة عم له، فوعدته أن تزوره. وشكا إليه أنها تأتيه ولا شيء عنده، فأعطيته دينارا للنفقة. فلما زارته قالت له: من يلهينا? قال: صديق لي، ووصفني لها، ودعاني فأتيته؛ فكان أول ما غنيته:

من الخفرات لم تفضح أخاها                      ولم تدفع لوالدها شـنـارا فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف؛ فعلق بها وجهد بها كل الجهد في أن تقيم، فلم تقم وانصرفت. فأقبل علي يلومني في أن غنيتها ذلك الصوت. فقلت: والله ما هو شيء اعتمدت به مساءتك، ولكنه شيء اتفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها بعدها ومعه صرة فيها ألف دينار ودفعها إلى الفتى وقال له: تقول لك ابنة عمك: هذا مهري ادفعه إلى أبي، واخطبني؛ ففعل فتزوجها.

نسبة هذا الصوت  صوت

 

من الخفرات لم تفضح أخاها                      ولم تدفع لوالدها شـنـارا

كأن مجامع الأرداف منهـا                      نقا درجت عليه الريح هارا

يعاف وصال ذات البذل قلبي                      وأتبع الممنـعة الـنـوارا والشعر لسليك بن السلكة السعدي. والغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن الهربذ لحن من رواية بذل، أوله:

يعاف وصال ذات البذل قلبي وبعده:

غذاها قارص يغدو علـيهـا                      ومحض حين تنتظر العشارا  ورد دمشق يعلم جواري ابن المهدي

أخبرني رضوان بن أحمد قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال:

 

صفحة : 465

 

كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عامل للرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبي العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناء سمعناه قبله. وأنا محتال لك في تخليصه إليك، لتستمتع به كما استمتعنا. فلم ألبث أن ورد علي فليح بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار. فورد علي رجل أذكرني لقاؤه الناس، وأخبرني أنه قد ناهز المائة، فأقام عندي ثلاث سنين، فأخذ عنه جواري كل ما كان معه من الغناء، وانتشرت أغانيه بدمشق: قال يوسف: ثم قدم علينا شاب من المغنين نع علي بن زيد بن الفرج الحراني، عند مقدم عنبسة بن إسحاق فسطاط مصر، يقال له مونق؛ فغناني من غناء فليح:  صوت

 

يا قرة العين اقبلـي عـذري                      ضاق بهجرانكـم صـدري

لو هلك الهجر استراح الهوى                      ما لقي الوصل من الهجـر -ولحنه خفيف رمل - فلم أر بين ما غناه وبين ما سمعته في دار أبي إسحاق فرقا؛ فسألته كمن أين أخذه? فقال: أخذته بدمشق؛ فعلمت أنه مما أخذه أهل دمشق عن فليح.

 

صوت من المائة المختارة

 

أفاطم إن النأي يسلي ذوي الهوى                      ونأيك عني زاد قلبي بكم وجـدا

أرى حرجا ما نلت من ود غيركم                      ونافلة ما نلت من ودكم رشـدا

وما نلتقي من بعد نـأي وفـرقة                      وشحط نوى إلا وجدت له بـردا

على كبد قد كاد يبدي بها الهـوى                      ندوبا وبعض القوم يحسبني جلدا عروضه من الطويل. النأي: البعد، ومثله الشحط. والحرج: الضيق؛ قال الله تعالى:  يجعل صدره ضيقا حرجا  . والندوب: آثار الجراح، وأحدها ندب.

الشعر لإبراهيم بن هرمة. والغناء في اللحن المختار، على ما ذكره إسحاق، ليونس الكاتب، وهو من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر يحي بن علي بن يحيى عن أبيه مثل ذلك. وذكر حبش بن موسى أن الغناء لمرزوق الصراف أو ليحيى بن واصل. وفي هذه الأبيات للهذلي لحن من خفيف الثقيل الأول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة، ومن الناس من ينسب اللحنين جميعا إليه.

 

ذكر ابن هرمة وأخباره ونسبه

نسبه

هو إبراهيم بن علي بن سلمة بن هرمة بن هذيل، هكذا ذكر يعقوب بن السكيت. وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وذكر ذلك العباس بن هشام الكلبي عن أبيه هشام بن محمد السائب، قالوا جميعا: هو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة بن الهديل بن ربيع بن عامر بن صبيح بن كنانة بن عدي بن قيس بن الحارث بن فهر - وفهر أصل قريش، فمن لم يكن من ولده لم يعد من قريش، وقد قيل ذلك في النضر بن كنانة - وفهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال من ذكرنا من النسابين: قيس بن الحارث هو الخلج، وكانوا في عدوان ثم انتقلوا إلى بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتوه ليفرض لهم، فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر وجعل لهم معهم ديوانا. وسموا الخلج لأنهم اختلجوا ممن كان معه من عدوان ومن بني نصر بن معاوية. وأهل المدينة يقولون: إنما سموا الخلج لأنهم نزلوا بالمدينة على خلج  وواحدها خليج  فسموا بذلك. ولهم بالمدينة عدد. قال مصعب: كان لإبراهيم بن هرمة عم يقال له هرمة الأعور، فأرادت الخلج نفيه منهم؛ فقال: أمسيت ألأم العرب دعي أدعياء. ثم قال يهجوهم:

رأيت بني فهر سباطا أكفهمفمال بال أنبوني أكفكم قفدا

ولم تدركوا ما أدرك القوم قبلكم                      من الـمـجـد إلا دعـوة ألـحــقـــت كـــدا

علـى ذي أيادي الـدهـر أفـلـــح جـــدهـــم                      وخـبـتـم فـلـم يصـرع لـكـم جـدكـم جـــدا  نفاه بنو الحارث بن فهر عنهم

فعاتبهم فصار منهم لساعته:

وقال يحيى بن علي حدثني أبو أيوب المديني عن المدائني عن أبي سلمة الغفاري قال: نفى بنوالحارث بن فهر ابن هرمة، فقال:

أحاربن فهر كيف تطرحـونـنـي                      وجاء العدا من غيركم تبتغي نصري قال: فصار من ولد فهر من ساعته.

كان يقول أنا ألأم العرب

قال يحيى بن علي وحدثني أحمد بن يحيى الكاتب قال حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال:

 

صفحة : 466

 

كان ابن هرمة يقول: أنا ألأم العرب، دعي أدعياء: هرمة دعي في الخلج، والخلج أدعياء في قريش.

قصته مع أسلمي ضافه

حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: زرت عبد الله بن حسن بباديته وزاره ابن هرمة، فجاء رجل من أسلم؛ فقال ابن هرمة لعبد الله بن حسن: أصلحك الله سل الأسلمي أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره. فقال له عبد الله بن حسن: ائذن له، فأذن له الأسلمي. فقال له إبراهيم بن هرمة: إني خرجت - أصلحك الله - أبغي ذودا لي، فأوحشت وضفت هذا الأسلمي، فذبح لي شاة وخبز لي خبزا وأكرمني، ثم غدوت من عنده، فأقمت ما شاء الله. ثم خرجت أيضا في بغاء ذود لي، فأوحشت فضفته فقراني بلبن وتمر، ثم غدوت من عنده فأقمت ما شاء الله. ثم خرجت في بغاء ذود لي، فأوحشت، فقلت: لو ضفت الأسلمي فاللبن والتمر خير من الطوى؛ فضفته فجاءني بلبن حامض. فقال: قد أجبته - أصلحك الله - إلى ما سأل، فسله أن يأذن لي أن أخبرك لما فعلت. فقال له: ائذن له؛ فأذن له. فقال الأسلمي: ضافني، فسألته من هو? فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشاة التي ذكر، ووالله لو كان غيرها عندي لذبحته له حين ذكر أنه من قريش. ثم غدا من عندي وغدا علي الحي فقالوا: من كان ضيفك البارحة? قلت: رجل من قريش؛ فقالوا: لا والله ما هو من قريش، ولكنه دعي فيها. ثم ضافني الثانية على أنه دعي في قريش، فجئته بلبن وتمر وقلت: دعي قريش خير من غيره. ثم غدا من عندي وغدا علي الحي فقالوا: من كان ضيفك البارحة? قلت الرجل الذي زعمتم أنه دعي في قريش؛ فقالوا: لا والله ما هو بدعي في قريش، ولكنه دعي أدعياء قريش. ثم جاءني الثالثة، فقريته لبنا حامضا، ووالله لو كان عندي شر منه لقريته إياه. قال: فانخذل ابن هرمة، وضحك عبد الله وضحكنا معه.

لقاؤه ابن ميادة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني نوفل بن ميمون قال: لقي ابن ميادة ابن هرمة، فقال ابن ميادة: والله لقد كنت أحب أن ألقاك، لا بد من أن نتهاجى، وقد فعل الناس ذلك قبلنا، فقال ابن هرمة: بئس والله ما دعوت إليه وأحببته، وهو يظنه جادا. ثم قال له ابن هرمة: أما والله إنني للذي أقول:

إني لميمون جـوارا وإنـنـي                      إذا زجر الطير العدا لمشـوم

وإني لملآن العنان مـنـاقـل                      إذا ما ونى يوما ألـف سـؤوم

فود رجال أن أمي تقـنـعـت                      بشيب يغشي الرأس وهي عقيم فقال ابن ميادة: وهل عندك جراء? ثكلتك أمك أنت ألأم من ذلك ما قلت إلا مازحا.

أخبرنا به وكيع قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال قال عبد العزيز بن عمران: اجتمع ابن هرمة وابن ميادة عند جميع بن عمر بن الوليد، فقال ابن ميادة لابن هرمة: قد كنت أحب أن القاك ثم ذكر نحوه.

أنكر عليه مضغه الناطف

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثني أبو سلمة الغفاري عن أبيه قال:

 

صفحة : 467

 

وفدت على المهدي في جماعة من أهل المدينة، وكان فيمن وفد يوسف بن موهب وكان في رجال بني هاشم من بني نوفل، وكان معنا ابن هرمة؛ فجلسنا يوما على دكان قد هيئ لمسجد ولم يسقف، في عسكر المهدي؛ وقد كنا نلقي الوزراء وكبراء السلطان، وكانوا قد عرفونا؛ وإذا حيال الدكان رجل بين يديه ناطف يبيعه يوم شات شديد البرد، فأقبل إذ ضربه بفأسه فتطاير جفوفا؛ فأقبل ابن هرمة علينا، فقال ليوسف: يابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما معك درهم نأكل به من هذا الناطف? فقال له: متى عهدتني أحمل الدراهم قال: فقلت له: لكني أنا معي، فأعطيته درهما خفيفا، فاشترى به ناطفا على طبق للناطفي فجاء بشيء كثير، فأقبل يتمضغه وحده ويحدثنا ويضحك. فما راعنا إلا موكب أحد الوزيرين: أبي عبيد الله أو يعقوب بن داود. ثم أقبلت المطرقة؛ فقلنا: مالك قاتلك الله يهجم علينا هذا وأصحابه، فيرون الناطف بين أيدينا فيظنون أنا نأكل معك. قال: فوالله ما أحد أولى بالستر على أصحابه وتقلد البلية منك يا ابن عم رسول الله فضعه بين يديك. قال: اعزب قبحك الله قال: فأنت يابن أبي ذر، فزبرته. قال: فقال: قد علمت أنه لا يبتلى بهذا إلا دعي أدعياء عاض كذا من أمه. ثم أخذ الطبق في يده فحمله وتلقى به الموكب، فما مر به أحد له نباهة إلا مازحه، حتى مضى القوم جميعا.

مدح عبد الله بن حسن فأكرمه

وقال هارون حدثني أبو حذافة السهمي قال حدثنا إسحاق بن نسطاس قال: كان أبو هرمة مشتهرا بالنبيذ، فأتى عبد الله بن حسن وهو بالسيالة، فأنشده مديحا له. فقام عبد الله إلى غنم كانت له، فرمى بساجة عليها فافترقت فرقتين، فقال: أيهما شئت - قال: فإما أن تكون زادت بواحدة أو نقصت بواحدة على الأخرى. قال: وكانت ثلاثمائة - وكتب له إلى المدينة بدنانير. فقال له: يا ابن هرمة، انقل عيالك إلينا يكونوا مع عيالنا. فقال: أفعل يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قدم ابن هرمة المدينة وجهز عياله لينقلهم إلى عبد الله بن حسن، واكترى من رجل من مزينة.

فبينا هو قد شد متاعه وحمله والكري ينتظره أن يتحمل، إذا أتاه صديق له، فقال: أي أبا إسحاق، عندي والله نبيذ يسقط لحم الوجه. فقال: ويحك أما ترانا على مثل هذا الحال أعليها يمكن الشراب فقال: إنما هي ثلاثة لا تزد عليهن شيئا. فمضى معهم وهم وقوف ينظرون؛ فلم يزل يشرب حتى مضى من الليل صدر صالح؛ ثم أتي به وهو سكران، فطرح في شق المحمل وعادلته امرأته ومضوا.

فلما أسحروا رفع رأسه فقال: أين أنا? فأقبلت عليه امرأته تلومه وتعذله، وقالت: قد أفسد عليك هذا النبيذ دينك وديناك، فلو تعللت عنه بهذه الألبان فرفع رأسه إليها وقال:

لا نبتغي لبن البعير وعنـدنـا                      ماء الزبيب وناطف المعصار  هو أحد من ختم بهم الشعراء

في رأي الأصمعي:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا زكريا بن يحيى بن خلاد قال: كان الأصمعي يقول: ختم الشعراء بابن هرمة، والحكم الخضري، وابن ميادة، وطفيل الكناني، ومكين العذري.

رهن رداءه في النبيذ

قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدثني أبو حذافة السهمي أحمد بن إسماعيل قال: كان ابن هرمة مدمنا للشراب مغرما به؛ فأتى أبا عمرو بن أبي راشد مولى عدوان؛ فأكرمه وسقاه أياما ثلاثة. فدعا ابن هرمة؛ فقال له غلام لأبي عمرو ابن أبي راشد: قد نفذ نبيذنا. فنزع ابن هرمة رداءه عن ظهره فقال للغلام: إذهب به إلى ابن حونك نباذ كان بالمدينة، فأرهنه عنده وأتنا بنبيذ، ففعل. وجاء ابن أبي راشد، فجعل يشرب معه من ذلك النبيذ. فقال له: أين رداؤك يا أبا إسحاق? فقال: نصف في القدح ونصف في بطنك.

طائفة من أخباره

قال هارون حدثني محمد بن عمر بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال حدثني عمي عبد العزيز بن إسماعيل قال: مدح ابن هرمة محمد بن عمران الطلحي، وبعث إليه بالمديح مع ابن ربيح، فاحتجب عنه؛ فمدح محمد بن عبد العزيز؛ وكان ابن هرمة مريضا، فقال قصيدته التي يقول فيها:

إني دعوتك إذ جفيت وشـفـنـي                      مرض تضاعفني شديد المشتكـى

وحسبت عن طلب المعيشة وارتقت                      دوني الحوائج في وعور المرتقى

 

صفحة : 468

 

 

فأجب أخاك فقـد أنـاف بـصـوتـه                      يا ذا الإخاء ويا كريم الـمـرتـجـى

ولقد حفيت صـبـيت عـكة بـيتـنـا                      ذوبا ومزت بصفوه عـنـك الـقـذى

فخذ الغنـيمة واغـتـنـمـي إنـنـي                      غنم لمثلك والـمـكـارم تـشـتـرى

لا ترمين بحـاجـتـي وقـضـائهـا                      ضرح الحجاب كما رمى بي من رمى فركب إلى جعفر بن سليمان نصف النهار؛ فقال: ما نزعك يا أبا عبد الله في هذا الوقت? قال: حاجة لم أر فيها أحدا أكفى مني. قال: وما هي? قال: قد مدحني ابن هرمة بهذه الأبيات، فأردت من أرزاقي مائة دينار. قال: ومن عندي مثلها. قال: ومن أمير المؤمنين أيضا قال: فجاءت المائتا الدينار إلى ابن هرمة، فما أنفق منها إلا دينارا واحدا حتى مات، وورث الباقي أهله.

وقال أحمد بن أبي خيثمة عن أبي الحسن المدائني قال: امتدح ابن هرمة أبا جعفر فوصله بعشرة آلاف درهم. فقال: لا تقع مني هذه. قال: ويحك إنها كثيرة. قال: إن أردت أن تهنئني فأبح لي الشراب فإني مغرم به. فقال: ويحك هذا حد من حدود الله. قال: احتل لي يا أمير المؤمنين. قال نعم. فكتب إلى والي المدينة: من أتاك بابن هرمة سكران فاضربه مائة واضرب ابن هرمة ثمانين. قال: فجعل الجلواز إذا مر بابن هرمة سكران، قال: من يشتري الثمانين بالمائة أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا أبو سلمة الغفاري قال أخبرنا ابن ربيح راوية ابن هرمة: أصابت ابن هرمة أزمة؛ فقال لي في يوم حار: اذهب فتكار حمارين إلى ستة أميال، ولم يسم موضعا. فركب واحدا وكبت واحدا، ثم سرناحتى صرنا إلى قصور الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر، فدخلنا مسجده. فلما مالت الشمس خرج علينا مشتملا على قميصه، فقال لمولى له: أذن فأذن، ولم يكلمنا كلمة. ثم قال له: أقم فأقام، فصلى بنا، ثم أقبل على ابن هرمة فقال: مرحبا بك يا أبا إسحاق، حاجتك? قال: نعم، بأبي أنت وأمي، أبيات قلتها - وقد كان عبد الله وحسن وإبراهيم بنو حسن بن حسن وعدوه شيئا فأخلفوه - فقال: هاتها. فقال:

أما بنو هاشم حولي فقد قـرعـوا                      نبل الضباب التي جمعت في قرن

فما بيثرب منهم مـن أعـاتـبـه                      إلا عوائد أرجوهن من حـسـن

الله أعطاك فضلا من عـطـيتـه                      على هن وهن فيما مضى وهـن قال: حاجتك قال: لابن أبي مضرس علي خمسون ومائة دينار. قال فقال لمولى له: يا هيثم، اركب هذه البغلة فأتني بابن أبي مضرس وذكر حقه. قال: فما صلينا العصر حتى جاء به. فقال له: مرحبا بك يابن أبي مضرس، أمعك ذكر حقك على ابن هرمة قال نعم. قال: فامحه، فمحاه. ثم قال: يا هيثم، بع ابن أبي مضرس من تمر الخانقين بمائة وخمسين دينارا وزده على كل دينار ربع دينار، وكل ابن هرمة بخمسين ومائة دينار تمرا، وكل ابن ربيح بثلاثين دينارا تمرا. قال: فانصرفنا من عنده؛ فلقيه محمد بن عبد الله بن حسن بالسيالة، وقد بلغه الشعر، فغضب لأبيه وعمومته فقال: أي ماص بنظر أمه أنت القائل:

على هن وهن فيما مضى وهن فقال: لا والله ولكني الذي أقول لك:

لا والذي أنت منه نعمة سلفت                      نرجو عواقبها في آخر الزمن

لقد أتيت بأمر ما عمـدت لـه                      ولا تعمده قولي ولا سنـنـي

فكيف أمشي مع الأقوام معتدلا                      وقد رميت برئ العود بالأبن

ما غيرت وجهه أم مهـجـنة                      إذا القتام تغشى أوجه الهجـن قال هارون: فحدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال:

 

صفحة : 469

 

لما قال ابن هرمة هذا الشعر في حسن بن زيد، قال عبد الله بن حسن: والله ما أراد الفاسق غيري وغير أخوي: حسن وإبراهيم. وكان عبد الله يجري على ابن هرمة رزقا فقطعه عنه وغضب عليه. فأتاه يعتذر، فنحي وطرد؛ فسأل رجالا أن يكلموه، فردهم؛ فيئس من رضاه واجتنبه وخافه. فمكث ما شاء الله، ثم مر عشية وعبد الله على زربية في ممر المنبر، ولم تكن تبسط لأحد غيره في ذلك المكان. فلما رأى عبد الله تضاءل وتقنفذ وتصاغر وأسرع على المشي. فكأن عبد الله رق له، فأمر به فرد عليه، فقال: يا فاسق، يا شارب الخمر، على هن وهن أتفضل الحسن علي وعلى أخوي فقال: بأبي أنت وأمي ورب هذا القبر ما عنيت إلا فرعون وهامان وقارون، أفتغضب لهم فضحك وقال: والله ما أحسبك إلا كاذبا. قال: والله ما كذبتك. فأمر بأن ترد عليه جرايته.

قصيدة له خالية من الحروف المعجمة أخبرني يحيى بن علي إجازة قال أخبرني أبو أيوب المديني عن مصعب قال: إنما اعتذر ابن هرمة بهذا إلى محمد بن عبد الله بن حسن: قال يحيى: وأخبرني أبو أيوب عن علي بن صالح قال: أنشدني عامر بن صالح قصيدة لابن هرمة نحوا من أربعين بيتا، ليس فيها حرف يعجم؛ وذكر هذه الأبيات منها. ولم أجد هذه القصيدة في شعر ابن هرمة، ولا كنت أظن أن أحدا تقدم رزينا العروضي إلى هذا الباب. وأولها:

أرسم سودة أمسى دارس الطلل                      معطلا رده الأحوال كالحلـل هكذا ذكر يحيى بن علي في خبره أن القصيدة نحو من أربعين بيتا، ووجدتها في رواية الأصمعي ويعقوب بن السكيت اثني عشر بيتا، فنسختها ها هنا للحاجة إلى ذلك. وليس فيها حرف يعجم إلا ما اصطلح عليه الكتاب من تصبيرهم مكان ألف ياء مثل  أعلى  فإنها في اللفظ بالألف وهي تكتب بالياء، ومثل  رأى  ونحو هذا، وهو في التحقيق في اللفظ بالألف، وإنما اصطلح الكتاب على كتابته بالياء كما ذكرناه. والقصيدة:

أرسم سودة محل دارس الطلـل                      معطل رده الأحوال كالحـلـل

لما رأى أهلها سدوا مطالعـهـا                      رام الصدود وعاد الود كالمهـل

وعـاد ودك داء لا دواء لـــه                      ولو دعاك طوال الدهر للرحـل

ما وصل سودة إلا وصل صارمة                      أحلها الدهر دارا مأكل الوعـل

وعاد أمواهها سدما وطار لـهـا                      سهم دعا أهلها للصرم والعلـل

وصدوا وصد وساء المرء صدهم                      وحام للورد ردها حومة العلـل - حومة الماء، كثرته وغمرته. والعلل: الشرب الثاني. والرده: مستنقع الماء -:

وحلئوه رداها مـاؤهـا عـسـل                      ما ماء رده لعمر الله كالعـسـل

دعا الحمام حماما سد مسمـعـه                      لما دعـاه رآه طـامـح الأمـل

طموح سارحة حوم مـلـمـعة                      وممرع السر سهل ما كد السهل

وحاولوا رد أمـر لا مـرد لـه                      والصرم داء لأهل اللوعة الوصل

أحلك الله أعلى كـل مـكـرمة                      والله أعطاك أعلى صالح العمـل

سهل موارده سـمـح مـواعـده                      مسود لـكـرام سـادة حـمـل هجاؤه المسور بن عبد الملك قال يحيى بن علي وحدثني أبو أيوب المديني عن أبي حذيفة قال: كان المسور بن عبد الملك المخزومي يعيب شعر ابن هرمة، وكان المسور هذا عالما بالشعر والنسب؛ فقال ابن هرمة فيه:

إياك لا ألزمن لحييك من لجمـي                      نكلا ينكل قراصا من اللـجـم

يدق لحييك أو تنقاد مـتـبـعـا                      مشي المقيد ذي القردان والحلم

إني إذا ما امرؤ خفت نعامـتـه                      إلي واستحصدت منه قوى الوذم

عقدت في ملتقى أوداج لبـتـه                      طوق الحمامة لا يبلى على القدم

إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله                      كفاي لكن لساني صائغ الكـلـم

إن الأديم الذي أمسيت تقـرظـه                      جهلا لذو نغل بـاد وذو حـلـم

ولا يئط بأيدي الخـالـقـين ولا                      أيدي الخـوالـق إلا جـيد الأدم هجاؤه عبد الله بن مصعب قال يحيى وحدثني أبو أيوب عن مصعب بن عبد الله عن أبيه قال:

 

صفحة : 470

 

لقيني ابن هرمة فقال لي: يابن مصعب، أتفضل علي ابن أذينة أما شكرت قولي:

فمالك مختلا علـيك خـصـاصة                      كأنك لم تنبت ببعض المنـابـت

كأنك لم تصحب شعيب بن جعفـر                      ولا مصعبا ذا المكرمات ابن ثابت -يعني مصعب بن عبد الله - قال: فقلت: يا أبا إسحاق، أقلني وروني من شعرك ما شئت؛ فإني لم أرو لك شيئا. فرواني عباسياته تلك.

أكرم من رأى قال يحيى: وأخبرني أبو أيوب المديني عن مصعب بن عبد الله عن مصعب بن عثمان قال: قال ابن هرمة: ما رأيت أحدا قط أسخى ولا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، وإبراهيم بن طلحة بن عمرو بن عبد الله بن معمر. أما إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكل شيء من الطعام، فأردت أن أنشده؛ فقال: ليس هذا وقت الشعر. ثم أخرج الغلام إلي قطعة فقال: ائت بها الوكيل. فأتيته بها، فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، وإن شئت أعطيتك القيمة. قلت: وما أمر لي به? فقال: مائتا شاة برعائها وأربعة أجمال وغلام جمال ومظلة وما تحتاج إليه، وقوتك وقوت عيالك سنة. قلت: فاعطني القيمة؛ فأعطاني مائتي دينار. وأما إبراهيم بن عبد الله فأتيته في منزلة بمشاش على بئر ابن الوليد بن عثمان بن عفان؛ فدخل إلى منزله ثم خرج إلي برزمة من ثياب وصرة من دراهم ودنانير وحلي، ثم قال: لا والله ما بقينا في منزلنا ثوبا نواري به امرأة، ولا حليا ولا دينارا ولا درهما. وقال يمدح إبراهيم:

أرقتني تلومـنـي أم بـكـر                      بعد هدء واللوم قـد يؤذينـي

حذرتني الزمان ثمت قالـت                      ليس هذا الزمان بالمأمـون

قلت لما هبت تحذرني الـده                      ر دعي اللوم عنك واستبقيني

إن ذا الجود والمكـارم إبـرا                      هيم يعنيه كل ما يعـنـينـي

قد خبرناه في القديم فألـفـي                      نا مواعيده كعـين الـيقـين

قلت ما قلت للذي هـو حـق                      مستبين لا للذي يعـطـينـي

نضحت أرضنا سماؤك بعد ال                      جدب منها وبعد سوء الظنون

فرعينا آثار غيث هـراقـت                      ه يدا محكم القوى مـيمـون وقال هارون حدثنا حماد عن عبد الله بن إبراهيم الحجبي: أن إبلا لمحمد بن عمران تحمل علفا مرت بمحمد بن عبد العزيز الزهري ومعه ابن هرمة، فقال: يا أبا إسحاق، ألا تستعلف محمد بن عمران وهو يريد أن يعرضه لمنعه فيهجوه. فأرسل ابن هرمة في أثر الحمولة رسولا حتى وقف على ابن عمران، فأبلغه رسالته؛ فرد إليه الإبل بما عليها، وقال: أن احتجت إلى غيرها زدناك. فأقبل ابن هرمة على محمد بن عبد العزيز فقال له: اغسلها عني، فإنه إن علم أني استعلفته ولا دابة لي وقعت منه في سوءة. قال: بماذا? قال: تعطيني حمارك. قال: هو لك بسرجه ولجامه. فقال بن هرمة: من حفر حفرة سوء وقع فيها.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو يحيى هارون بن عبد الله الزهري عن ابن زريق، وكان منقطعا إلى أبي العباس بن محمد وكان من أروى الناس، قال: كنت مع السري بن عبد الله باليمامة، وكان يتشوق إلى إبراهيم بن علي بن هرمة ويحب أن يفد إليه؛ فأقول: ما يمنعك أن تكتب إليه? فيقول: أخاف أن يكلفني من المؤونة ما لا أطيق. فكنت أكتب بذلك إلى ابن هرمة، فكره أن يقدم عليه إلا بكتاب منه؛ ثم غلب فشخص إليه، فنزل علي ومعه راويته ابن ربيح. فقلت له: ما منعك من القدوم على الأمير وهو من الحرص على قدمك على ما كتبت به إليه? قال: الذي منعه من الكتاب إلي. فدخلت على السري فأخبرته بقدومه؛ فسر بذلك وجلس للناس مجلسا عاما، ثم أذن لابن هرمة فدخل عليه ومعه راويته ابن ربيح. وكان ابن هرمة قصيرا دميما أريمص، وكان ابن ربيح طويلا جسيما نقي الثياب. فسلم على السري ثم قال له: أصلحك الله إني قد قلت شعرا أثنيت فيه عليك. فقال: أنشد؛ فقال: هذا ينشد فجلس. فأنشده ابن ربيح قصيدته التي أولها:

عوجا على ربع ليلى أم محمـود                      كيما نسائله مـن دون عـبـود

عن أم محمود إذ نشط المزار بها                      لعل ذلك يشفي داء مـعـمـود

 

صفحة : 471

 

 

فعرجا بعد تغوير وقـد وقـفـت                      شمس النهار ولاذ الظل بالعـود

شيئا فما رجعت أطلال مـنـزلة                      قفر جوابا لمحزون الجوى مودي ثم قال فيها يمدح السري:

ذاك السري الذي لولا تـدفـقـه                      بالعرف متنا حليف المجد والجود

من يعتمدك ابن عبد الله مجتـديا                      لسيب عرفك يعمد خير معمـود

يا ابن الأساة الشفاة المستغاث بهم                      والمطعمين ذرى الكوم المقاحيد

والسابقين إلى الخيرات قومـهـم                      سبق الجياد إلى غاياتها الـقـود

أنت ابن مسلنطح البطحاء منبتكم                      بطحاء مكة لا روس القـراديد

لكم سقايتها قـدمـا ونـدوتـهـا                      قد حازها والد منكم لـمـولـود

لولا رجاؤك لم تعسف بنا قلـص                      أجواز مهمهة قفر الصوى بـيد

لكن دعاني وميض لاح معترضا                      من نحو أرضك في دهم مناضيد وأنشده أيضا قصيدة مدحه فيها، أولها:

أفي طلل قفر تحمـل آهـلـه                      وقفت وماء العين ينهل هامله

تسائل عن سلمى سفاها وقد نأت                      بسلمى نوى شحط فكيف تسائله

وترجو ولم ينطق وليس بناطق                      جوابا محيل قد تحمل آهـلـه

ونؤي كخط النون ما إن تبينـه                      عفته ذيول من شمال تـذايلـه ثم قال فيها يمدح السري:

فقل للسري الواصل البرذي الندى                      مديحا إذا ما بث صـدق قـائلـه

جواد على العلات يهتز لـلـنـدى                      كما اهتز غضب أخلصته صياقله

نفى الظلم عن أهل اليمامة عدلـه                      فعاشوا وزاح الظلم عنهم وباطله

وناموا بأمن بعـد خـوف وشـدة                      بسيرة عدل ما تخـاف غـوائلـه

وقد علم المعروف أنـك خـدنـه                      ويعلم هذا الجوع أنـك قـاتـلـه

بك الله أحيا الأرض حجر وغيرها                      من الأرض حتى عاش بالبقل آكله

وأنت ترجي للـذي أنـت أهـلـه                      وتنفع ذا القربى لـديك وسـائلـه وأنشده أيضا مما مدحه به قوله:

عوجا نحي الطلول بالكثـب

يقول فيها يمدحه:

دع عنك سلمى وقل محبرة                      لماجد الجد طيب الـنـسـب

محض مصفى العروق يحمده                      في العسر واليسر كل مرتغب

الواهب الخيل في أعنـتـهـا                      والوصفاء الحسان كالـذهـب

مجدا وحمـدا يفـيده كـرمـا                      والحمد في الناس خير مكتسب قال: فلما فرغ ابن ربيح، قال السري لابن هرمة: مرحبا بك يا أبا إسحاق ما حاجتك? قال: جئتك عبدا مملوكا. قال: لا بل حرا كريما وابن عم، فما ذاك? قال: ما تركت لي مالا إلا رهنته، ولا صديقا إلا كلفته - قال أبو يحيى: يقول لي ابن زريق: حتى كأن لي ديانا وعليه مالا - فقال له السري: وما دينك? قال: سبعمائة دينار. قال: قد قضاها الله عز وجل عنك. قال: فأقام أياما، ثم قال لي: قد اشتقت. فقلت له: قل شعرا تشوق فيه. فقال قصيدته التي يقول فيها:

أألحمامة في نخـل ابـن هـداج                      هاجت صبابة عاني القلب مهتاج

أم المخبر أن الغيث قد وضعـت                      منه العشار تماما غـير إخـداج

شقت سوائفها بالفرش من ملـل                      إلى الأعارف من حزن وأولاج

حتى كأن وجوه الأرض ملبـسة                      طرائفا من سدى عصب وديباج وهي طويلة مختارة من شعره، يقول فيها يمدح السري:

أما السري فإني سـوف أمـدحـه                      ما المادح الذاكر الإحسان كالهاجي

ذاك الذي هو بعد اللـه أنـقـذنـي                      فلست أنساه إنقاذي وإخـراجـي

ليث يحجر إذا ما هـاجـه فـزع                      هاج إلـيه بـإلـجـام وإسـراج

لأحبونك مما أصطـفـي مـدحـا                      مصاحبات لعـمـار وحـجـاج

أسدى الصنيعة من بر ومن لطـف                      إلى قروع لباب الـمـلـك ولاج

كم من يد لك في الأقوام قد سلفـت                      عند امرئ ذي غنى أو عند محتاج

 

صفحة : 472

 

فأمر له بسبعمائة دينار في قضاء دينه، ومائة دينار يتجهز بها، ومائة دينار يعرض بها أهله، ومائة دينار إذا قدم على أهله.

قوله:  يعرض بها أهله  أي يهدي لهم بها هدية، والعراضة: الهدية. قال الفرزدق يهجو هشام بن عبد الملك:

كانت عراضتك التي عرضتنا                      يوم المدينة زكمة وسعـالا إنكاره شعرا له في بني خوفا من العباسيين: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني نوفل بن ميمون قال أخبرني أبو مالك محمد بن علي بن هرمة قال: قال ابن هرمة:

ومهما ألام على حبـهـم                      فإني أحب بني فاطـمة

بني بنت من جاء بالمحكما                      ت والدين والسنة القائمه فلقيه بعد ذلك رجل فسأله: من قائلها? فقال: من عض بظر أمه. فقال له ابنه: يا أبت، ألست قائلها? قال: بلى. قال: فلم شتمت نفسك? قال: أليس أن يعض المرء بظر أمه خيرا من يأخذه ابن قحطبة خبره مع رجل يتجر بعرض ابنتيه أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا جعفر بن مدرك الجعدي قال: جاء ابن هرمة إلى رجل كان بسوق النبط، معه زوجة وله بنتان كأنهما ظبيتان يقود عليهما، بمال فدفعه إليه، فكان يشتري لهم طعاما وشرابا. فأقام ابن هرمة مع ابنتيه حتى خف ذلك المال، وجاء قوم آخرون معهم مال؛ فأخبرهم بمكان ابن هرمة؛ فاستثقلوه وكرهوا أن يعلم بهم؛ فأمر ابنتيه، فقالتا له: يا أبا إسحاق، أما دريت ما الناس فيه? قال: وما هم فيه? قالتا: زلزل بالروضة، فتغافلهما. ثم جاء أبوهما متفازعا فقال: أي أبا إسحاق، ألا تفزع لما الناس فيه قال: وما هم فيه? قال زلزل بالروضة. قال: قد جاءكم الآن إنسان معه مال، وقد نفضت ما جئتكم به وثقلت عليه؛ فأردت إدخاله وإخراجي. أيزلزل بروضة من رياض الجنة ويترك منزلك وأنت تجمع فيه الرجال على ابنتيك والله لاعدت إليه وخرج من عنده.

وروى هذا الخبر عن الزبير بن هارون بن محمد الزيات فزاد عليه، قال: ثم خرج من عندهم. فأتى عبد الله بن حسن فقال: إني قد مدحتك فاستمع مني. قال: لا حاجة لي بذلك.، أنا أعطيك ما تريد ولا أسمع. قال: إذا أسقط ويكسد سوقي. فسمع منه وأمر له بمائتي دينار؛ فأخذها وعاد إلى الرجل، وقال: قد جئتك بما تنفقه كيف شئت. ولم يزل مقيما عنده حتى نفذت.

قصته مع محمد بن عبد العزيز قال الزبير: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال:

 

صفحة : 473

 

وافينا الحج في عام من الأعوام الخالية، فأصبحت بالسيالة، فإذا إبراهيم بن علي ابن هرمة يأتينا؛ فاستأذن على أخي محمد بن عبد العزيز فأذن له؛ فدخل عليه فقال: يا أبا عبد الله، ألا أخبرك ببعض ما تستظرف? قال: بلى، وربما فعلت يا أبا إسحاق. قال: فإنه أصبح عندنا ها هنا منذ أيام محمد بن عمران وإسماعيل بن عبد الله بن جبير، وأصبح عمران بجملين له ظالعين، فإذا رسوله يأتيني أن أجب؛ فخرجت حتى أتيته، فأخبرني بظلع جمليه، وقال لي: أردت أن أبعث إلى ناضحين لي بعمق لعلي أوتي بهما إلى ها هنا لأمضي عليهما، ويصير هذان الظالعان إلى مكانهما. ففرغ لنا دارك واشتر لنا علفا واستلنه بجهدك؛ فإنا مقيمون ها هنا حتى تأتينا جمالنا. فقلت: في الرحب والقرب، والدار فارغة، وزوجته طالق إن اشتريت عود علف، عندي حاجتك منه. فأنزلته ودخلت السوق، فما أبقيت فيه شيئا من رسل ولا جداء ولا طرفة ولا غير ذلك إلا ابتعت منه فاخره، وبعثت به إليه مع الدجاج كان عندنا. قال: فبينا أنا أدور في السوق إذ وقف علي عبد لإسماعيل بن عبد الله يساومني بحمل علف لي. فلم أزل أنا وهو حتى أخذه مني بعشرة دراهم، وذهب به فطرحه لظهره. وخرجت عند الرواح أتقاضى العبد ثمن حملي، فإذا هو لإسماعيل بن عبد الله ولم أكن دريت. فلما رآني مولاه حياني ورحب بي، وقال: هل من حاجة يا أبا إسحاق. فأعلمه العبد أن العلف لي. فأجلسني فتغديت عنده، ثم أمر لي مكان كل درهم منها بدينار، وكانت معه زوجته فاطمة بنت عباد، فبعثت إلي بخمسة دنانير. قال: وراحوا، وخرجت بالدنانير ففرقتها على غرمائي، وقلت: عند ابن عمران عوض منها. قال: فأقام عندي ثلاثا، وأتاه جملاه، فما فعل لي شيئا. فبينا هو يترحل وفي نفسه مني ما لا أدري به، إذ كلم غلاما له بشيء فلم يفهم. فأقبل علي فقال: ما أقدر على إفهامه مع قعودك عندي، قد والله آذيتني ومنعتني ما أردت. فقمت مغتما بالذي قال؛ حتى إذا كنت على باب الدار لقيني إنسان فسألني: هل فعل إليك شيئا? فقلت: أنا والله بخير إذ تلف مالي وربحت بدني. قال: وطلع علي وأنا أقولها، فشتمني والله يا أبا عبد الله حتى ما أبقى لي، وزعم أنه لو لا إحرامه لضربني؛ وراح وما أعطاني ردهما. فقلت:

يا من يعين على ضيف ألم بـنـا                      ليس بذي كـرم يرجـى ولا دين

أقام عندي ثلاثا سـنة سـلـفـت                      أغضيت منها على الأقذاء والهون

مسافة البيت عشر غير مشـكـلة                      وأنت تأتيه في شهر وعـشـرين

لست تبالي فوات الحج إن نصبت                      ذات الكلال وأسمنت ابن حرقين

تحدث الناس عما فيك مـن كـرم                      هيهات ذاك لضيفان المسـاكـين

أصبحت تخزن ما تحوي وتجمعه                      أبا سليمان مـن أشـلاء قـارون

مثل ابن عمران أباء له سلـفـوا                      يجزون فعل ذوي الإحسان بالدون

أن تكون كإسـمـاعـيل إن لـه                      رأيا أصيلا وفعلا غير ممـنـون

أو مثل زوجته فيمـا ألـم بـهـا                      هيهات من أمها ذات النطـاقـين فلما أنشدها قال له محمد بن عبد العزيز: نحن نعينك يا أبا إسحاق؛ لقوله:  يا من يعين  . قال: قد رفعك الله عن العون الذي أريده، ما أردت إلا رجلا مثل عبد الله بن خنزيرة وطلحة أطباء الكلبة يمسكونه لي وآخذ خوط سلم فأوجع به خواصره وجواعره. قال: ولما بلغ في إنشاده إلى قوله:

مثل ابن عمران أباء له سلفوا

 

صفحة : 474

 

أقبل علي فقال: عذرا إلى الله تعالى وإليكم إني لم أعن من آبائه طلحة بن عبيد الله. قال: ونزل إليه إسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان عندنا، فلم يكلمه حتى ضرب أنفه، وقال له: فعنيت من آبائه أبا سليمان محمد بن طلحة يا دعي قال: فدخلنا بينهما. وجاء رسول محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى ابن هرمة يدعوه، فذهب إليه. فقال له: ما الذي بلغني من هجائك أبا سليمان والله لا أرضى حتى تحلف ألا تقول له أبدا إلا خيرا، وحتى تلقاه فترضاه إذا رجع، وتحتمل كل ما أنزل إليك وتمدحه. قال: أفعل، بالحب والكرامة. قال: وإسماعيل بن جعفر لا تعرض له إلا بخير؛ قال نعم. قال: فأخذ عليه الأيمان فيهما وأعطاه ثلاثين دينارا، وأعطاه محمد بن عبد العزيز مثلها. قال: واندفع ابن هرمة يمدح محمد بن عمران:

ألم تر أن القول يخلص صدقـه                      وتأبى فما تزكو لباغ بواطـلـه

ذممت امرأ لم يطبع الذم عرضه                      قليلا لدى تحصيله من يشاكلـه

فما بالحجاز من فتى ذي إمـارة                      ولا شرف إلا ابن عمران فاضله

فتى لا يطور الذم ساحة بـيتـه                      وتشقى به ليل التمام عـواذلـه خبره مع ابن عمران أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا أحمد بن عمر الزهري قال حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن جعفر المسوري قال: مدح إبراهيم بن هرمة محمد بن عمران الطلحي، فألقاه راويته وقد جاءته عير له تحمل غلة قد جاءته من الفرع أو خيبر. فقال له رجل كان عنده: أعلم والله أن أبا ثابت بن عمران بن عبد العزيز أغراه بك وأنا حاضر عنده وأخيره بعيرك هذه. فقال: إنما أراد أبو ثابت أن يعرضني للسانه، قودوا إليه القطار، فقيد إليه.

خبره مع عمر بن القاسم أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد عن عبد الله بن عمر بن القاسم قال: جاء أبي تمر من صدقة عمر؛ فجاءه ابن هرمة فقال: أمتع الله بك أعطني من هذا التمر. قال: يا أبا إسحاق لولا أني أخاف أن تعمل منه نبيذا لأعطيتك. قال: فإذا علمت أني عملت منه نبيذا لا تعطيني. قال: فخافه فأعطاه. فلقيه بعد ذلك؛ فقال له: ما في الدنيا أجود نبيذ يجيء من صدقة عمر؛ فأخجله.

سمع جرير شعره فمدحه أخبرنا الحرمي قال أخبرنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: قدم جرير المدينة، فأتاه ابن هرمة وابن أذينة فأنشداه؛ فقال جرير: القرشي أشعرهما، والعربي أفصحهما.

مدحه المطلب بن عبد الله وهوغلام أخبرنا يحيى بن علي إجازة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني عبد الله بن محمد: أن ابن هرمة قال يمدح أبا الحكم المطلب بن عبد الله:

لما رأيت الحادثات كنـفـنـنـي                      وأورثنني بؤسى ذكرت أبا الحكم

سليل ملوك سبعة قد تتـابـعـوا                      هم المصطفون والمصفون بالكرم فلاموه وقالوا: أتمدح غلاما حديث السن بمثل هذا قال نعم وكانت له ابنة يلقبها  عيينة  - وقال الزبير: كان يلقبها  عينة  - فقال:

كانت عيينة فينا وهي عاطـلة                      بين الجواري فحلاها أبو الحكم

فمن لحانا على حسن المقال له                      كان المليم وكنا نحن لم نـلـم شكايته لعبد العزيز بن المطلب قال يحيى وحدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري عن نوفل بن ميمون قال: أرسل ابن هرمة إلى عبد العزيز بن المطلب بكتاب يشكو فيه بعض حاله؛ فبعث إليه بخمسة عشر دينارا. فمكث شهرا ثم بعث يطلب منه شيئا آخر بعد ذلك؛ فقال: أنا والله ما نقوى على ما كان يقوى عليه الحكم بن المطلب. وكان عبد العزيز قد خطب امرأة من ولد عمر فردته، فخطب امرأة من بني عامر بن لؤي فزوجوه. فقال ابن هرمة:

خطبت إلى كعب فردوك صاغرا                      فحولت من كعب إلى جذم عامر

وفي عامر عـز قـديم وإنـمـا                      أجازك فيهم هزل أهل المقابـر وقال فيه أيضا:

أبا البخل تطلب ما قدمـت                      عرانين جادت بأموالـهـا

هيهات خالفت فعل الكرام                      خلاف الجمال بأبوالـهـا خبره مع امرأة تزوجها

 

صفحة : 475

 

وقال هارون بن محمد حدثني مغيرة بن محمد قال حدثني أبو محمد السهمي قال حدثني أبو كاسب قال: تزوج ابن هرمة بامرأة؛ فقالت له: أعطني شيئا؛ فقال: والله ما معي إلا نعلاي، فدفعهما إليها، ومضى معها فتوركها مرارا. فقالت له: أجفيتني؛ فقال لها: الذي أحفى صاحبه منا يعض بظر أمه.

جود الحكم بن المطلب أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني المسيبي أحمد بن إسحاق قال حدثني إبراهيم بن سكرة جار أبي ضمرة قال: جلس ابن هرمة مع قوم على شراب، فذكر الحكم بن المطلب فأطنب في مدحه. فقالوا له: إنك لتكثر ذكر رجل لو طرقته الساعة في شاة يقال لها  غراء  تسأله إياها لردك عنها. فقال: أهو يفعل هذا? قالوا: إي والله. وكانوا قد عرفوا أن الحكم بها معجب، وكان في داره سبعون شاة تحلب. فخرج وفي رأسه ما فيه، فدق الباب فخرج إليه غلامه. فقال له: أعلم أبا مروان بمكاني - وقد كان أمر ألا يحجب إبراهيم بن هرمة عنه - فأعلمه به، فخرج إليه متشحا فقال: أفي مثل هذه الساعة يا أبا إسحاق فقال: نعم جعلت فداك، ولد لأخ لي مولود فلم تدر عليه أمه، فطلبوا له شاة حلوبة فلم يجدوها، فذكروا لها شاة عندك يقال لها  غراء  ، فسألني أن أسألكها. فقال: أتجيء في هذه الساعة ثم تنصرف بشاة واحدة والله لا تبقى في الدار شاة إلا انصرفت بها، سقهن معه يا غلام، فساقهن. فخرج بهن إلى القوم، فقالوا: ويحك أي شيء صنعت فقص عليهم القصة. قال: وكان فيهن والله ما ثمنه عشرة دنانير وأكثر من عشرة.

لما سمع بقتل الوليد أنشد قال هارون وحدثني حماد بن إسحاق قال ذكر أبي عن أيوب بن عباية عن عمر بن أيوب الليثي قال: شرب ابن هرمة عندنا يوما فسكر فنام. فلما حضرت الصلاة تحرك أو حركته. فقال لي وهو يتوضأ: ما كان حديثكم اليوم? قلت يزعمون أن الوليد قتل؛ فرفع رأسه إلي وقال:

وكانت أمور الناس منبتة القوى                      فشد الوليد حين قام نظامـهـا

خليفة حق لا خلـيفة بـاطـل                      رمى عن قناة الدين حتى أقامها ثم قال لي: إياك أن تذكر من هذا شيئا؛ فإني لا أدري ما يكون.

قول ابن الأعرابي ختم الشعراء بابن هرمة أخبرني علي بن سليمان النحوي قال حدثنا أبو العباس الأحول عن ابن الأعرابي: أنه كان يقول: ختم الشعراء بابن هرمة.

خبر سكره أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أحمد بن يحيى البلاذري: أن ابن هرمة كان مغرما بالنبيذ، فمر على جيرانه وهو شديد السكر حتى دخل منزله. فلما كان من الغد دخلوا عليه فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها؛ فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي:

أسأل الله سكرة قبل موتي                      وصياح الصبيان يا سكران قال: فنفضوا ثيابهم وخرجوا، وقالوا: ليس يفلح والله هذا أبدا.

لم يحمل جنازته إلا أربعة نفر

وكان ذلك مصداقا لشعر له: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: أنشدني عمي لابن هرمة:

ما أظن الزمان يا أم عمر                      تاركا إن هلكت من يبكيني قال فكان والله كذلك؛ لقد مات فأخبرني من رأى جنازته ما يحملها إلا أربعة نفر، حتى دفن بالبقيع.

مولده سنة 90

قال يحيى بن علي - أراه عن البلاذري -: ولد ابن هرمة سنة تسعين، وأنشد أبا جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة قصيدته التي يقول فيها:

إن الغواني قد أعرضن مقـلـية                      لما رمى هدف الخمسين ميلادي قال: ثم عمر بعدها مدة طويلة.

 

ذكر أخبار يونس الكاتب

نسب يونس الكاتب ومنشؤه

ومن أخذ عنهم، وهو أول من دون الغناء:

هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار، ولد من هرمز. وقيل: إنه مولى لعمرو بن الزبير. ومنشؤه ومنزله بالمدينة. وكان أبوه فقيها، فأسلمه في الديوان فكان من كتابه. وأخذ الغناء عن معبد وابن سريج وابن محرز والغريض، وكان أكثر روايته عن معبد؛ ولم يكن في أصحاب معبد أحذق ولا أقوم بما أخذ عنه منه. وله غناء حسن، وصنعة كثيرة، وشعر جيد. وكتابه في الأغاني ونسبها إلى من غنى فيها هو الأصل الذي يعمل عليه ويرجع إليه. وهو أول من دون الغناء.

 

 

صفحة : 476

 

شعر مسعود بن خالد في مدحه

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال أنشدني مسعود بن خالد المورياني لنفسه في يونس:

يا يونس الكاتب يا يونـس                      طاب لنا اليوم بك المجلس

إن المغنـين إذا مـا هـم                      جاروك أخنى بهم المقبس

تنشر ديباجا وأشـبـاهـه                      وهم إذا ما نشروا كربسوا  خبره مع بعض الفتيان في وادي دومة

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: ذكر إبراهيم بن قدامة الجمحي قال: اجتمع فتيان من فتيان أهل المدينة فيهم يونس الكاتب وجماعة ممن يغني، فخرجوا إلى واد يقال له دومة من بطن العقيق، في أصحاب لهم فتغنوا، واجتمع إليهم نساء أهل الوادي - قال بعض من كان معهم: فرأيت حولنا مثل مراح الضأن -وأقبل محمد بن عائشة ومعه صاحب له؛ فلما رأى جماعة النساء عندهم حسدهم، فالتفت إلى صاحبه فقال: أما والله لأفرقن هذه الجماعة فأتى قصرا من قصور العقيق، فعلا سطحه وألقى رداءه واتكأ عليه وتغنى:  صوت

 

هذا مقـام مـطـرد                      هدمت منازله ودوره

رقى عليه عـداتـه                      ظلما فعاقبه أمـيره - الغناء لابن عائشة رمل بالوسطى، والشعر لعبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب، وقيل: إنه لعبد الله بن أبي كثير مولى بني مخزوم - قال: فوالله ما قضى صوته حتى ما بقيت امرأة منهن إلا جلست تحت القصر الذي هو عليه وتفرق عامة أصحابهم. فقال يونس وأصحابه: هذا عمل ابن عائشة وحسده.

صاحب الشعر الذي تغنى به ابن عائشة أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى عن أبيه قال: تزوج عبد الله بن أبي كثير مولى بني مخزوم بالعراق في ولاية مصعب بن الزبير امرأة من بني عبد بن بغيض بن عامر بن لؤي، ففرق مصعب بينهما. فخرج حتى قدم على عبد الله بن الزبير بمكة فقال:

هذا مـقـام مــطـــرد                      هدمت مـنـازلـه ودوره

رقـت عـلـيه عـداتــه                      كذبا فـعـاقـبـه أمـيره

في أن شربـت بـجـم مـا                      وكـان حـلا لـي غـديره

فلقد قطعت الـخـرق بـع                      د الخرق معتسفـا أسـيره

حتـى أتـيت خـلــيفة ال                      رحمن ممـهـودا سـريره

حييتـه بــتـــحـــية                      في مجلس حضرت صقوره فكتب عبد الله بن مصعب: أن ازدد عليه امرأته؛ فإني لا أرحم ما أحل الله عز وجل؛ فردها عليه. هذه رواية عمر بن شبة.

وأخبرني الحسن بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني عن سحيم بن حفص: أن المتزوج بهذه المرأة عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب، وأن المفرق. بينهما الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الذي يقال له القباع؛ وذكر باقي الخبر مثل الأول.

مع الوليد بن يزيد في الشام

أخبرني عمي قال حدثني طلحة بن عبد الله الطلحي قال حدثني أحمد بن الهيثم قال: خرج يونس الكاتب من المدينة إلى الشام في تجارة؛ فبلغ الوليد بن يزيد مكانه؛ فلم يشعر يونس إلا برسله قد دخلوا عليه الخان، فقالوا له: أجب الأمير - والوليد إذ ذاك أمير - قال: فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير، لا أدري من هو، إلا أنه من أحسن الناس وجها وأنبلهم، فسلمت عليه، فأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجواري؛ فكنا يومنا وليلتنا في أمر عجيب. وغنيته فأعجب بغنائي إلى أن غنيته:

إن يعش مصعب فنحن بخير                      قد أتانا من عيشنا ما نرجي ثم تنبهت فقطعت الصوت. فقال: ما لك? فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب. فضحك وقال: إن مصعبا قد مضى وانقطع أثره ولا عداوة بيني وبينه، وإنما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنيته. فلم يزل يستعيدنيه حتى أصبح، فشرب مصطبحا وهو يستعيدني هذا الصوت ما يتجاوزه حتى مضت ثلاثة أيام. ثم قلت له: جعلني الله فداء الأمير أنا رجل تاجر خرجت مع تجار وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي. فقال لي: أنت تغدو غدا؛ وشرب باقي ليلته، وأمر لي بثلاثة آلاف دينار فحملت إلي، وغدوت إلى أصحابي. فلما خرجت من عنده سألت عنه، فقيل لي: هذا الأمير الوليد بن يزيد ولي عهد أمير المؤمنين هشام. فلما استخلف بعث إلي فأتيته، فلم أزل معه حتى قتل.

 

 

صفحة : 477

 

صوت من المائة المختارة

أصواته المعروفة بالزبائب

أقصدت زينب قلبي بعـد مـا                      ذهب الباطل عني والـغـزل

وعلا المفرق شـيب شـامـل                      واضح في الرأس مني واشتعل الشعر لابن رهيمة المدني. والغناء في اللحن المختار لعمر الوادي ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيه ليونس الكاتب لحنان: أحدهما خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر رمل بالسبابة في مجرى البنصر عنه أيضا. وفيه رملان بالوسطى والبنصر: أحدهما لابن المكي، والآخر لحكم، وقيل: إنه لإسحاق من رواية الهشامي. ولحن يونس في هذا الشعر من أصواته المعروفة بالزيانب، والشعر فيها كلها لابن رهيمة في زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وهي سبعة: أحدها قد مضى. والآخر: <H6 صوت</H6

أقصدت زينب قلبي                      وسبت عقلي ولبي

تركتني مستهامـا                      أستغيث الله ربـي

ليس لي ذنب إليها                      فتجازيني بذنبـي

ولها عندي ذنـوب                      في تنائيها وقربي غناه يونس رملا بالبنصر. وفيه لحكم هزج خفيف بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها: <H6 صوت</H6

وجد الفؤاد بـزينـبـا                      وجدا شديدا متعـبـا

أصبحت من وجدي بها                      أدعى سقيما مسهبـا

وجعلت زينب ستـرة                      وأتيت أمرا معجـبـا غناه يونس ثقيلا أول مطلقا في مجرى البنصر عن عمرو وإسحاق، وهو مما يشك فيه من غناء يونس. ولعلية بنت المهدي فيه ثقيل أول آخر لا يشك فيه أنه لها، كنت فيها رشأ الخادم - وذكر أحمد بن عبيد أن فيه من الغناء لحنين هما جميعا من الثقيل الأول ليونس - ومن لا يعلم يزعم أن الشعر لها.

<H6 صوت</H6

إنما زينب الـمـنـى                      وهي الهم والـهـوى

ذات دل تضني الصحي                      ح وتبري من الجوى

لا يغـرنـك أن دعـو                      ت فؤادي فما التـوى

واحذري هجرة الحبي                      ب إذا مـل وانـزوى غناه يونس رملا بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها: <H6 صوت</H6

إنمـا زينـب هـمـي                      بأبـي تـلـك وأمـي

بأبـي زينـــب لا أك                      ني ولكنـي أسـمـي

بأبي زينـب مـن قـا                      ض قضى عمدا بظلمي

بأبي مـن لـيس فـي                      قلبـه قـيراط رحـم غناه يونس رملا بالبنصر عن عمرو، وله فيه لحن آخر.

ومنها: <H6 صوت</H6

يا زينب الحسناء يا زينـب                      يا أكرم الناس إذا تنـسـب

تقيك نفسي حادثات الـردى                      والأم تفديك مـعـا والأب

هل لك في ود امرئ صادق                      لا يمذق الـود ولا يكـذب

لا يبتغي في وده محـرمـا                      هيهات منك العمل الأريب غناه يونس ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

ومنها: <H6 صوت</H6

فليت الذي يلحى على زينب المنى                      تعلقه ممـا لـقـيت عـشـير

فحسبي له بالعشر مما لـقـيتـه                      وذلك فيمـا قـد تـراه يسـير غناه يونس ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن الهشامي.

<H6 هذه سبعة أصوات قد مضت وهي المعروفة بالزيانب </H6 ومن الناس من يجعلها ثمانية، ويزيد فيها لحن يونس في:

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب وليس هذا منها؛ وإن كان ليونس لحنه، فإن شعره لحجية بن المضرب الكندي، وقد كتب في موضع آخر؛ وإنما الزيانب في شعر ابن رهيمة. ومنهم من يعدها تسعة ويضيف إليها:

قولا لـزينـب لـو رأي                      ت تشوقي لك واشترافي وهذا اللحن لحكم. والشعر لمحمد بن أبي العباس السفاح في زينب بنت سليمان بن علي، وقد كتب في موضع آخر.

انقضت أخبار يونس الكاتب.

 

أخبار ابن رهيمة

تشبيبه بزينب بنت عكرمة

أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق قال:

 

صفحة : 478

 

كان ابن رهيمة يشبب بزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ويغني يونس بشعره، فافتضحت بذلك. فاستدعى عليه أخوها هشام بن عبد الملك، فأمر بضربه خمسمائة سوط، وأن يباح دمه إن وجد قد عاد لذكرها، وأن يفعل ذلك بكل من غنى في شيء من شعره. فهرب هو ويونس فلم يقدر عليهما. فلما ولي الوليد بن يزيد ظهرا. وقال ابن رهيمة:

لئن كنت أطردتني ظالمـا                      لقد كشف الله ما أرهـب

ولو نلت مني ما تشتـهـي                      لقل إذا رضـيت زينـب

وما شئت فاصنعه بي بعد ذا                      فحبي لزينـب لا يذهـب وفي الأصوات المعروفة بالزيانب يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقي:

أحـب مـن الـغـنــاء خـــفـــي                      فه إن فـاتــنـــي الـــهـــزج

وأشـنـأ  ضـوء بـــرق  مـــث                      ل مـا أشـنـا  عـفـــا مـــزج

وأبغض  يوم تنأى و  الزيانب  كلها سمج

ويعجببي لإبراه                      يم والأوتـار تـــخـــتـــلـــج

أدير مـــدامة صـــرفــــــا                      كأن صـــبـــيبـــهـــا ودج  يعني أبان لحن إبراهيم. والشعر لأبان أيضا، وهو:  صوت

 

أدير مدامة صرفا                      كأن صبيبها ودج

فظل تخاله ملكـا                      يصرفها وتمتزج الشعر لأبان، والغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضا.

 

ومما في غناء يونس من المائة المختارة

المذكورة في هذا الكتاب:

صوت من المائة المختارة

 

ألا يا لقومي للرقاد المـسـهـد                      وللماء ممنوعا من الحائم الصدي

وللحال بعد الحال يركبها الفتـى                      وللحب بعد السلوة المـتـمـرد الشعر لإسماعيل بن يسار النسائي من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان؛ وذكر يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق: أنها للغول بن عبد الله بن صيفي الطائي. والصحيح أنها لإسماعيل. وأنا أذكر خبره مع عبد الملك بن مروان ومدحه إياه بها ليعلم صحة ذلك. والغناء ليونس، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول مطلق في مجرى البنصر. وتمام هذه الأبيات:

وللمرء لا عمن يحب بمرعو                      ولا لسبيل الرشد يوما بمهتدى

وقد قال أقوام وهم يعذلـونـه                      لقد طال تعذيب الفؤاد المصيد

أخبار إسماعيل بن يسار ونسبه

خبره مع آل الزبير وعبد الملك

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان إسماعيل بن يسار النسائي مولى بني تيم بن مرة: تيم قريش، وكان منقطعا إلى آل الزبير. فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان، وفد إليه مع عروة بن الزبير، ومدحه ومدح الخلفاء من ولده بعده. وعاش عمرا طويلا إلى أن أدرك آخر سلطان بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية. وكان طيبا مليحا مندرا بطالا، مليح الشعر، وكان كالمنقطع إلى عروة بن الزبير، وإنما سمي إسماعيل بن يسار النسائي، لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه، فيشتريه منه من أراد التعريس من المتجملين وممن لم تبلغ حاله اصطناع ذلك.

سبب تلقيبه بالنسائي

وأخبرني الأسدي قال حدثنا أبو الحسن محمد بن صالح بن النطاح قال: إنما سمي إسماعيل بن يسار النسائي لأن كان يبيع النجد والفرش التي تتخذ للعرائس؛ فقيل له إسماعيل بن يسار النسائي.

وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد عن ابن عائشة: أن إسماعيل بن يسار النسائي إنما لقب بذلك لأن أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحا أبدا؛ فمن طرقه وجده عنده معدا.

نادرة له مع عروة أثناء سفرهما

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثني الزبير بن بكار قال قال مصعب بن عثمان: لما خرج عروة بن الزبير إلى الشأم يريد الوليد بن عبد الملك، أخرج معه إسماعيل بن يسار النسائي، وكان منقطعا إلى آل الزبير، فعادله. فقال عروة ليلة من الليالي لبعض غلمانه: انظر كيف ترى المحمل? قال: أراه معتدلا. قال إسماعيل: الله أكبر، ما اعتدل الحق والباطل قبل الليلة قط؛ فضحك عروة، وكان يستخف إسماعيل ويستطيبه.

تساب هو وآخر يكنى أبا قيس

 

 

صفحة : 479

 

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن أيوب عن عباية المخزومي: أن إسماعيل بن يسار كان ينزل في موضع يقال له حديلة وكان له جلساء يتحدثون عنده، ففقدهم أياما، وسأل عنهم فقيل: هم عند رجل يتحدثون إليه طيب الحديث حلو ظريف قدم عليهم يسمى محمدا ويكنى أبا قيس. فجاء إسماعيل فوقف عليهم، فسمع الرجل القوم يقولون: قد جاء صديقنا إسماعيل بن يسار؛ فأقبل عليه فقال له: أنت إسماعيل? قال نعم. قال: رحم الله أبويك فإنهما سمياك باسم صادق الوعد وأنت أكذب الناس. فقال له: إسماعيل: ما اسمك? قال: محمد. قال: أبو من? قال: أبو قيس. قال: لا ولكن لا رحم الله أبويك؛ فإنهما سمياك باسم نبي وكنياك بكنية قرد. فأفحم الرجل وضحك القوم، ولم يعد إلى مجالستهم، فعادوا إلى مجالسة إسماعيل.

خبره مع الغمر بن يزيد

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني عن نمير العذري قال: استأذن إسماعيل بن يسار النسائي على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما، فحجبه ساعة ثم أذن له، فدخل يبكي. فقال له الغمر: ما لك يا أبا فائد تبكي? قال: وكيف لا أبكي وأنا على مروانيتي ومروانية أبي أحجب عنك فجعل الغمر يعتذر إليه ويبكي؛ فما سكت حتى وصله الغمر بجملة لها قدر. وخرج من عنده، فلحقه رجل فقال له: أخبرني ويلك يا إسماعيل، أي مروانية كانت لك أو لأبيك? قال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لاإله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقربا بذلك إلى الله تعالى وإبدالا له من التوحيد وإقامة له مقامه.

شعره الذي يفخر به بالعجم على العرب

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني مصعب قال: قال إسماعيل بن يسار النسائي قصيدته التي أولها:

ما على رسم منزل بـالـجـنـاب                      لو أبان الغـداة رجـع الـجـواب

غيرته الـصـبـا وكـل مـلـث                      دائم الودق مكفهـر الـسـحـاب

دار هند وهل زمـانـي بـهـنـد                      عائد بالهوى وصفـو الـجـنـاب

كالذي كان والصـفـاء مـصـون                      لم تشبه بـهـجـرة واجـتـنـاب

ذاك منها إذ أنت كالغصـن غـض                      وهي رؤد كدمـية الـمـحـراب

غادة تستبي الـعـقـول بـعـذب                      طيب الـطـعـم بـارد الأنـياب

وأثـيث مـن فـوق لـون نـقـي                      كبياض اللـجـين فـي الـزرياب

فأقل الـمـلام فـيهـا وأقـصـر                      لج قلبي مـن لـوعة واكـتـئاب

صاح أبصرت أو سمـعـت بـراع                      رد في الضرع ما قرى من العلاب

انقضت شرتي وأقصر جـهـلـي                      واستراحت عواذلي من عـتـابـي وقال فيها يفخر على العرب بالعجم:

رب خـال مـتـوج لـي وعـم                      ماجد مجتدى كريم الـنـصـاب

إنما سمي الفـوارس بـالـفـر                      س مضاهاة رفـعة الأنـسـاب

فاتركي الفخر يا أمـام عـلـينـا                      واتركي الجور وانطقي بالصواب

واسألي إن جهلت عنا وعـنـكـم                      كيف كنا في سالف الأحـقـاب

إذ نربـي بـنـاتـنـا وتـدسـو                      ن سفاها بناتكم فـي الـتـراب فقال رجل من آل كثير بن الصلت: إن حاجتنا إلى بناتنا غير حاجتكم؛ فأفحمه. يريد: أن العجم يربون بناتهم لينكحوهن، والعرب لا تفعل ذلك. وفي هذه الأبيات غناء، نسبته:

صاح أبصرت أو سمـعـت بـراع                      رد في الضرع ما قرى في العلاب

انقضت شرتي وأقصر جـهـلـي                      واستراحت عواذلي من عـتـابـي الشعر لإسماعيل بن يسار النسائي. والغناء لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أن فيه للغريض خفيف ثقيل بالبنصر، وذكر في نسخته الثانية أنه لابن سريج. وذكر الهشامي أن لحن ابن سريج رمل بالوسطى، وأن لحن الغريض ثقيل أول.

كان شعوبيا شديد التعصب للعجم وحدثني بهذا الخبر عمي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال:

 

صفحة : 480

 

إسماعيل بن يسار يكنى أبا فائدة، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضا، وهم من سبى فارس. وكان إسماعيل شعوبيا شديد التعصب للعجم، وله شعر كثير يفخر فيه بالأعاجم. قال: فأنشد يوما في مجلس فيه أشعب قوله:

إذ نربي بناتنـا وتـدسـو                      ن سفاها بناتكم في التراب فقال له أشعب: صدقت والله يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهن له. قال: وما ذاك? قال: دفن القوم بناتهم خوفا من العار، وربيتموهن لتنكحوهن. قال: فضحك القوم حتى استعربوا، وخجل إسماعيل حتى لو قدر أن يسيخ في الأرض لفعل.

خبره مع الوليد بن يزيد

أخبرني الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني أبو سلمة الغفاري قال أخبرنا أبو عاصم الأسلمي قال: بينا ابن يسار النسائي مع الوليد بن يزيد جالس على بركة، إذ أشار الوليد إلى مولى له يقال له عبد الصمد، فدفع ابن يسار النسائي في البركة بثيابه؛ فأمر به الوليد فأخرج. فقال ابن يسار:

قل لوالي العهـد إن لاقـيتـه                      وولى العهد أولى بالـرشـد

إنه والـلـه لـولا أنـت لـم                      ينج مني سالما عبد الصـمـد

إنه قـد رام مـنـي خـطة                      لم يرمها قبله مـنـي أحـد

فهو مما رام منـي كـالـذي                      يقنص الدراج من خيس الأسد فبعث إليه الوليد بخلعة سنية وصلة وترضاه. وقد روي هذا الخبر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في قصة أخرى، وذكر هذا الشعر له فيه.

خبره مع بعض الطالبيين

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي: حدثني مصعب بن عبد الله قال سمعت إبراهيم بن أبي عبد الله يقول: ركب فلان من ولد جعفر بن أبي طالب رحمه الله بإسماعيل بن يسار النسائي حتى أتى به قباء؛ فاستخرج الأحوص فقال له: أنشدني قولك:

ما ضر جيراننا إذ انتجعوا                      لو أنهم قبل بينهم ربعوا فأنشده القصيدة. فاعجب بها، ثم انصرف. فقال له إسماعيل بن يسار: أما جئت إلا لما أرى? قال لا قال: فاسمع، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

ما ضر أهلك لو تطوف عاشق                      بفناء بيتك أو ألم فـسـلـمـا فقال: والله لو كنت سمعت هذه القصيدة أو علمت أنك قلتها لما أتيته. وفي أبيات من هذا الشعور غناء نسبته:  صوت

 

يا هند ردي الوصل أن يتصرما                      وصلي امرأ كلفا بحبك مغرما

لو تبذلين لـنـا دلالـك مـرة                      لم نبغ منك سوى دلالك محرما

منع الزيارة أن أهلك كلـهـم                      أبدوا لزورك غلظة وتجهمـا

ما ضر أهلك لو تطوف عاشق                      بفناء بيتك أو ألم فـسـلـمـا الشعر لإسماعيل بن يسار النسائي. والغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه إبراهيم الموصلي رمل بالبنصر عن حبش.

سمع زبان السواق شعره فبكى

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: أنشد رجل زبان السواق قول إسماعيل بن يسار:

ما ضر أهلك لو تطوف عاشق                      بفناء بيتك أو ألم فـسـلـمـا فبكى زبان، ثم قال: لا شيء والله إلا الضجر وسوء الخلق وضيق الصدر، وجعل يبكي ويمسح عينيه.

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي صهر المبرد قال حدثني طلحة بن عبد الله بن إسحاق الطلحي قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني جعفر بن الحسين المهلبي قال: أنشدت زبان السواق قول إسماعيل بن يسار النسائي:  صوت

 

إن جملا وغن تبنيت منهـا                      نكبا عن مودتي وازورارا

شردت بادكارها النوم عني                      وأطير العزاء مني فطارا

ما على أهلها ولم تأت سوءا                      أن تحيا تحـية أو تـزارا

يوم أبدوا لي التجهم فـيهـا                      وحموها لجاجة وضـرارا فقال زبان: لا شيء وأبيهم إلا اللحز وقلة المعرفة وضيق العطن. فصاح عليه أبو المعافى وقال: فعلى من ذاك ويلك أعليك أو على أبيك أو أمك? فقال له زبان: إنما أتيت يا أبا المعافى من نفسك، لو كنت تفعل هذا ما اختلفت أنت وابنك. فوثب إليه أبو المعافى يرميه بالتراب ويقول له: ويحك يا سفيه تحسن الدياثة وزبان يسعى هربا منه.

 

 

صفحة : 481

 

الغناء في هذه الأبيات لابن مسجح خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن مكي وحماد، وذكر الهشامي وحبش أنه لابن محرز، وأن لحن ابن مسجح ثاني ثقيل.

طلبه الوليد بن يزيد من الحجاز

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال: غنى الوليد بن يزيد في شعر لإسماعيل بن يسار، وهو:

حتى إذا الصبح بدا ضوءه                      وغارت الجوزاء والمرزم

خرجت والوطء خفي كما                      ينساب من مكمنه الأرقـم فقال: من يقول هذا? قالوا: رجل من أهل الحجاز يقال له إسماعيل بن يسار النسائي؛ فكتب في إشخاصه إليه. فلما دخل عليه استنشده القصيدة التي هذان البيتان منها؛ فأنشده:

كلثم أنت الهـم يا كـلـثـم                      وأنتم دائي الـذي أكـتـم

أكاتم الناس هوى شفـنـي                      وبعض كتمان الهوى أحزم

قد لمتني ظلما بـلا ظـنة                      وأنت فيما بـينـنـا ألـوم

أبدي الذي تخفينه ظاهـرا                      أرتد عنـه فـيك أو أقـدم

إما بيأس منك أو مطـمـع                      يسدى بحسن الود أو يلحـم

لا تتركيني هكـذا مـيتـا                      لا أمنح الـود ولا أصـرم

أو في بما قلت ولا تندمـي                      إن الوفي القـول لا ينـدم

آية ما جئت علـى رقـبة                      بعد الكرى والحي قد نوموا

أخافت المشي حذار العـدا                      والليل داج حالك مظـلـم

ودون ما حاولت إذ زرتكـم                      أخوك والخال معا والعـم

وليس إلا الله لي صاحـب                      إليكم والصارم الـلـهـذم

حتى دخلت البيت فاستذرفت                      من شفق عيناك لي تسجـم

ثم انجلى الحزن وروعاتـه                      وغيب الكاشح والمـبـرم

فبت فيما شئت من نـعـمة                      يمنحنيها نحرهـا والـفـم

حتى إذا الصبح بدا ضـوءه                      وغارت الجوزاء والمرزم

خرجت والوطء خفي كمـا                      ينساب من مكمنه الأرقـم قال: فطرب الوليد حتى نزل عن فرشه وسريره، وأمر المغنين فغنوه الصوت وشرب عليه أقداحا، وأمر لإسماعيل بكسوة وجائزة سنية، وسرحه إلى المدينة.

نسبة هذا الصوت الشعر لإسماعيل بن يسار النسائي. والغناء لابن سريج رمل.

سمع شيخ قينة تغني بشعره

فألقى بنفسه في الفرات إعجابا به:

حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق الموصلي قال حدثنا محمد بن كناسة قال: اصطحب شيخ وشباب في سفينة بالكوفة؛ فقال بعض الشباب للشيخ: إن معنا قينة لنا، ونحن نجلك ونحب أن نسمع غناءها. قال: الله المستعان؛ فأنا أرقى على الأطلال وشأنكم. فغنت:

حتى إذا الصبح بدا ضوءه                      وغارت الجوزاء والمرزم

خرجت والوطء خفي كما                      ينساب من مكمنه الأرقـم قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفرات، وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم أنا الأرقم فأدركوه وقد كاد يغرق؛ فقالوا: ما صنعت بنفسك? فقال: إني والله اعلم من معاني الشعر ما لا تعلمون.

مدح عبد الله بن أنس فلم يكرمه فهجاه:

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبو مسلم المستملي عن المدائني قال: مدح إسماعيل بن يسار النسائي رجلا من أهل المدينة يقال له عبد الله بن أنس، وكان قد اتصل ببني مروان وأصاب منهم خيرا، وكان إسماعيل صديقا له؛ فرحل إلى دمشق إليه، فأنشده مديحا له ومت إليه بالجوار والصداقة؛ فلم يعطه شيئا. فقال يهجوه:

لعمرك ما إلى حسن رحلنا                      ولا زرنا حسينا يابن أنس يعني الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما.

 

ولا عبدا لعبدهما فنـحـظـى                      بحسن الحظ منهم غير بخس

ولكن ضب جـنـدلة أتـينـا                      مضبا في مكامنـه يفـسـي

فلمـا أن أتـينـاه وقـلـنـا                      بحاجـتـنـا تـلـون ورس

وأعرض غير منبلج لعـرف                      وظل مقرطبا ضرسا بضرس

فقلت لأهـلـه أبـه كـزاز                      وقلت لصاحبي أتراه يمسـي

فكان الغنم أن قمنا جـمـيعـا                      مخافة أن نزن بقتل نـفـس

 

صفحة : 482

 

رثاؤه لمحمد بن عروة:

حدثني عمي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله قال: وفد عروة بن الزبير إلى الوليد بن عبد الملك وأخرج معه إسماعيل بن يسار النسائي، فمات في تلك الوفادة محمد بن عروة بن الزبير، وكان مطلعا على دوب الوليد بن عبد الملك، فسقط من فوق السطح بينها. فجعلت ترمحه حتى قطعته، كان جميل الوجه جوادا. فقال إسماعيل بن يسار يرثيه:

صلى الإله على فتى فارقـتـه                      بالشأم في جدث الطوي الملحد

بوأتـه بــيدي دار إقـــامة                      نائي المحلة عن مزار العـود

وغبرت أعوله وقد أسلـمـتـه                      لصفا الأماعز والصفيح المسند

متخشعا للدهـر ألـبـس حـلة                      في النائبات بحسرة وتـجـلـد

أعني ابن عروة إنه قد هدنـي                      فقد ابن عروة هدة لم تقـصـد

فإذا ذهبت إلى العزاء أرومـه                      ليرى المكاشخ بالعزاء تجلـدي

منع التعزي أننـي لـفـراقـه                      لبس العدو علي جلـد الأربـد

ونأى الصديق فلا صديق أعـده                      لدفاع نائبة الزمان المـفـسـد

فلئن تركتك يا محـمـد ثـاويا                      لبما تروح مع الكرام وتغتـدي

كان الذي يزع العدو بـدفـعـه                      ويرد النخوة ذي المراح الأصيد

فمضى لوجهته وكل معـمـر                      يوما سيدركه حمام المـوعـد  دخل على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ومدحه فأكرمه:

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه: أن إسماعيل بن يسار دخل على عبد الملك بن مروان لما أفضى إليه الأمر بعد مقتل عبد الله بن الزبير، فسلم ووقف موقف المنشد واستأذن في الإنشاد. فقال له عبد الملك: الآن يا بن يسار إنما أنت امرؤ زبيري، فبأي لسان تنشد? فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنا من ذلك، وقد صفحت عن أعظم جرما وأكثر غناء لأعدائك مني، وإنما أنا شاعر مضحك، فتبسم عبد الملك؛ وأومأ إليه الوليد بأن ينشد. فابتدأ فأنشد قوله:

ألا يا لقومي للرقاد الـمـسـهـد                      وللماء ممنوعا من الحائم الصـدي

وللحال بعد الحال يركبها الفـتـى                      وللحب بعد السلوة الـمـتـمـرد

وللمرء يلحى في التصابي وقبلـه                      صبا بالغواني كل قرم مـمـجـد

وكيف تناسي القلب سلمى وحبهـا                      كجمر غضى بين الشراسيف موقد حتى انتهى إلى قوله:

إليك إمام الناس من بطن يثـرب                      ونعم أخو ذي الحاجة المتعمـد

رحلنا لأن الجود منـك خـلـيقة                      وأنك لم يذمم جنابك مجـتـدي

ملكت فزدت الناس ما لم يزدهم                      إمام من المعروف غير المصرد

وقمت فلم تنقض قضاء خلـيفة                      ولكن بما ساروا من الفعل تقتدي

ولما وليت الملك ضاربت دونـه                      وأسندته لا تأتلي خير مـسـنـد

جعلت هشاما والـولـيد ذخـيرة                      وليين للعهد الوثيق الـمـؤكـد قال: فنظر إليهما عبد الملك متبسما، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر. فقطب سليمان ونظر إلى إسماعيل نظر مغضب. فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأول، وقد قلت بعده:

وأمضيت عزما في سليمان رشدا                      ومن يعتصم بالله مثلـك يرشـد فأمر له بألفي درهم صلة، وزاد في عطائه. وفرض له، وقال لولده: أعطوه؛ فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.

استنشده هشام بتن عبد الملك فافتخر ورمى به في بركة ماء ونفاه إلى الحجاز:

أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ذكر ابن النطاح عن أبي اليقظان: أن إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته وهو بالرصافة جالس على بركة له في قصره، فاستنشده وهو يرى أنه ينشده مديحا له؛ فأنشده قصيدته التي يفتخر بها بالعجم:

يا ربع رامة بالعلـياء مـن ريم                      هل ترجعن إذا حييت تسليمـي

ما بال حي غدت بزل المطي بهم                      تخدي لغربتهم سيرا بتـقـحـيم

كأنني يوم ساروا شارب سلبـت                      فؤاده قهوة من خـمـر داروم حتى انتهى إلى قوله:

 

صفحة : 483

 

 

إني وجدك ما عودي بـذي خـور                      عند الحفاظ ولا حوضي بمهـدوم

أصلي كريم ومجدي لا يقاس بـه                      ولي لسان كحد السيف مسـمـوم

أحمي به مجد أقوام ذوي حسـب                      من كل قوم بتاج الملك معـمـوم

جحاجـح سـادة بـلـج مـرازبة                      جرد عتاق مساميح مـطـاعـيم

من مثل كسرى وسأبور الجنود معا                      والهرمزان لفخر أو التـعـظـيم

أسد الكتائب يوم الروع إن زحفـوا                      وهم أذلوا ملوك التـرك والـروم

يمشون في حلق الماذي سـابـغة                      مشى الضراغمة الأسد اللهامـيم

هناك إن تسألي تبنـي بـأن لـنـا                      جرثومة قهرت عز الجـراثـيم قال: فغضب هشام وقال له: يا عاض بظر أمه أعلي تفخر وإياي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك غطوه في الماء فغطوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو بشر ونفاه من وقته، فأخرج عن الرصافة منفيا إلى الحجاز. قال: كان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم. فكان لا يزال مضروبا محروما مطرودا.

مدح الوليد والغمر ابني يزد فأكرماه:

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي خيثمة قال قال ابن النطاح وحدثني أبو اليقظان: أن إسماعيل بن يسار وفد على الوليد بن يزيد، وقد أسن وضعف، فتوسل إليه بأخيه الغمر ومدحه بقوله:

نأتك سليمى فالهوى متشاجـر                      وفي نأيها للقلب داء مخامـر

نأتك وهام القلب، نأيا بذكرهـا                      ولج كما لج الخليع المقـامـر

بواضحة الأقراب خفاقة الحشى                      برهرهة لا يجتويها المعاشـر يقول فيها يمدح الغمر بن يزيد:

إذا عدد الناس المـكـارم والـعـلا                      فلا يفخرن يوما على الغمر فاخـر

فما مر من يوم على الدهـر واحـد                      على الغمر إلا وهو في الناس غامر

تراهم خشوعا حين يبـدو مـهـابة                      كما خشعت يوما لكسرى الأسـاور

أغر بـطـاحـي كـأن جـبـينـه                      إذا ما بـدا بـدر إذا لاح بـاهـر

وقى عرضه بالمال فالـمـال جـنة                      له وأهان المال والعـرض وافـر

وفي سيبه للمـجـتـدين عـمـارة                      وفي سيفه للـدين عـز ونـاصـر

نماه إلى فرعي لؤي بـن غـالـب                      أبوه أبو العاصي وحرب وعـامـر

وخمسة آباء لـه قـد تـتـابـعـوا                      خلائف عدل ملكـهـم مـتـواتـر

بهاليل سبـاقـون فـي كـل غـاية                      إذا استبقت في المكرمات المعاشـر

هم خير من بين الحجون إلى الصفـا                      إلى حيث أفضت بالبطاح الحـزاور

وهم جمعوا هذا الأنام على الـهـدى                      وقد فرقت بين الأنام الـبـصـائر قال: فأعطاه الغمر ثلاثة آلاف درهم وأخذ له من أخيه الوليد ثلاثة آلاف درهم.

أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال: لما مات محمد بن يسار، وكانت وفاته قبل أخيه، دخل إسماعيل على هشام بن عروة، فجلس عنده وحدثه بمصيبته ووفاة أخيه، ثم أنشده يرثيه:

عيل العزاء وخانني صبـري                      لما نعى الناعي أبـا بـكـر

ورأيت ريب الدهر أفردنـي                      منه وأسلم للعدا ظـهـري

من طيب الأثواب مقـتـبـل                      حلو الشمائل ماجد غـمـر

فمضى لوجهـتـه وأدركـه                      قدر أنيح له مـن الـقـدر

وغبرت مالي من تـذكـره                      إلا الأسى وحرارة الصـدر

وجوى يعامدنـي وقـل لـه                      مني الجوى ومحاسن الذكر

لما هوت أيدي الرجـال بـه                      في قعر ذات جوانب غبـر

وعلمـت أنـي لـن ألاقـيه                      في الناس حتى ملتقى الحشر

كادت لفرقته وما ظلـمـت                      نفسي تموت على شفا القبر

ولعمر من حبس الهدي لـه                      بالأخشبين صبيحة النـحـر

لو كان نيل الخـلـد يدركـه                      بشر بطيب الخيم والنـجـر

لغبرت لا تخشى المنـون ولا                      أودى بنفسك حادث الدهـر

 

صفحة : 484

 

 

ولنعم مأوى المرمـلـين إذا                      قحطوا وأخلف صائب القطر

كم قلـت آونة وقـد ذرفـت                      عيني فماء شؤونها يجـري

أني وأي فتـى يكـون لـنـا                      شرواك عند تفاقـم الأمـر

لدفاع خصم ذي مـشـاغـبة                      ولعائل ترب أخـي فـقـر

ولقد علمت وإن ضمنت جوى                      مما أجن كواهج الـجـمـر

ما لامرىء دون المنية مـن                      نفق فيحـرزه ولا سـتـر قال: وكان بحضرة هشام رجل من آل الزبير، فقال له: أحسنت وأسرفت في القول، فلو قلت هذا في رجل من سادات قريش لكان كثيرا. فزجره هشام. وقال: بئس ما واجهت به جليسك؛ فشكره إسماعيل، وجزاه خيرا. فلما انصرف تناول هشام الرجل الزبيري وقال: ما أردت إلى رجل شاعر ملك قوله فصرف أحسنه إلى أخيه شاعرا من طبقة أخيه؛ وله أشعار كثيرة. ولم أجد خبرا فأذكره. ولكن له أشعار كثيرة يغنى فيها. منها قوله في قصيدة طويلة:  صوت

 

غشيت الدار بالسنـد                      دوين الشعب من أحد

عفت بعدي وغيرهـا                      تقادم سالـف الأبـد الغناء لحكم الوادي خفيف ثقيل عن الهشامي.

ولإسماعيل بن يسار ابن يقال له إبراهيم، شاعر أيضا، وهو القائل:

مضى الجهل عنك إلى طيتـه                      وآبك حلمك مـن غـيبـتـه

وأصبحت تعجب مـمـا رأي                      ت من نقض دهر ومن مرته وهي طويلة يفتخر فيها بالعجم كرهت الإطالة بذكرها.

انقضت أخباره.

 

صوت من المائة المختارة

 

كليب لعمري كان أكثر ناصرا                      وأيسر جرما منك ضرج بالدم

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة                      كحاشية البرد اليماني المنمنـم عروضه من الطويل. الشعر للنابغة الجعدي. والغناء للهذلي في اللحن المختار، وطريقته من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. ونذكر ها هنا سائر ما يغنى به في هذه الأبيات وغيرها من هذه القصيدة وننسبه إلى صانعه، ثم نأتي بعده بما يتبعه من أخباره. فمنها على الولاء سوى لحن الهذلي:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا                      وأيسر جرما منك ضرج بالدم

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة                      كحاشية البرد اليماني المسهـم

أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي                      إلى جانب الصمان فالمتثـلـم

أقامت به البردين ثم تـذكـرت                      منازلها بين الدخول فجـرثـم

ومسكنها بين الغروب إلى اللوى                      إلى شعب ترعى بهن فعيهـم

ليالي تصطاد الرجال بفـاحـم                      وأبيض كالإغريض لم يتثـلـم في البيت الأول والثاني لابن سريج ثقيل أول آخر بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيهما لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في الثالث والرابع والأول والثاني ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. ولإسحاق في الثالث والأول ثقيل أول بالوسطى، ذكر ذلك أبو العبيس والهشامي. وللغريض في الرابع ثم الأول خفيف ثقيل بالوسطى في رواية عمرو بن بانة. ولمعبد فيهما وفي الخامس والسادس خفيف ثقيل من رواية أحمد بن المكي. ولابن سريج في الخامس والسادس ثقيل أول بالبنصر من رواية علي بن يحيى المنجم، وذكر غيره أنه للغريض. ولإبراهيم فيه ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي، وذكر حبش أنه لمعبد. ولابن محرز في الأول والثاني والثالث والرابع هزج، ذكر ذلك أبو العبيس، وذكر قمري أنه لأبي عيسى بن المتوكل لا يشك فيه. وللدلال في الخامس والسادس ثاني ثقيل عن الهشامي، وذكر أبو العبيس أنه للهذلي. ولعبيد الله بن عبد الله بن طاهر في الرابع خفيف رمل. ولإسحاق في الثالث والرابع أيضا ما خوري.، ولمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى فيهما، وقيل: إنه لحنه الذي ذكرنا متقدما، وإنه ليس في هذا الشعر غيره. وذكر حبش أن في هذه الأبيات التي أولها:  كليب لعمري  خفيف رمل بالوسطى، وللهذلي خفيف ثقيل بالبنصر، وللدلال رمل؛ فذلك ثمانية عشر صوتا. وأخبرني محمد بن إبراهيم قريص أن له فيهما أعني الأول والثاني خفيفا بالوسطى.

 

الجزء الخامس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ذكر النابغة الجعدي

نسبه وكنيته

 

 

صفحة : 485

 

هو على ما ذكر أبو عمرو الشيباني والقحذمي، وهو الصحيح، حبان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس وقيل ابن عمرو بن عدس مكان وحوح ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. هذا النسب الذي عليه الناس اليوم مجتمعون.

وقد روى ابن الكلبي وأبو اليقظان وأبو عبيدة وغيرهم في ذلك روايات تخالف هذا، فمنها أن ابن الكلبي ذكر عن أبيه أن خصفه الذي يقول الناس إنه ابن قيس بن عيلان ليس كما قالوا، وأن عكرمة ابن قيس بن عيلان وخصفة أمه، وهي امرأة من أهل هجر. وقيل: بل هي حاضنته، وكان قيس بن عيلان قد مات، وعكرمة صغير فربته حتى كبر، وكان قومه يقولون: هذا عكرمة بن خصفة، فبقيت عليه، ومن لا يعلم يقول: عكرمة بن خصفة بن قيس، كما يقال خندف، وإنما هي امرأة وزوجها إلياس بن مضر. وقالوا في صعصعة بن معاوية: إن الناقمية بنت عامر بن مالك، وهو الناقم، سمي بذلك لأنه انتقم بلطمة لطمها، وهو ابن سعد بن جدان بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، كانت عند معاوية بن بكر بن هوازن فمات عنها أو طلقها وهي نسء، فتزوجها سعد بن زيد مناة بن تميم، فولدت على فراشه صعصعة بن معاوية، ثم ولدت هبيرة ونجدة وجنادة، فلما مات سعد اقتسم بنوه الميراث وأخرجوا صعصعة منه، وقالوا: أنت ابن معاوية بن بكر، فلما رأى ذلك أتى بني معاوية بن بكر فأقروا بنسبه ودفعوه عن الميراث، فلما رأى ذلك أتى سعد بن الظرب العدواني فشكا إليه ما لقي، فزوجه بنت أخيه عمرة بنت عامر بن الظرب، وأبوها عامر الذي يقال له: ذو الحلم، وعمرة ابنته هذه هي التي كانت تقرع له العصا إذا سها في الحكم، وله يقول الشاعر:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا                      وما علم الإنسان إلا لـيعـلـمـا قال: وكانت عمرة يوم زوجها عمها نسئا من ملك من ملوك اليمن يقال له: الغافق بن العاصي الأزدي، والملك يومئذ في الأزد، فولدت على فراش صعصعة عامر بن صعصعة، فسماه صعصعة عامرا بجده عامر بن الظرب. وقال في ذلك حبيب بن وائل بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن:

أزعمت أن الغافقي أبوكـم                      نسب لعمر أبيك غير مفنـد

وأبوكم ملك ينتف باسـتـه                      هلباء عافية كعرف الهدهد

جنحت عجوزكم إليه فردهما                      نسئا بعامركم ولـمـا يويد ويكنى النابغة أبا ليلى. وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وقال ابن الأعرابي: هو قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، ووافق ابن سلام في باقي نسبه. وهذا وهم ممن قال: إن اسمه قيس، وليس يشك في أنه كان له أخ يقال له وحوح بن قيس، وهو الذي قتله بنو أسد وخبره يذكر بعد هذا ليصدق نسب النابغة.

وأمه فاخرة بنت عمرو بن جابر بن شحنة الأسدي.

وإنما سمي النابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على القحذمي: قال الجعدي الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهرا ثم نبغ بعد في الشعر في الإسلام. أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن حبيب عن أبن الأعرابي قال: أقام النابغة الجعدي ثلاثين سنة لا يتكلم، ثم تكلم بالشعر قال القحذمي في رواية حماد عنه: كان الجعدي أسن من نابغة بني ذبيان.

قال ابن سلام في رواية أبي خليفة عنه: كان الجعدي النابغة قديما شاعرا طويلا مفلقا طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:

ومن يك سائلا عني فـإنـي                      من الفتيان أيام الـخـنـان

أتت مائة لعام ولـدت فـيه                      وعشر بعد ذاك وحجـتـان

فقد أبقت خطوب الدهر مني                      كما أبقت من السيف اليماني

 

صفحة : 486

 

قال وعمر بعد ذلك عمرا طويلا. سئل محمد بن حبيب عن أيام الخنان ما هي? فقال: وقعة لهم، فقال قائل منهم وقد لقوا عدوهم: خنوهم بالرماح، فسمي ذلك العام الخنان. ويدل على أنه أقدم من النابغة الذبياني أنه عمر مع المنذر بن المحرق قبل النعمان بن المنذر، وكان النابغة الذبياني مع النعمان بن المنذر وفي عصره، ولم يكن له قدم إلا أنه مات قبل الجعدي، ولم يدرك الإسلام. والجعدي الذي يقول:

تذكرت شيئا قد مضـى لـسـبـيلـه                      ومن عادة المحـزون أن يتـذكـرا

نداماي عند المنـذر بـن مـحـرق                      أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

كهول وفتـيان كـأن وجـوهـهـم                      دنانير مما شيف في أرض قيصـرا  طائفة من أخباره

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم عمن كان يأخذ العلم عنه ولم يسم إلي أحدا في هذا: أن النابغة عمر مائة وثمانين سنة، وهو القائل:

لبست أناسا فأفنيتـهـم                      وأفنيت بعد أناس أناسا

ثلاثة أهلبين أفنيتـهـم                      وكان الإله هو المستآسا وهي قصيدة طويلة، يقول فيها، وفيه غناء:

وكنت غلاما أقاسي الـحـرو                      ب يلقى المقاسون مني مراسا

فلما دنونا لجـرس الـنـبـا                      ح لم نعرف الحي إلا التماسا

أضاءت لنا النار وجـهـا أغ                      ر ملتبسا بالفؤاد التـبـاسـا غنى في هذه الثلاثة الأبيات فليح بن أبي العوراء خفيف ثقيل أول بالوسطى.

رجع الخبر إلى رواية عمر بن شبة: قال: وقال أيضا:

ألا زعمت بنو سعد بأني                      ألا كذبوا كبير السن فاني

أتت مائة لعام ولدت فـيه                      وعشر بعد ذاك وحجتان قال: وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أبياته التي يقول فيها:

ثلاثة أهلين أفنيتهم فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: كم لبثت مع كل أهل. قال: ستين سنة.

وأخبرني بعض أصحابنا

عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: أنشد رجل من العجم قول النابغة الجعدي:

لبست أناسا فأفنيتـهـم                      وأفنيت بعد أناس أناسا وفسر له، فقال: بدين شان بود، أي هذا رجل مشؤوم. وأما ابن قتيبة فإنه ذكر ما رواه لنا عنه إبراهيم بن محمد أنه عمر مائتين وعشرين سنة، ومات بأصبهان. وما ذاك بمنكر، لأنه قال لعمر رضي الله تعالى عنه: إنه أفنى ثلاثة قرون كل قرن ستون سنة، فهذه مائة وثمانون، ثم عمر بعده فمكث بعد قتل عمر خلافة عثمان وعلي ومعاوية ويزيد، وقدم على عبد الله بن الزبير بمكة وقد دعا لنفسه، فاستماحه ومدحه، وبين عبد الله بن الزبير وبين عمر، نحو مما ذكر ابن قتيبة، بل لا أشك أنه قد بلغ هذه السن وهاجى أوس بن مغراء بحضرة الأخطل والعجاج وكعب بن جعيل فغلبه أوس، وكان مغلبا.

حدثنا أحمد بن عمر بن موسى القطان المعروف بابن زنجويه قال

حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكري قال حدثنا يعلى بن الأشدق العقيلي قال حدثني نابغة بني جعدة قال: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر فأعجب به:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنـا                      وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا لم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  فأين المظهر يا أبا ليلى  ، فقلت: الجنة، فقال:  قل إن شاء الله  ، فقلت: إن شاء الله.

 

ولا خير في حلم إذا لم يكن له                      بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له                      حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  أجدت لا يفضض الله فاك  ، قال: فلقد رأيته وقد أتت عليه مائة سنة أو نحوها وما انفض من فيه سن.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال

أخبرني أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال: كان النابغة الجعدي ممن فكر في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وما يفعل بالعقل، وهجر الأزلام والأوثان، وقال في الجاهلية كلمته التي أولها:

الحمد لله لا شريك لـه                      من لم يقلها فنفسه ظلما وكان يذكر دين إبراهيم والحنيفية، ويصوم ويستغفر، ويتوقى أشياء لعواقبها. ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

 

صفحة : 487

 

 

أتيت رسول الله إذ جاء بالـهـدى                      ويتلو كتابا كالـمـجـرة نـيرا

وجاهدت حتى ما أحس ومن معي                      سهيلا إذا ما لاح ثمـت غـورا

أقيم على التقوى وأرضى بفعلهـا                      وكنت من النار المخوفة أوجـرا وحسن إسلامه، وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:  لا يفضض الله فاك  ، وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه صفين. وفد ذكر خبره مع عمر رضي الله عنه، وأما خبره، مع عثمان فأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال مسلمة بن محارب: دخل النابغة الجعدي على عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين، قال: وأين تريد يا أبا ليلى. قال: ألحق بإبلي فأشرب من ألبانها فإني منكر لنفسي، فقال: أتعربا بعد الهجرة يا أبا ليلى أما علمت أن ذلك مكروه? قال: ما علمته، وما كنت لأخرج حتى أعلمك. قال: فأذن له، وأجل له في ذلك أجلا، فدخل على الحسن والحسين ابني علي فودعهما، فقالا له: أنشدنا من شعرك يا أبا ليلى، فأنشدهما:

الحمد لله لا شريك لـه                      من لم يقلها فنفسه ظلما فقالا: يا أبا ليلى، ما كنا نروي هذا الشعر إلا لأمية بن أبي الصلت، فقال: يابني رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لصاحب هذا الشعر وأول من قاله، وإن السروق لمن سرق شعر أمية.

قال أبو زيد عمر بن شبة في خبره: كان النابغة شاعرا متقدما، وكان مغلبا ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جعيل فغلبوه جميعا.

بدء حديثه

وقال أبو عمرو الشيباني: كان بدء حديث النابغة وأوس بن مغراء أن معاوية لما وجه بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي وزياد بن الأشهب بن ورد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة، فقالا: يا أمير المؤمنين، نسألك بالله وبالرحم ألا تجعل لبسر على قيس سلطانا، فيقتل قيسا بمن قتلت بنو سليم من بني فهر وبني كنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فقال معاوية: يا بسر لا أمر لك على قيس، وسار بسر حتى أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم. ثم سار بسر حتى أتى الطائف، فقالت له ثقيف: ما لك علينا سلطان، نحن من قيس، فسار حتى أتى همدان وهم في جبل لهم يقال له شبام، فتحصنت فيه همدان، ثم نادوا: يا بسر نحن همدان وهذا شبام، فلم يلتفت إليهم، حتى إذا اغتروا ونزلوا إلى قراهم، أغار عليهم فقتل وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام. ومر بحي من بني سعد نزول بين ظهري بني جعدة بالفلج، فأغار بسر على الحي السعديين فقتل منهم وأسر، فقال أوس بن مغراء في ذلك:

مشرين ترعون النجيل وقد غدت                      بأوصال قتلاكم كلاب مزاحـم المشر: الذي قد بسط ثوبه في الشمس. والنجيل: جنس من الحمض فقال النابغة يجيبه:

متى أكلت لحومكم كلابي                      أكلت يديك من جرب تهام  خبره مع أوس بن مغراء

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب مما أجاز لنا روايته عنه من حديثه وأخباره مما ذكره منها عن محمد بن سلام الجمحي عن أبي الغراف، وأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر، قالا حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن سلام، عن أبي الغراف: أن النابغة هاجى أوس بن مغراء، قال: ولم يكن أوس مثله ولا قريبا منه في الشعر، فقال النابغة: إني وإياه لنبتدر بيتا، أينا سبق إليه غلب صاحبه، فلما بلغه قول أوس:

لعمرك ما تبلى سرابيل عامـر                      من اللؤم ما دامت عليها جلودها قال النابغة: هذا البيت الذي كنا نبتدر إليه. فغلب أوس عليه.

قال أبو زيد: فحدثني المدائني أنهما اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا، وحضرهما العجاج والأخطل ركعب بن جعيل، فقال أوس:

لما رأت جعدة منـا وردا                      ولوا نعاما في البلاد ربدا

إن لنا علـيكـم مـعـدا                      كاهلها وركنها الأشـدا فقال العجاج:

كل امرئ يعدو بما استعدا وقال الأخطل يعين أوس بن مغراء ويحكم له:

وإني لقاض بين جعدة عامـر                      وسعد قضاء بين الحق فيصلا

 

صفحة : 488

 

 

أبو جعدة الذئب الخبيث طعامـه                      وعوف بن كعب أكرم الناس أولا وقال كعب بن جعيل:

إني لقاض قضاء سوف يتبعه                      من أم قصدا ولم يعدل إلى أود

فصلا من القول تأتم القضاة به                      ولا أجور ولا أبغي على أحمد

ناكت بنو عامر سعدا وشاعرها                      كما تنيك بنو عبس بني أسـد  سبب المهاجاة بينه وبين ليلى الأخيلية

وقال أبو عمرو الشيباني: كان سبب المهاجاة بين ليلى الأخيلية وبين الجعدي أن رجلا من قشير يقال له ابن الحيا وهي أمه واسمه سوار بن أوفى بن سبرة هجاه وسب أخواله من أزد في أمر كان بين قشير وبين بني جعدة وهم بأصبهان متجاورون، فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضخة سميت بذلك لأنه ذكر فيها مساوي فشير وعقيل وكل ما كانوا يسبون به، وفخر بمآثر قومه وبما كان لسائر بطون بني عامر سوى هذين الحيين من قشير وعقيل:

جهلت علي ابن الحيا وظلمتني                      وجمعت قولا جاء بيتا مضللا وقال في هذه القصة أيضا قصيدته التي أولها:

إما ترى ظلل الأيام قد حسرت                      عني وشمرت ذيلا كان ذيالا وهي طويلة، يقول فيها:

ويوم مكة إذ ما جـدتـم نـفـرا                      حاموا على عقد الأحساب أزوالا

عند النجاشي إذ تعطـون أيديكـم                      مقرنين ولا تـرجـون إرسـالا

إذ تستحبون عند الخذل أن لـكـم                      من آل جعدة أعمامـا وأخـوالا

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكـم                      وتجعلوا جلد عبد الله سـربـالا يعني عبد الله بن جعدة بن كعب:

إذا تسربلتم فـيه لـينـجـيكـم                      مما يقول ابن ذي الجدين إذ قالا

حتى وهبتم لعبد الله صاحـبـه                      والقول فيكم بإذن الله ما فـالا

تلك المكارم لا قعبان من لبـن                      شيبا بماء فعادا بـعـد أبـوالا يعني بهذا البيت أن ابن الحيا فخر عليه بأنهم سقوا رجلا من جعدة أدركوه في سفر وقد جهد عطشا لبنا وماء فعاش.

وقال في هذه القصة أيضا قصيدته التي أولها:

أبلغ قشيرا والحريش فما                      ذا رد في أيديكم شتمي وفخر عليهم بقتل علقمة الجعفي يوم وادي نساح وقتل شراحيل بن الأصهب الجعفي، وبيوم رحرحان أيضا، فقال فيه:

هلا سألت بيومي رحرحان وقد                      ظنت هوازن أن العز قد زالا فلما ذكر ذلك النابغة قال:

تلك المكارم لا قعبان من لبن                      شيبا بماء فعادا بعد أبـوالا ففخر بما له وغض مما لهم. ودخلت ليلى الأخيلية بينهما فقالت:

وما كنت لو قاذفت جل عشيرتي                      لأذكر قعبي حازر قد تثـمـلا وهي كلمة. فلما بلغ النابغة قولها قال:

ألا حييا ليلى وقولا لـهـا هـلا                      فقد ركبت أبرا أغر محـجـلا

وقد أكلت بقلا وخيما نـبـاتـه                      وقد شربت من آخر الصيف أيلا يعني ألبان الأيل

دعي عنك تهجاء الرجال وأقبلي                      على أذلغي يملأ استك فـيشـلا

وكيف أهاجي شاعرا رمحه استه                      خضيب البنان لا يزال مكحـلا فردت عليه ليلى الأخيلية فقالت:

أنابغ لم تنبـغ ولـم تـك أولا                      وكنت صنيا بين ضدين مجهلا الصني: شعب صغير يسيل منه الماء. وصدان: جبلان.

 

أنابغ إن تنبغ بلؤمك لا تجـد                      للؤمك إلا وسط جعدة مجعلا

تعيرني داء بأمـك مـثـلـه                      وأي حصان لا يمال لها هلا فغلبته. فلما أتى بني جعدة قولها هذا، اجتمع ناس منهم فقالوا: والله لنأتين صاحب المدينة، أو أمير المؤمنين، فليأخذن لنا بحقنا من هذه الخبيثة، فإنها قد شتمت أعراضنا وافترت علينا، فتهيئوا لذلك، وبلغها أنهم يريدون أن يستعدوا عليها، فقالت:

أتاني من الأنباء أن عـشـيرة                      بشوران يزجون المطي المذللا

يروح ويغدو وفدهم بصحـيفة                      ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا وقد أخبرني ببعض هذه القصة أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة فجاء بها مختلطة، وهذا أوضح وأصح.

ما فخر به النابغة من الأيام

 

صفحة : 489

 

قال أبو عمرو: فأما ما فخر به النابغة من الأيام، فمنها يوم علقمة الجعفي، فإنه غدا في مدحج ومعه زهير الجعفي، فأتى بني عقيل بن كعب فأغار عليهم، وفي بني عقيل بطون من سليم يقال لهم بنو بجلة، فأصاب سبيا وإبلا كثيرة، ثم انصرف راجعا بما أصاب، فاتبعه بنو كعب، ولم يلحق به من بني عقيل إلا عقال بن خويلد بن عامر بن عقيل، فجعل يأخذ أبعار إبل الجعفيين فيبول عليها حتى ينديها، ثم يلحق ببني كعب فيقول: إيه فدى لكم أبواي، قد لحقتم القوم، حتى وردوا عليهم النخيل في يوم قائظ، ورأس زهير في حجر جارية من سليم من بني بجلة سباها يومئذ وهي تفليه، وهو متوسد قطيفة حمراء وهي تضفر سعفاته أي أعلى رأسه بهدب القطيفة، فلم يشعروا إلا بالخيل، فكان أول من لحق زهيرا ابن النهاضة، فضرب وجه زهير بقوسه حتى كسر أنفه، ثم لحقه عقال بن خويلد، فبعج بطنه، فسال من بطنه برير وحلب والبرير: ثمر الأراك. والحلب: لبن كان قد اصطبحه فذلك يوم يقول أبو حرب أخو عقال بن خويلد: والله لا أصطبح لبنا حتى آمن من الصباح. قال: وهذا اليوم هو يوم وادي نساح وهو باليمامة.

قال: وأما يوم شراحيل بن الأصهب الجعفي فإنه يوم مذكور تفتخر به مضر كلها. وكان شراحيل خرج مغيرا في جمع عظيم من اليمن، وكان قد طال عمره وكثر تبعه وبعد صيته واتصل ظفره، وكان قد صالح بني عامر على أن يغزو العرب مارا بهم في بدأته وعودته لا يعرض أحد منهم لصاحبه، فخرج غازيا في بعض غزواته فأبعد، ثم رجع إليهم فمر على بني جعدة فقرته ونحرت له، فعمد ناس من أصحابه سفهاء فتناولوا إبلا لبني جعدة فنحروها، فشكت ذلك بنو جعدة إلى شراحيل، فقالوا: قريناك وأحسنا ضيافتك ثم لم تمنع أصحابك مما يصنعون فقال: إنهم قوم مغيرون، وقد أساءوا لعمري وإنما يقيمون عندكم يوما أو يومين ثم يرتحلون عنكم. فقال الرقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة لأخيه ورد بن عمرو وقيل: بل قال ذلك لابن أخيه الجعد بن ورد: دعني أذهب إلى بني قشير قال: وجعدة وقشير أخوان لأم وأب، أمهما ريطة بنت قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور فأدعوهم، واصنع أنت يا هذا لشراحيل طعاما حسنا كثيرا، وادعه وأدخله إليك فاقتله، فإن احتجت إلينا فدخن، فإني إذا رأيت الدخان أتيتك بهم فوضعنا سيوفنا على القوم. فعمد ورد هذا إلى طعام فأصلحه، ودعا شراحيل وناسا من أصحابه وأهله وبني عمه، فجعلوا كلما دخل البيت رجل قتله ورد، حتى انتصف النهار، فجاء أصحاب شراحيل يتبعونه، فقال لهم ورد: تروحوا فإن صاحبكم قد شرب وثمل وسيروح فرجعوا، ودخن ورد، وجاءت قشير، فقتلوا من أدركوا من أصحابه، وسار سائرهم، وبلغهم قتل شراحيل، فمروا على بني عقيل، وهم إخوتهم، فقالوا: لنقتلن مالك بن المنتفق، فقال لهم مالك: أنا آتيكم بوردة فركب ببني عقيل إلى بني جعدة وقشير ليعطوهم وردا، فامتنعوا من ذلك وساروا بأجمعهم فذبوا عن عقيل، حتى تفرق من كان مع شراحيل. فقال في ذلك بحير بن عبد الله بن سلمة:

أحي يتبعون العير نـحـرا                      أحب إليك أم حـيا هـلال

لعلك قـاتـل وردا ولـمـا                      تساق الخيل بالأسل النهـال

ألا يا مال ويح سواك أقصر                      أما ينهاك حلمك عن ضلال فأحدهما مشهور قد ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب بعقب أخبار الحارث بن ظالم، وهذا اليوم الثاني، فكان الطماح الحنفي أغار في بني حنيفة وبني قيس بن ثعلبة على بني الحريش بن كعب وبني عبادة بن عقيل وطوائف من بني عبس يقال لهم بنو حذيفة، فركبت بنو جعدة وبنو أبي بكر بن كلاب، ولم يشهد ذلك من بني كلاب غير بني أبي بكر، فأعركوا الطفاح من يومهم، فاستنقذوا ما أخذه وأصابوا ما كان معه، وقتلوا عددا من أصحابه وهزموهم.

 

 

صفحة : 490

 

قال: وأما ما ذكره من إدراكهم بثأر كعب الفوارس، فإن كعب الفوارس وهو ابن معاوية بن عبادة بن البكاء مر على بني نهد وعليه سلاحه، فحمل عليه رجل من نهد يقال له خليف فقتله وأخذ فرسه وسلاحه، ثم إن خليفا بعد ذلك بدهر مر على بني جعدة، فرآه مالك بن عبد الله بن جعدة وعليه جبة كعب وفيها أثر الطعنة، وكان محرما فلم يقدر على قتله، فقال: يا هذا ألا رقعت هذا الخرق الذي في جبتك وجعل يترصده بعد ذلك، حتى بلغه بعد دهر أنه مر ببني جعدة، فركب مالك بن عبد الله بن جعدة فرسا له وقد أخبر أن خليفا مر بجنباتهم، فأدركه فقتله، ثم قال: بؤ بكعب. ثم غزا نواحيهم عبد الله بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء: جرما ونهدا، وهم يومئذ في بني الحارث، فناداهم بنو البكاء: ليس معنا أحد من قومنا غيرنا وإن النهدي قتل صاحبنا محرما فقاتلهم نهد وجرم جميعا يومئذ، وكان عبد الله بن ثور يومئذ على فرس ورد، فأصابوا من نهد يومئذ غنيمة عظيمة، وقتلوا قتلى كثيرة. فقال عبد الله في ذلك:

فسائل بني جرم إذا ما لقـيتـهـم                      ونهدا إذا حجت عليك بنو نـهـد

فإن يخبروك الحق عنا تجـدهـم                      يقولون أبلى صاحب الفرس الورد قال: وأما يوم الفلج، فإن بكر بن وائل بعثت عينا على بني كعب بن ربيعة حتى جاء الفلج وهو ماء فوجد النعم بعضه قريبا من بعض، ووجد الناس قد احتملوا، فليس في النعم إلا من لا طباخ به من راع أو ضعيف، فجاءهم عينهم بذلك، فركبت بكر بن وائل يريدونهم، حتى إذا كانوا منهم بحيث يسمعون أصواتهم، سمعوا الصهيل وأصوات الرجال، فقالوا لعينهم: ما هذا ويلك. قال: والله ما أدري، وإن هذا لمما لم أعهد، فأرسلوا من يعلم علمهم، فرجع فأخبرهم أن الرجال قد رجعوا، ورأى جمعا عظيما وخيولا كثيرة، فكروا راجعين من ليلتهم، وأصبحت بنو كعب فرأوا الأثر فاتبعوهم، فأصابوا من أخرياتهم رجالا وخيلا، فرجعوا بها.

قال: وأما قوله:

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم                      وتجعلوا جلد عبد الله سربالا فإن السبب في ذلك أن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، لقي خداش بن زهير البكائي، فتنافرا على مائة من الإبل، وقال كل منهما لصاحبه: أنا أكرم وأعز منك، فحكما في ذلك رجلا من بني في الجدين، فقضى بينهما أن أعزهما وأكرمهما أقربهما من عبد الله بن جعدة نسبا فقال خداش بن زهير: أنا أقرب إليه، أم عبد الله بن جعدة عمتي وهي أميمة بنت عمرو بن عامر وإنما أنت أدنى إليه مني منزلة بأب فلم يزالا يختصمان في القرابة لعبد الله دون المكاثرة بآبائهما إقرارا له بذلك، حتى فلج هبيرة القشيرقي وظفر.

قال أبو عمرو: وكان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، يأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، فجاء سمير بن سلمة القشيري وعبد الله جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته، فأنزله عنها وجلس مكانه، فجاء رياح بن عمرو بن ربيعة بن عقيل وهو الخليع، سمي بذلك لتخلعه عن الملوك لا يعطيهم الطاعة فقال للقشيري: مالك ولشيخنا تنزله عن إتاوته ونحن هاهنا حوله فقال القشيري: كذبت، ما هي له ثم مد القشيري رجله فقال: هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزا، قال: لا لعمري لا أضرب رجلك، فقال له القشيري: فامدد لي رجلك حتى تعلم أضربها أم لا، فقال: ولا أمد لك رجلي، ولكن أفعل ما لا تنكره العشيرة وما هو أعز لي وأذك لك، ثم أهوى إلى رجل القشيري فسحبه على قفاه ونحاه، وأقعد عبد الله بن جعدة مكانه.

أول من صنع الدبابة قال: وعبد الله بن جعدة أول من صنع الدبابة، وكان السبب في ذلك أنهم انتجعوا ناحية البحرين، فهجموا على عبد لرجل يقال له كودن في قصر حصين، فدخن العبد ودعا النساء والصبيان، فظنوا أنه يطعمهم ثريدا، حتى إذا امتلأ القصر منهم أغلقه عليهم، فصاح النساء والصبيان، وقام العبد ومن معه على شرف القصر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رماه، فلما رأى ذلك عبد الله بن جعدة صنع دبابة على جذوع النخل وألبسها جلود الإبل، ثم جاء بها والقوم يحملونها حتى أسندوها إلى القصر، ثم حفروا حتى خرقوه فقتل عبد ومن كان معه واستنقذ صبيانهم ونساءهم. فذلك قول النابغة:

ويوم دعا ولدانكم عبـد كـودن                      فخالوا لدى الداعي ثريدا مفلفلا

 

صفحة : 491

 

 

وفي ابن زياد وهو عقبة خيركم                      هبيرة ينزو في الحديد مكبـلا يعني هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، وكان عبد الله بن مالك بن عدس بن ربيعة بن جعدة خرج ومعه مالك بن عبد الله بن جعدة، حتى مروا على بني زياد العبسيين والرجال غيب، فأخذوا ابنا في لأنس بن زياد وانطلقوا به يرجون الفداء، وانطلق عمه عمارة بن زياد حتى أتى بني كعب، فلقي هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، فقال له: يا هبيرة إن الناس يقولون: إنك بخيل، قال: معاذ الله قال: فهب لي جبتك هذه، فأهوى ليخلعها، فلما وقعت في رأسه وثب عليه فأسره، ثم بعث إلى بني قشير: علي وعلي إن قبلت من هبيرة أقل من فدية حاجب إلا أن يأتوني بابن أخي الذي في أيدي بني جعدة، فمشت بنو قشير إلى بني جعدة، فاستوهبوه منهم فوهبوه لهم، فافتدوا به هبيرة.

خبر وحوح أخي النابغة وأما خبر وحوح أخي النابغة الذي تقدم ذكره مع نسب أخيه النابغة، فإن أبا عمرو ذكر أن بني كعب أغارت على بني أسد فأصابوا سبيا وأسرى، فركبت بنو أسد في آثارهم حتى لحقوهم بالشريف، فعطفت بنو عدس بن ربيعة بن جعدة، فذادوا بني أسد حتى قتلوا منهم ثلاثين رجلا وردوهم، ولم يظفروا منهم بشيء. وتعلقت امرأة من بني أسد بالحكم بن عمرو بن عبد الله بن جعدة وقد أردفها خلفه، فأخذت بضفيرته ومالت به فصرعته، فعطف عليه عبد الله بن مالك بن عدس وهو أبو صفوان، فضرب يدها بالسيف فقطعها وتخلصه. وطعن يومئذ وحوح بن قيس أخو النابغة الجعدي، فارتث في معركة القوم، فأخذه خالد بن نضلة الأسدي، وعطف عليه يومئذ أخوه النابغة، فقال له خالد بن نضلة: هلم إلي وأنت آمن، فقال له النابغة: لا حاجة لي في أمانك، أنا على فرسي ومعي سلاحي وأصحابي قريب، ولكني أوصيك بما في العوسجة يعني أخاه وحوح بن قيس، فعدل إليه خالد فأخذه وضمه إليه ومنع من قتله وداواه حتى فدي بعد ذلك. قال: ففي ذلك يقول مدرك العبسي:

أقمت على الحفاظ وغاب فرج                      وفي فرج عن الحسب انفراج

كذلك فعلنا وحبـال عـمـي                      وردن بوحوح فلج الـفـلاج ومما قاله النابغة في هذه المفاخرة وغني فيه قوله وقد جمع معه كل ما يغني فيه من القصيدة:

هل بالديار الغداة من صـمـم                      أم هل بربع الأنيس من قـدم

أم ما تنادي من ماثل درج الس                      يل عليه كالحوض فنـهـدم

غراء كالليلة المباركة الـقـم                      راء تهـدي أوائل الـظـلـم

أكنى بغير اسمها وقد علـم ال                      له خفيات كـل مـكـتـتـم

كأن فاها إذا تـبـسـم مـن                      طيب مشم وطيب مبـتـسـم

يسن بالضرو من براقـش أو                      هيلان أو ضامر من العـتـم عروضه من المنسرح. وفي الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر، ذكره إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر ابن المكي والهشامي أنه لمعبد، وأظنه من منحول يحيى، وذكر حبش أنه لإبراهيم. وفي الثالث وما بعده لابن سريح رمل بالبنصر، وذكر حبش أن فيها لإسحاق رملا آخر، ولابن مسجح فيها ثقيل أول بالبنصر.

أول من سبق إلى الكناية أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أول من سبق إلى الكناية عن اسم من يعني بغيره في الشعر الجعدي، فإنه قال:

أكني بغير اسمها وقد علم ال                      له خفيات كل مـكـتـتـم فسبق الناس جميعا إليه واتبعوه فيه. وأحسن من أخذه وألطفه فيه أبو نواس حيث يقول:

أسأل القادمين من حـكـمـان                      كيف خلفتـم أبـا عـثـمـان

فيقولون لـي جـنـان كـمـا                      سرك في حالها فسل عن جنان

مالهم لا يبارك الـلـه فـيهـم                      كيف لم يغن عندهم كتمـانـي  رأي الفرزدق فيه

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو بكر الباهلي قال حدثني الأصمعي قال: ذكر الفرزدق نابغة بني جعدة فقال: كان صاحب خلقان عنده مطرف بألف، وخمار بواف، يعني درهما.

مع ابن الزبير المسجد الحرام

 

 

صفحة : 492

 

وحدثني خبره مع ابن الزبير جماعة، منهم حبيب بن نصر المهلبي وعمر بن عبد العزيز بن أحمد والحرمي بن أبي العلاء ووكيع ومحمد بن جرير الطبري حدثنيه من حفظه، قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أخي هارون بن أبي بكر عن يحيى بن إبراهيم عن سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة عن أبيه عن عمه عبد الله بن عروة قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فدخل على ابن الزبير المسجد الحرام، فأنشده:

حكيت لنا الصديق لما ولـيتـنـا                      وعثمان والفاروق فارتاح معـدم

أتاك أبو ليلى يجوب به الـدجـى                      دجى الليل جواب الفلاة عثمثـم

لتجبر منه جانبا زعـزعـت بـه                      صروف الليالي والزمان المصمم فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة مالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد بن عبد العزى تشغلها عنك وتيما معها، ولكن لك في مال الله حقان: حق برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فدخل به دار النعم، فأعطاه قلائص سبعا وجملا رجيلا، وأوقر له الإبل برا وتمرا وثيابا، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفا، فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد، فقال النابغة: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  ما وليت قريش فعدلت واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت ووعدت خيرا فأنجزت فأنا والنبيون فراط القاصفين وقال الحرمي: فراط لها ضمن. قال الزبيري: كتب يحيى بن معين هذا الحديث عن أخي.

مع أبي موسى الأشعري وداعية القومية

أخبرني أبو الحسن الأسدي أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح وهاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قالا حدثنا الرياشي قال قال أبو سليمان عن الهيثم بن عدي قال: رعت بنو عامر بالبصرة في الزرع، فبعث أبو موسى الأشعري في طلبهم، فتصارخوا: يا آل عامر، يا آل عامر فخرج النابغة الجعدي ومعه عصبة له، فأتي به إلى أبي موسى الأشعري، فقال له: ما أخرجك. قال: سمعت ، قال: فضربه أسواطا فقال النابغة:

رأيت البكر بكر بني ثمـود                      وأنت أراك بكر الأشعرينا

فإن يكن ابن عفان أمـينـا                      فلم يبعث بك البر الأمينـا

فيا قبر النبي وصاحـبـيه                      ألا يا غوثنا لو تسمعـونـا

ألا صلى إلهكم عـلـيكـم                      ولا صلى على الأمراء فينا  خروجه مع الامام علي في صفين

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري ويحيى بن علي بن يحيى قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا بعض أصحابنا عن ابن دأب قال: لما خرج علي رضي الله تعالى عنه إلى صفين خرج معه نابغة بني جعدة، فساق به يوما فقال:

قد علم المصران والعراق                      أن عليا فحلها الـعـتـاق

أبيض جحجاح لـه رواق                      وأمه غالى بها الصـداق

أكرم من شد بـه نـطـاق                      إن الألى جاروك لا أفاقوا

لهم سياق ولـكـم سـياق                      قد علمت ذلكم الـرفـاق

سقتم إلى نهج الهدى وساقوا                      إلى التي ليس لها عـراق

في ملة عادتها النـفـاق فلما قدم معاوية بن أبي سفيان الكوفة، قام النابغة بين يديه فقال:

ألم تأت أهل المشرقين رسالتي                      وأي نصيح لا يبيت على عتب

ملكتم فكان الشر آخر عهدكـم                      لئن لم تدارككم حلوم بني حرب وقد كان معاوية كتب إلى مروان فأخذ أهل النابغة وماله، فدخل النابغة على معاوية، وعنده عبد الله بن عامر ومروان، فأنشده:

من راكب يأتي ابن هند بحاجـتـي                      على النأي والأنباء تنمى وتجـلـب

ويخبر عني ما أقول ابـن عـامـر                      ونعم الفتى يأوي إليه المعـصـب

فإن تأخذوا أهلي ومالـي بـظـنـه                      فإني لحراب الرجـال مـحـرب

صبور على ما يكره المرء كـلـه                      سوى الظلم إني إن ظلمت سأغضب

 

صفحة : 493

 

فالتفت معاوية إلى مروان فقال: ما ترى. قال: أرى ألا ترد عليه شيئا، فقال: ما أهون والله عليك أن ينجحر هذا في غار ثم يقطع عرضي علي ثم تأخذه العرب فترويه، أما والله إن كنت لممن يرويه أردد عليه كل شيء أخذته منه. وهذا الشعر يقوله النابغة الجعدي لعقال بن خويلد العقيلي يحذره غب الظلم لما أجار بني وائل بن معن، وكانوا قتلوا رجلا من جعدة، فحذرهم مثل حرب البسوس إن أقاموا على ذلك فيهم.

قال أبو عمرو الشيباني: كان السبب في قول الجعدي هذه القصيدة أن المنتشر الباهلي خرج فأغار على اليمن ثم رجع مظفرا. فوجد بني جعدة قد قتلوا ابنا له يقال له سيدان، وكانت باهلة في بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ثم في بني جعدة، فلما أن علم ذلك المنتشر وأتاه الخبر أغار على بني جعدة ثم على بني سبيع في وجهه ذلك، فقتل منهم ثلاثة نفر، فلما فعل ذلك تصدعت باهلة، فلحقت فرقة منهم يقال لهم بنو وائل بعقال بن خويلد العقيلي، ولحقت فرقة أخرى يقال لهم بنو قتيبة وعليهم حجل الباهلي بيزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، فأجارهم يزيد، وأجار عقال وائلا. فلما رأت ذلك بنو جعدة أرادوا قتالهم، فقال لهم عقال: لا تقاتلوهم فقد أجرتهم، فأما أحد الثلاثة القتلى منكم فهو بالمقتول، وأما الآخران فعلي عقلهما، فقالوا: لا نقبل إلا القتال ولا نريد من وائل غيرا يعني الدية، فقال: لا تفعلوا فقد أجرت القوم، فلم يزل بهم حتى قبلوا الدية. وانتقلت وائل إلى قومهم. فقال النابغة في ذلك قصيدته التي ذكر فيها عقالا:

فابلغ عقالا أن غـاية داحـس                      بكفيك فاستأخر لها أو تـقـدم

تجير علينا وائلا فـي دمـائنـا                      كأنك عما ناب أشياعنـا عـم

كليب لعمري كان أكثر ناصرا                      وأيسر جرما منك ضرج بالدم

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة                      كحاشية البرد اليماني المسهـم

وما يشعر الرمح الأصم كعوبه                      بثروة رهط الأبلخ المتظـلـم

وقال لجساس أغثني بـشـربة                      تفضل بها طولا علي وأنعـم

فقال تجاوزت الأحص ومـاءه                      وبطن شبيث وهو ذو مترسـم سبب مقتل كليب بن ربيعة وكان السبب في قتل كليب بن ربيعة فيما ذكره أبو عبيدة عن مقاتل الأحول بن سنان بن مرثد بن عبد بن عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد أخي بني قيس بن ثعلبة، ونسخت بعضه من رواية الكلبي، وأخبرنا به محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله عن ابن حبيب عن وأبن الأعرابي عن المفضل، فجمعت من روايتهم ما احتيج إلى ذكره مختصر اللفظ كامل المعنى أن كليبا كان قد عز وساد في ربيعة فبغى بغيا شديدا، وكان هو الذي ينزلهم منازلهم ويرحلهم، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره. فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا به كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، وكان يفعل هذا بحياض الماء، فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب، فضرب به المثل في العز، فقيل: أعز من كليب وائل. وكان يحمي الصيد، ويقول: صيد ناحية كذا وكذا في جواري، فلا يصيد أحد منه شيئا، وكان لا يمر بين يديه أحد إذا جلس، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره، فقتله جساس بن مرة.

وقال أبو عبيدة: قال أبو برزة القيسي وهو من ولد عمرو بن مرثد: وكان كليب بن ربيعة ليس على الأرض بكري ولا تغلبي أجار رجلا ولا بعيرا إلا بإذنه، ولا يحمي حمى إلا بأمره، وكان إذا حمى حمى لا يقرب، وكان لمرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة عشرة بنين جساس أصغرهم، وكانت أختهم عند كليب. وقال مقاتل وفراس: وأم جساس هيلة بنت منقذ بن سليمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة، ثم خلف عليها سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بعد مرة بن ذهل، فولدت له مالكا وعوفا وثعلبة. قال فراس بن خندق البسوسي: فهي أمنا. وخالة جساس البسوس وقال أبو برزة: البسوسية وهي التي يقال لها: أشأم من البسوس. فجاءت فنزلت على ابن أختها جساس فكانت جارة لبني مرة، ومعها ابن لها، ولهم ناقة خوارة، من نعم بني سعد ومعها فصيل.

 

 

صفحة : 494

 

أخبرني علي بن سليمان قال قال أبو برزة: وقد كان كليب قبل ذلك قال لصاحبته أخت جساس: هل تعلمين على الأرض عربيا أمنع مني ذمة? فسكتت ثم أعاد عليها الثانية فسكتت ثم أعاد عليها الثالثة، فقالت: نعم أخي جساس وندمانه ابن عمه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. وزعم مقاتل: أن امرأته كانت أخت جساس، فبينا هي تغسل رأس كليب وتسرحه ذات يوم إذ قال: من أعز وائل? فصمتت، فأعاد عليها، فلما أكثر عليها قالت: أخواي جساس وهمام فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جساس وجارة بني مرة فقتله، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا على ذلك. ثم لقي كليب ابن البسوس فقال: ما فعل فصيل ناقتكم? قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، فأغمضوا على هذه أيضا. ثم إن كليبا أعاد على امرأته فقال: من أعز وائل? فقالت: أخواي، فأضمرها وأسرها في نفسه وسكت، حتى مرت به إبل جساس، فرأى الناقة فأنكرها، فقال: ما هذه الناقة. قالوا: لخالة جساس، قال: أو قد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني ارم ضرعها يا غلام. قال فراس: فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة فاختلط دمها بلبنها، وراحت الرعاة على جساس فاخبروه بالأمر، فقال: احلبوا لها مكيالي لبن بمحلبها ولا تذكروا لها من هذا شيئا، ثم أغمضوا عليها أيضا. قال مقاتل: حتى أصابتهم سماء، فغدا في غبها يتمطر. وركب جساس بن مرة وابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل وقال أبو برزة: بل عمرو ابن أبي ربيعة وطعن عمرو كليبا فحطم صلبه، وقال أبو برزة: فسكت جساس، حتى ظعن ابنا وائل، فمرت بكر بن وائل على نهي يقال له شبيث فنفاهم كليب عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحص فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب، فمنعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا الذنائب، واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، ثم مر عليه جساس وهو واقف على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت ثقتلهم عطشا فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون، فمضى جساس ومعه ابن عمه المزدلف. وقال بعضهم: بل جساس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أو قد ذكرتها أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل بها. فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه، فلما تداءمه الموت قال: يا جساس اسقني من الماء، قال: ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه. قال أبو برزة: فعطف عليه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة فاحتز رأسه.

وأما مقاتل فزعم أن عمرو بن الحارث بن ذهل الذي طعنه فقصم صلبه. قال: وفيه يقول مهلهل:

قتيل ما قتيل المرء عمـرو                      وجساس بن مرة ذو ضرير وقال العباس بن مرداس السلمي يحذر كليب بن عهمة السلمي ثم الظفري لما مات حرب بن أمية وخنقت الجن مرداسا وكانوا شركاء في القرية فجحدهم كليب حظهم منها وسنذكر خبر ذلك في آخر هذه الأخبار إن شاء الله تعالى فحذره غب الظلم فقال:

أكليب مالك كل يوم ظالمـا                      والظلم أنكد وجهه ملعون

فافعل بقومك ما أراد بوائل                      يوم الغدير سميك المطعون وقال رجل من بني بكر بن وائل في الإسلام وهي تنحل للأعشى:

ونحن قهرنا تغلب ابـنة وائل                      بقتل كليب إذ طغى وتخـيلا

أبأناه بالناب التي شق ضرعها                      فأصبح موطوء الحمى متذللا قال: ومقتل كليب بالذنائب عن يسار فلجة مصعدا إلى مكة، وقبره بالذنائب. وفيه يقول المهلهل:

ولو نبش المقابر عن كليب                      فيخبر بالذنـائب أي زير قال أبو برزة: فلما قتله أمال يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله. قال: وتقول أخته حين رأته لأبيها: إن ذا لجساس أتى خارجا ركبتاه، قال: والله ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم. قال: فلما جاء قال: ما وراءك يا بني? قال: ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلن بها شيوخ وائل زمنا، قال: أقتلت كليبا. قال نعم، قال: وددت أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل. وزعم مقاتل أن جساسا قال لأخيه نضلة بن مرة وكان يقال له عضد الحمار:

وإني قد جنيت عليك حربـا                      تغص الشيخ بالماء القراح

مذكرة متى ما يصح عنهـا                      فتى نشبت بآخر غير صاح

 

صفحة : 495

 

 

تنكل عن ذباب الغي قومـا                      وتدعو آخرين إلى الصلاح فأجابه نضلة:

فإن تك قد جنيت علي حربا                      فلا وان ولا رث السلاح فال أبو برزة: وكان همام بن مرة آخى مهلهلا وعاقده ألا يكتمه شيئا، فجاءت إليه أمة له فأسرت إليه قتل جساس كليبا، فقال له مهلهل: ما قالت. فلم يخبره، فذكره العهد بينهما، فقال: أخبرت أن جساسا قتل كليبا، فقال: است أخيك أضيق من ذلك. وزعم مقاتل: أن هماما كان آخى مهلهلا وكان عاقده ألا يكتمه شيئا، فكانا جالسين، فمر جساس يركض به فرسه مخرجا فخذيه، فقال همام: إن له لأمرا، والله ما رأيته كاشفا فخذيه قط في ركض، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاءته الخادم فسارته أن جساسا قتل كليبا، فقال له مهلهل: ما أخبرتك. قال: أخبرتني أن أخي قتل أخاك، قال: هو أضيق استا من ذلك. وتحمل القوم، وغدا مهلهل بالخيل.

وقال المفضل في خبره: فلما قتل كليب قالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم وبينهم، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل، فعظموا ما بينهم وبينه، وقالوا له: اختر منا خصالا: إما أن تدفع إلينا جساسا فنقتله بصاحبنا فلم يظلم من قتل قاتله، وإما أن تدفع إلينا هماما، وإما أن تقيدنا من نفسك، فسكت، وقد حضرته وجوه بني بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول، فقال: أما جساس فغلام حديث السن ركب رأسه فهرب حين خاف فلا علم لي به، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره، وأما أنا فلا أتعجل الموت، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ولكن هل لكم في غير ذلك. هؤلاء بني، فدونكم أحدهم فافتلوه به، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل، فغضبوا وقالوا: إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ولا لتسومنا اللبن، فتفرقوا، ووقعت الحرب. وتكلم في ذلك عند الحارث بن عباد، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وهو أول من قالها وأرسلها مثلا.

قالوا جميعا: كانت حربهم أربعين سنة، فيهن خمس وقعات مزاحفات، وكانت تكون بينهم مغاورات، وكان الرجل يلقى الرجل والرجلان الرجلين ونحو هذا. وكان أول تلك الأيام يوم عنيزة، وهي عند فلجة، فتكافؤا فيه لا لبكر ولا لتغلب، وتصديق ذلك قول مهلهل:

كأنا غدوة وبـنـى أبـينـا                      بجنب عنيزة رحـيا مـدير

ولولا الريح أسمع من بحجر                      صليل البيض تقرع بالذكور فتفرقوا، ثم غبروا زمانا. ثم التقوا يوم واردات وكان لتغلب على بكر، وقتلوا بكرا أشد القتل، وقتلوا بجيراة وذلك قول مهلهل:

فإني قد تـركـت بـواردات                      بجيرا في دم مثل العـبـير

هتكت به بيوت بني عـبـاد                      وبعض الغشم أشفى للصدور قال مقاتل: إنه إنما التقط توا. وسيجيء حديثه أسفل من هذا التو: الفرد، يقال: وجدته توا، أي وحده. قال أبو برزة: ثم انصرفوا بعد يوم واردات غير بني ثعلبة بن عكابة ورأسوا على أنفسهم الحارث بن عباد، فاتبعتهم بنو ثعلبة بن عكابة، حتى التقوا بالحنو، فظهرت بنو ثعلبة على تغلب.

 

 

صفحة : 496

 

قال مقاتل: ثم التقوا يوم بطن السرو، وهو يوم القصيبات، وربما قيل يوم القصيبة، وكان لبني تغلب على بكر، حتى ظنت بكر أن سيقتلونها قال مقاتل: وقتلوا يومئذ همام بن مرة. ثم التقوا يوم قضة وهو يوم التحالق ويوم الثنية. ويوم قضة ويوم الفصيل لبكر على تغلب. قال أبو برزة: اتبعت تغلب بكرا فقطعوا رملات خزازي والرغام ثم مالوا لبطن الحمارة، فوردت بكر قضة فسقت وأسقت ثم صدرت وحلئوا تغلب، ونهضوا في نجعة يقال لها مويبة لا يجوز فيها إلا بعير بعير، فلحق رجل من الأوس بن تغلب بغليم من بني تيم اللات بن ثعلبة يطرد ذودا له، قطعن في بطنه بالرمح ثم رفعه فقال: تحدبي أم البو على بوك. فراه عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، فقال: أنفذوا جمل أسماء اينته فإنه أمضى جمالكم وأجودها منفذا، فإذا نفذ تبعته النعم، فوثب الجمل في المويبة، حتى إذا نهض على يديه وارتفعت رجلاه ضرب عرقوبيه وقطع بطان الظعينة فوقع فسد الثنية ثم قال عوف: أنا البرك أبرك حيث أدرك، فسمي البرك ووقع الناس إلى الأرض لا يرون مجازا، وتحالقوا لتعرفهم النساء، فقال جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة واسمه ربيعة، قال: وإنما سمي جحدرا لقصره: لا تحلقوا رأسي فإني رجل قصير، لا تشينوني، ولكني أشتريه منكم بأول فارس يطلع عليكم من القوم، فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله. فقال رجل من بكر بن وائل يمدح مسمع. ابن مالك بذلك:

يا ابن الذي لما حلقنا اللمما                      ابتاع منا رأسه تكـرمـا

بفارس أول من تقدمـا وقال البكري:

ومنا الذي فادى من القوم رأسه                      بمستلئم من جمعهم غير أعزلا

فأدى إلينـا بـزة وسـلاحـه                      ومنفصلا من عنقه قد تـزيلا قال: وكان جحدر يرتجز يومئذ ويقول:

ردوا علي الخيل إن ألمت                      إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي وزعم عامر بن عبد الملك المسمعي أنه لم يقلها، وأن صخر بن عمرو السلمي قائلها، فقال مسمع: كردين كذب عامر. وقال البكري:

ومنا الذي سد الثنـية غـدوة                      على حلفة لم يبق فيها تحللا

بجهد يمين الله لا يطلعونـهـا                      ولما نقاتل جمعهم حين أسهلا وأما مقاتل فزعم أنهم قالوا: اتخذوا علما يعرف به بعضكم بعضا، فتحالقوا. وفيه يقول طرفة:

سائلوا عنا الذي يعرفـنـا                      بقوانا يوم تحلاق اللـمـم

يوم تبدي البيض عن أسؤقها                      وتلف الخيل أعراج النعـم غنى في هذين البيتين ابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي، وذكر أحمد بن المكي أنه لمعبد.

وزعم مقاتل أن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، لم يزل قائد بكر حتى قتل يوم القصيبات، وهو قبل يوم قضة، أو يوم قضة، على أثره. وكان من حديث مقتل همام أنه وجد غلاما مطروحا، فالتقطه ورباه وسماه ناشرة فكان عنده لقيطا، فلما شب تبين أنه من بني تغلب، فلما التقوا يوم القصيبات جعل همام يقاتل، فإذا عطش رجع إلى قربة فشرب منها ثم وضع سلاحه، فوجد ناشرة من همام غفلة، فشد عليه بالعنزة فأقصده فقتله، ولحق بقومه تغلب. فقال باكي همام:

لقد عيل الأقوام طعنة ناشره                      أناشر لا زالت يمينك اشره ثم قتل ناشرة رجل من بني يشكر. فلما كان يوم قضة وتجمعت إليهم بكر، جاء إليهم الفند الزماني أحد بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل من اليمامة، قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فرأسوه عليهم، فقلت أنا لفراس بن خندق: إن عامرا يزعم أن الفند كان رئيس بكر يوم قضة، فقال: رحم الله أبا عبد الله كان أقل الناس حظا في علم قومه. وقال فراس: كان رئيس بكر بعد همام الحارث بن عباد. قال مقاتل: وكان الحارث بن عباد قد اعتزل يوم قتل كليب، وقال: لا أنا من هذا ولا ناقتي ولا جملي ولا عدلي، وربما قال: لست من هذا ولا جملي ولا رحلي، وخذل بكرا عن تغلب، واستعظم قتل كليب لسؤدده في ناقة. فقال سعد بن مالك يحضض الحارث بن عباد:

يا بؤس للحـرب الـتـي                      وضعت أراهط فاستراحوا

والحرب لا يبقـى لـصـا                      حبها التخيل والـمـراح

إلا الفتى الصبار في الـن                      جدات والفرس الـوقـاح

 

صفحة : 497

 

فلما أخذ بجير بن الحارث بن عباد توا بواردات وإنما سل ولم يؤخذ في مزاحفة قال له مهلهل، من خالك يا غلام?. قال امرؤ القيس بن أبان التغلبي لمهلهل: إني أرى غلاما ليقتلن به رجل لا يسأل عن خاله، وربما قال عن حاله قال: فكان والله امرؤ القيس هو المقتول به، قتله الحارث بن عباد يوم قضة بيده فقتله مهلهل. قال: فلما قتل مهلهل بجيرا قال: بؤ بشسع نعل كليب، فقال له الغلام: إن رضيت بذلك بنو ضبيعة بن قيس رضيت. فلما بلغ الحارث قتل بجير ابن أخيه وقال أبو برزة: بل بجير ابن الحارث بن عباد نفسه قال: نعم الغلام غلام أصلح بين ابني وائل وباء بكليب. فلما سمعوا قول الحارث: قالوا له: إن مهلهلا لما قتله قال له: بؤ بشسع نعل كليب وقال مهلهل:

كل قتيل في كليب حـلام                      حتى ينال القتل آل همام. وقال أيضا:

كل قتيل في كليب غره                      حتى ينال القتل آل مره فغضب الحارث عند ذلك فنادى بالرحيل. قال مقاتل: وقال الحارث بن عباد:

قربا مربط النعـامة مـنـي                      لقحت حرب وائل عن حيال

لا بجير أغنى قتـيلا ولا ره                      ط كليب تزاجروا عن ضلال

لم أكن من جناتها علـم الـل                      ه وإني بحرها اليوم صـال قال: ولم يصحح عامر ولا مسمع غير هذه الثلاثة الأبيات. وزعم أبو برزة قال: كان أول فارس لقي مهلهلا يوم واردات بجير بن الحارث بن عباد، فقال: من خالك يا غلام، وبوأ نحوه الرمح، فقال له امرؤ القيس بن أبان التغلبي وكان على مقدمتهم في حروبهم: مهلا يا مهلهل فإن عم هذا وأهل بيته قد اعتزلوا حربنا ولم يدخلوا في شيء مما نكره، ووالله لئن قتلته ليقتلن به رجل لا يسأل عن نسبه، فلم يلتفت مهلهل إلى قوله وشد عليه فقتله، وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فقال الغلام: إن رضيت بهذا بنو ثعلبة فقد رضيته. قال: ثم غبروا زمانا، ثم لقي همام بن مرة فقتله أيضا. فأتى الحارث بن عباد فقيل له: قتل مهلهل هماما، فغضب وقال: ردوا الجمال على عكرها الأمر مخلوجة ليس بسلكي، وجد في قتالهم. قال مقاتل: فكان حكم بكر بن وائل يوم قضة الحارث بن عباد، وكان الرئيس الفند، وكان فارسهم جحدر، وكان شاعرهم سعد بن مالك بن ضبيعة، وكان الذي سد الثنية عوف بن مالك بن ضبيعة، وكان عوف أنبه من أخيه سعد. وقال فراس بن خندق: بل كان رئيسهم يوم قضة الحارث بن عباد. قال مقاتل: فأسر الحارث بن عباد عديا وهو مهلهل بعد انهزام الناس وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على المهلهل. قال: ولي دمي. قال: ولك دمك، قال: ولي ذمتك وذمة أبيك. قال: نعم، ذلك لك، قال: فأنا مهلهل. قال: دلني على كفء لبجير، قال: لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان، هذاك علمه، فجز ناصيته، وقصد قصد امرئ القيس فشد عليه فقتله. فقال الحارث في ذلك:

لهف نفسي على عدي ولـم أع                      رف عديا إذ أمكنتنـي الـيدان

طل من طل في الحروب ولم أو                      تر بجيرا أبـأتـه ابـن أبـان

فارس يضرب الكتيبة بالـسـي                      ف وتسمو أمامـه الـعـينـان وزعم حجر أن مهلهلا قال: لا والله أو يعهد لي غيرك، قال الحارث: اختر من شئت، قال: أختار الشيخ القاعد عوف بن محلم، قال الحارث: يا عوف أجره، قال: لا????????????????????? حتى يقعد خلفي، فأمره فقعد خلفه، فقال: أنا مهلهل. وأما مقاتل فقال: إنما أخذه في دور الرحى وحومة القتال ولم يقعد أحد بعد، فكيف يقول الشيخ القاعد. قال مقاتل: وشد عليهم جحدر، فاعتوره عمرو وعامر، فطعن عمرا بعالية الرمح وطعن عامرا بسافلته فقتلهما عداء وجاء ببزهما. قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فحدثني رجل عالم قال: سألني الوليد بن يزي: من قتل عمرا وأخاه عامرا? قلت: جحدر، قال: صدقت، فهل تدري كيف قتلهما. قلت: نعم، قتل عمرا بسنان الرمح، وقتل عامرا بزجه. قال: وقتل جحدر أيضا أبا مكنف. قال مقاتل: فلما رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله، جعل النساء والولدان يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه، فقال:

ليس مثلي يخبر الناس عـن آ                      بائهم قتلوا وينسى القـتـالا

لم أرم عرصة الكتيبة حتى ان                      تعل الورد من دماء نـعـالا

 

صفحة : 498

 

 

عرفته رماح بكر فـمـا يأ                      خذن إلا لبانـه والـقـذالا

غلبونا، ولا محـالة يومـا                      يقلب الدهر ذاك حالا فحالا ثم خرج حتى لحق بأرض اليمن، فكان في جنب فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه فأنكحها إياه، فقال في ذلك مهلهل:

أنكحها فقدها الأراقـم فـي                      جنب وكان الحباء مـن أدم

لو بأبانين جاء يخطـبـهـا                      ضرج ما أنف خاطب بدم

أصبحت لا منفسا أصبت ولا                      أبت كريما حرا من النـدم

هان على تغلب بما لقـيت                      أخت بني المالكين من جشم

ليسوا بأكفائنا الـكـرام ولا                      يغنون من عيلة ولا عـدم ثم إن مهلهلا انحدر، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة، فطلب إليه أخواله بنو يشكر وأم مهلهل المرادة بنت ثعلبة بن جشم بن غبر اليشكرية، وأختها منة بنت ثعلبة أم حيي بن وائل، وكان المحلل بن ثعلبة خالهما فطلب إلى عمرو أن يدفعه إليه فيكون عنده ففعل، فسقاه خمرا، فلما طابت نفسه تغنى:

طفلة ما ابنة المحلل بيضا                      ء لعوب لذيذة في العناق حتى فرغ من القصيدة، فأدى ذلك من سمعه من المهلهل إلى عمرو، فحوله إليه وأقسم ألا يذوق عنده خمرا ولا ماء ولا لبنا حتى يرد ربيب الهضاب جمل له كان أقل وروده في الصيف الخمس، فقالوا له: يا خير الفتيان، أرسل إلى ربيب فلتؤت به قبل وروده، ففعل فأوجره ذنوبا من ماء، فلما تحلل من يمينه سقاه من ماء الحاضرة، وهو أوبأ ماء رأيته، فمات. فتلك الهضاب التي كان يرعاها ربيب يقال لها هضاب ربيب، طالما رعيتهن ورأيتهن. قال مقاتل: ولم يقاتل معنا من بني يشكر ولا من بني لجيم ولا ذهل بن ثعلبة غير ناس من بني يشكر وذهل قاتلت بأخرة، ثم جاء ناس من بني لجيم يوم قضة مع الفند. وفي ذلك يقول سعد بن مالك:

إن لجيما قد أبت كـلـهـا                      أن يرفدونا رجلا واحـدا

ويشكر أضحت على نأيهـا                      لم تسمع الآن لها حامـدا

ولا بنو ذهل وقد أصبحـوا                      بها حلولا خلفـا مـاجـدا

القائدي الخيل لأرض العدا                      والضاربين الكوكب الوافدا وقال البكري:

وصدت لـجـم لـلـبـراءة إذ رأت                      أهاضيب موت تمطر الموت معضلا

ويشكر قد مالت قديمـا وأرتـعـت                      ومنت بقرباها إليهـم لـتـوصـلا وقالوا جميعا: مات جساس حتف أنفه ولم يمتل.

قال عامر بن عبد الملك: لم يكن بينهم من قتلى تعد ولا تذكر إلا ثمانية نفر من تغلب وأربعة من بكر عددهم مهلهل في شعريه، يعني قصيدتيه:

أليلتنا بـذي حـسـم أنـيري                      إذا أنت أنقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذنائب طال لـيلـي                      فقد أبكي من الليل القصـير

فلو نبش المقابر عن كلـيب                      فيعلم بـالـذنـائب أي زير

بيوم الشعثمين أقـر عـينـا                      وكيف لقاء من تحت القبور

وإني قد تركـت بـواردات                      بجيرا في دم مثل العـبـير

هتكت به بيوت بني عـبـاد                      وبعض الغشم أشفى للصدور

على أن ليس يوفي من كليب                      إذا برزت مخبأة الـخـدور

وهمام بن مرة قد تـركـنـا                      عليه القشعمان من النسـور

ينوء بصدره والرمـح فـيه                      ويخلجه خدب كالـبـعـير

فلولا الريح أسمع من بحجر                      صليل البيض تقرع بالذكور

فدى لبني شقيقة يوم جـاءوا                      كأسد الغاب لجت في الزئير

كأن رماحهم أشطـان بـئر                      بعيد بين جالـيهـا جـرور

غداة كأننـا وبـنـى أبـينـا                      بجنب عنيزة رحـيا مـدير

تظل الخيل عاكفة علـيهـم                      كأن الخيل ترحض في غدير فهؤلاء أربعة من بني بكر بن وائل. وقال أيضا:

طفلة ما ابنة المحلل بـيضـا                      ء لعوب لذيذة في العـنـاق

فاذهبي ما إليك غـير بـعـيد                      لا يؤاتي العناق من في الوثاق

ضربت نحرها إلي وقـالـت                      يا عديا لقد وقتـك الأواقـي

ما أرجي في العيش بعد نداما                      ي أراهم سقوا بكأس حـلاق

 

صفحة : 499

 

 

بعد عمرو وعامـر وحـيي                      وربيع الصدوف وابني عناق

وامرئ القيس ميت يوم أودى                      ثم خلى علي ذات العراقـي

كلـيب سـم الـفـوارس إذ                      حم رماه الكماة بـالإيفـاق

إن تحت الأحجار حدا ولينـا                      وخصيما ألـد ذا مـعـلاق

حية في الوجار أربد لا تـن                      فع منه السليم نـفـثة راق فهؤلاء ثمانية من تغلب. قال عامر: والدليل على أن القتلى كانوا قليلا أن آباء القبائل هم الذين شهدوا تلك الحروب، فعدوهم وعدوا بنيهم وبني بنيهم، فإن كانوا خمسمائة فقد صدقوا، فكم عسى أن يبلغ عدد القتلى والقبائل. قال مسمع: إن أخي مجنون، وكيف يحتج بشعر المهلهل، وقد قتل جحدر أبا مكنف يوم قضة فلم يذكره في شعره، وقتل اليشكري ناشرة فلم يذكره في الشعر، وقتل حبيب يوم واردات، وقتل سعد بن مالك يوم قضة ابن القبيحة فلم يذكر، فهؤلاء أربعة. وقال البكري:

تركنا حبيبا يوم أرجف جمعه                      صريعا بأعلى واردات مجدلا وقال مهلهل أيضا:

لست أرجو لذة العيش ما                      أزمت أجلاد قد بساقـي

جللوني جلد حوب فـقـد                      جعلوا نفسي عند التراقي وقال آخر يفخر بيوم واردات:

ومهراق الدماء بواردات                      تبيد المخزيات وما تبيد فقلت لعامر: ما بال مسمع وما احتج به من هؤلاء الأربعة? فقال عامر: وما أربعة إن كنت أغفلتهم. فيما يقولون إنهم قتلوا يوم كذا ثلاثة آلاف، ويوم كذا أربعة آلاف، والله ما أظن جميع القوم كانوا يومئذ ألفا فهاتوا فعدوا أسماء القبائل وأبناءهم وانزلوا معهم إلى أبناء أبنائهم، فكم عسى أن يكونوا

ازجر العين أن تبكي الطـلـولا                      إن في الصدر من كليب غلـيلا

إن في الصدر حاجة لن تقضـى                      ما دعا في الغصون داع هديلا

كيف أنساك يا كـلـيب ولـمـا                      أقض حزنا ينو بني وغـلـيلا

أيها القلب أنجز اليوم نـحـبـا                      من بني الحصن إذ غدوا وذحولا

كيف يبكي الطلول من هو رهن                      بطعان الأنـام جـيلا فـجـيلا

أنبضوا معجس القسـي وأبـرق                      نا كما توعد الفحول الفـحـولا

وصبرنا تحت البوارق حـتـى                      ركدت فيهم السـيوف طـويلا

لم يطيقوا أن ينزلوا ونـزلـنـا                      وأخو الحرب من أطاق النزولا الشعر لمهلهل- قال أبو عبيدة: اسمه عدي، وقال يعقوب بن السكيت: اسمه امرؤ القيس وهو ابن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وإنما لقب مهلهلا لطيب شعره ورقته، وكان أحد من غني من العرب في شعره. وقيل: إنه أول من قصد القصائد وقال الغزل، فقيل: قد هلهل الشعر، أي أرقه. وهو أول من كذب في شعره. وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي. وكان فيه خنث ولين، وكان كثير المحادثة للنساء، فكان كليب يسميه زير النساء، فذلك قوله:

ولو نبش المقابر عن كليب                      فيعلم بالذنـائب أي زير الغناء لابن محرز في الأول والثاني من الأبيات ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وللغريض فيهما لحن في هذه الطريقة والإصبع والمجرى، والذي فيه سجحة منها لابن محرز. ولمعبد لحنان أحدهما في الأول والسادس ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر، والآخر خفيف ثقيل أول بالبنصر. ولإبراهيم في الأول والرابع ثقيل، أول بالخنصر في مجرى الوسطى. ولإسحاق في الأول والثالث ماخوري. ولعلويه في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالبنصر، ولمالك فيهما خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى. ولابن سريج في السادس والسابع خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر. ولابن سريج أيضا في الأول والثامن خفيف ثقيل أول بالبنصر. وللغريض في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالبنصر. وللهذلي في الأول والثاني والسابع خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية حماد عن أبيه. ولمالك في الأول والثاني والخامس خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو بن بانة. ومنها:

ثكلتني عنـد الـثـنـية أمـي                      وأتاها نعي عمـي وخـالـي

إن لم أشف النفوس من حي بكر                      وعدي تطأه بزل الـجـمـال

 

صفحة : 500

 

غناه اين سريج ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من رواية إسحاق، وغناه الغريض ثقيلا أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

ومنها:

قربا مربط النعامة مـنـي                      لقحت حرب وائل عن حيال

قرباها في مقربات عجـال                      عابسات يثبن وثب السعالي

لم أكن من جناتها علم اللـه                      وإني بحرها الـيوم صـال الشعر للحارث بن عباد. والغناء للغريض ثقيل أول بالبنصر. وفيه لحن آخر يقال إنه لابن سريج. ومنها:

يا لبكر أنشروا لي كليبـا                      يا لبكر أين أين الفـرار

يا لبكر فاظعنوا أو فحلوا                      صرح الشر وبان السرار الشعر لمهلهل. والغناء لابن سريج، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وغناه الأبجر خفيف رمل بالوسطى من رواية عمرو.

ومنها:

أليلتنا بـذي حـسـم أنـيري                      إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذنائب طال ليلـي                      فقد أبكى من الليل القصـير

كأن الجدي جدي بنات نعـش                      يكب على اليدين بمستـدير

وتحبو الشعريان إلى سهـيل                      يلوح كقمة الجمل الكـبـير

فلولا الريح أسمع أهل حجر                      صليل البيض تقرع بالذكور الشعر لمهلهل. والغناء لابن محرز في الأول والثاني ثقيل أول بالبنصر، وله في الأبيات كلها خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، عن إسحاق جميعا. وفي الأبيات كلها على الولاء للأبجر ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو. ويقال: إن فيها لحنا للغريض أيضا.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل عن أبي عبيدة: أن آخر من قتل في حرب بكر وتغلب جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب بن ربيعة، وكانت أخته تحت كليب، فقتله جساس وهي حامل، فرجعت إلى أهلها ووقعت الحرب، فكان من الفريقين ما كان، ثم صاروا إلى الموادعة بعدما كادت القبيلتان تتفانيان، فولدت أخت جساس غلاما فسمته الهجرس ورباه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، وزوجه ابنته. فوقع بين الهجوس وبين رجل من بني بكر بن وائل كلام، فقال له البكري: ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك، فأمسك عنه ودخل إلى أمه كئيبا، فسألته عما به فأخبرها الخبر، فلما أوى إلى فراشه ونام إلى جنب امرأته وضع أنفه بين ثدييها، فتنفس تنفسة تنفط ما بين ثدييها من حرارتها، فقامت الجارية فزعة قد أقلتها رعدة حتى دخلت على أبيها، فقصت عليه قصة الهجرس، فقال جساس: ثائر ورب الكعبة وبات جساس على مثل الرضف حتى أصبح، فأرسل إلى الهجرس فأتاه، فقال له: إنما أنت ولدي ومني بالمكان الذي قد علمت، وقد زوجتك ابنتي وأنت معي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح، وأن تنطلق حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا وعلى قومنا، فقال الهجرس: أنا فاعل، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا بلأمته وفرسه، فحمله جساس على فرس وأعطاه لأمة ودرعا، فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما، فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية، ثم قال: وهذا الفتى ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه ويعقد ما عقدتم، فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه، ثم قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساسا فقتله، ثم لحق بقومه، فكان آخر قتيل في بكر بن وائل.

 

 

صفحة : 501

 

قال أبو الفرج: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن الشرقي بن القطامي قال: لما قتل جساس بن مرة كليب بن ربيعة، وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب، اجتمع نساء الحي للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب، فقالت لها: يا هذه اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها، فلقيها أبوها مرة، فقال لها: ما وراءك يا جليلة. فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد، فقال لها: أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات. فقالت جليلة: أمنية مخدوع ورب الكعبة أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها. قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويل غدا لآل مرة، من الكرة بعد الكرة. فبلغ قولها جليلة، فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها أسعد الله جد أختي، أفلا قالت: نفرة الحياء، وخوف الاعتداء. ثم أنشأت تقول:

يا بنة الأقوام إن شـئت فـلا                      تعجلي باللوم حتى تسـألـي

فإذا أنـت تـبـينـت الـذي                      يوجب اللوم فلومي واعذلـي

إن تكن أخت امرئ ليمت على                      شفق منها عليه فافـعـلـي

جل عندي فعل جسـاس فـيا                      حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جساس على وجدي بـه                      قاطع ظهري ومدن أجـلـي

لو بعين فقئت عينـي سـوى                      أختها فانفقأت لـم أحـفـل

تحمل العين قذى العين كـمـا                      تحمل الأم أذى ما تفـتـلـي

يا قتيلا قوض الـدهـر بـه                      سقف بيتي جميعا مـن عـل

هدم البيت الذي استحـدثـتـه                      وانثنى في هدم بيتـي الأول

ورماني قتلـه مـن كـثـب                      رمية المصمي به المستأصل

يا نسائي دونكـن الـيوم قـد                      خصني الدهر برزء معضل

خصني قتل كليب بـلـظـى                      من ورائي ولظى مستقبلـي

ليس من يبكي ليومين كـمـن                      إنما يبكي لـيوم ينـجـلـي

يشتفي المدرك بالثـأر وفـي                      دركي ثأري ثكل المثـكـل

ليته كان دمي فاحـتـلـبـوا                      بدلا منه دما من أكـحـلـي

إنـنـي قـاتـلة مـقـتـولة                      ولعل اللـه أن يرتـاح لـي

??????????????????????????????????????????ذكر الهذلي وأخباره

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: الهذليان أخوان يقال لهما سعيد وعبد آل ابنا مسعود، فالأكبر منهما يقال له سعيد، ويكنى أبا مسعود، وأمه امرأة يقال لها أم فيعل، وكان كثيرا ما ينسب إليها، وكان ينقش الحجارة بأبي قبيس، وكان فتيان من قريش يروحون إليه كل عشية فيأتون بطحاء يقال لها بطحاء قريش فيجلسون عليها، ويأتيهم فيغني لهم ويكون معهم. وقد قيل: إن الأكبر هو عبد آل، والأصغر سعيد.

قال هارون وحدثني الزبير بن بكار قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي: أن الهذلي كان نقاشا يعمل البرم من حجارة الجبل، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان إذا أمسى راح فأشرف على المسجد ثم غنى، فلا يلبث أن يرى الجبل كقرص الخبيص صفرة وحمرة من أردية قريش فيقولون: يا أبا عبد الرحمن، أعد، فيقول: أما والله وهاهنا حجر أحتاج إليه لم يرد الأبطح فلا، فيضعون أيديهم في الحجارة حتى يقطعوها له ويحدروها إلى الأبطح، وينزل معهم حتى يجلس على أعظمها حجرا ويغني لهم.

قال هارون وحدثني حماد بن إسحاق عن أبي مسعود بن أبي جناح قال أخبرني أبو لطيف وعمارة قالا: تغنى الهذلي الأكبر، وكان من أنفسهم، وكان فتيان قريش يروحون كل عشية حتى يأتوا بطحاء يقال لها بطحاء قريش قريبا من داره، فيجلسون عليها ويأتيهم فيغنيهم.

قال: وأخبرني ابن أبي طرفة عن الحسن بن عباد الكاتب مولى آل الزبير قال: هجم الحارث بن خالد، وهو يومئذ أمير مكة، على الهذلي وهو مع فتيان قريش بالمفجر يغنيهم وعليه جبة صوف، فطرح عليه مقطعات خز، فكانت هذه أول ما تحرك لها.

 

 

صفحة : 502

 

قال هارون: وحدثني حماد عن أبيه قال: ذكر ابن جامع عن ابن عباد أن ابن سريج لما حضرته الوفاة نظر إلى ابنته فبكى، فقالت له: ما يبكيك. قال: أخشى عليك الضيعة بعدي فقالت له: لا تخف فما من غنائك شيء إلا وقد أخذته، قال: فغنيني فغنته، فقال: قد طابت نفسي، ثم دعا بالهذلي فزوجها منه، فأخذ الهذلي غناء أبيها كله عنها فانتحل أكثره، فعامة غناء الهذلي لابن سريج مما أخذه عن ابنته وهي زوجته.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى أبو غسان قال: كان الهذلي منزله بمنى، وكان فتيان قريش يأتونه فيغنيهم هناك، ثم أقبل مرة حتى جلس على جمرة العقبة فغنى هناك، فحدره الحارث من منى، وكان عاملا على مكة، ثم أذن له فرجع إلى منى.

قال هارون: وحدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال: كان الهذلي النقاش يغدو إليه فتيان قريش وقد عمل عمله بالليل، ومعهم الطعام والشراب والدراهم، فيقولون له: غننا، فيقول لهم: الوظيفة، فيقولون: قد جئنا بها. فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم ويأتزرون بأزرهم وينقلون الحجارة وينزلونها، ثم يجلس على شنخوب من شناخيب الجبل فيجلسون تحته في السهل فيشربون وهو يغنيهم حتى المساء، وكانوا كذلك مدة، فقال له يوما ثلاثة فتية من قريش: قد جاءك كل واحد منا بمثل وظيفتك على الجماعة من غير أن تنقص وظيفتك عليهم، وقد اختار كل واحد منا صوتا من غنائك ليجعله حظه اليوم، فإن وافقت الجماعة هوانا كان ذلك مشتركا بيننا، وإن أبوا غنيت لهم ما أرادوا وجعلت هذه الثلاثة الأصوات لنا بقية يومنا، قال: هاتوا، فاختار أحدهم:

عفت عرفات فالمصايف من هند واختار الآخر:

ألم بنا طيف الخيال المهجد واختار الآخر:

هجرت سعدى فزادني كلفا فغناهم إياها، فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك، فلما أرادوا الانصراف قال لهم: إني قد صنعت صوتا البارحة ما سمعه أحد، فهل لكم فيه. قالوا: هاته منعما بذلك، فاندفع فغناهم:

أأن هتفت ورقاء ظلت سفاهة                      تبكي على جمل لورقاء تهتف فقالوا: أحسنت والله، لا جرم لا يكون صبوحنا في غد إلا عليه، فعادوا وغناهم إياه وأعطوه وظيفته، ولم يزالوا يستعيدونه إياه باقي يومهم.

من ذلك:

عفت عرفات فالمصايف من هنـد                      فأوحش ما بين الجويبين فالنـهـد

وغيرها طول التقادم والـبـلـى                      فليست كما كانت تكون على العهد الشعر للأحوص، وقيل: إنه لعمر. والغناء للهذلي، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر.

ومنها:

ألم بنا طيف الخيال الـمـهـجـد                      وقد كادت الجوزاء في الجو تصعد

ألم يحيينـا ومـن دون أهـلـهـا                      فياف تغور الريح فيها وتـنـجـد عروضه من الطويل. لم يقع لنا اسم شاعره ونسبه. والغناء للهذلي ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وهو اللحن المختار، وفيه ليحيى المكي هزج. ولحن الهذلي هذا مما اختير للرشيد والواثق بعده من المائة الصوت المذكورة.

ومنها:

هجرت سعدى فزادني كلفـا                      هجران سعدى وأزمعت خلفا

وقد على حبها حلفت لـهـا                      لو أن سعدى تصدق الحلفـا

ما علق القلب غيرها بشـرا                      ولا سواها من معلق عرفـا

فلم تجبني وأعرضت صلفـا                      وغادرتني بحبهـا كـلـفـا الغناء للهذلي ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي الأكبر بابنته، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها، وادعاه فغلب عليه. وقال: وولدت منه ابنا، فلما أيفع جاز يوما بأشعب وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه وجعل يرقصه ويقول: هذا ابن دفتي المصحف وهذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول ومن هذا الصبي? فقال: أو ما تعرفونه هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل بغناء، وحنك بملوى، وقطعت سرته بوتر، وختن بمضراب.

وذكر يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن عيسى الماهاني قال: دخلت يوما على إسحاق بن إبراهيم الموصلي في حاجة، فرأيت عليه مطرف خز أسود ما رأيت قط أحسن

 

صفحة : 503

 

منه، فتحدثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف، فقال: لقد كان لكم أيام حسنة ودولة عجيبة، فكيف ترى هذا. فقلت له: ما رأيت مثله، فقال: إن قيمته مائة ألف درهم، وله حديث عجيب، فقلت: ما أقومه إلا بنحو مائة دينار، فقال إسحاق: شربنا يوما من الأيام فبت وأنا مثخن، فانتبهت لرسول محمد الأمين، فدخل علي فقال: يقول لك أمير المؤمنين: عجل، وكان بخيلا على الطعام، فكنت آكل قبل أن أذهب إليه، فقمت فتسوكت وأصلحت شأني، وأعجلني الرسول عن الغداء فقمت معه فدخلت عليه، وإبراهيم بن المهدي قاعد عن يمينه وعليه هذا المطرف وجبة خز دكناء، فقال لي محمد: يا إسحاق، أتغديت? قلت: نعم يا سيدي، قال: إنك لنهم، أهذا وقت غداء فقلت: أصبحت يا أمير المؤمنين وبي خمار فكان ذلك مما حداني على الأكل، فقال لهم: كم شربنا? فقالوا: ثلاثة أرطال، فقال: اسقوه إياها، فقلت: إن رأيت أن تفرق علي، فقال: يسقى رطلين ورطلا، فدفع إلي رطلان فجعلت أشربهما وأنا أتوهم أن نفسي تسيل معهما، ثم دفع إلي رطل آخر فشربته، فكأن شيئا انجلى عني، فقال غنني:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا فغنيته، فقال: أحسنت وطرب، ثم قام فدخل وكان كثيرا ما يدخل إلى النساء ويدعنا فقمت في إثر قيامه، فدعوت غلاما لي، فقلت: اذهب إلى بيتي وجئني ببرماوردتين ولفهما في منديل واذهب ركضا وعجل، فمضى الغلام وجاءني بهما، فلما وافى الباب ونزل عن دابته انقطع فنفق من شدة ما ركض عليه، وأدخل إلي البزماوردتين، فأكلتهما ورجعتا نفسي إلي وعدت إلى مجلسي، فقال لي إبراهيم: لي إليك حاجة أحب أن تقضيها لي، فقلت: إنما أنا عبدك وابن عبدك، فقل ما شئت، قال: تردد علي: كليب لعمري وهذا المطرف لك، فقلت: أنا لا آخذ منك مطرفا على هذا، ولكنني أصير إلى منزلك فألقيه على الجواري وأردده عليك مرارا، فقال: أحب أن تردده علي الساعة وأن تأخذ هذا فإنه من لبسك وهو من حاله كذا وكذا، فرددت عليه الصوت مرارا حتى أخذه، ثم سمعنا حركة محمد فقمنا حتى جاء وجلس، ثم قعدنا فشرب وتحدثنا، فغناه إبراهيم: كليب لعمري، فكأني والله لم أسمعه قبل ذلك حسنا، وطرب محمد طربا شديدا وقال: أحسنت والله يا غلام، عشر بدر لعمي الساعة فجاءوا بها، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي فيها شريكا، قال: من هو? قال: إسحاق، قال: وكيف. فقال: إنما أخذته منه لما قمت، فقلت أنا: ولم أضاقت الأموال على أمير المؤمنين حتى تريد أن تشرك فيما يعطي قال: أما أنا فأشركك وأمير المؤمنين أعلم، فلما انصرفنا من المجلس أعطاني ثمانين ألفا، وأعطاني هذا المطرف، فهذا أخذ به مائة ألف درهم، وهي قيمته.

من رواية جحظة عن أصحابه:

علل القوم يشـربـوا                      كي يلذوا ويطـربـوا

إنما ضـلـل الـفـؤا                      د غـزال مـربـب

فرشته على الـنـمـا                      رق سعدى وزينـب

حال دون الهـوى ودو                      ن سرى الليل مصعب

وسـياط عـلـى أك                      ف رجال تـقـلـب الشعر لعبيد الله بن قيس الرقيات. والغناء في اللحن المختار لمالك بن أبي السمح، ولحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لإسحاق ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر. ولابن سريج في الرابع والخامس والأول ثاني ثقيل في مجرى الوسطى. ولمعبد في الثاني وما بعده خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.

?

ذكر عبيد الله بن قيس الرقيات

نسبه وأخباره

هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة بن أهيب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب. وأمه قتيلة بنة وهب بن عبد الله بن ربيعة بن طريف بن عدي بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن محمد بن أبي قلامة العمري قال حدثني محمد بن طلحة، قال الزبير وحدثنيه أيضا محمد بن الحسن المخزومي، قالا جميعا: كان يقال لبني معيص بن عامر بن لؤي وبني محارب بن فهر: الأجربان من أهل تهامة، وكانا متحالفين، وإنما قيل لهما الأجربان من شمة بأسهما وعرهما من ناوأهما كما يعر الجرب.

سبب تلقيبه بهذا اللقب

 

 

صفحة : 504

 

وإنما لقب عبيد الله بن قيس الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعا رقية، منهن رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد بن قيس بن وهب بن أهبان بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤفي، وابنة عم لها يقال لها رقية، وامرأة من بني أمية يقال لها رقية. وكان هواه في رقية بنت عبد الواحد، وكان عبد الواحد فيما أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير ينزل الرقة. وإياه عنى ابن قيس بقوله:

ما خير عيش بالجزيرة بعد ما                      عثر الزمان ومات عبد الواحد وله في الرقيات عدة أشعار يغنى فيها تذكر بعقب هذا الخبر. والأبيات الثانية التي فيها اللحن المختار يقولها في مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وكان صاحب شرطة مروان بن الحكم بالمدينة.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: لما ولي مروان بن الحكم المدينة ولى مصعب بن عبد الرحمن بن عوف شرطته، فقال: إني لا أضبط المدينة بحرس المدينة، فابغني رجالا من غيرها، فأعانه بمائتي رجل من أهل أيلة فضبطها ضبطا شديدا. فدخل المسور بن مخرمة على مروان فقال: أما ترى ما يشكوه الناس من مصعب فقال:

ليس بهذا من سياق عـتـب                      يمشي القطوف وينام الركب وقال غير مصعب في هذا الخبر وليس من رواية الحرمي: إنه بقي إلى أن ولي عمرو بن سعيد المدينة وخرج الحسين رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبير، فقال له عمرو: اهدم دور بني هاشم وآل الزبير، فقال: لا أفعل، فقال: انتفخ سحرك يا بن أم حريث ألق سيفنا فألقاه ولحق بابن الزبير. وولى عمرو بن سعيد شرطته عمرو بن الزبير بن العوام وأمره بهدم دور بني هاشم وآل الزبير، ففعل وبلغ منهم كل مبلغ، وهدم دار ابن مطيع التي يقال لها العنقاء، وضرب محمد بن المنذر بن الزبير مائة سوط، ثم دعا بعروة بن الزبير ليضربه. فقال له محمد: أتضرب عروة فقال: نعم يا سبلان إلا أن تحتمل ذلك عنه، فقال: أنا أحتمله، فضربه مائة سوط أخرى، ولحق عروة بأخيه. وضرب عمرو الناس ضربا شديدا، فهربوا منه إلى ابن الزبير، وكان المسور بن مخرمة أحد من هرب منه، ولما أفضى الأمر إلى ابن الزبير أقاد منه وضربه بالسوط ضربا مبرحا فمات فدفنه في غير مقابر المسلمين، وقال للناس، فيما ذكر عنه: إن عمرا مات مرتدا عن الإسلام.

شاعر قريش في الإسلام

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال: سألت عمي مصعبا ومحمد بن الضحاك ومحمد بن حسن عن شاعر قريش في الإسلام، فكلهم قالوا: ابن قيس الرقيات، وحكي ذلك عن عدي وعن الضحاك بن عثمان، وحكاه محمد بن الحسن عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي. قال الزبير: وحدثني بمثله غمامة بن عمرو السهمي عن مسور بن عبد الملك اليربوعي.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وغيرهما قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عمه محمد بن عبد العزيز: أن ابن قيس الرقيات أتى إلى طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري فقال له: يا عمي، إني قد قلت شعرا فأسمعه فإنك ناصح لقومك، فإن كان جيدا قلت، وإن كان رديئا كففت، فقال له: أنشد، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

منع اللهو والـهـوى                      وسرى الليل مصعب

وسـياط عـلـى أك                      ف رجال تقـلـب فقال: قل يا بن أخي فإنك شاعر.

خروجه مع مصعب على عبد الملك

وشفاعة عبد الله بن جعفر له وكان عبيد الله بن قيس الرقيات زبيري الهوى، وخرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك، فلما قتل مصعب وقتل عبد الله هرب فلجأ إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فسأل عبد الملك في أمره فأمنه.

 

 

صفحة : 505

 

وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وغيرهما قالوا حدثنا الزبيري قال حدثني عبد الله بن البصير البربري مولى قيس بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مع مصعب بن الزبير حين بلغه شخوص عبد الملك بن مروان إليه، فلما نزل مصعب بن الزبير بمسكن، ورأى معالم الغدر ممن معه، دعاني ودعا بمال ومناطق، فملأ المناطق من ذلك المال وألبسني منها، وقال لي: انطلق حيث شئت فإني مقتول، فقلت له: لا والله لا أريم حتى أرى سبيلك، فأقمت معه حتى قتل، ثم مضيت إلى الكوفة، فأول بيت صرت إليه دخلته، فإذا فيه امرأة لها ابنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مشربة فقعدت فيها، فأمرت لي المرأة بما أحتاج إليه من الطعام والشراب والفرش والماء للوضوء، فأقمت كذلك عندها أكثر من حول، تقيم لي ما يصلحني وتغدو علي في كل صباح فتسألني بالصباح والحاجة، ولا تسألني من أنا ولا أسألها من هي، وأنا في ذلك أسمع الصياح في والجعل، فلما طال بي المقام وفقدت الصياح في وغرضت بمكاني غدت علي تسألني بالصباح والحاجة، فعرفتها أني قد غرضت وأحببت الشخوص إلى أهلي، فقالت لي: نأتيك بما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى، فلما أمسيت وضرب الليل بأرواقه رقيت إلي وقالت: إذا شئت فنزلت وقد أعدت راحلتين عليهما ما أحتاج إليه ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة الطريق، وقالت: العبد والراحلتان لك، فركبت وركب العبد معي حتى طرقت أهل مكة، فدققت منزلي، فقالوا لي: من هذا? فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا وبكوا، وقالوا: ما فارقنا طلبك إلا في هذا الوقت، فأقمت عندهم حتى أسحرت، ثم نهضت ومعي العبد حتى قدمت المدينة، فجئت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند المساء وهو يعشي أصحابه، فجلست معهم وجعلت أتعاجم وأقول: يار يار ابن طيار. فلما خرج أصحابه كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس? فقلت: ابن قيس، جئتك عائذا بك، قال: ويحك ما أجدهم في طلبك وأحرصهم على الظفر بك ولكني سأكتب إلى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فهي زوجة الوليد بن عبد الملك، وعبد الملك أرق شيء عليها. فكتب إليها يسألها أن تشفع له إلى عمها، وكتب إلى أبيها يسأله أن يكتب إليها كتابا يسألها الشفاعة، فدخل عليها عبد الملك كما كان يفعل وسألها، هل من حاجة? فقالت: نعم لي حاجة، فقال: قد قضيت كل حاجة لك إلا ابن قيس الرقيات، فقالت: لا تثتثن علي شيئا فنفح بيده فأصاب خدها، فوضعت يدها على خدها، فقال لها: يا بنتي ارفعي يدك، فقد قضيت كل حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيات، فقالت: إن حاجتي ابن قيس الرقيات تؤمنه، فقد كتب إلي أبي يسألني أن أسألك ذلك، قال: فهو آمن، فمريه يحضر مجلسي العشية، فحضر ابن قيس وحضر الناس حين بلغهم مجلس عبد الملك، فأخر الإذن، ثم أذن للناس، وأخر إذن ابن قيس الرقيات حتى أخذوا مجالسهم، ثم أذن له، فلما دخل عليه قال عبد الملك: يأهل الشأم، أتعرفون هذا? قالوا: لا، فقال: هذا عبيد الله بن قيس الرقيات الذي يقول:

كيف نومي على الفراش ولما                      تشمل الشأم غارة شـعـواء

تذهل الشيخ عن بنيه وتبـدي                      عن خدام العقيلة العـفـراء فقالوا: يا أمير المؤمنين اسقنا دم هذا المنافق قال: الآن وقد أمنته وصار في منزلي وعلى بساطي قد أخرت الإذن له لتقتلوه فلم تفعلوا. فاستأذنه ابن قيس الرقيات أن ينشده مديحه فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

عاد له من كثيرة الـطـرب                      فعينه بالدموع تنـسـكـب

كوفية نازح مـحـلـتـهـا                      لا أمم دارها ولا صـقـب

والله ما إن صبت إلـي ولا                      إن كان بيني وبينها سـبـب

إلا الذي أورثت كثيرة في ال                      قلب وللحب سورة عجـب حتى قال فيها:

إن الأغر الذي أبوه أبـو ال                      عاصي عليه الوقار والحجب

يعتدل التاج فوق مـفـرقـه                      على جبين كأنـه الـذهـب فقال له عبد الملك: يا بن قيس تمدحني بالتاج كأني من العجم وتقول في مصعب:

إنما مصعب شهاب مـن ال                      له تجلت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك عزة لـيس فـيه                      جبروت منه ولا كـبـرياء

 

صفحة : 506

 

أما الأمان فقد سبق لك، ولكن والله لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. قال: وقال ابن قيس الرقيات لعبد الله بن جعفر: ما نفعني أماني، تركت حيا كميت لا آخذ مع الناس عطاء أبدا، فقال له عبد الله بن جعفر: كم بلغت من السن? قال: ستين سنة، قال: فعمر نفسك، قال: عشرين سنة من في قبل، فذلك ثمانون سنة قال: كم عطاؤك. قال: ألفا درهم، فأمر له بأربعين ألف درهم، وقال: ذلك لك علي إلى أن تموت على تعميرك نفسك، فعند ذلك قال عبيد الله بن قيس الرقيات يمدح عبد الله بن جعفر:

نقدت بي الشهباء نحو ابن جعـفـر                      سواء عليها ليلـهـا ونـهـارهـا

تزور امرأ قد يعـلـم الـلـه أنـه                      تجود له كف قـلـيل غـرارهـا

أتيناك نثني بـالـذي أنـت أهـلـه                      عليك كما يثني على الروض جارها

فوالله لولا أن تزور ابن جـعـفـر                      لكان قليلا في دمشـق قـرارهـا

إذا مت لم يوصل صديق ولم تـقـم                      طريق من المعروف أنت منارهـا

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضـنـا                      وفاض بأعلى الرقتين بـحـارهـا

وعندي مما خول الـلـه هـجـمة                      عطاؤك منها شولها وعـشـارهـا

مباركة كانـت عـطـاء مـبـارك                      تمانح كبراها وتنمي صـغـارهـا أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا مصعب بن عبد الملك قال: قال عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس الرقيات: ويحك يا بن قيس أما اتقيت الله حين تقول لابن جعفر:

تزور امرأ قد يعلم الله أنـه                      تجود له كف قليل غرارها ألا قلت: قد يعلم الناس ولم تقل: قد يعلم الله فقال ابن قيس: قد والله علمه الله وعلمته أنت، وعلمته أنا وعلمه الناس.

أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي أن عبيد الله بن قيس الرقيات منعه عبد الملك بن مروان عطاءه من بيت المال وطلبه ليقتله، فاستجار بعبد الله بن جعفر، وقصده فألفاه نائما، وكان صديقا لسائب خاثر، فطلب الإذن على ابن جعفر فتعذر، فجاء سائب خاثر ليستأذن له عليه، قال سائب: فجئت من قبل رجل عبد الله بن جعفر فنبحت نباح الجرو الصغير، فانتبه ولم يفتح عينيه، وركلني برجله، فدرت إلى عند رأسه، فنبحت نباح الكلب الهرم، فانتبه وفتح عينيه فراني، فقال: ما لك. ويحك فقلت: ابن قيس الرقيات بالباب، قال: ائذن له، فأذنت له، فدخل إليه فرحب ابن جعفر به وقربه، فعرفه ابن قيس خبره، فدعا بظبية فيها دنانير، وقال: عد له منها، فجعلت أعد وأترنم وأحسن صوتي بجهدي حتى عددت ثلثمائة دينار، فسكت، فقال لي عبد الله: مالك ويلك سكت ما هذا وقت قطع الصوت الحسن، فجعلت أعد حتى نفد ما كان في الظبية، وفيها ثمانمائة دينار، فدفعتها إليه، فلما قبضها قال لابن جعفر: اسأل أمير المؤمنين في أمري، قال: نعم، فإذا دخلت إليه معي ودعا بالطعام، فكل أكلا فاحشا. فركب ابن جعفر، فدخل معه إلى عبد الملك، فلما قدم الطعام جعل يسيء الأكل، فقال عبد الملك لابن جعفر: من هذا. فقال: هذا إنسان لا يجوز إلا أن يكون صادقا إن استبقي، وإن قتل كان أكذب الناس، قال: وكيف ذلك قال: لأنه يقول:

ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا فإن قتلته لغضبك عليه أكذبته فيما مدحكم به، قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه عطاء من بيت المال، قال: ولم وفد وهبته لي? فأحب أن تهب لي عطاءه أيضا كما وهبت لي دمه وعفوت لي عن ذنبه، قال: قد فعلت، قال: وتعطيه ما فاته من العطاء، قال: قد فعلت، وأمرت له بذلك.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان ابن قيس الرقيات منقطعا إلى ابن جعفر، وكان يصله ويقضي عنه دينه، ثم استأمن له عبد الملك فأمنه، وحرمه عطاءه، فأمره عبد الله أن يقدر لنفسه ما يكفيه أيام حياته ففعل ذلك، فأعطاه عبد الله ما سأل وعوضه من عطائه أكثر منه، ثم جاءت عبد الله صلة من عبد الملك وابن قيس غائب، فأمر عبد الله خازنه فخبأ له صلته، فلما قدم دفعها إليه، وأعطاه جارية حسناء، فقال ابن قيس:

إذا زرت عبد الله نفسي فـداؤه                      رجعت بفضل من نداه ونـائل

وإن غبت عنه كان للود حافظا                      ولم يك عني في المغيب بغافل

 

صفحة : 507

 

 

تداركني عبد الإلـه وقـد بـدت                      لذي الحقد والشنان مني مقاتلـي

فأنقذني من غمرة الموت بعدمـا                      رأيت حياض الموت جم المناهل

حباني لما جـئتـه بـعـطـية                      وجارية حسناء ذات خـلاخـل ومنها:

عاد له من كثيرة الـطـرب                      فعينه بالدموع تنـسـكـب

كوفية نازح مـحـلـتـهـا                      لا أمم دارها ولا صـقـب

والله ما إن صبت إلـي ولا                      يعرف بيني وبينها سـبـب

إلا الذي أورثت كثيرة في ال                      قلب وللحب سورة عجـب نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني عروضه من المنسرح، غناه معبد ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. قوله: لا أمم دارها يعني أنها ليست بقريبة. ويقال: ما كلفتني أمما من الأمر فأفعله: أي قريبا من الإمكان، ويقال: إن فلانا لأمم من أن يكون فعل كذا وكذا. قال الشاعر:

أطرقته أسماء أم حلـمـا                      بل لم تكن من رحالنا أمما أي قريبة. وقال الراجز:

كلفها عمرو نقال الضبعان                      ما كلفت من أمم ولا دان وقال آخر:

إنك إن سألت شيئا أممـا                      جاء به الكري أو تجشما والصقب: الملاصقة. تقول: والله ما صاقبت فلانا ولا صاقبني، ودار فلان مصاقبة لدار فلان، وفي الحديث: الجار أحق بصقبه، أي بما لاصقه، أي إنه أحق بشفعته. والسورة: شدة الأمر، ومنه يقال: ساور فلان فلانا، وتساور الرجلان إذا تغالبا وتشادا، وقيل إن السورة: البقية أيضا.

ومنها:

ما نقموا من بني أمية إلا                      أنهم يحلمون إن غضبوا

وأنهم سادة الملوك فمـا                      تصلح إلا عليهم العرب غنت في هذين البيتين حبابة، وهما من القصيدة التي أولها:

عاد له من كثيرة الطرب قال الأصمعي: كثيرة هذه امرأة نزل بها بالكوفة فآوته. قال ابن قيس: فأقمت عندها سنة تروح وتغدو علي بما أحتاج إليه، ولا تسألني عن حالي ولا نسبي، فبينا أنا بعد سنة مشرق من جناح إلى الطريق، إذا أنا بمنادي عبد الملك ينادي ببراءة الذمة ممن أصبت عنده، فأعلمت المرأة أني راحل، فقالت: لا يروعنك ما سمعت، فإن هذا نداء شائع منذ نزلت بنا، فإن أردت المقام ففي الرحب والسعة، وإن أردت الانصراف أعلمتني، فقلت لها: لا بد لي من الانصراف، فلما كان الليل، قدمت إلي راحلة عليها جميع ما أحتاج إليه في سفري، فقلت لها: من أنت جعلت فداءك لأكافئك? قالت: ما فعلت هذا لتكافئني، فأنصرفت ولا والله ما عرفتها إلا أني سمعتها تدعى باسمها كثيرة، فذكرتها في شعري.

الفتك ببني أمية بسبب شعره

وذكر الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس صاحب بني أمية بنهر أبي فطرس، إنما بعثه على قتلهم أنه أنشده بعض الشعراء ذات يوم مديحا مدح به بني هاشم، فقال لبعضهم: أين هذا مما كنتم تمدحون به فقال: هيهات أن يمدح أحد بمثل قول ابن قيس فينا:

ما نقموا من بنـي أمـية إ                      لا أنهم يحلمون إن غضبوا البيتين، فقال له عبد الله بن علي: ألا أرى المطمع في الملك في نفسك بعد يا ماص كذا من أمه ثم أوقع بهم.

غضب الرشيد وقد غني بشعره فيهم أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن جدي عبد الله بن مصعب قال: اعترض هارون الرشيد قينة فغنت:

ما نقموا من بنـي أمـية إ                      لا أنهم يحلمون إن غضبوا فلما ابتدأت به تغير وجه الرشيد، وعلمت أنها قد غلطت وأنها إن مرت فيه قتلت، فغنت:

ما نقموا من بنـي أمـية إ                      لا أنهم يجهلون إن غضبوا

وأنهم معدن النفاق فـمـا                      تفسد إلا عليهم الـعـرب فقال الرشيد ليحيى بن خالد: أسمعت يا أبا علي? فقال: يا أمير المؤمنين تبتاع وتسنى لها الجائزة، ويعجل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها، قومي فأنت مني بحيث تحبين. قال: فأغمي على الجارية. فقال يحيى بن خالد:

جزيت أمير المؤمنين بأمنها                      من الله جنات تفوز بعدنها ومنها:

تقدت بي الشهباء نحو ابن جعفر                      سواء عليها ليلها ونـهـارهـا

 

صفحة : 508

 

 

تزور امرأ قد يعلم اللـه أنـه                      تجود له كف بطيء غرارها

ووالله لولا أن تزور ابن جعفر                      لكان قليلا في دمشق قرارها عروضه من الطويل. غناه معبد ثاني ثقيل بالبنصر. قوله: تقدت أي سارت سيرا ليس بعجل ولا مبطئ، فيقال: تقدى فلان إذا سار سير من لا يخاف فوت مقصده فلم يعجل. وقوله: بطيء غرارها يعني أن منعها المعروف بطيء. وأصل الغرار: أن تمنع الناقة درتها، ثم يستعار في كل ما أشبه ذلك، ومنه قول الراجز:

إن لكل نهـلات شـره                      ثم غرارا كغرار الدره وقال جميل في مثل ذلك:

لاحت لعينك من بثينة نار                      فدموع عينك درة وغرار قال الزبير: وهذا البيت مما عيب على ابن قيس، لأنه نقض صدره بعحزه، فقال في أوله: إنه سار سيرا بغير عجل، ثم قال: سواء عليها ليلها ونهارها وهذا غاية الدأب في السير، فناقض معناه في بيت واحد. ومما عيب على ابن قيس الرقيات قوله وفي هذين البيتين غناء:

ترضع شبلين وسط غيلهما                      قد ناهزا للفطام أو فطما

ما مر يوم إلا وعندهمـا                      لحم رجال أو يولغان دما غناه الغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة وهي قصيدة مدح بها عبد العزيز بن مروان، وفيها يقول:

أعني ابن ليلى عبد العزيز ببا                      بليون تغدو جفانـه رذمـا

الواهب النجب والولائد كال                      غزلان والخيل تعلك اللجما وكان قال في قصيدته هذه: أو يالغان دما بالألف، وكذلك روي عنه، ثم غيرته الرواة.

من ذهب إلى إسقاط الاحتجاج بشعره

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: سئل يونس عن قول ابن قيس الرقيات:

ما مر يوم إلا وعندهمـا                      لحم رجال أو يولغان دما فقال يونس: يجوز يولغان ولا يجوز يالغان، فقيل له: فقد قال ذلك أين قيس الرقيات وهو حجازي فصيح فقال: ليس بفصيح ولا ثقة، شغل نفسه بالشرب بتكريت.

أخبار متفرقة

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي: أو بلغك أن ابن أبي عتيق أنشد قول ابن قيس:

سواء عليها ليلها ونهارها فقال: كانت هذه يا بن أم فيما أرى عمياء.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن جدي عن هشام بن سليمان المخزومي قال: قال ابن أبي عتيق لعبيد الله بن قيس وقد مر به فسلم عليه فقال: وعليك السلام يا فارس العمياء، فقال له: ما هذا الاسم الحادث يا أبا محمد بأبي أنت قال: أنت سميت نفسك حيث تقول:

سواء عليها ليلها ونهارها فما يستوي الليل والنهار إلا على عمياء، قال: إنما عنيت التعب، قال: فبيتك هذا يحتاج إلى ترجمان يترجم عنه.

ومنها:

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضـنـا                      وفاضت بأعلى الرقتين بحـارهـا

وحولي مما خول الـلـه هـجـمة                      عطاؤك منها شولها وعـشـارهـا

فجئناك نثني بالـذي أنـت أهـلـه                      عليك كما أثنى على الروض جارها

إذا مت لم يوصل صديق ولم تـقـم                      طريق من المعروف أنت منارهـا الشول: النوق التي شالت بأذنابها وكرهت الفحل، وذلك حين تلقح، واحدتها شائل غناه حكم الوادي ثقيلا أول بالوسطى.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال قال لي أبي: قال حكم الوادي: دخلت يوما على يحيى بن خالد. فقال لي: يا أبا يحيى، ما رأيك في خمسمائة دينار قد حضرت? قلت: ومن لي بها? قال: تلقي لحنك في:

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضنا

 

صفحة : 509

 

على دنانير فها هي ذه، وهذا سلام واقف معك ومخرجها إليك، وأنا راكب إلى أمير المؤمنين، ولست أنصرف من مجلس المظالم إلى وقت الظهر، فكدها فيه، فإذا أحكمته فلك خمسمائة، فقالت دنانير: يا سيدي، أبو يحيى يأخذ خمسمائة دينار وينصرف وأنا أبقى معك أقاسيك عمري كله فقال لها: إن حفظتيه فلك ألف دينار، وقام فمضى، فقلت لها: يا سيدتي، شغلي نفسك بذا، فإنك أنت تهبين لي الخمسمائة الدينار بحفظك إياه وتفوزين بالألف الدينار، وإلا بطل هذا، فلم أزل معها أكدها ونفسي وتغنيني حتى انصرف يحيى، فدعا بماء وطست، ثم قال: يا أبا يحيى، غن الصوت كما كنت تغنيه فقلت: هلكت يسمعه مني، وليس هو بمن يخفى عليه، ثم يسمعه منها فلا يرضاه فلم أجد بدا من الغناء، ثم قال: غنيه أنت الآن، فغنت، فقال: والله ما أرى إلا خيرا، فقات: جعلت فداءك أنا أمضغ هذا منذ أكثر من خمسين سنة كما أمضغ الخبز، وهذه أخذته الساعة وهو يذل لها بعدي وتجترئ عليه ويزداد حسنا في صوتها. فقال: صدقت، هات يا سلام خمسمائة دينار ولها ألف دينار، ففعل، فقالت له: وحياتك يا سيدي لأشاطرن أستاذي الألف الدينار، قال: ذلك إليك، ففعلت. فانصرفت وقد أخذت بهذا الصوت ألف دينار.

رجع الحديث إلى عبيد الله بن قيس الرقيات.

قال الزبير بن بكار حدثني عبد الله بن النضير عن أبيه: أن ابن قيس الرقيات قال في الكوفية التي نزل عليها:

بانت لتحزننا كـثـيره                      ولقد تكون لنا أمـيره

حلت فلاليج الـسـوا                      د وحل أهلي بالجزيره قال: ولقد رحل من عندها وما يتعارفان.

قال: وقال فيها أيضا وفيه لحن من خفيف الثقيل لابن المكي:

لججت بحبك أهل العراق                      ولولا كثيرة لم تلـجـج

فليت كثيرة لم تلـقـنـي                      كثيرة أخت بني الخزرج  سعيد بن المسيب وابن قيس الرقيات

أخبرنا الحرفي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن عاصم القحطاني قال حدثني أبي عن عبد الرحيم بن حرملة قال: كنت عند سعيد بن المسيب، فجاء ابن قيس الرقيات، فهش وقال: مرحبا بظفر من أظفار العشيرة، ما أحدثت بعدي. قال: قد قلت أبياتا وأستفتيك في بيت منها فاسمعها، قال: هات، فأنشده:

هل للديار بأهلهـا عـلـم                      أم هل تبين فينطق الرسم

قالت رقية قيم تصرمـنـا                      أرقي ليس لوجهك الصرم

تخطو بخلخالين حشوهمـا                      ساقان مار عليهما اللحـم

ياصاح هل أبكاك موقفنـا                      أم هل علينا في البكا إثـم فقال سعيد: لا والله ما أبكاني، قال ابن قيس الرقيات:

بل ما بكاؤك منزلا خلقا                      قفرا يلوح كأنه الوشم فقال سعيد: اعتذر الرجل. ثم أنشد:

أتـــلـــبـــث فـــي تـــكـــريت لا فـــي عـــشــــــيرة                      شهـــود ولا الـــســـلـــطـــان مـــنـــــك قـــــــريب

وأنـــت امـــرؤ لـــلـــحـــزم عـــنـــدك مـــنـــــــزل                      ولـــلـــدين والإســـلام مـــنــــــك نـــــــصـــــــيب

فقال سعيد: لا مقام على ذلك، فاخرج منها، قال: قد فعلت، قال: قد أصبت أصاب الله بك. نسبة ما في هذا الخبر من الغناء.

 

قامت بخلخالين حشوهما                      ساقان مار عليهما اللحم

يا صاح هل أبكاك موقفنا                      أم هل علينا في البكا إثم غنى فيهما ابن سريج رملا بالبنصر.

ابن قيس الرقيات وعمر بن أبي ربيعة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن عبد الله البكري وهارون بن أبي بكر عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه عن سعيد بن مسلم بن وهب مولى بني عامر بن لؤي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق وإنه لمعتمد على يدي إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه فسلمنا عليه فرد سلامنا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد من أشعر، أصاحبنا أم صاحبكم? يعني: عبيد الله بن قيس - الرقيات أو عمر بن أبي ربيعة؛ فقال نوفل: حين يقولان ماذا? فقال: حين يقول صاحبنا:

خليلي ما بال المطي كـأنـمـا                      نراها على الأدبار بالقوم تنكص

وقد أبعد الحادي سراهن وانتحى                      بهن فما يألوا عجول مقـلـص

وقد قطعت أعناقهـن صـبـابة                      فأنفسنا مما يحلـف شـخـص

 

صفحة : 510

 

 

يزدن بنا قربا فيزداد شـوقـنـا                      إذا زاد طول العهد والبعد ينقص ويقول صاحبكم ما شئت؛ قال: فقال له نوفل: صاحبكم أشهر بالقول في الغزل أمتع الله بك، وصاحبنا أكثر أفانين شعر؛ قال: صدقت؛ فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده ويعده بالخمس كلها حتى وفى مائة.

قال البكري في حديثه عن عبد الجبار: فقال مسلم بن وهب: فلما فارقناه قلت لنوفل: أتراه أستغفر الله من إنشاده الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم? قال: كلا هو كثير الإنشاد والأستنشاد للشعر، ولكني أحسبه للفخر بصاحبه.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الضحاك عن أبيه قال: استأذن عبيد الله بن قيس الرقيات على حمزة بن عبد الله بن الزبير، فقالت له الجارية: ليس عليه إذن الآن، فقال: أما إنه لو علم بمكاني ما احتجب عني قال: فدخلت الجارية على حمزة فأخبرته، فقال: ينبغي أن يكون هذا ابن قيس الرقيات، ائذني له، فأذنت له، فقال: مرحبا بك يابن قيس، هل من حاجة نزعت بك. قال: نعم، زوجت بنين لي ثلاثة ببنات أخ لي ثلاث، وزوجت ثلاثة من بني أخ لي بثلاث بنات لي، قال: فلبنيك الثلاثة أربعمائة دينار أربعمائة دينار، ولبني أخيك الثلاثة أربعمائة دينار أربعمائة دينار، ولبناتك الثلاث ثلثمائة دينار ثلثمائة دينار، ولبنات أخيك الثلاث ثلثمائة دينار، ثلثمائة دينار، هل بقيت لك من حاجة يابن قيس? قال: لا والله إلا مؤونة السفر؛ فأمر له بما يصلحه لسفره حتى رقاع أخفاف الإبل.

ذكر ما قاله ابن قيس الرقيات وغنى فيه

 

أمست رقية دونها البشر                      فالرقة السوداء فالغمر غناه يونس ثقيلا أول بالوسطى، وفيه لعزة الميلاء ثاني ثقيل.

ومنها:

رقي بعيشكم لا تهجرينـا                      ومنينا المنى ثم امطلينـا

عدينا في غد ماشئت إنـا                      نحب وإن مطلت الواعدينا

أغرك أنني لاصبر عندي                      على هجر وأنك تصبرينا

ويوم تبعتكم وتركت أهلي                      حنين العود يتبع القرينـا عروضه من الوافر. غناه ابن محرز ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

ومنها:

رقية تيمت قلـبـي                      فواكبدي من الحب

نهاني إخوتي عنهـا                      وما بالقلب من عتب غناه مالك ثاني ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. وقد ذكرت بذل أن فيه لابن المكي لحنا.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني سعيد بن عمرو بن الزبير قال حدثني إبراهيم عبد الله قال: أنشد كثير ابن أبي عتيق كلمته التي يقول فيها:

ولست براض من خليل بنائل                      قليل ولا أرضى له بقلـيل فقال له: هذا كلام مكافىء ليس بعاشق، القرشيان أقنع وأصدق منك: ابن أبي ربيعة حيث يقول:

ليت حظي كلحظة العين منها                      وكثير منها القليل المهـنـا وقوله أيضا:

فعدي نائلا وإن لم تنيلي                      إنه يقنع المحب الرجاء وابن قيس الرقيات حيث يقول:

رقي بعيشكم لا تهجرينـا                      ومنينا المنى ثم امطلينـا

عدينا في غد ماشئت إنـا                      نحب وإن مطلت الواعدينا

فإم اتنجزي عدتـي وإمـا                      نعيش بما نؤمل منك حينا قال: فذكرت ذلك لأبي السائب المخزومي ومعه ابن المولى، فقال: صدق ابن أبي عتيق وفقه الله، ألا قال المديون كثير كما قال هذا حيث يقول:

وأبكي فلا ليلى بكت من صبابة                      لباك ولا ليلى لذي الود تبـذل

واخنع بالعتبى إذا كنت مذنبـا                      وإن أذنبت كنت الذي أتنصـل أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال سمعت عبيدة بن أشعب بن جبير قال حدثني أبي قال  خبره مع رقية بنت عبد الواحد

 

 

صفحة : 511

 

حدثني فند مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قال: حجت رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد العامرية، فكنت آتيها وأحدثها فتستظرف حديثي وتضحك مني؛ فطافت ليلة بالبيت ثم أهوت لتستلم الركن الأسود وقبلته، وقد طفت مع عبيد الله بن قيس الرقيات، فصادف فراغنا فراغها ولم أشعر بها، فأهوى ابن قيس يستلم الركن الأسود ويقبله، فصادفها قد سبقت إليه، فنفحته بردنها فارتدع؛ وقال لي: من هذه? فقلت: أو لا تعرفها هذه رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد؛ فعند ذلك قال:

من عذيري ممن يضن بمبذو                      ل لغيري علي عند الطواف يريد أنها تقبل الحجر الأسود وتضن عنه بقبلتها. وقال في ذلك:

حدثوني هل على رجل                      عاشق في قنلة حرج وفيه غناء ينسب بعد هذا الخبر. قال: ولما نفحته بردنها فاحت منه رائحة المسك حتى عجب من في المسجد، وكأنما فتحت بين أهل المسجد لطيمة عطار، فسبح من حول البيت. قال: وقال فند: فقلت بعد انصرافها لابن قيس: هل وجدت رائحة ردنها لشيء طيبا. فعند ذلك قال أبياته التي يقول فيها:

سائلا فندا خليلـي                      كيف أردان رقيه

إنني علقت خودا                      ذات دل بختريه غناه فند، ولحنه ثقيل أول بالبنصر عن حبش.

 

حب ذاك الدل والغـنـج                      والتي في عينها دعـج

والتي إن حدثت كذبـت                      والتي في وعدها خلـج

وترى في البيت صورتها                      مثلما في البيعة السرج

خبروني هل على رجل                      عاشق في قبلة حـرج الشعر لابن قيس الرقيات يقوله في رقية بنت عبد الواحد. والغناء لمالك خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر. وفيه خفيف ثقيل آخر لابن محرز من رواية عمرو بن بانة، وقيل: بل هو هذا.

أخبار متفرقة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي قال حدثني سائب راوية كثير قال: كان كثئر مديونا، فقال لي يوما ونحن بالمدينة: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده؛ قال: فذهبت إليه معه ة فاستنشده ابن أبي عتيق، فأنشده قوله:

أبائنة سعدى نعم ستبين حتى بلغ إلى قوله:

وأخلفن ميعادي وخن أمانتي                      وليس لمن خان الأمانة دين فقال له ابن أبي عتيق: أعلى الأمانة تبعتها فانكف واستغضب نفسه وصاح وقال:

كذبن صفاء الود يوم محله                      وأنكدنني من وعدهن ديون فقال له ابن أبي عتيق: ويلك هذا أملح لهن وأدعى للقلوب إليهن، سيدك ابن قيس الرقيات كان أعلم منك وأوضع للصواب موضعه فيهن؛ أما سمعت قوله:

حب ذاك الدل والغـنـج                      والتي في عينها دعـج

والتي إن حدثت كذبـت                      والتي في وعدها خلـج

وترى في البيت صورتها                      مثلما في البيعة السرج

خبروني هل على رجل                      عاشق في قبلة حـرج قال: فسكن كثير واستحلى ذلك، وقال: لا إن شاء الله؛ فضحك ابن أبي عتيق حتى ذهب به.

أخبرنا الحرمي فال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الرحمن بن غرير الزهري قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول ابن قيس الرقيات:

قد أتانا من آل سعدى رسول                      حبذا ما يقول لـي وأقـول

من فتاة كأنها قرن شمـس                      ضاق عنها دمالج وحجول

حبذا ليلتي بمـزة كـلـب                      غال عني بها الكوانين غول فقال لي: يابن الأمير ما تراه كان يقول وتقول? فقلت:

حديثا كما يسري الندى لو سمعته                      شفاك من  أدواء كثير وأسقمـا فطرب وقال بأبي أنت وأمي؛ ما زلت أحبك، ولقد أضعف حبي إياك حين تفهم عني هذا الفهم.

غنى في هذه الأبيات ابن سريج ثقيلا أول بالوسطى. ولمالك فيها ثاني ثقيل، كلاهما عن الهشامي.

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي صهر المبرد قال حدثني طلحة بن عبد الله أبو إسحاق الطلحي فال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أنشد أشعب بن جبير أبي أبيات عبيد الله بن قيس الرقيات التي يقول فيها:

قد أتانا من آل سعنى رسول                      حبذا ما يقول لي وأقـول

 

صفحة : 512

 

فقال أبي: ويحك يا أشعب ما تراه قال وقالت له? فقال:

حديثا لو أن اللحم يصلي بـحـره                      غريضا أتى أصحابه وهو منضج ذكر شوقا ووصف توقا، ووعد ووفى، والتقيا بمزة كلب فشفى واشتفى، فذلك قوله:

حبذا ليلتي بمـزة كـلـب                      غال عني بها الكوانين غول فقال له: إنك لعلامة بهذه الأحوال؛ قال أجل بأبي أنت فاسأل عالما عن علمه.

ومما في المائة الصوت المختارة من شعر عبيد الله بن قيس الرقيات.

 

يا قلب ويحك لا تذهب بك الحرق                      إن الألى كنت تهواهم قد انطلقوا وذكر أنه لوضاح، وقد أخرج في موضع آخر.

 

ذكر مالك بن أبي السمح وأخباره

نسبه

هو مالك بن أبي السمح. واسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي أحد بني ثعل ثم أحد بني عمرو بن درماء. ويكنى أبا الوليد. وأمه قرشية من بني مخزوم، وقيل: بل أم أبيه منهم، وهو الصحيح. وقال ابن الكلبي: هو مالك بن أبي السمح بن سليمان بن أوس بن سماك بن سعد بن أوس بن عمرو بن درماء أحد بني ثعل. وأم أبيه بنت مدرك بن عوف بن عبيد بن عمرو بن مخزوم.

وكان أبوه منقطعا إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويتيما في حجره أوصى به أبوه إليه، فكان ابن جعفر يكفله ويمونه، وأدخله وسائر إخوته في دعوة بني هاشم، فهم معهم إلى اليوم. وكان أحول طويلا أحنى. قال الوليد بن يزيد فيه يعارض الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب في قوله فيه:

أبيض كالبدر أو كما يلمع آلي                      سارق في حالك من الظلـم فقال له الوليد: بل أنت.

 

أحول كالقرد أو كما يرقب آلي                      سارق في حالك من الظـلـم  أساتذته في الغناء

وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر حتى أدرك الدولة العباسة، وكان اقطعا إلى بني سليمان بن علي، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور.

السبب في انقطاع أبي السمح إلى ابن جعفر

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي: أن السبب في انقطاع أبي السمح إلى ابن جعفر أن السنة أقحمت بطيئا، فكان ثعلبة جد مالك أحدهم، فولد أبو السمح بالمدينة؛ وكان صديقا للحسين بن عبد الله الهاشمي، وكان سبب ذلك مودة كانت بينه وبين آل شعيب السهميين؛ فلما تزوج حسين عابدة بنت شعيب السهمية خاصمهم بسببها؛ وكان جد مالك معه وعونا له مع من عاونه، فنشبت بذلك حال بينه وبين بني هاشم، حتى ولد مالك في دورهم، فصارت دعوته فيهم.

وعمر مالك حتى أدرك دولة بني العباسأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي:  عمر حتى أدرك دولة بني العباس

وقدم على سليمان بن علي بالبصرة، فمت إليه بخؤولته في قريش، ودعوته لبني هاشم، وانقطاعه إلى ابن جعفر، فعجل له سليمان صلته وكساه وكتب له بأوساق من تمر.

تعلمه الغناء على يد معبد

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني القاسم بن يوسف قال أخبرني الورداني قال: كان مالك بن أبي السمح المغني من طيء، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شيء لهم؛ فكان يسأل الناس على باب حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم يغنيه؛ فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه، فكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل، فلا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه، فينصرف إلى أمه ولم يكتسب شيئا، فتضربه، وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دورا دورا في مواضع صيحاته وإسجاحاته ونبراته نغما بغير لفظ ولا رواية شيء من الشعر؛ وجعل حمزة كلما غدا وراح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام الأعرابي إلي؛ فأدخله؛ فقال له: من أنت? فقال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطتنا إليكم ومعي أم لي وإخوة، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبني، فلزمت بابك من أجله؛ قال: فهل تعرف منه شيئا?

 

صفحة : 513

 

قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر؛ فقال: إن كنت صادقا إنك لفهم. ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله? قال نعم، قال: هاته؛ فاندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته وتعليقاته لا يخرم حرفا؛ فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرجه، فليكونن له شأن؛ قال معبد: ولم أفعل ذلك? قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه؛ فقال: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتني به. ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا? قال أرأيت لو قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ترضى بذلك? قال لا. قال: وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم؛ قال: فوالله ما شبعت على بابك شبعة قط ولا انقلبت منه إلى أهلي بخير؛ فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل، وأجرى لهم رزقا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبدا أن يطارحه، فلم ينشب أن مهر وحذق؛ وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم بشعر أخي زيادة:

أبعد الذي بالنعف نعف كويكب                      رهينة رمس في تراب وجندل

أذكر بالبقيا على من أصابنـي                      وبقياي أني جاهد غير مؤتلي

فلا يدعني قومي لزيد بن مالك                      لئن لم أعجل ضربة أو أعجل

وإلا أنل ثأري من اليوم أو غد                      بني عمنا فالدهر ذو متطـول

أتختم علينا كلكل الحرب مـرة                      فنحن منيخوها عليكم بكلكـل فغنى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورققه وأصلحه وزاد فيه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه؛ ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إني قد صنعت غناء في شعر سمعت بعض أهل المدينة ينشده وقد أعجبني، فإن أذن الأمير غنيته فيه؛ قال: هاته، فغناه اللحن الني نحا فيه نحو معبد؛ فطرب حمزة وقال له: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته؛ فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع مني شيئا ليس من غناء معبد ولا طريقته؛ قال: هات، فغناه اللحن الذي تشبه فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلة كانت عليه قيمتها مائتا دينار؛ ودخل معبد فرأى حلة حمزة عليه فأنكرها؛ وعلم حمزة بذلك فأخبر معبدا بالسبب، وأمر مالكا فغناه الصوتين؛ فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه؛ فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعه ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغني الصوت الآخر فغناه؛ فأطرق معبد؛ فقال له حمزة: والله لو انفرد بهذا لضاهاك ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت ونقصت، فلأن يكون منسوبا إليك أجمل؛ فقال له معبد وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبد بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه؛ فقام مالك على رجله فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد أساءك ما سمعت مني? والله لا أغتي لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيا، وإن غلبتنى نفسي فغنيت في شعر استحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وارض عني؛ فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به? قال: إي والله وأزيد؛ فكان مالك بعد ذلك إذا غنى صوتا وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئا قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص منه.

الغناء ليلة الجمعة

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا الحسن بت عتبة اللهبي عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله أحد بني الحارث بن عبد المطلب قال: خرجت من مكة أريد العراق، فحملت معي مالك بن أبي السمح من المدينة، وذلك في أيام أبي العباس السفاح، فكان إذا كانت عشية الخميس قال لنا: يا معشر الرفقة إن الليلة ليلة الجمعة وأنا أعلم أنكم تسألوني الغناء، وعلي وعلي إن غنيت ليلة الجمعة، فإن أردتم شيئا فالساعة اقترحوا ما أحببتم؛ فنسأله فيغنينا، حتى إذا كادت الشمس أن تغيب طرب ثم صاح: الحريق في دار شلمغان، ثم يمر في الغناء فما يكون في ليلة أكثر غناء منه في تلك الليلة بعد الأيمان المغلظة.

حسرة من لم يسمع غناءه

 

 

صفحة : 514

 

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان سليمان بن علي يسمع من مالك بن أبي السمح بالسراة، لأنه كان إذا قدم الشأم على الوليد بن يزيد، عدل إليهم في بدأته وعودته لانقطاعه إليهم، فيبرونه ويصلونه. فلما أفصى إليهم الأمر رأى سليمان مالكا على باب ابنه جعفر؛ فقال له: يا بني، لقد رأيت ببابك أشبه الناس بمالك؛ فقال له جعفر: ومن مالك? - يوهمه أنه لا يعرفه - فتغافل عنه سليمان لئلا ينبهه عليه فيطلبه، وتوهم أنه لم يعرفه ولا سمع غناءه. قال حماد: وحدثني أبي عن جدي إبراهيم أنه أخبره أنه رأى مالكا بالبصرة على باب جعفر بن سليمان، أو أخيه محمد، ولم يعرفه، فسأل عنه بعد ذلك فعرفه وقد كان خرج عن البصرة، قال: فمالي حسرة مثل حسرتي بأني ماسمعت غناءه.

سبب دخوله في دعوة بني هاشم

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: كان مالك بن أبي السمح يتيما في حجر عبد الله بن جعفر، وكان أبوه أبو السمح صار إلى عبد الله بن جعفر وانقطع إليه، فلما احتضر أوصى بمالك إليه، فكفله وعاله ورباه، وأدخله في دعوة بني هاشم، فهو فيهم إلى اليوم. ثم خطب حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس العابدة بنت شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فمنعه بعض أهلها منها وخطبها لنفسه، فعاون مالك حسينا، وكانت العابدة تستنصحه، وكانت بين أبيها شعيب وبينه مودة، فأجابت حسينا وتزوجته، فانقطع مالك إلى حسين؛ فلما أفضى الأمر إلى بني هاشم قدم البصرة على سليمان بن علي، فلما دخك إليه مت بصحبته عبد الله بن جعفر ودعوته في بني هاشم وانقطاعه إلى حسين، فقال له سليمان: أنا عارف بكل ما قلته يا مالك، ولكنك كما تعلم، وأخاف أن تفسد علي أولادي، وأنا واصلك ومعطيك ما تريد وجاعل لك شيئا أبعث به إليك ما دمت حيا في كل عام، على أن تخرج عن البصرة وترجع إلى بلدك، قال: أفعل جعلني الله فداك؛ فأمر له بجائزة وكسوة وحمله وزوده إلى المدينة.

مالك في حمام المدينة

أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني محمد بن هارن بن جناح قال أخبرني يعقوب بن إبراهيم الكوفي عمن أخبره قال: دخلت المدينة حاجا فدخلت الحمام، فبينا أنا فيه إذ دخل صاحب الحمام فغسله ونظفه، ثم دخل شيخ أعمى له هيئة، مؤتزر بمنديل أبيض؛ فلما جلس خرجت إلى صاحب الحمام فقلت له: من هذا الشيخ? قال: هذا مالك بن أبي السمح المغني، فدخلت عليه فقلت له: يا عماه، من أحسن الناس غناء? فقال: يابن أخي،  على الخبير سقطت  ، أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا.

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني أبو يحيى العبادي عن إسحاق قال: كان فتية من قريش جلوسا في مجلس، فمر بهم مالك بن أبى السمح، فقال بعضهم لبعض: لو سألنا مالكا فغنانا صوتا فقام إليه بعضهم فسأله النزول عندهم، فعدل إليهم؛ فسألوه أن يغنيهم؛ فقال: نعم والله بالحب والكرامة، ثم اندفع يغني، وأوقع بالمقرعة على قربوس سرجه، فرفع صوته فلم يقدر، ثم خفضه فلم يقدر، فجعل يبكي ويقول: واشباباه.

أخبرني عمي قال حدثني هارون بن محمد عن الزبير بن بكار عن عمه عن جده أنه كان في هؤلاء الفتية الذين كانوا سألوه الغناء؛ وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره إسحاق.

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال حدثني صالح بن أبي الصقر قال: قدم مالك بن أبي السمح المغني البصرة، فلقيه عجاجة المخنث، وكان أشهر من بها من المخنثين، وقال له: فديتك يا أبا الوليد، إني كنت أحب أن ألقاك وأن أعرض عليك صوتا من غنائك أخذته عن بعض المخنثين، فإن رأيت أن تنزل عندي فعلت؛ فنزل مالك عنده فبسط له المخنث جزد قطيفة كانت عنده فجلس، ثم أخذ عجاجة الدف فغنى:

حب إن الخمار كان عليهـا                      شاهدا يوم زارت الجوشنيه

قد سبته بدلها حين جـاءت                      تتهادى في مشية بختـريه فجعل مالك يقول له: ويلك من قال هذا لعنه الله ويحك من غنى هذا قبحه الله ويحك من روى عني هذا أخزاه الله ثم قام فركب وهو يضحك عجبا من عجاجة.

 

 

صفحة : 515

 

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن جناح قال حدثني مصعب بن عثمان قال حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير قال حدثني مالك بن أبي السمح قال: قدمنا على يزيد بن عبد الملك أول قدومنا عليه مع معبد وابن عائشة، فغنيناه ليلة فأطربناه، فأمر لكل واحد منا بألف دينار وكتب لنا بها إلى كاتبه، فغدونا عليه بالكتاب؛ فلما رآه أنكره وقال: أيؤمر لمثلكم بألف دينار ألف دينار لا والله ولا حبا ولا كرامة. فرجعنا إلى يزيد فأخبرناه بمقالته وكررنا عليه؛ فقال: كأنه استنكر ذلك? فقلنا: نعم؛ فقال: مثله والله يستنكره ودعاه؛ فلما حضر ورآنا عنده استأمره فيها، فأطرق مستحييا؛ وقال له: إني قد قلتها لهم ولا يجمل أن أرجع عما قلت، ولكن قطعها عليهم. قال مالك: فمات والله يزيد، وقد بقي لكل واحد منا أربعمائة دينار.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال قرأت على أبي، وحدثنا الحسن بن محمد قال: لما انهزم عبد الله بن علي من أبي مسلم قدم البصرة، وكان عند سليمان بن علي، وكان مالك بن أبي السمح يومئذ بها، فاستزاره جعفر ومحمد فزارهما، وغناهما مالك في جوف الليل في دار سليمان بن علي، وبلغ الخبر سليمان، فدخل عليهم فعذل جعفرا ومحمدا، وقال: نحن نتوقع الطامة الكبرى وأنتم تسمعون الغناء فقالا: ألا تجلس وتسمع ففعل، فغناهم مالك:

ما كنت أول من خاس الزمان به                      قد منت ذا نجدة أخشى وذا بأس

أنلغ أبا معبد عنـي وإخـوتـه                      شوقي إليهم وأحزاني ووسواسي فخرج وتركهم ولم ينكر عليهم شيئا.

وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد الله، بن عبيد الله بن العباس:

لا عيش إلا بمالك بن أبـي ال                      سسمح فلا تلحنـي ولا تـلـم

أبيض كالبدر أو كما يلمـع ال                      بارق في حالك من الظـلـم

من ليس يعصيك إن رشدت ولا                      يهتك حق الإسلام والـحـرم

يصيب من لـذة الـكـريم ولا                      يجهل آي الترخيص في اللمم

يا رب ليل لنا كـحـاشـية ال                      برد ويوم كـذاك لـــم يدم

نعمت فيه ومالك بن أبـي ال                      سمح الكريم الأخلاق والشـيم غناه مالك في الأول والثاني والثالث رملا بالبنصر في مجراها - فيقال: إن مالكا قال له: لا والله ولا إن غويت أيضا أعصيك؛ ذكر ذلك الزبير عن عمه مصعب. ويقال: إنه قال هذه المقالة للوليد بن يزيد، فسر بذلك وأجزل صلته.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال حدثني أبي قال قال ابن الكلبي: قال الوليد بن يزيد لمعبد قد آذتني ولولتك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا، فانظرا لي رجلا يكون مذهبه متوسطا بين مذهبيك؛ فقالا له: مالك بن أبي السمح؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر مغني الحجاز المذكورين؛ فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه من المغنين نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغناه فلم يعجبه؛ فلما انصرف الغمر قال له: إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيء من غنائك؛ فقال له: جعلني الله فداك؛ اطلب لي الإذن عليه مرة واحدة، فإن أعجبه شيء مما أغنيه وإلا انصرفت إلى بلادي. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر وطلب له الإذن، وقال له: إنه هابك فحصر؛ قال: فأذن له، فبعث إليه؛ فأمر مالك الغلام فسقاه ثلاث صراحيات صرفا؛ فخرج حتى دخل عليه يخطر في مشيته. وقال غير ابن الكلبي: إنه قال لفراش للوليد: اسقني عسا من شراب ولك دينار، فسقاه إياه وأعطاه الدينار؛ ثم قال له: زدني آخر فأزيدك آخر، ففعل حتى شرب ثلاثة، ثم دخل على الوليد يخطر في مشيته، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم، وأخذ بحلقة الباب فقعقعها، ثم رفع صوته فغنى:

لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح فلا تلحني ولا تلم فطرب الوليد، ورفع يديه، حتى بدا إبطاه إليه مادا لهما، وقام فاعتنقه قائما، وقال له: أدن بابن أخي، فدنا حتى اعتنقه؛ ثم أخذ في صوته ذلك، فلم يزالوا فيه أياما، وأجزل صلته حين أراد الانصراف. قال: ولما أتى مالك على قوله:

أبيض كالسيف أو كما يلمع ال                      بارق في حالك من الظـلـم قال له الوليد:

 

صفحة : 516

 

 

أحول كالقرد أو كما يرقب السارق في حالك من الظلم وكان مالك طويلا أجنى فيه حول. وقد قال قوم: إن مالكا لم يصنع لحنا قط غير هذا - أعني: لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح  - وإنه كان يأخذ غناء الناس فيزيد فيه وينقص منه وينسبه الناس إليه، وكان إسحاق ينكر ذلك غاية الإنكار، ويقول: غناء مالك كله مذهب واحد لا تباين فيه، ولو كان كما يقول الناس لاختلاف غناؤه، وإنما كان إذا غنى ألحان معبد الطوال خففها وحذف بعض نغمها، وقال: أطاله معبد ومططه، وحذفته أنا وحسنته، فأما ألا يكون صنع شيئا فلا.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي وذكر بكار بن النبال: أن الوليد قال لمالك: هل تصنع الغناء? قال: لا، ولكني أزيد فيه وأنقص منه؛ فقال له: فأنت المحلي إذا. قال إسحاق وذكر الحسن بن عتبة اللهبي عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الهاشمي الحارثي الذي يقال له سنابل - وفيه يقول الشاعر:

فإن هي ضنت عنك أو حيل دونها                      فدعها وقل في ابن الكرام سنابل - قال: خرجت من مكة أريد أبا العباس أمير المؤمنين، فمررت على المدينة فحملت معي مالك بن أبي السمح، فسألته يوما عن بعض ما ينسب إليه من الغناء؛ فقال: يا أبا الفضل، عليه وعليه إن كان غنى صوتا قط، ولكني آخذه وأحسنه وأهيئه وأطيبه، فأصيب ويخطئون فينسب إلي. قال إسحاق: وليس الأمر هكذا، لمالك صنعة كثيرة حسنة، وصنعته تجري في أسلوب واحد، ويشبه بعضها بعضا، ولو كان كما قيل لاختلف غناؤه. وقد قيل: إن مالكا كان ينتفي من الصنعة لأن أكثر الأشراف هناك كانوا ينكرون عليه، فكان يتبدل به عند من يراه، وينكره عند من يذمه، لمحله في بني هاشم.

وأخبرني بخبر سنابل هذا محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن سنابل، فذكر الخبر وخالف ما رواه إسحاق أن الحسن بن عتبة حدثه وحكاه عن حمزة بن عتبة أخيه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن هشام بن الكلبي عن أبيه عن محمد بن يزيد الليثي قال: سئل مالك بن أبي السمح عن صنعته في:

لاح بالدير من أمامة نار فقال: أخذته والله من خربنده بالشأم يسوق أحمرة، فكان يترنم بهذا اللحن بلا كلام، فأخذته فكسوته هذا الشعر.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: نزل مالك بن أبي السمح عند رجل بمكة مخزومي، وكان له غلام حائك، فأتاه آت فقال: أما سمعت غناء غلامك الحائك? قال: لا أو يغني? قال: نعم بشعر لأبي دهبل الجمحي؛ فبعث إليه فأتاه، فقال: تغنه؛ فقال: ما أحسن ذاك إلا على حفي؛ فخرج مولاه ومعه مالك إلى بيته، فلما جلس على حفه تغنى:

تطاول هذا الليل ما يتبلج فأخذه مالك عنه وغناه فنسبه الناس إليه؛ وكان يقول: والله ما غنيته قط ولا غناه إلا الحائك.

 

لاح بالدير من أمـامة نـار                      لمحب لـه بـيثـرب دار

قد تراها ولو تشاء من القـر                      ب لأغناك عن نداها الشرار الشعر للأحوص، ويقال: إنه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت. والغناء لمالك بن أبي السمح ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيه لحن لمعبد ذكره إسحاق.

 

تطاول هذا اللـيل مـا يتـبـلـج                      وأعيت غواشي سكرتي ما تفرج

أبيت بهـم مـا أنـام كـأنـمـا                      خلال ضلوعي جمرة تتـوهـج

فطورا أمني النفس من يكتم المنى                      وطورا إذا ما لج بي الحمب أنشج عروضه من الطويل، الشعر لأبي دهبل، والغناء لمالك بن أبي السمح ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جده قال: قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان معنا مالك بن أبي السمح وكان من أحمق الناس، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ فقلت: وما يريدون منا? قال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسنوا أمرهم بذلك؛ قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلا قط قبل ذلك اليوم.

لما كبر كان يعلم ابنه الغناء: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار حدثتني ظبية قالت: رأيت مالك بن أبي السمح وهو على منامته يلقى على ابنه وقد كبر وانقطع:

اعتاد هذا القلب بلباله                      إذ قربت للبين أجماله

 

صفحة : 517

 

 

خود إذا قامت إلى خـدرهـا                      قامت قطوف المشي مكساله

تفتر عـن ذي أشـر بـارد                      عذب إذا ما ذيق سلسـالـه الشعر لعمر بن أبي ربيعة، ولمالك بن أبي السمح فيه ثلاثة ألحان: خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى، وثقيل أول بالوسطى مجراها جميعا عن إسحاق، وخفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وقيل: إنه لابن سريج، وفيه رمل ينسب إلى ابن جامع وابن سريج.

أخبرني وكيع قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة: سمعت منشدا ينشد لنفسه يرثي مالكا بهذه القصيدة:

يا مال إني قضت نفسي عليك وما                      بيني وبينك من قربى ولا رحـم

إلا الذي لك في قلبي خصصت به                      من المودة في ستر وفي كـرم قال إسحاق قال أبو عبيدة: هو مالك بن أبي السمح. - انقضت أخباره -.

من رواية هارون بن الحسن بن سهل وابن المكي وأبي العبيس ومن روى جحظة عنه:

فإلا تجللها يعالـوك فـوقـهـا                      وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه

هم قتلوه كي يكونوا مـكـانـه                      كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم                      ولا تنهبوه لا تحل مـنـاهـبـه عروضه من الطويل. البيت الأول من الشعر لرجل من بني نهد جاهلي، وباقي الأبيات للوليد بن عقبة بن أبي معيط. والغناء لابن محرز، ولحنه من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن يونس وإسحاق، وهو اللحن المختار. وفيه للغريض ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أول آخر مطلق في مجرى الوسطى عن عمرو وعن الهشامي. وفيه لسلسل في الثاني والثالث ثقيل أول بالبنصر عن حبش، وفيه لعطرد خفيف ثقيل.

??????خبر الهندي في هذا الشعر

وخبر الوليد بن عقبة وقد مضى نسبه في أول الكتاب اخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عمي عن ابن الكلبي عن أبيه عن عبد الرحمن المدائني، وكان عالما بأخبار قومه، قال وحدثنيه أبو ممسكين أيضا، قالا: كان الحارث بن مارية الغساني الجفني مكرما لزهير بن جناب الكلبي ينادمه ويحادثه، فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما حزن وسهل ابنا رزاح، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك ونزلا بالمكان الأثير منه، فحسدهما زهير بن جناب، فقال: أيها الملك، هما والله عين لذي القرنين عليك  يعني المنذر الأكبر جد النعمان بن المنذر  ، وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك؛ قال: كلا فلم يزل به زهير حتى أوغر صدره، وكان إذا ركب يبعث إليهما ببعيرين يركبان معه، فبعث إليهما بناقة واحدة؛ فعرفا الشر فلم يركب أحدهما وتوقف؛ فقاله له الآخر:

فإلا تجللها يعالـوك فـوقـهـا                      وكيف توقى ظهر ما أنت راكبة فركبها مع أخيه، ومضى بهما فقتلا، ثم بحث عن أمرهما بعد ذلك فوجده باطلا فشتم زهيرا وطرده، فانصرف إلى بلاد قومه؛ وقدم رزاح أبو الغلامين إلى الملك، وكان شيخا عالما مجربا، فأكرمه الملك وأعطاه دية ابنيه؛ وبلغ زهيرا مكانه، فدعا ابنا له يقال له عامر، وكان من فتيان العرب لسانا وبيانا، فقال له: إن رزاحا قد قدم على الملك، فالحق به واحتل في أن تكفينيه، وقال له: اذممني عند الملك ونل مني، وأثر به آثارا فخرج الغلام حتى قدم الشأم، فتلطف للدخول على الملك حتى وصل إليه؛ فأعجبه ما رأى منه؛ فقال له: من أنت. قال: أنا عامر بن زهير بن جناب؛ قال: فلا حياك الله ولا حيا أباك الغادر الكذوب الساعي؛ فقال الغلام: نعم، فلا حياه الله؛ انظر أيها الملك ما صنع بظهري وأراه آثار الضرب؛ فقبل ذلك منه وأدخله في ندمائه؛ فبينا هو يحدثه يوما إذ قال له: أيها الملك، إن أبي وإن كان مسيئا فلست أدع أن أقول الحق، قد والله نصحك أبي، ثم أنشأ يقول:

فيا لك نصحة لما نذقـهـا                      أراها نصحة ذهبت ضلالا

 

صفحة : 518

 

ثم تركه أياما، وقال له بعد ذلك: أيها الملك، ما تقول في حية قد قطع ذنبها وبقي رأسها. قال: ذاك أبوك وصنيعه بالرجلين ما صنع؛ قال: أبيت اللعن والله ما قدم رزاح إلا ليثأر بهما؛ فقال له: وما آية ذلك? قال: اسقه الخمر ثم ابعث إليه عينا يأتك بخبره؛ فلما انتشى صرفه إلى قبته ومعه بنت له، وبعث عليه عيونا؛ فلما دخل قبته قامت إليه اينته تسانده فقال:

دعيني من سنادك إن حزنـا                      وسهلا ليس بعدهما رقـود

ألا تسلين عن شبلـي مـاذا                      أصابهما إذا اهترش الأسود

فإني لو ثأرت المرء حزنـا                      وسهلا قد بدا لك مـا أريد فرجع القوم. إلى الملك فأخبروه بما سمعوا، فأمر بقتل النهدي رزاح، ورد زهيرا إلى موضعه.

وقد أنشدني محمد بن العباس اليزيدي قال: أنشدنا محمد بن حبيب أبيات الوليد هذه على الولاء، وهي:

ألا من لليل لا تـغـور كـواكـبـه                      إذا لاح نجم لاح نـجـم يراقـبـه

بني هاشم ردوا سلاح ابن أخـتـكـم                      ولا تنهبوه لا تـحـل مـنـاهـبـه

بني هاشم لا تـعـجـلـوا بـإقـادة                      سواء علينا قـاتـلـوه وسـالـبـه

فقد يجبر العظم الكسـير وينـبـري                      لذي الحق يوما حقه فـيطـالـبـه

وإنا وإياكـم ومـا كـان مـنـكـم                      كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه

بني هاشم كيف التعـاقـد بـينـنـا                      وعند عـلـي سـيفـه وحـرائبـه

لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتـلـه                      وهل ينسين الماء ما عاش شـاربـه

هم قتلوه كـي يكـونـوا مـكـانـه                      كما غدرت يوما بكسرى مـرازبـه

وإني لمجتاب إلـيكـم بـجـحـفـل                      يصم السميع جـرسـه وجـلائبـه وقد أجاب الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب الوليد عن هذه الأبيات، وقيل: بل أبوه العباس بن عتبة المجيب له أيضا. والجواب:

فلا تسألونا بالـسـلاح فـإنـه                      أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه

وشبهته كسرى وقد كان مثـلـه                      شبيها بكسرى هديه وعصائبـه ذكر أحمد بن المكي أن لابن مسجح فيه لحنا وأن لحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى، وقال كغيره: إنه من منحول أبيه يحيى إلى ابن مسجح.

ذكر باقي خبر الوليد بن عقبة ونسبه

الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد مضى نسبه مع أخبار ابنه أبي قطيفة. ويكنى الوليد أبا وهب. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب. وكان من فتيان قريش وشعرائهم وشجعانهم وأجوادهم، وكان فاسقا، وولي لعثمان رضي الله عنه الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فشرب الخمر وشهد عليه بذلك، فحده وعزله. وهو الذي يقول يرثي عثمان رضي الله عنه ويحرض معاوية:

والله ما هند بأمك إن مضى النهار ولم يثأر بعثمان ثائر

أيقتل عبد القوم سيد أهله                      ولـم تـقـتـلـوه لـيت أمـــك عـــاقـــر

وإنـا مـتـى نـقـتـلـهـم لايقــد بـــهـــم                      مقـيد فـقــد دارت عـــلـــيك الـــدوائر أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال: لم يكن يجلس مع عثمان رضي الله عنه على سريره إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاصي والوليد بن عقبة، فأقبل الوليد يوما فجلس، ثم أقبل الحكم، فلما رآه عثمان زحل له عن مجلسه، فلما قام الحكم قال له الوليد: والله يا أمير المؤمنين، لقد تلخلج في صمري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمك على ابن أمك؛ فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه: إنه شيخ قريش، فما البيتان اللذان قلتهما? قال قلت:

رأيت لعم المرء زلفى قـرابة                      دوين أخيه حادثا لم يكن قدمـا

فأملت عمرا أن يشب وخالـدا                      لكي يدعواني يوم مزحمة عما يعني عمرا وخالدا ابني عثمان. قال: فرق له عثمان، وقال له: قد وليتك العراق يعني الكوفة.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني بعض أصحابنا عن ابن دأب قال:

 

صفحة : 519

 

لما ولي عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة الكوفة قدمها وعليها سعد بن أبي وقاص، فأخبر بقدومه؛ فقال: وما صنع? قال: وقف في السوق فهو يحدث الناس هناك ولسنا ننكر شيئا من شأنه؛ فلم يلبث أن جاءه نصف النهار، فاستأذن على سعد فأذن له، فسلم عليه بالإمرة وجلس معه؛ فقال له سعد: ما أقدمك أبا وهب? قال: أحببت زيارتك؛ قال: وعلى ذلك أجئت بريدا? قال: أنا أرزن من ذلك، ولكن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة؛ فمكث طويلا ثم قال: لا والله ما أدري أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدك ثم قال:

خذيني فجريني ضباع وأبـشـري                      بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره فقال: أما والله لأنا أقول للشعر وأروى له منك، ولو شئت لأجبتك، ولكني أدع ذلك لما تعلم؛ نعم والله قد امرت بمحاسبتك والنظر في أمر عمالك؛ ثم بعث إلى عماله فحبسهم وضيق عليهم، فكتبوا إلى سعد يستغيثون، فكلمه فيهم؛ فقال له: أو للمعروف عندك موضع? قال: نعم والله فخلي سبيلهم.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر قال حدثنا جناد بن بشر قال: حدثني جرير عن مغيرة بنحوه.

قال أبو زيد عمر بن شبة أخبرنا أبو بكر الباهلي قال حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب: أنه لما قدم على سعد قال له سعد: ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك? فقال: لا تخزعن أبا إسحاق، فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون؛ فقال له سعد: أراكم والله ستجعلونه ملكا.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني عن بشر بن عاصم عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: قدم الوليد بن عقبة عاملا لعثمان على الكوفة وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وكان سعد قد أخذ مالا، فقال الوليد لعبد الله: خذه بالمال، فكلمه عبد الله بمحضر من الوليد في ذلك؛ فقال سعد: آتى أمير المؤمنين، فإن أخذني به أديته. فغمز الوليد عبد الله، ونظر إليهما سعد فنهض وقال: فعلتماها ودعا الله أن يغري بينهما وأدى المال.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أأزيدكم? فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير عن الأجلح عن الشعبي في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه قال: قال الحطيئة:

شهـد الـحـطـيئة يوم يلـقـــى ربـــه                      أن الـولـيد أحـــق بـــالـــعـــذر

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم شكرا ومايدري

فأبوا أبا وهب ولو أذنوا                      لقـرنـت بـين الـشـفـع والـــوتـــر

كفـوا عـنـانـــك إذ جـــريت ولـــو                      تركـوا عـنـانـك لـم تـزل تــجـــري وقال الحطيئة أيضا:

تكلم في الصلاة وزاد فيهـا                      علانية وجاهر بالـنـفـاق

ومج الخمر في سنن المصلي                      ونادى والجميع إلى افتراق

أزيدكم على أن تحمـدونـي                      ومالكم ومالي مـن خـلاق أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال حماد بن إسحاق حدثني أبي قال ذكر أبو عبيدة وهشام بن الكلبي والأصمعي قالوا: كان الوليد بن عقبة زانيا شريب حمر، فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع، فصلى بهم أربع ركعات، ثم التفت إليهم وقال لهم: أزيدكم? وتقيأ في المحراب، وقرأ بهم في الصلاة وهو رافع صوته:

علق القلب الزبابـا                      بعد ما شابت وشابا فشخص أهل الكوفة إلى عثمان، فأخبروه خبره وشهدوا عليه بشربه الخمر، فأتي به، فأمر رجلا بضربه الحد؛ فلما دنا منه قال له: نشدتك الله وقرابتي من أمير المؤمنين فتركه؛ فخاف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يعطل الحد، فقام إليه فحده؛ فقال له الوليد: نشدتك بالله وبالقرابة؛ فقال له علي: اسكت أبا وهب فإنما هلكت بنو إسرائيل بتعطيلهم الحدود، فضربه وقال: لتدعوني قريش بعد هذا جلادها. قال إسحاق: فأخبرني مصعب الزبيري قال: قال الوليد بن عقبة بعد ما جلد: اللهم إنهم شهدوا علي بزور، فلا ترضهم عن أمير ولا ترض عنهم أميرا. فقال الحطيئة يكذب عنه:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه                      أن الوليد أحق بالـعـذر

 

صفحة : 520

 

 

خلعوا عنانك إذ جريت ولـو                      تركوا عنانك لم تزل تجري

ورأوا شمائل مـاجـد أنـف                      يعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوبا علـيك ولـم                      تنزع إلى طمـع ولافـقـر فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة:

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم ثملا وما يدري

ليزيدهم خيرا ولو قبلوا                      لقـرنـت بـين الـشـفـع والـــوتـــر

فأبـوا أبـا وهـب ولـو فــعـــلـــوا                      وصـلـت صـلاتـهـم إلـى الـعـشــر وروى العباس ميمون طائع عن ابن عائشة قاد حدثني أبي قال: لما أحضر عثمان رضي الله عنه الوليد لأهل الكوفة في شرب الخمر، حضر الحطيئة فاستأذن على عثمان وعنده بنو أمية متوافرون، فطمعوا أن يأتي الوليد بعذر، فقال:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربـه                      أن الوليد أحـق بـالـعـذر

خلعوا عنانك إذ جريت ولـو                      تركوا عنانك لم تزل تجري

ورأوا شمائل مـاجـد أنـف                      يعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوبا علـيك ولـم                      تنزع إلى طمع ولا فـقـر قال: فسروا بذلك وظنوا أن قد تام بعذره؛ فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة:

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم ثملا وما يدري

فأبوا أبا وهب ولو فعلوا                      وصـلـت صـلاتـهـم إلـى الـعـشــر في فوجم القوم وأطرقوا، فأمر به عثمان رضي الله تعالى عنه فحد.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي ال حدثني محمد بن الفضل من حفظه قال حدثنا عمر بن شبة من حفظه، ونسخت من كتاب لهارون ابن الزيات بخطه عن عمر بن شبة، وروايته أتم، فحكيت لفظه، قال: شهد رجل عند أبي العجاج، وكان على البصرة، على رجل من المعيطيين شهادة، وكان الرجل الشاهد سكران؛ فقال المشهود عليه وهو المعيطي: أعزك الله إنه لا يحسن أن يقرأ من السكر؛ فقال الشاهد: بلى إني لأحسن؛ فقال: اقرأ؛ فقال:

علق القلب الربابـا                      بعد ما شابت وشابا قال: وإنما تماجن بذلك على المعيطي، ليحكى به ما صنع الوليد بن عقبة في محراب الكوفة وقد تقدم للصلاة وهو سكران، فأنشد في صلاته هذا الشعر؛ وكان أبو العجاج محمقا فظن أن هذا قرآن، فقال: صدق الله ورسوله، ويلكم؛ فلم تعلمون ولا تعملون. ولقد روي أيضا في الشهادة على الوليد في الشكر غير ما ذكر من زيادته في الصلاة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال عرضت على المدائني عن مبارك بن سلام عن فطر بن خليفة عن أبي الضحى قال: كان أبو زينب الأزدي وأبو مورع يطلبان عثرة الوليد بن عقبة، فجاءا يوما فلم يحضر الصلاة، فسألا عنه وتلطفا حتى علما أنه يشرب، فاقتحما عليه الدار فرجداه تقيء، فاحتملاه وهو سكران فوضعاه على سريره وأخذا خاتمه من يده، فأفاق فافتقد خاتمه فسأل عنه؛ فقالوا: لا ندري وقد رأينا رجلين دخلا الدار فاحتملاك فوضعاك على سريرك؛ فقال: صفوهما لي؛ فقالوا: أحدهما آدم طويل حسن الوجه، والآخر عريض مربوع عليه خميصة؛ فقال: هذا أبو زينب وأبو موزع. ولقي أبو زينب وصاحبه عبد الله بن حبيش الأسدي وعلقمة بن يزيد البكري وغيرهما فأخبراهم، فقالوا: اشخصوا إلى أمير المؤمنين فأعلموه ة فقال بعضهم: لا يقبل قولنا في أخيه؛ فشخصوا إليه وقالوا: إنما جئناك في أمر ونحن مخرجوه إليك من أعناقنا، وقد قلنا: إنك لا تقبله، قال: وما هو? قالوا: رأينا الوليد وهو سكران من خمر قد شربها وهذا خاتمه أخذناه وهو لا يعقل؛ فأرسل إلى علي رضي الله تعالى عنه فشاوره؛ فقال: أرى أن تشخصه، فإن شهموا عليه بمخضر منه حددته؛ فكتب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الوليد بن عقبة فقدم عليه، فشهد عليه أبو زينب وأبو مورع وجتدب الأسدي وسعد بن مالك الأشعري، ولم يشهد عليه إلا يمان؛ فقال عثمان لعلي: قم فاضربه؛ فقال علي للحسن: قم فاضربه؛ فقال الحسن: مالك ولهذا يكفيك غيرك؛ فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه، فضربه بمخصرة فيها سير له رأسان، فلما بلغ أربعين قال له علي: حسبك.

 

 

صفحة : 521

 

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني عن الوقاصي عن الزهري قال: خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد، فقال: أكلما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم؛ فاستجاروا بعائشة؛ وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة، فقال: أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة؛ فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذه النعل؛ فتسامع الناس فجاؤوا حتى ملؤوا المسجد، فمن قائل: أحسنت، ومن قائل: ما للنساء وهذا حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال؛ ودخل رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان، فقالوا له: اتق الله ولا تعطل الحد، واعزل أخاك عنهم؛ فعزله عنهم.

أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني عن أبي محمد الناجي عن مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان رضي الله عنه: إني صليت الغداة خلف الوليد بن عقبة، فالتفت إلينا فقال: أأزيدكم? إني أجد اليوم نشاطا، وأنا أشم منه رائحة الخم؛ فضرب عثمان الرجل؛ فقال الناس: عطلت الحدود وضربت الشهود.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثنا أبو بكر الباهلي عن بعض من حدثه قال: لما شهد على الوليد عند عثمان بشرب الخمر كتب إليه يأمره بالشخوص، فخرج وخرج معه قوم يعذرونه، فيهم عدي بن حاتم، فنزل الوليد يوما يسوق بهم، فقال يرتجز:

لا تحسبنا قد نسينـا الإيجـاف                      والنشوات من عتيق أو صاف

وعزف قينات علينا عزاف فقال عدي: إلى أين تذهب بنا أقم.

أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال عرضت على المدائني عن قيس بن الربيع عن الأجلح عن الشعبي عن جندب قال: كنت فيمن شهد على الوليد، فلما استتممنا عليه الشهادة حبسه عثمان، ثم ذكر باقي خبره وضرب علي عليه السلام إياه، وقول الحسن: ما لك ولهذا، فزاد فيه: فقال له علي: لست إذا مسلما، أو من المسلمين. حدثنا إبراهيم بن عبد الله المخزومي قال حدثنا سعيد بن محمد المخزومي قال حدثنا ابن علية قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن عبد الله الداناج قال سمعت الحضين بن المنذر أبا ساسان يحدث، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال حدثنا عبد الله الداناج عن حضين أبي ساسان قال: لما جيء بالوليد بن عقبة إلى عثمان بن عفان وقد شهدوا عليه بشرب الخمر، قال لعلي: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد؛ فأمر به فجلد أربعين. ثم ذكر نحو هذا الحديث وقال فيه: فقال علي للحسن: بل ضعفت ووهنت، وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر، فقام فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال علي: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وأتمها عمر ثمانين، وكل سنة.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد قال: لما ضرب عثمان الوليد الحد قال: إنك لتضربني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاما قابلا.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله قال أخبرني محمد بن حبيب عن ابن الاعرابي قال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد، وأخبرني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم، قالوا جميعا: كان أبو زبيد الطائي نديما للوليد بن عقبة ألام ولايته الكوفة، فلما شهد عليه بالسكر من الخمر وخرح من الكوفة قال أبو زبيد - واللفظ في القصيدة لليزيدي لأنها في روايته أتم -:

من يرى الـعـير لابـن أروى عـلـــى ظـــه                      ر الـمـروري حـداتــهـــن عـــجـــال

مصـعـدات والـــبـــيت بـــيت أبـــي وه                      ب خـلاء تـحـن فـــيه الـــشـــمـــال

يعرف الجاهل المضلل أن الدهر فيه النكراء والزلزال

ليت شعري كذاكم العهد أم كا                      نوا أنـاسـا كـــمـــن يزول فـــزالـــوا

بعــد مـــا تـــعـــلـــمـــين يا أم زيد                      كان فـيهـم عــز لـــنـــا وجـــمـــال

ووجــوه بـــودنـــا مـــشـــرقـــات                      ونـــوال إذا أريد الـــــــنـــــــوال

أصبح البيت قد تبدل بالحي وجوها كأنـهـا الأقـتـال

 

صفحة : 522

 

 

كل شـيء يحـتـــال فـــيه الـــرجـــال                      غير أن لـيس لـلـمــنـــايا احـــتـــيال

ولـعـمـر الإلـه لـو كـان لـــلـــســـي                      ف مـصـال أو لـلـــســـان مـــقـــال

ما تـنـاسـيتـك الـصـــفـــاء ولا الـــود                      ولاحـــال دونـــك الأشـــغـــــــال

ولحرمت لحمك المتعضى ضلة ضل حلمهم ما اغتالوا

قولهم شربلث الحرام وقد كا                      ن شـراب ســـوى الـــحـــرام حـــلال

وأبـى الـــظـــاهـــر الـــعـــداوة إلا                      شنـــآنـــا وقـــول مـــالا يقـــــال

من رجـال تـقـارضــوا مـــنـــكـــرات                      لينـالــوا الـــذي أرادوا فـــنـــالـــوا

غير مـا طـالـبـــين ذحـــلا ولـــكـــن                      قال دهـر عـلـى أنــاس فـــمـــالـــوا

من يخـنـك الـصـــفـــاء أو يتـــبـــدل                      أو يزل مـثـل مــا تـــزول الـــظـــلال

فاعلمن أنني أخوك أخو الود حياتي حتى تزول الجبال

ليس بخلا عليك عندي بمال                      أبـدا مـا أقـــل نـــعـــلا قـــبـــال

ولك النصر باللسان وبالكف إذا كان لليدين مـصـال

من يرى العير لابن أروى على ظه                      ر الـمـروري حـداتــهـــن عـــجـــال

مصـعـدات والــبـــيت بـــيت أبـــي وه                      ب خـلاء تـحـن فـــيه الـــشـــمـــال عروضه من الخفيف. المروري: جمع مروراة وهي الصحراء. غنى الدلال فيه خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وغيره.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: لما قدم الوليد بن عقبة الكوفة قدم عليه أبو زبيد، فأنزله دار عقيل بن أبي طالب على باب المسجد وهي دار القبطي، فكان مما احتج به عليه أهل الكوفة أن أبا زبيد كان يخرج إليه من داره يخترق المسجد وهو نصراني فيجعله طريقا.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال  حدثني عمي عبيد الله عن أبي حبيب بن جبلة عن ابن الأعرابي: أن أبا زبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد دارا لعقيل بن أبي طالب على باب المسجد، فاستوهبها منه فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن عليه من أهل الكوفة؛ لأن أبا زبيد كان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد، فيسمر عنه ويشرب معه ويخرج فيشق المسجد وهو سكران، فذلك نبههم عليه.

قال: وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولي الوليد بن عقبة صدقات بني تغلب، فبلغه عنه بيت قاله وهو:

إذا ما شددت الرأس مني بمشوذ                      فغيك مني تغلـب بـنة وائل وكان أبو زبيد قد استودع بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب إبلا فلم يردوها عليه حين طلبها، وكانت بنو تغلب أخوال أبي زبيد، فوجد الوليد بني تغلب ظالمين لأبي زبيد، فأخذ له الوليد بحقه؛ فقال يمدح الوليد:

يا ليت شعري بأنباء أنـبـؤهـا                      قد كان يعيا بها صدري وتقديري

عن امرىء مايزده الله من شرف                      أفرخ به ومري غير مسـرور يعني مري بن أوس بن حارثة بن لأم. وهي طويلة يقول فيها:

إن الوليد له عنـدي وحـق لـه                      ود الخليل ونصح غير مذخـور

لقد رعاني وأدناني وأظهـرنـي                      على الأعادي بنصر غير تعذير

فشذب القوم عني غير مكتـرث                      حتى تناهوا على رغم وتصغير

نفسي فداء أبي وهب وقـل لـه                      يا أم عمرو فحلي اليوم أو سيري وفي رواية ابن حبيب:  يا أم زيد  ، يعني: يا أم أبي زبيد.

أخبرني محمد بن العباس عن عمه عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: كان الوليد بن عقبة قد استعمل الزبيع بن مري بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي على الحمى فيما بين الجزيرة وظفر الحيرة، فأنجدبت الجزيرة، وكان أبو زبيد في تغلب، فخرج بهم ليرعيهم؛ فأبى عليه الأوسي وقال: إن شئت أن ارعيك وحدك فعلت وإلا فلا؛ فأتى أبو زبيد الوليد بن عقبة، فأعطاه ما بين القصور الحمر من الشأم إلى القصور الحمر من الحيرة وجعله له حمى، وأخذها من الآخر. هكذا روى ابن حبيب. وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: كانت الجنينة في يد مري بن أوس، فلما قدم الوليد بن عقبة الكوفة انتزعها منه ودفعها إلى أبي زبيد. والقول الأول أصح، وشعر أبي زبيد يدل عليه في قوله في الوليد بن عقبة يمدحه:

لعمر أبيك يابن أبي مـري                      لغيرك من أباح لها الديارا

 

صفحة : 523

 

 

أباح لها أبـارق ذات نـور                      ترعى القف منها والعرارا

بحمد الله ثم فـتـى قـريش                      أبي وهب غدت بطنا غزارا

أياح لها ول ايحمى علـيهـا                      إذا ما كنتـم سـنة جـزارا يريد جزرا من الجدب والشدة.

 

فتى طالت يداه إلى المعالـي                      وطحطحتا المقطعة القصارا وهي أبيات.

قال عمر بن شبة في خبره خاصة: فلما عزل الوليد ووليها سعيد انتزعها منه وأخرجها من يده؛ فقال:

ولـــقـــد مـــت غـــير أنـــي حـــــي                      يوم بــانـــت بـــودهـــا خـــنـــســـاء

من بـنـي عـامـر لـهـا شــق نـــفـــســـي                      قســـمة مـــثـــل مـــا يشـــق الـــرداء

أشـربـت لـــون صـــفـــرة فـــي بـــياض                      وهـــي فـــي ذاك لــــــدنة غـــــــيداء

كل عـين مــمـــن يراهـــا مـــن الـــنـــا                      س إلـــيهـــا مـــــــديمة حـــــــولاء

فانــتـــهـــوا إن لـــلـــشـــدائد أهـــلا                      وذروا مـــــا تـــــــزين الأهـــــــواء

ليت شـــعـــري وأبـــن مـــنـــي لـــيت                      إن لـــيتـــا وإن لـــوا عـــــنـــــــاء

أي سـاع سـعـى لـــيقـــطـــع شـــربـــي                      حين لاحـت لـلـــصـــابـــح الـــجـــوزاء

واستظل العصفور كرها مع الضب وأوفى في عوده الحرباء

ونفى الجندب الحصا بكراعي                      ه وأذكـت نـــيرانـــهـــا الـــمـــعـــزاء

من ســمـــوم كـــأنـــهـــا حـــر نـــار                      سفـــعـــتـــهـــا ظـــهـــيرة غـــراء

وإذا أهـــل بـــلـــدة أنـــكـــرونـــــي                      عرفـتـنـــي الـــدوية الـــمـــلـــســـاء

عرفـت نـاقـتـي الــشـــمـــائل مـــنـــي                      فهــي إلا بـــغـــامـــهـــا خـــرســـاء

عرفـت لـيلـهـــا الـــطـــويل ولـــيلـــي                      إن ذا الـلـــيل لـــلـــعـــيون غـــطـــاء

أي سـاع سـعـى لـــيقـــطـــع شـــربـــي                      حين لاحـت لـلـــصـــابـــح الـــجـــوزاء

واستكن العصفور كرها مع الضب وأوفى في عوده الحرباء

وإذا الدار أهلها أنكروني                      عرفـتـنـــي الـــدوية الـــمـــلـــســـاء

عرفـت نـاقـتـي الــشـــمـــائل مـــنـــي                      فهـي إل ابـــغـــامـــهـــا خـــرســـاء

عرفـت لـيلـهـــا الـــطـــويل ولـــيلـــي                      إن ذا الـلـــيل لـــلـــعـــيون غـــطـــاء عروضه من الخفيف. غناه ابن سريج خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وغنى داود بن العباس الهاشمي في الخامس ثم الثالث خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

قال ابن حبيب في خبره: وقال أبو زبيد يثشوق إلى الوليد لما خرج عن الكوفة:

لعمري لئن أمسى الوليد ببلـدة                      سواي لقد أمسيت للدهر معورا قال ابن حبي:  ويروي سوي لقد  وهي لغة طيء.

 

خلا أن رزق الـلـه غـاد ورائح                      وأني له راج وإن سرت أشهـرا

وكان هو الحصن الذي ليس مسلمي                      إذا أن ابالنكراء هيجت معـشـرا

إذا صادفوا دوني الوليد كـأنـمـا                      يرون بوادي ذي حماس مزعفـرا

خضيب بنان مـا يزال بـراكـب                      يخب وضاحي جلده قد تقـشـرا وهي طويلة.

حدثني إسحاق بن بنان الأنماطي قال حدثنا حبيش بن مبشر قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة طعانا، فقال له علي رضي الله تعالى عنه: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزل القرآن:  أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون  أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن حاتم قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا شيبان عن قتادة في قوله تعالى:  إن جاءكم فاسق بنبإ  قال: هذا ابن أبي معيط الوليد بن عقبة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا، فلما رأوه أقبلوا نحوه فهابهم؛ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل؛ فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه؛ فلما جاؤوه أخبروه بآنهم متمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم؛ فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يغجبه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا نعيم بن حكيم عن أبي مريم عن علي:

 

صفحة : 524

 

أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي الوليد وقالت: إنه يضربها؛ فقال لها:  ارجعي وقولي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجارني  ، فانطلقت فمكثت ساعة، ثم رجعت فقالت: ما أقلع عني? فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم هدبة من ثوبه ثم قال:  امضي بهذا ثم قولي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارني  ؛ فانطلقت فمكثت ساعة ثم رجعت فقالت: يا رسول الله ما زادني إلا ضربا؛ فرفع يديه وقال: لا اللهم عليك الوليد  مرتين أو ثلاثا.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شثة، وحدثني أبو عبيد الصيرفي قال حدثني الفضل بن الحسن البصري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أيوب بن عمر قال حدثنا عمر بن أيوب قال حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد الله الهمداني: أن الوليد بن عقبة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح على رؤوسهم، فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسسني، وما منعه إلا أن أمي خلقتني بخلوق فلم يمسسني من أجل الخلوق.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا خلف بن الوليد قال حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن: أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يريه كتيبتين تقتتلان، فتحمل إحداهما على الأخرى فتهزمها؛ فقال له الساحر: أيسرك أن أريك هذه المنهزمة تغلب الغالبة فتهزمها? قال: نعم؛ وأخبر جندب بذلك، فاشتمل على السيف ثم جاء فقال: أفرجوا، فضربه حتى قتله، ففزع الناس وخرجوا؛ فقال: يا أيها الناس لا عليكم، إنما قتلت هذا الساحر لئلا يفتنكم في دينكم، فحبسه قليلا ثم تركه.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي، وحدثنا سعيد بن عبد العزيز عن الزهري: أن رجلا من الأنصار نظر إلى رجل يستعلن بالسحر، فقال: أو إن السحر ليعلن به في دين محمد فقتله؛ فأتي به الوليد بن عقبة فحبسه؛ فقال له دينار بن دينار: فيم حبست? فأخبره فخلي سبيله؛ فأرسل الوليد إلى دينار فقتله.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو عمران الجونى: أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج منه؛ فرآه جندب، فذهب إلى بيته فاشتمل على سيف، فلما دخل الساحر في جوف البقرة، قال: أتأتون السحر وأنتم تبصرون، ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر في البقرة قانذعر الناس، فسجنه الوليد وكتب بذلك إلى عثمان رضي الله عنه؛ وكان السخان يفتح له الباب بالليل فيذهب إلى أهله فإذا أصبح دخل السجن.

أخبرنى أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا حجاج بن نصير قال حدثنا قزة عن محمد بن سيرين قال: انطلق بجتدب بن كعب إلى سجني خارج من الكوفة وعلى السجن رجل نصراني، فلما رأى جندب بن كعب يصوم النهار ويقوم الليل، قال النصراني: والله إن قوما هذا شرهم لقوم صدق؛ فوكل بالسجن رجلا ودخل الكوفة فسأل عن أفضل أهل الكوفة، فقالوا: الأشعث بن قيس فاستضافه، فجعل يرى أبا محمد ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه؛ فخرج من عنده فسأل: أي أهل الكوفة أفضل. فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة ثم قال: ربي رب جندب وديني على دين جندب، وأسلم.

حدثني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الخزاز عن المدائني عن علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن الزهري وغيره، قالوا:

 

صفحة : 525

 

لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق، نزل رجل فساق بالقوم ورجز، ثم نزل آخر فساق بالقوم ورجز، ثم بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواسي أصحابه، فنزل فجعل يقول:  جندب وما جندب والأقطع الخير زيد  ؛ فدنا منه أصحابه وقالوا: يا رسول الله ما ينفعنا مشيك مخافة أن تلسعك دابة الأرض أو تصيبك نكبة فركب ودنوا منه فقالوا: لقد قلت قولا ما ندري ما هو? قال:  وما ذاك  ?: قالوا: قولك  جندب وما جندب والأقطع الخير زيد  ؛ فقال:  رجلان يكونان في هذه الأمة يضرب أحدهما ضربة يفرق بين الحق والباطل وتقطع يد الآخر في سبيل الله فيتبع الله آخر جسده بأوله  ؛ فكان زيد بن صوحان، قطعت يده يوم جلولاء وقتل يوم الجمل مع علي. وأما جندب فإنه رجل دخل على الوليد بن عقبة وعنده ساحر يكنى أبا شيبان يأخذ أعين الناس فيخرج مصارين بطنه ثم يعيدها فيه؛ فجاء من خلفه فقتله، وقال:

العن وليدا وأبـا شـيبـان                      وابن حبيش راكب الشيطان

رسول فرعون إلى هامان أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: نزع عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص. قال أبو زيد: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن قال حدثنا سعيد بن جامع الهجيمي قال: لما أقبل سعيد من المدينة عامدا للكوفة بعد ما خرج واليا لعثمان جعل يرتجز في طريقه:

ويل نسيات العراق مني                      كأنني سمعمع من جن أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني عن أبي علقمة عن سعيد بن أشوع قال قال عدي بن حاتم: قدم سعيد بن العاص الكوفة فقال: اغسلوا هذا المنبر، فإن الوليد كان رجسا نجسا؛ فلم يصعده حتى غسل، عيبا على الوليد. وكان الوليد أسن منه وأسخى نفسا وألين جانبا وأرضى عندهم، فقال بعض شعرائهم:

يا ويلنا قد ذهـب الـولـيد                      وجاءنا من بعـده سـعـيد

ينقص في الصاع ولا يزيد وقال آخر:

فررت من الوليد إلى سـعـيد                      كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا

يلينا مـن قـريش كـل عـام                      أمير محدث أو مسـتـشـار

لنا نار تحرقنـا فـنـخـشـى                      وليس لهم فلا يخشـون نـار أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني قال: قدم الوليد بن عقبة الكوفة زائرا للمغيرة بن شعبة، فأتاه أشراف أهل الكوفة يسلمون عليه، فقالوا: والله ما رأينا بعدك مثلك؛ فقال: أخيرا أم شرا? فقالوا: بل خيرا؛ قال: ولكني والله ما رأيت بعدكم شرا منكم، فأعادوا الثناء عليه، فقال: بعض ما تثنون به، فوالله إن بغضكم لتلف، وإن حبكم لصلف.

قال أبو زيد: وذكروا أن قبيصة بن جابر كان ممن كثر على الوليدة فقال معاوية يوما والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد. فقال: خيرا يا أمير المؤمنين، في أول وصل الرحم وأحسن الكلام فلا تسألن عن الشكر وحسن الثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه وكنا منهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإما مظلومون فغفر الله له، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين، فإن الحديث ينسي القديم؛ قال: ولم. فوالله لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكف الش؛ قال: فأنت أقدر على ذلك يا أمير المؤمنين منه فافعل؛ قال: اسكت لا سكت، فسكت وسكت القوم؛ فقال له: مالك لا تتحدث? قال: نهيتني عما كنت أحب فسكت عما أكره.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني قال: مات الوليد بن عقبة فويق الرقة، ومات أبو زبيد، فدفنا جميعا في موضع واحد. فقال في ذلك أشجع السلمي وقد مر بقبريهما:

مررت على عظام أبي زبيد                      وقد لاحت ببلقعة صلـود

وكان له الوليد نديم صـدق                      فنادم قبره قبـر الـولـيد

وما أدري بمن تبدا المنـايا                      بأحمد أو بأشجـع أو يزيد أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال:

 

صفحة : 526

 

خرج الوليد بن عقبة غازيا للروم وعلى مقدمته عتبة بن فرقد، فلقيه الروم فقاتلوه ة فقال له رجل من العرب نصراني: لست على دينكم ولكني أنصحكم للنسب، فالقوم مقاتلوكم إلى نصف النهار، فإن رأوكم ضعفاء أفنوكم وإن صبرتم هربوا وتركوكم؛ فقال سلمان بن ربيعة: يا معشر المسملمين، ما عذركم عند الله غدا إن أصيب عتبة بن فرقد وأصحابه ولم يعنهم أحد منكم؛ فركب معه ثلاثة آلاف رجل على البغال يجنبون الخيل، فلحقوا عتبة وأصحابه، فقاتلوا معهم قتالا شديدا حتى هزم الله الروم. فقال الوليد بن عقبة:

أتاني من الفج الذي كنت آمنا                      بقية شذاذ من الخيل ظـلـع

عليها العبيد يضربون جنوبها                      ونازل منا كل خرق سميذع

فإني زعيم أن تصيح نساؤهم                      صياح دجاج المرية المتوزع وقال الحطيئة يمدح الوليد بذلك، وكان قد وصله وكان الوليد جوادا:

أرى لابن أروى خلتين اصطفاهما                      قتال إذا يلقى الـعـدو ونـائلـه

فتى يملأ الشيزى ويروى بكفـه                      سنان الرديني الأصم وعامـلـه

يؤم العدو حيث كان بجـحـفـل                      يصم السميع جرسه وصواهلـه

إذا حان منه منزل الليل أو قـدت                      لأخراه في أعلى اليفاع أوائلـه

نفيت الجعاد البيض عن حردارهم                      فلم يبق إلاحية أنـت قـاتـلـه فقال الحليس بن نعيم النهدي يكذب الحطيئة:

وأبلغ أبا وهب إذا ما لـقـيتـه                      فقد حاربتك الروم فيمن تحارب

وفي الأرض حيات وأسد كثيرة                      عدو ولكن الحـطـيئة كـاذب أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمربن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن أبي مخنف عن خالد بن قطن عن أبيه قال: لما قتل عثمان أرسل علي فأخذ كل ما كان في داره من السلاح وإبلا من إبل الصدقة، فلذلك قال الوليد بن عقبة:

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم                      ولا تنهبوه لا تحل منـاهـبـه و يروى:

ولا تهبوه لا تحل مواهـبـه

بني هاشم كيف الهوادة بيننا                      وعند علي سيفه ونـجـائبـه

قتلتم أخي كيما تكونوا مكـانـه                      كما فعلت يوما بكسرى مرازبه هكذا في الخبر:

ولا تهبوه لا تحل مواهبه أخبرني الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن إسحاق الجعفرفي: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لقي بجادا مولى عثمان، فأخبره أن عثمان قد قتل؛ فقال:

ليت أني هلكت قبل حـديث                      سل جسمي وريع منه فؤادي

يوم لاقيت بالبـلاط بـجـادا                      ليت أني هلكت قبل بـجـاد وقد زيد في هذا الشعر بيت ونقص منه آخر مكانه وغني فيه، وهو:

طال ليلي وملنـي عـوادي                      وتجافى عن الضلوع مهادي

من حديث نمي إلي فمـا ير                      قأ دمعي ولا أحس رقـادي

يوم لاقيت بالبلاط بـجـادا                      ليت أني هلكت قبل بجـاد

وبنفسي التي أحب وأهلـي                      وبمالي وطارفي وتـلادي

قلت لاتغضبي فذلك قولـي                      بلساني وما يجـن فـؤادي غنى فيه ابن عباد ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر في الأول والرابع من الأبيات، وذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج في هذه الطريقة في الأول والثاني، وذكر ابن المكي أنه للغريض ثاني فيل بالخنصر في مجرى البنصر، ووافقه يونس. وذكر أن في هذا الشعر لابن سريج والغريض لحنين في الخمسة الأبيات. وذكر حبش أن فيها لمعبد ثقيلا أول بالوسطى، ولعبد الله بن العباس الربيعي ثاني قيل بالوسطى، وللغريض خفيف رمل بالوسطى، ولسليم ثقيل أول بالوسطى. وذكر أحمد بن عبيد أن فيه رملا لابن جامع في البيت الأول وحده، وأن فيه هزجا لا يعرف صانعه.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال حدثني أبي قال:

 

صفحة : 527

 

أرسل إلي محمد بن زبيدة في ليلة من ليالي الصيف مقمرة: يا عم إن الجرب بيني وبين طاهر بن الحسين قد سكنت، فصر إلي فإني إليك مشتاق؛ فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة، وعنده سليمان بن جعفر عليه كساء روذباري وقلنسوة طويلة، وجواريه بين يديه، وضعف جاريته عنده، فقال لها: غنيني فقد سررت بعمومتي؛ فاندفعت تغنيه:

هم قتلوه كي يكونوا مـكـانـه                      كما فعلت يوما بكسرى مرازبه

بني هاشم كيف التواصل بيننـا                      وعند أخيه سيفه ونـجـائبـه هكذا غنت؛ وإنما هو:

وعند علي سيفه ونجائبه فغضب وتطير وقال لها: ما قصتك ويحك انثني وانتهي وغنيني ما يسرني فأندفعت وغنت:

هذا مقـام مـطـرد                      هدمت منازله ودوره فازداد تطيرا، ثم قال لها: ويحك انتهي، غنيني غير هذا، فغنت:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا                      وأيسر جرما منك ضرج بالدم فقال لها: قومي إلى لعنة الله فوثبت وكان بين يديه قدح بلور وكان لحبه إياه سماه باسمه محمدا، فأصابه طرف ذيلها فسقط على بعض الصواني فأنكسر وتفتت؛ فأقبل علي وقال: أرى والله يا عم أن هذا آخر أيامنا؛ فقلت: كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك؛ قال: ودجلة والله يا بني هادئة ما فيها صوت مجداف ولا أحد يتحرك وهي كالطست هادئة، فسمعت هاتفا يهتف:  قضي الأمر الذي فيه تستفتيان  . قال: فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم? فقلت: وما هو? وقد والله سمعته - فقال: الصوت الذي جاء الساعة من دجلة؛ فقلت: ما سمعت شيئا، وما هذا إلا توهم؛ فإذا الصوت قد عاد يقول:  قضي الأمر الني فيه تستفتيان  . فقال: انصرف يا عم بيتك الله بخير، فمحال ألا تكون الآن قد سمعت ما سمعت؛ فانصرفت، وكان آخر العهد به أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري ومحمد بن يحيى الصولي واللفظ له، قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد عن أبيه، قال محمد: وحدثنا عبد الله بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن جميعا عن مطرف بن عبد الله عن عيسى بن يزيد، قال: وفد الوليد بن عقبة، وكان جوادا، على معاوية، فقيل له: هذا الوليد بن عقبة بالباب؛ فقال: والله ليرجعن معطيا غير معطى، فإنه الآن قد أتانا يقول: علي دين وعلي كذا وكذا؛ يا غلام ائذن له، فأذن له؛ فسأله وتحدث معه، ثم قال: أما والله إن كنا لنحب إيثار مالك بالوادي وقد أعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت؛ فقال الوليد: هو ليزيد، ثم خرج وجعل يختلف إلى معاوية أياما، فقال له يوما: انظر يا أمير المؤمنين في شأني، فإن علي مؤونة وقد أرهقني دين؛ فقال له معاوية: ألا تستحي لحسبك ونسبك تأخذ ما تأخذ فتبذره ثم لا تنفك تشكو دينا، فقال له الوليد: أفعل، ثم انطلق مكانه فصار إلى الجزيرة، فقال:

فإذا سـئلـت تـقـول لا                      وإذا سألت تقول هـات

تأبى فعـال الـخـير لا                      تروي وأنت على الفرات

أفلا تمـيل إلـى نـعـم                      أو ترك لا حتى الممات قال: فبلغ معاوية مقدمه الجزيرة، فخافه وكتب إليه: أن أقبل إلي؛ فكتب إليه:

أعف وأسـتـحـيي كـمـا قـد أمـرتـنـي                      فأعـط سـواي مـا بـدا لـك وانـحـــل

سأحـدو ركـابـي عـنـك إن عـزيمـتـي                      إذا نـابـنـي أمـر كـسـلة مـنـصــل

وإنـي امـرؤ لـلـرأي مـنـي تـطــرف                      وليس شـبـا قـفـل عـلـي بـمـقـفـل

ورحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بجائزة. انقضت أخبار الوليد بن عقبة.

 

ربـمـا نـــبـــهـــنـــي الإخ                      وان والـــلـــيل بـــهـــــيم

حين غـــارت وتـــدلـــــــت                      في مـهـاويهـا الـــنـــجـــوم

ونـعـاس الـلــيل فـــي عـــي                      ني كـالـــثـــاوي مـــقـــيم

للـتـي تـعــصـــر لـــمـــا                      أينـعـت مـنـهــا الـــكـــروم

أنـــا بـــالـــري مـــقـــيم                      في قـــرى الـــري أهـــــيم

ما أراني عن قرى الري مدى دهري أريم الشعر والغناء لإبراهيم الموصلي. ولحنه المختار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. ولإبراهيم أيضا فيه خفيف ثقيل، وقيل: إنه لابنه إسحاق. وفيه لأحمد بن يحيى المكي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وأحمد بن عبيد.

 

نسب إبراهيم الموصلي وأخباره

 

 

صفحة : 528

 

هو فيما أخبرنا به يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن حماد عن أبيه، وأخبرني به عبد الله بن الربيع عن وسواسة، وهو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي عن أبيه عن جده وعن حماد عن أبيه - إبراهيم بن ميمون أو ابن ماهان بن بهمن بن نسك، وكان سبب نسبه إلى ميمون أنه كتب إلى صديق له فعنون كتابه: من إبراهيم بن ماهان؛ فقال له بعض فتيان الكوفة: أما تستحي من هذا الاسم فقال: هو اسم أبي؛ فقال: غيره؛ فقال: وكيف أغير فأخذ الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمون، فتقي إبراهيم بن ميمون.

قال إسحاق عن أبيه: وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريف في العجم، وكان جدنا ميمون هرب من جور بعض عمال بني أمية، فنزل بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فكان بين إبراهيم وبين ولد نضلة بن نعيم رضاع. وأم إبراهيم امرأة من بنات الدهاقين الذين هربوا من فارس لما هرب ميمون أبو إبراهيم، فنزلوا جميعا بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فتزوجها ماهان بالكوفة فولدت إبراهيم ومات في الطاعون الجارف، وخلف إبراهيم طفلا. وكان مولد إبراهيم سنة خمس وعشرين ومائة بالكوفة، وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنة.

قال أحمد بن أحمد بن إسماعيل وسواسة في خبره: ومات ماهان وخلف إبراهيم طفلا، فكفله آل زيمة بن خازم. وقال يحيى بن علي في خبره: إنه كان لإبراهيم لما مات أبوه سنتان أو ثلاث، وخلف معه أخوين له من غير أمه كبر منه، فأقام إبراهيم مع أمه وأخواله حتى ترعرع، فكان مع ولد خزيمة بن خازم في الكتاب، فبهذا السبب صار ولاؤه لبني تميم. وسأله الرشيد فقال: ما السبب بينك وبين بني تميم. فآقتص عليه قصته، وقال: ربونا يا أمير المؤمنين فأحسنوا تربيتنا، ونشأت فيهم وكان بيننا رضاع، فتولونا بهذا السبب؛ فقال له الرشيد: ويحك فما أراك إذا إلا مولاي؛ فقال: فهذه والله قضتي يا أمير المؤمنين.

قال يحيى بن علي في خبره: وكان سبب قولهم إبراهيم الموصلي أنه لما نشأ واشتد، وأدرك، صحب الفتيان واشتهى الغناء طلبه، واشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل، فأقام بها نحوا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلي، فلقب به. وقال أحمد في خبره: إن سبب طلبه الغناء أنه خرج إلى الموصل، فصحب جماعة من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم، ويجمعون ما يفيدونه فيقصفون ويشربون ويغنون، فتعلم منهم شيئا من الغناء وشدا، فكان أطيبهم وأحذقهم، فلما أحس بذلك من نفسه اشتهى الغناء وطلبه وسافر إلى المواضع البعيدة فيه. وذكر ابن خرداذبه وهو قليل التحصيل لما يقوله ويضمنه كتبه - أن سبب نسبته إلى الموصل أنه كان إذا سكر، كثيرا ما يغني على سبيل الولع:

أناجت من طرق موصل                      أحمل قلـل خـمـريا

من شارب الملوك فـلا                      بد مـن سـكـــريا وما سمعت بهذه الحكاية إلا عنه، وإنما ذكرتها على غثاثتها لشهرتها عند الناس، وأنها عندهم كالصحيح من الرواية في نسبة إبراهيم إلى الموصل، فذكرته دالا على عواره.

أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي وابن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أسلم أبي إلى الكتاب فكان لا يتعلم شيئا، ولا يزال يضرب ويحبس ولا ينجع ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء، ثم صار إلى الري وتعلم بها أيضا، ومهر وتزوج هناك امرأته دوشار - وتفسير هذا الاسم أسدان وطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي، وتزوج بها أيضا شاهك أم إسحاق ابنه وسائر ولده. قال: وفي دوشار هذه يقول إبراهيم، وله فيه غناء من الهزج:

دوشـار يا سـيدتـي                      يا غايتي ومنـيتـي

ويا سروري من جمي                      ع الناس ردي سنتي

 

صفحة : 529

 

قال إسحاف وحدثني أبي قال: أول شيء أعطيته بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئا، ولا أنفق إلا من بقية مال كان معي وانصرفت به من الموصل؛ فمر بنا خادم أنفذه أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة، فسمعني عند رجل من أهل الري، فشغف بي وخلع علي دواج سمور، له قيمة، ومضى بالرسالة ورجع وقد وصله العامل بسبعة الاف درهم وكساه كسوة كثيرة، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه فأقام عندي ثلاثة أيام، ووهب لي نصف الكسوة التي معه وألفي درهم، فكان ذلك أول ما اكتسبته بالغناء، فضلت: والله لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها، ووصف لي رجل بالأبلة يقال له جوانويه كان حاذقا، فخرجت إليه وصحبت فتيانها، فأخذت عنهم وغنيتهم فشغفوا بي.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جده قال: لما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله، فانتظرته حتى جاء، فلما رآني احتشمني وكان مجوسيا، فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته فيها، فرحب بي وأفرد لي جناحا في داره، ووكل بي أخته، فقدمت إلي ما أحتاج إليه؛ فلما كان العشي عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن يغني، فنزلت إليه، فجلسنا في مجلس قد صفي لنا فيه نبيذ وأعدت لنا فاكهة ورياحين، فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنوا، فلم أجد عند أحد منهم فائدة؛ وبلغت النوبة إلي، فضربت وغنيت، فقاموا كلهم إلي وقبلوا رأسي، وقالوا: سخرت منا، نحن إلى تعليمك لنا أحوج منك إلينا، فأقمت على تلك الحال أياما، حتى بلغ محمد بن سليمان بن علي خبري، فوجه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته، فقلت له: أيها الأمير، إن لست أتكسب بالغناء وإنما ألتذه فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة، فلم أنتفع بذلك عنده وأخذني بملازمته، وسألني: من أين أنا? فانتسبت إلى الموصل، فلزمتني وعرفت بها؛ ولم أزل عنده أثيرا مكرما حتى قدم عليه خادم من خدم المهدي، فلما راني عنده قال له: أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك، فدافعه عني، فلما قدم الرسول على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بذلك حتى انتهى إلى ذكري فوصفني له؛ فأمره المهدي بالرجوع إلى محمد وإشخاصي إليه، ففعل ذلك وجاء فأشخصني إلى المهدي، فحظيت عنده وقدمني.

قال وسواسة في خبره عن إسحاق فحدثني أبي قال: كان أول هاشمي صحبته علي بن سليمان بن علي أخو جعفر ومحمد، وكان فتاهم ظرفا ولهوا وسماحة، ووصفني له جوانويه ومضى بي إليه، فوقعت من قلبه كل موقع. وأول خليفة سمعني المهدي، وصفت له فأخذني من علي بن سليمان، وما سمع قبلي من المغنين أحدا سوى فليح بن أبي العوراء وسياط، فإن الفضل بن الربيع وصلهما به.

فال إسحاق: فحدثني أبي قال: كان المهدي لا يشرب فأرادني على ملازمته وترك الشرب فأبيت عليه، وكنت أغيب عنه الأيام، فإذا جئته جئته منتشيا، فغاظه ذلك مني فضربني وحبسني، فحذقت الكتابة والقراءة في الحبس، ثم دعاني يوما فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرتي إخواني، ولو أمكنني تركها لتركتها وجميع ما أنا فيه لله جل وعز، فغضب غضبا شديدا وقال: لا تدخل على موسى وهارون البتة، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن؛ فقلت: نعم، ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما، وكانا مستهترين بالنبيذ، فضربني ثلثمائة سوط، وقيدني وحبسني.

 

 

صفحة : 530

 

قال أحمد بن إسماعيل في خبره قال عمي إسحاق فحدثني أبي: أنه كان معهما في نزهة لهما ومعهم أبان الخادم، فسعى بهما وبي إلى المهدي وحدثه بما كنا فيه، فدعاني فسألني فأنكرت، فأمر بي فجردت فضربت ثلثمائة وستين سوطا؛ فقلت له وهو يضربني: إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل لك بها سفك دمي، والله لو كان سر ابنيك تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو قطعتا، ولو فعلت ذلك لكنت في حالة أبان الساعي العبد؛ فلما قلت له هذا ضربني بالسيف في جفنه فشجني به، وسقطت مغشيا علي ساعة، ثم فتحت عيني فوقعتا على عيني المهدي، فرأيتهما عيني نادم وقال لعبد الله بن مالك: خذه إليك. قال: وقبل ذلك ما تناول عبد الله بن مالك السوط من يد سلام الأبرش فضربني، فكان ضرب عبد الله عندي بعد ضرب سلام عافية، ثم أخرجني عبد الله إلى داره وأنا أرى الدنيا في عيني صفراء وخضراء وحمراء من حر السوط، وأمره أن يتخذ لي شبيها بالقبر فيصيرني فيه؛ فدعا عبد الله بكبش فذبح وسلخ وألبسني جللى ليسكن الضرب، ودفعني إلى خادم له يمال له أبو عثمان سعيد التركي فصيرني في ذلك القبر، ووكل بي جارية له يقال لها جشه؛ فتأذيت ينزكان في ذلك القبر وبالبق، وكان فيه حلي أستريح إليه، فقلت لجشة: اطلبي لي آجرة عليها فحم وكندر يذهب عني هذا البق، فأتتني بذلك، فلما دخنت أظلم القبر علي وكادت نفسي تخرج من الغم، فاسترحت من أذاه إلى النز فألصقت به أنفي حتى خف الدخان، فلما ظننت أني قد استرحت مما كنت فيه، إذا حيتان مقبلتان نحوي من شق القبر تدوران حولي بحفيف شديد، فهممت أن آخذ واحدة بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى فإما علي وإما لي، ثم كفيتهما، فدخلتا من الثقب الذي خرجتا منه، فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله، ثم أخرجت منه؛ ووجهت إلى أبي عثمان الخادم أسأله أن يبيعني جشة لأكافئها عما أولتني ففعل، فزوجتها من حاجب لي، ولم تزل عندنا. قال إسحاق: مكثت عندنا حتى ماتت، وبقيت بنت لها يقال لها جمعة، فزوجتها من مولى لي في سنة أربع وثلاثين ومائتين.

قال إبراهيم: وقلت في الحبس وأنا مقيدا:

ألا طال ليلي أراعي النجـوم                      أعالج في الساق كبلا ثقـيلا

بدار الهـوان وشـر الـديار                      أسام بها الخسف صبرا جميلا

كثير الأخلاء عند الـرخـاء                      فلما حبست أراهـم قـلـيلا

لطول بلائي مل الـصـديق                      فلا يأمنن خـلـيل خـلـيلا قال: ثم أخرجني المهدي وأحلفني بالطلاق والعتاق وكل يمين لا فسحة لي فيها ألا أدخل على ابنبه موسى وهارون أبدا ولا أغنيهما، وخلى سبيلي. قال: وصنعت، في الحبس لحنا في شعر أبي العتاهية لما حبسه المهدي بسبب عتبة، وهو:

أيا ويح قلبي من نجي الـبـلابـل                      ويا ويح ساقي من قروح السلاسل

وياويح نفسي ويحها ثـم ويحـهـا                      ألم تنج يوما من شباك الحـبـائل

ويا ويح عيني قد أضربها البـكـا                      فلم يغن عنها طب ما في المكاحل

ذريني أعلل نفسي الـيوم إنـهـا                      رهينة رمس في ثرى وجـنـادل

ذريني أعلل بالشراب فـقـد أرى                      بقية عيشي هـذه غـير طـائل الشعر لأبي العتاهية، وذكر حماد أنه لجده إبراهيم. والغناء لإبراهيم رمل بالوسطى في الثلاثة الأبيات الاول، وله في البيتين الأخيرين ثقيل أول بالوسطى.

قال حماد: فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر جدي منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التي حلفه بها المهدي، فكانت منازلنا تكبس في كل وقت وأهلنا يروعون بطلبه حتى أصابوه فمضوا به إليه، فلما عاينه قال: يا سيمي، فارقت أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه لحنه في شعره:

يابن خير الملوك لا تتركني                      غرضا للعدو يرمي حيالي

فلقد في هواك فارقت أهلي                      ثم عرضت مهجتي للزوال

ولقد عفت في هواك حياتي                      وتغربت بين أهلي ومالـي الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى. قال إسحاق: فموله والله الهادي وخوله، وبحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد مائة وخمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة.

 

 

صفحة : 531

 

قال حماد قال لي أبي: نظرت إلى ما صار إلى جدك من الأموال والغلات وثمن ما باع من جواريه، فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية، وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر، وسوى غلات ضياعه، وسوى الصلات النزرة التي لم يحفظها، ولا والله ما رأيت أكمل مروءة منه، كان له طعام معد في كل وقت؛ فقلت لأبي: أكان يمكنه ذلك? فقال: كان له في كل يوم ثلاث شياه: واحدة مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخة ومعلقة، وأخرى حية، فإذا أتاه قوم طعموا ما في القدور، فإذا فرغت قطعت الشاة المعلقة ونصبت القدور وذبحت الحية فعلقت وأتي بأخرى فجعلت وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته؛ ولقد اتفق عندنا مرة من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما منهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب مثل ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة منهن إلى مولاها وصلها وكساها، ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين سبعمائة دينار قضيت منها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع ويحيى بن علي بن يحيى وابن المرزبان قالوا أخبرنا حماد بن إسحاق قال: كان أبي يحدث أن الرشيد اشترى من جدي جارية بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة، ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع: إنا أشترينا هذه الجارية من إبراهيم، ونحن نحسب أنها من بابتنا وليست كما ظننتها، وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن وبينك وبينه ما بينكما، فاذهب إليه فسله أن يحطنا من ثمنها ستة الاف دينار؛ قال: فصار الفضل إليه فاستأذن عليه فخرج جدي فتلقاه؛ فقال: دعني من هذه الكرامة التي لا مؤنة بيننا فيها، لست ممن يخدع، وقد جئتك في أمر أصدقك عنه، ثم أخبره الخبر كله؛ فقال له إبراهيم: إنه أراد أن يبلو قدرك عندي؛ قال: ذاك أراد قال: فمالي كله صدقة في المساكين إن لم أضعفه لك، قد حططتك آثني عشر ألف دينار؛ فرجع الفضل إليه بالخبر، فقال: ويلك ادفع إلى هذا ماله، فما رأيت سوقة قط أنبل نفسا منه. قال أبي: وكنت قد أتيت جدك فقلت: ما كان لحطيطة هذا المال معنى وما هو بقليل، فتغافل عني وقال: أنت أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كملا ما أخذته إلا وهو كاره، ويحقد ذلك علي وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل، انبسطت نفسه ونشط وعظم قدري عنده، وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم، وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار، فلما حمل المال إليه بلا حطيطة دعاني فقال لي: كيف رأيت يا إسحاق من البصير أنا أم أنت? فقلت: بل أنت جعلني الله فداءك.

حدثني وكيع قال حدثنا حماد قال حدثني أبي قال: لقي الفضل بن يحيى أبي وهو خارج من عند الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشماسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق? أمن عند الفضل بن الربيع? قلت: نعم، غير معتذر من ذلك، فقال: خروج من عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى هذان والله أمران لا يجتمعان لك فقال: والله لئن لم يكن في ما يتسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعا وأحدا ما في خير، والله لا أترك واحدا منكما لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، ومن لم يقبلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متهم، والأمر كما قلت، وقد قبلتك على ذلك.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال حدثني أبي: أن الرشيد غضب عليه فقيده وحبسه بالرقة، ثم جلس للشرب يوما في مجلس قد زينه وحسنه، فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيب? قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه؛ فأمر بإحضاري فأحضرت في قيودي، ففكت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عودا وقال: غنني يا إبراهيم؛ فغنيته:

تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت                      به زينب في نسـوة خـفـرات فاستعاده وشرب وطرب، وقال: هنأتني يومي وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك الهنيء والمريء؛ فانصرفت، فلما أصبحت عوضت منهما مائتي ألف لدرهم.

 

تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت                      به زينب في نسـوة خـفـرات

مررن بفـخ رائحـات عـشـية                      يلبين للرحمن مـعـتـمـرات

يخمرن أطراف البنان من التقـي                      ويقتلن بالألحـاظ مـقـتـدرات

 

صفحة : 532

 

 

ولما رأت ركب النميري أعرضت                      وكن من أن يلقـينـه حـذرات الشعر للنميري الثقفي. والغناء لا بن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق ويحيى المكي وعمرو بن بانة. وذكر حبش أن فيه لعزة الميلاء لحنا من الثقيل الأول.

أخبرني محمد بن مزيد وأحمد بن جعفر جخظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال، وأخبرني الصولي قال حدثني عون بن محمد جميعا عن إسحاق عن أبيه قال: رأيت يحيى بن خالد خارجا من قصره الذي عند باب الشماسية يريد قصره الذي بباب البردان وهو يتمثل:

هوى بتهامة وهوى بنجد                      فأبلتني التهائم والنجـود قال أبي: فزذته عليه:

أقيم بذا وأذكر عهـد هـذا                      فلي ما بين ذين هوى جديد قال: وصنعت فيه لحنا قال الصولي في خبره: وهو من خفيف الثقيل ثم صرت إليه فغنيته إياه؛ فأمر لي بألف دينار وبدابته التي كانت تحته يومئذ بسرجها ولجامها؛ فقلت له: جزاك الله من سيد خيرا، فإنك تأتي الأنفس وهي شوارد فتقزها، والأهواء وهي سقيمة فتصحها؛ فأمر لي بألف دينار أخرى.

قال إبراهيم: ثم ضرب الدهر من ضربه، فبينا أنا أسير معه إذ لقيه العباس بن الأحنف، وكان ساخطا عليه لشيء بلغه عنه، فترجل له وأنشده:

بالله يا غضبان آل رضيت                      أذاكر للعهد أم قد نسيت فقال: بل ذاكر يا أبا الفضل؛ فأضفت إلى هذا البيت:

لو كنت أبغي غير ما تشتهي                      دعوت أن تبلى كما قد بليت وصنعت فيه لحنا قال الصولي في خبره: هو ثقيل أول قال: وغنيته به، فأمر لي بألفي دينار وضحك؛ فقلت: من أي شيء تضحك يا سيدي? لا زلت ضاحكا مسرورا فقال: ذكرت ما جرى في الصوت الأول وأنه كان مع الجائزة دابة بسرجه ولجامه، ولن تنصرف الليلة إلا على مثله، فقمت فقبلت يده؛ فأمر لي بألفي دينار آخرين، وقال: تلك الكرة شكرت على الجائزة بكلام فزدناك، والآن شكرت بفعل أوجب الزيادة، ولولا أني مضيق في هذا الوقت لضاعفتها، ولكن الدرهر بيننا مستأنف جديد.

حدثني جخظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: لما نزل الرشيد في طريقه إلى طوس بشنداز جلس يشرب عنده، فكان إبراهيم الموصلي أول من غناه، فايتدأ بهذا الصوت، والشعر له:

رأيت الدين والدنيا                      مقيمين بشنـداز

أقاما بين حجـاج                      وغاز أيما غـاز وهو من الثقيل الأول فأمر له بألف دينار، ولم يستحسن الشعر، وقال له: يا إبراهيم صنعتك فيه أحسن من شعرك؛ فخجل وقال: يا سيدي شغل خاطري الغناء فقلت لوقتي ما حضرني؛ فضحك الرشيد من قوله وقال له: صدقت.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جدك محبا للأشراف كثير الأصدقاء منه، حتى إن كان الرشيد لتقول كثيرا: ما أعرف أحدا أكثر أصدقاء من إبراهيم.

قال إسحاق: وما سمعت أحسن غناء من أربعة: أبي، وحكم الوادي، وفليح ابن أبي العوراء، وسياط؛ فقلت له: وما بلغ من حذقهم? قال: كانوا يصنعون فيحسنون، ويؤدون غناء غيرهم فيحسنون؛ فقلت: فأيهم كان أحذق? قال: كانوا بمنزلة خطيب أو كاتب أو شاعر يحسن صناعته، فإذا انتقل عنها إلى غيرها لم يبلغ منها ما يبلغ من صناعته، وكان جدك كرجل مفوه، إن خطب أجزل، وإن كتب رسالة أحسن، وإن قال شعرا أحسن، ولم يكن فيهم مثله.

أخبرني الحسين بن يحيى فال حدثنا حماد عن أبيه، وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه، وأخبرني إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبة جميعا عن إسحاق قال: لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسناء الغناء، وإنما كانوا يعلمونه الصفر والسود، وأول من علم الجواري المثمنات أبي، فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ، ورفع من أقدارهن. وفيه يقول أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي وقد كان هوي جارية يقال لها أمان فأغلى بها مولاها السوم، وجعل يرددها إلى إبراهيم وإسحاق ابنة فتأخذ عنهما، فكلما زادت في الغناء زاد في سومه، فقال أبو عيينة:

قلت لما رأيت مولى أمـان                      قد طغى سومه بها طغيانـا

لا جزى الله الموصلي أبا إس                      حاق عنا خيرا ولا إحسانـا

جاءنا مرسلا بوحي من الشي                      طان أغلى به علينا القيانـا

 

صفحة : 533

 

 

من غناء كأنه سكـرات ال                      حب يصبي القلوب والآذانا وقال فيه ابن سيابة:

ما لإبراهيم في العل                      م بهذا الشأن ثانـي

إنما عمر أبـي إس                      حاق زين للزمـان

جنة الدنيا أبـو إس                      حاق في كل مكان

فإذا غنى أبو إسحـا                      ق أجابته المثانـي

منه يجنى ثمر اللـه                      و وريحان الجنـان لإبراهيم في هذا الشعر لحنان: خفيف ثقيل بالبنصر، وخفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي.

أخبرني عمي عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة قال: كان سلم الخاسر عند أبي العتاهية، فأخبره سلم أن الرشيد حبس إبراهيم الموصلي في المطبق؛ فأقبل عليه أبو العتاهية فقال:

سلـم يا سـلـم لـيس دونـــك ســـتـــر                      حبـس الـمـوصـلـي فـالـعــيش مـــر

ما اسـتـطـاب الـلـذات مـذ سـكـن الـمـط                      بق رأس الـلـذات فـي الـنـــاس حـــر

ترك الموصلي من خلق الله جميعا وعيشهم مقشعر

حبس اللهو والسرور فما في ال                      أرض شـيء يلـهـــى بـــه أو يســـر وأنشدني بعض أصحابنا عن ابن المرزبان عن أحمد بن أبي طاهر عن ابن أبي فنن لأبي العتاهية يخاطب إبراهيم الموصلي لما حبس:

أيا غمي لغمك يا خلـيلـي                      ويا ويلي عليك ويا عويلـي

يعز علي أنك لا تـرانـي                      وأني لا أراك ولا رسولي

وأنك في محل أذى وضنك                      وليس إلى لقائك من سبـيل

وأني لست أملك عنك دفعـا                      وقد فوجئت بالخطب الجليل أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد عن القطراني المغني عن محمد بن جبر، وكان المهدي رباه، قال حدثني إبراهيم بن المهدي فال: انصرفت ليلة من الشماسية فمررت بدار إبراهيم الموصلي، وإذا هو في روشن له وقد صنع لحنه:

أل ارب ندمان علـي دمـوعـه                      تفيض على الخدين سحا سجومها وهو يعيده ويلعب به بنغمه ويكرره لتستوي له أجزاؤه، وجواريه يضربن عليه، فوقفت تحت الروشن حتى أخذته ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشماسية واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغناه أول شيء غنى، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال له: لمن هذا يا إبراهيم? قال: لي يا سيدي، صنعته البارحة، فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديم وأنا أغنيه؛ فقال لي: غنه يا حبيبي، فغنيته كما غناه؛ فبهت إبراهيم وغضب الرشيد، وقال له: يابن الفاجرة أتكذبني وتدعي ما ليس لك. قال: فظل إبراهيم بأسوأ حال، فلما صليت العصر قلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، الصوت وحياتك له وما كذب، ولكني مررت به البارحة وهو يردده على جارية له فوقفت حتى دار لي واستوى فأخذته منه؛ فدعا به الرشيد ورضي عنه، وأمر له بخمسة آلاف دينار.

 

ألا رب ندمان علـي دمـوعـه                      تفيض على الخذين سحا سجومها

حليم إذا ما الكأس دارت وهرها                      رجال لديها قد تخف حلومـهـا الغناء لإبراهيم رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبي عن طياب بن إبراهيم الموصلي قال: كان إبراهيم بن المهدي يقدم ابن جامع ولا يفضل عليه أحدا، فأخبرني إبراهيم بن المهدي قال: كنا في مجلس الرشيد وقد غلب النبيذ على ابن جامع، فغنى صوتا فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إلي إبراهيم فقال: قد خري قد خرى أستاذك فيه وفهمت صدقه فيما قال؛ قال: فقلت له: انتبه أيها الشيخ وأعد الصوت، ففطن وأعاده وتحفظ فيه وأصاب؛ فغضب إبراهيم وأقبل علي فقال:

اعلمه الرماية كـل يوم                      فلما استد ساعده رماني وتنكر لي وحلف الأ يكلمني؛ فقلت للرشيد بعد أيام: إن لي حاجة؛ قال: وما هي. قلت: تأمر إبراهيم الموصلي أن يرضى عني ويعود إلى ما كان عليه؛ فقال: ومن إبراهيم حتى يطلب رضاه فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي اريده منه لا ينال إلا برضاه؛ فقال: قم إليه يا إبراهيم فقبل رأسه؛ فقام إلي ليقبل رأسي،، فلما أكب علي قال: تعود? قلت: لا؛ قال: قد رضيت عنك رضا صحيحا، وعاد إلى ما كان عليه.

 

 

صفحة : 534

 

أخبرني أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى قال: سمعت جدي عليا يحدث عن إسحاق قال: قال أبي: خرجت مع الرشيد إلى الحيرة، فساعة نزل بها دعا بالغداء فتغذى ثم نام، فاغتنمت قائلته فذهبت فركبت أدور في ظهر الحيرة، فنظرت إلى بستان فقصدته فإذا على بابه شاب حسن الوجه، فاستأذنته في الدخول فأذن لي، فدخلت فإذا جنة من الجنان في أحسن تربة وأغزرها ماء، فخرجت فقلت له: لمن هذا البستان. فقال: لبعض الأشاعثة، فقلت له: أيباع? فقال: نعم وهو على سوم، فقلت: كم بلغ? فقال: أربعة عشر ألف دينار، قلت: وما يسمى هذا الموضع? قال: شمارى، فقلت:

جنان شمارى ليس مثلك منظر                      لذي رمد أعيا عليه طـبـيب

ترابك كافور ونورك زهـرة                      لها أرج بعد الهـدو يطـيب قال: وحضرتني فيه صنعة حسنة، فلما جلس الرشيد وأمر بالغناء غنيته إياه أول ما غنيت، فقال: ويلك وأين شمارى? فأخبرته القصة، فأمر لي بأربعة عشر ألف دينار، وغمزني جعفر بن يحيى فقال: خذ توقيعه بها إلي، وتشاغل الرشيد عني، فأعدت الصوت، فقال: ويلكم أعطوا هذا دنانيره، فوثبت وقلت: يا سيدي، وقع لي بها إلى جعفر بن يحيى، فقال: أفعل، ووقع لي بها إليه، فلما حصل التوقيع عند جعفر أطلق لي المال وخمسة آلاف دينار من عنده؛ فلما حصل المال عندي كان أحب إلي وأحسن في عيني من شمارى.

أخبرني جعفر بن قدامة قال أخبرني أبو العيناء قال: خرج الفضل بن الربيع يوما من حضرة الرشيد ومعه رقعة فيها أربعة أبيات، فقال: إن أمير المؤمنين يأمر كل من حضر ممن يقول الشعر أن يجيزها، وهي:

أهدى الحبيب مع الجنوب سلامه                      فاردد إليه مع الشمال سلامـا

واعرف بقلبك ما تضمن قلبـه                      وتداولا بـهـواكـمـا الأيامـا

وإذا بكـيت لـه فـأيقـن أنـه                      ستجود أدمعه عليك رهـامـا

فاحبس دموعك رحمة لدموعـه                      إن كنت تحفظ أو تحوط ذمامـا فلم يوجد من يجيزها، فأمر إبراهيم فغنى فيها لحنا من خفيف الثقيل.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أبو العباس البصري قال حدثني عبد الله بن الفضل بن الربيع قال سمعت أبي يقول: لما خرج الرشيد إلى الرقة أخرج معه إبراهيم الموصلي، وكان به مشغوفا، ففقده في بعض المنازل أياما وطلبه فلم يخبره أحد بقصته، ثم أتاه، فقال له: ويحك ما خبرك وأين كانت غيبتك. فقال: يا أمير المؤمنين، حديثي عجيب، نزلنا بموضع كذا وكذا، فوصف لي خمار، من ظرفه ومن نظافة منزله كيت وكيت، فتقدمت أمام ثقلى وأتيته مخفا، فوافيت أطيب منزل وأوسع رحل وأطيب طعام وأسخى نفس، من شاب حسن الوجه ظريف العشرة، فأقمت عنده، فلما أردت اللحاق بأمير المؤمنين أقسم علي وأخرج لي من الشراب ما هو أطيب وأجود مما رأيت، فأقمت ثلاثا، ووهبت له دنانير كانت معي وكسوة، وقلت فيه:

سقيا لمنزل خمار قصفـت بـه                      وسط الرصافة يوما بعد يومـين

مازلت أرهن أثوابي وأشربـهـا                      صفراء قد عتقت في الدن حولين

حتى إذا نفدت مني بأجمـعـهـا                      عاودته بالـربـا دنـا بـدنـين

فقال إزل بشين حـين ودعـنـي                      وقد لعمرك زلنا عنه بالـشـين - الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر. قوله: إزل بشين كلمة سريانية، تفسيرها: امض بسلام، دعا له بها لما ودعه- قال إبراهيم: فقال لي الرشيد: غنني هذا الصوت، فغنيته إياه وزمر عليه برصوما، فوهب لي الرشيد مائة ألف درهم وأقطعني ضيعة، وبعث إلى الحمار فأحضر، وأهدى إلى الرشيد من ذلك الشراب فوصله، ووهب له إبراهيم عشرة آلاف أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد ووكيع قالوا جميعا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال: قال ابن جامع يوما لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض، وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء، فقال إبراهيم: الرؤيا حق والتأويل باطل، إني وإياك كنا في ميزان، فرجحت بك وشالت كفتك وعلوت فلصقت بالأرض، فلأبقين بعدك ولتموتن قبلي. قال إسحاق: فكان كما قال أبي، علا عليه وأفاد أكثر من فوائده، ومات ابن جامع قبله وعاش أبي بعده.

 

 

صفحة : 535

 

أخبرني عبد الله بن الربيع الربيعي قال حدثتني خديجة بنت هارون بن عبد الله بن الربيع قالت حدثتني خمار جارية أبي وكانت قندهارية، اشتراها جدي عبد الله وهي صبية ريض من آل يحيى بن معاذ بمائتي ألف درهم قالت: ألقى علي إبراهيم الموصلي لحنه في هذين البيتين:

إذا سرها أمر وفيه مسـاءتـي                      قضيت لها فيما تريد على نفسي

وما مر يوم أرتجي فـيه راحة                      فأذكره إلا بكيت علـى أمـس الشعر لأبي حفص الشطرنجي، والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى- فسمعني ابن جامع يوما وأنا أغنيه، فسألني: ممن أخذته? فأخبرته، فقال: أعيديه، فأعدته مرارا، وما زال ابن جامع يتنغم به معي حتى ظننت أنه قد أخذه، ثم كان كلما جاءنا قال لي: يا صبية، غني ذلك الصوت، فكان صوته علي.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال قال مخارق: أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام، وأعلمنا أنه مشتغل فيها مع الحرم، فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم- وأخبرني وسواسة وهو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي بهذا الخبر فقال حدثني أبي عن أبيه عن مخارق قال: اشتغل الرشيد يوما واصطبح مع الحرم وقد أصبحت السماء متغيمة، فانصرفنا إلى منازلنا. ولم يذكر في الخبر ما ذكره عمر بن شبة مما قدمت ذكره، واتفقا هاهنا في أكثر الحكايات، واللفظ فأكثره لرواية ابن الموصلي - قال مخارق: وأصبحت السماء متغيمة تطش طشا خفيفا، فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، فأمرت من عندي أن يسووا مجلسا لنا إلى وقت رجوعي، فجئت إلى إبراهيم الموصلي فإذا الباب مفتوح والدهليز قد كنس والبواب قاعد، فقلت: ما خبر أستاذي. فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس في رواق له وبين يديه قدور تغرغر وأباريق تزهر، والستارة منصوبة والجواري خلفها، وإذا قدامه طست فيه رطلية وكوز وكأس، فدخلت أترنم ببعض الأصوات، وقلت له: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها صوتا. فقال: اقعد ويحك إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني، قد والله طلبتها زمانا وتمنيتها فلم أملكها، وقد أعطي بها مائة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها? فوالله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر، قال: صدقت، ولكن لست أطيب نفسا أن أخرج هذا المال، فقلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم? والله ما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه فقال: اجلس، خذ هذا الصوت، ونقر بقضيب معه على الدواة وألقى علي:

نام الخليون من هم ومن سـقـم                      وبت من كثرة الأحزان لـم أنـم

يا طالب الجود والمعروف مجتهدا                      اعمد ليحني حليف الجود والكرم

 

صفحة : 536

 

- الشعر لأبي النضير، والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالبنصر - قال: فأخذته فأحكمته، ثم قال لي: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه وتجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر عليك مجيئك ويقول: من أين أقبلت في هذا الوقت? فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وأعجبني، ولم أر أحدا يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها، فسيدعو بها ويأمر بالستارة أن تنصب ويوضع له كرسي ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي، فافعل وأتني بالخبر بعد ذلك. قال: فجئت باب يحيى فوجدته كما وصف، وسألني فأعلمته ما أمرني به، ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم، وأحضر الجارية فألقيته عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنأ أو تنصرف? فقلت: أنصرف أطال الله بقاءك فقد علمت ما أذن لنا فيه، قال: يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرة آلاف درهم، واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة، فحملت العشرة الآلاف الدرهم إلي، وأتيت منزلي فقلت: اسر يومي هذا وأسر من عندي، ومضى الرسول إليه بالمال، فدخلت منزلي ونثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدرة، وتوسدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله، فلما أصبحت قلت: والله لآتين استاذي ولأعرفن خبره، فأتيته فوجدت الباب كهيئته بالأمس، ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت له: ما الخبر? ألم يأتك المال? قال: بلى فما كان خبرك أنت بالأمس? فأخبرته بما كان وهب لي وقلت: ما ينتظر من خلف الستارة، فقال: ارفع السجف فرفعته فإذا عشر بدر، فقلت: وأي شيء بقي عليك في أمر الضيعة? قال: ويحك ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها فصارت مثل ما حويت قديما، فقلت: سبحان الله العظيم فتصنع ماذا قال: قم حتى ألقي عليك صوتا صنعته يفوق ذلك الصوت ة فقمت وجلست بين يديه، فألقى علي:

ويفرح بالمولـود مـن آل بـرمـك                      بغاة الندى والسيف والرمح ذو النصل

وتنبسط الآمـال فـيه لـفـضـلـه                      ولا سيما إن كان من ولد الفـضـل الشعر لأبي النضير. والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي، وذكر عمرو بن بانة أنه لإسحاق، وهو الصحيح. وفيه خفيف ثقيل، أظنه لحن إبراهيم. أخبرني إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبة عن إسحاق أن أباه صنع هذا الصوت في طريقة خفيف الثقيل وعرضه على الفضل، فاستحسنه وأمر مخارقا بإلقائه على جواريه فألقاه على مراقش وقضيب فأخذتاه عنه - قال مخارق: فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط، وصغر عندي الأول فأحكمته، ثم قال: انهض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد، وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم، فاستأذن عليه وحدثه بحديثنا أمس، وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني قد صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلة من الصوت الذي صنعته بالأمس، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته ووجهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته، فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت، وسألني: ما الخبر? فأعلمته بخبري في اليوم الماضي وما وصل إلي وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم فما أبخله على نفسه، ثم دعا خادما فقال: اضرب الستارة فضربها، فقال لي: ألقه، فلما غنيته لم أتمه حتى أقبل يجر مطرفه، ثم قعد على وسادة دون الستارة، وقال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق، فلم أخرج حتى أخذته الجارية وأحكمته، فسر بذلك سرورا شديدا، وقال: أقم عندي اليوم فقلت: يا سيدي إنما بقي لنا يوم واحد، ولولا أني احب سرورك لم أخرج من منزلي، فقال: يا غلام احمل مع أبي المهنأ عشرين ألف درهم واحمل إلى إبراهيم مائتي ألف درهم، فانصرفت إلى منزلي بالمال، ففتحت بدرة فنثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا، فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم أتعرف خبره واعرفه خبري، فوجدته على الحال التي كان عليها

 

صفحة : 537

 

أولا وآخرا، فدخلت أترنم واصفق، فقال لي: ادن، فقلت: ما بقي? فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب فإذا عشرون بدرة مع تلك العشر، فقلت: ما تنتظر الآن? فقال: ويحك ما هو والله إلا أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدم؛ فقلت: والله ما أظن أحدا نال في هذه الدولة ما نلته فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهرا وقد ملكك الله أضعافه ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت، وألقى علي صوتا أنساني والله صوتي الأولين:

أفي كل يوم أنت صب ولـيلة                      إلى أم بكر لا تفيق فتقصـر

أحب على الهجران أكناف بيتها                      فيالك من بيت يحب ويهجـر

إلى جعفر سارت بنا كل جسرة                      طواها سراها نحوه والتهجـر

إلى واسع للمجتـدين فـنـاؤه                      تروح عطاياه عليهم وتبـكـر - الشعر لمروان بن أبي حفصة يمدح به جعفر بن يحيى. والغناء لإبراهيم، ولم تقع إلينا طريقته- قال مخارق: ثم قال لي إبراهيم: ها سمعت مثل هذا? فقلت: ما سمعت قط مثله. فلم يزل يردده علي حتى أخذته، ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه وأبيه، قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وخبرته ما كان منهما وعرضت عليه الصوت، فسر به ودعا خادما فأمره بضرب الستارة وأحضر الجارية وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت فألقيت الصوت عليها حتى أخذته، فقال: أحسنت والله يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم? فقلت: يا سيدي هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت مني حتى ألقيته على الجارية، فقال: يا غلام احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلي ثلثمائه ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال، فأقمت ومن معي مسرورين نشرب بقية يومنا ونطرب، ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما وقال لي: أحسنت يا مخارق، فقلت: ما الخبر? فقال: اجلس فجلست، فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف فإذا المال، فقلت: ما خبر الضيعة? فأدخل يده تحت مسورة هو متكىء عليها فقال: هذا صك الضيعة، سئل عن صاحبها فوجد ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إلى: قد علمت أنك لا تسخو نفسا بشراء الضيعة من مال يحصل لك ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي ووجهت لك بصكها، ووجه إلي بصكها وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال لي: يا مخارق إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت فخنكر لمثل هؤلاء، هذه ستمائة ألف وضيعة بمائة ألف وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، فمتى يدرك مثل هؤلاء.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: كان موسى الهادي شكس الأخلاق صعب المزاج، من توقاه وعرف أخلاقه أعطاه ما أمل، ومن فتح فاه فاتفق له أن يفتحه بغير ما يهواه أقصاه واطرحه، فكان لا يحتجب عن ندمائه ولا عن المغنين، وكان يكثر جوائزهم وصلاتهم ويواترها، فتغنى أبي عنده يوما، فقال له: يا إبراهيم غنني جنسا من الغناء ألذ به وأطرب له ولك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلني زحل ببرده رجوت أن أصيب ما في نفسك. قال: وكنت لا أراه يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق منه، وكان مذهب ابن سريج عنده أحمد من مذهب معبد، فغنيته:

وإني لتعروني لـذكـراك هـزة                      كما انتفض العصفور بلله القطر فضرب بيده إلى جيب دراعته فحطها ذراعا، ثم قال: أحسنت والله زدني، فغنيت:

فيا حبها زدني جوى كل لـيلة                      ويا سلوة الأيام موعدك الحشر فضرب بيده إلى دراعته فحطها ذراعا آخر أو نحوه، وقال: زدني ويلك أحسنت والله، ووجب حكمك يا إبراهيم? فغنيت:

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى                      وزرتك حتى قيل ليس له صبـر فرفع صوته وقال: أحسنت، لله أبوك هات ما تريد، قلت: يا سيدي، عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان، وقال: يا بن اللخناء أردت أن تشهرني بهذا المجلس فيقول الناس: أطربه فحكمه، فتجعلني سمرا وحديثا يا إبراهيم الحراني: خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت، فأدخله في بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فخله وإياه، فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار.

 

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها                      فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

 

صفحة : 538

 

 

فيا حبها زدني جـوى كـل لـيلة                      ويا سلوة الأيام موعدك الحشـر

ويا هجر ليلى قد بلغت بي المدى                      وزدت على ما ليس يبلغه الهجر

وإني لتعروني لـذكـراك هـزة                      كما انتفض العصفور بلله القطر

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى                      وزرتك حتى قيل ليس له صبـر

أما والذي أبكي وأضحك والـذي                      أمات وأحيا والذي أمـره أمـر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى                      أليفين منها لا يروعهما الـذعـر الشعر لأبي صخر الهذلي. والغناء لمعبد، وأول لحنه و يا هجر ليلى وبعده الثاني ثم الأول من الأبيات ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. ولابن سريج في السادس والسابع والرابع والخامس ثقيل أول عن الهشامي ولعريب في السادس والسابع والرابع والخامس ثقيل أول أيضا، وللواثق فيها رمل، وهو مما صنعه الواثق قبلها فعارضته بلحنها. وقد نسب قوم لحن معبد إلى ابن سريج ولحن ابن سريج إلى معبد.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: اشترى جدك إبراهيم لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال جعفر: أي شيء تحسن هذه الجارية حتى بلغت بها هذا المال كله? قال: لو لم تحسن شيئا إلا أنها تحكي قولي:

لمن الديار ببرقة الروحان لكانت تساويه وزيادة، فضحك جعفر وقال: أفرطت

لمن الديار ببرقة الروحـان                      إذ لا نبيع زماننا بـزمـان

صدع الغواني إذ رمين فؤاده                      صدع الزجاجة ما لذاك تدان

إن زرت أهلك لم أنول حاجة                      وإذا هجرتك شفني هجراني الغناء لمعبد، فيما ذكره الهشامي وأحمد بن المكي، ثقيل أول بالوسطى، ونسبه غيرهما إلى حنين، وقال آخرون: إنه للغريض، وذكر حبش أنه ليزيد حوراء. وفيه لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني الحسين عن حماد قال قال لي أبي: صنع جدك تسعمائة صوت، منها دينارية، ومنها درهمية، ومنهما فلسية، وما رأيت أكثر من صنعته، فأما ثلثمائة منها فإنه تقدم الناس جميعا فيها، وأما ثلثمائة، فشاركوه وشاركهم فيها، وأما الثلثمائة الباقية، فلعب وطرب، قال: ثم أسقط أبي الثلثمائة الآخرة بعد ذلك من غناء أبيه، فكان إذا سئل عن صنعة أبيه قال: هي ستمائة صوت.

وقال أحمد بن حمدون قال لي إسحاق: من غناء أبي الذي أكرهه وأستزريه صوته في شعر العباس بن الأحنف:

أبكي ومثلي بكى من حب جارية فما أعلم له فيه معنى إلا استحسانه للشعر، فإن العباس أحسن فيه جدا.

 

أبكي ومثلي بكى من حب جارية                      لم يخلق الله لي في قلبها لـينـا

هل تذكرين وقوفي عند بابـكـم                      نصف النهار وأهل الدار لا هونا الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى.

أخبرني جحظة قال أخبرني حماد بن إسحاق قال: قال رجل لأبي: أخبرني عنك، لم طعنت على أبيك في صنعته:

قال لي فيها عشيق مقالا                      فجرت مما يقول الدموع قال: لأنه تعرض لابن عائشة وله في هذا الشعر صنعة، وابن عائشة ممن لا يعارض فلم يقاربه، وعلى أن صنعة أبي من جيد الغناء لو كان صنعها في غير هذا الشعر، ولكنها اقترنت بصنعة ابن عائشة فلم تقاربها، فسقط عندي لذلك.

 

قال لي فيها عتيق مقـالا                      فجرت مما يقول الدموع

قال لي ودع سليمى ودعها                      فأجاب القلب لا أستطيع الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه لابن عائشة. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى الهذلي. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى ابن عائشة وإلى إبراهيم.

أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق عن أبيه قال: دخلت الري فكنت آلف فتيانا من أهل النعم بها وهم لا يعرفونني، فطال ذلك علي إلى أن دعاني أحدهم ليلة إلى منزله فبت عنده، فأخرج جارية له ومد لها ستارة فتغنت خلفها، فرأيتها صالحة الأداء كثيرة الرواية، فشوقتني إلى العراق وذكرتني أيامي بها، فدعوت بعود، فلما جيء به اندفعت فغنيت صوتي في شعري:

أنا بالـري مـقـيم                      في قرى الري أهيم

 

صفحة : 539

 

وقد كنت صنعت هذا اللحن قديما بالري، فخرجت الجارية من وراء الستارة مبادرة إلي، فأكبت على رأسي وقالت: أستاذي والله، فقال لها مولاها: أي أستاذيك هذا. قالت: إبراهيم الموصلي؛ فإذا هي إحدى الجواري اللاتي أخذن عني وطال العهد بها، فأكرمني مولاها وبرني وخلع علي، فأقمت مدة بغد ذلك بالري وانتشر خبري بها، ثم كتب بحملي إلى والي البلد فأشخصت أخبرني الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدثني القطراني عن محمد بن جبر عن يحيى المكي قال: كنا يوما بين يدي المهدي وقد حبس إبراهيم الموصلي وضربه وأمر بأن يلبس جبة صوف، وكان يخرج على تلك الحال فيطرح على الجواري، فكتب إلينا ذات يوم، ونحن مصطبحون وقد جادت السماء بمطر صيف، وبحضرتنا شيء من ورد مبكر:

ألا من مبلغ قـومـا                      من أخواني وجيراني

هنيئا لكم الـشـرب                      على ورد وتهـتـان

وأني مفـرد وحـدي                      بأشجاني وأحزانـي

فمن جف له جـفـن                      فجفـنـاي يسـيلان قال: فوقف المهدي على رقعته وقرأها فرق له وأمر بطلبه في الوقت، ثم أطلقه بعد بأيام.

أخبرني الحسن قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال: كانت لعلي اليماني جارية فهويها إبراهيم واستهيم بها زمانا، وقال فيها:

كنت حرا فصرت عبد اليماني                      من هوى شادن هواه برانـي

هو نصفان من قضيب ودعص                      زان صدر القضيب رمانتـان اللحن لإبراهيم في هذين البيتين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وقد زعم قوم أن الشعر للحسين بن الضحاك.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال: كان بعض أهل نهيك قد تعاطى الغناء، فلما ظن أنه قد أحكمه شاورني وأبي حاضر، فقلت له: إن قبلت مني فلا تغن فلست فيه كما أرضى، فصاح أبي علي صيحة شديدة ثم قال لي: وما يدريك يا صبي ثم أقبل على الرجل فقال: أنت يا حبيبي بضد ما قال، وإن لزمت الصناعة برعت فيها، فلما خلا بي قال لي: يا أحمق ما عليك أن يخزي الله مائة ألف مثل هذا هؤلاء أغنياء ملوك، وهم يعيروننا بالغناء، فدعهم يتهتكوا به ويعيروا ويفتضحوا ويحتاجوا إلينا فننتفع بهم، ويبين فضلنا لدى الناس بأمثالهم. قال: ولزمه النهيكي يأخذ عنه ويبره فيجزل، فكان إذا غنى فأحسن قال له: بارك الله فيك، وإذا أساء قال: بارك الله عليك، وكثر ذلك منه حتى عرف النهيكي معناه فيه، فغنى يوما وأبي ساه عنه فسكت ولم يقل له شيئا، فقال له: جعلت فداك، يا أستاذي، أهذا الصوت من اصوات فيك أم عليك? فضحك أبي ولم يكن علم أنه قد فطن لقوله، ثم قال له: والله لأقبلن عليك حتى تصير كما تشتهي، فإنك ظريف أديب، وعني به حتى حسن غناؤه وتقدم. وفيه يقول أبي:

أوجب الله لـك الـح                      ق على مثلي بظرفك

لن تراني بعـد هـذا                      ناطقا إلا بوصـفـك

وترى القـوة فـيمـا                      تشتهيه بعد ضعفـك أخبرني إسماعيل قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق، أخبرني به الصولي عن عون بن محمد عن إسحاق قال: غنى مخارق بين يدي الرشيد صوتا فأخطأ في قسمته، فقلت له: أعد فأعاده، وكان الخطأ خفيا، فقلت للرشيد: يا سيدي، قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق? قال: ليس الأمر كما قال، ولا ها هنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي? قال: إي والله، وكان أبي في بقايا علة، فأمر الرشيد بإحضاره ولو محمولا، فجيء به في محفة، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده: فقال: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت? فقال: قد أخطأ فيه، فقال له: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي ثم قال: هاتوا دواة، فأتي بها وكتب شيئا لم يقف عليه أحد ثم قطعه ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي: اكتب بذكر الموضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته وألقيته فقرأه وسر، وقام فألقاه بين يدي الرشيد، فإذا الذي قلناه جميعا متفق، فضحك وعجب، ولم يبق أحد في المجلس إلا قرظ وأثنى ووصف، ولا أحد خالف إلا خجل وذل وأذعن. وقال أبي في ذلك:

ليت من لا يحسن العل                      م كفانا شر علـمـه

فاخبر الحق ابـتـداء                      وقس العلم بفهـمـه

 

صفحة : 540

 

 

طيب الريحان لا تع                      رفـه إلا بـشـم حدثني جحظة قال حدثني هبة الله، وحدثني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى أبى يوما بحضرة الرشيد:

سلي هل قلاني من عشير صحبته                      وهل ذم رحلي في الرفاق رفيق فطرب واستعاده وأمر له بعشرين ألف درهم، فلما كان بعد سنين، خطر ببالي ذلك الصوت وذكرت قصته، فغنيته إياه، فطرب وشرب، ثم قال لي: يا إسحاق، كأني في نفسك ذكرت حديث أبيك وأني أعطيته ألف دينار على هذا الصوت فطمعت في الجائزة، فضحكت ثم قلت: والله يا سيدي ما أخطأت، فقال: قد أخذ ثمنه أبوك مرة فلا تطمع، فعجبت من قوله، ثم قلت: يا سيدي، قد أخذ أبي منك أكثر من مائتي ألف دينار ما رأيتك ذكرت منها غير هذا الألف على بختي أنا، فقال: ويحك أكثر من مائتي ألف دينار? قلت: إي والله، فوجم وقال: أستغفر الله من ذلك، ويحك فما الذي خلف منها? قلت: خلف علي ديونا مبلغها خمسة آلاف دينار قضيتها عنه، فقال: ما أدري أينا أشد تضييعا والله المستعان.

 

سلي هل قلاني من عشير صحبته                      وهل ذم رحلي في الرفاق رفيق

وهل يحتوي القوم الكرام صحابتي                      إذا اغبر مخشي الفجاج عمـيق

ولو تعلمين الغيب أيقنت أنـنـي                      لكم والهدايا المشعرات صـديق الشعر ينسب إلى مضرس بن قرط الهلالي وإلى قيس بن ذريح، وفيه بيت يقال: إنه لجرير. والغناء مختلط في أشعار الثلاثة المذكورين، ونسبته تأتي في أخبار قيس بن ذريح، إلا أن الغناء في هذه الثلاثة الأبيات لمعبد ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثتني نشوة الأشنانية قالت أخبرني أبو عثمان يحيى المكي قال: تشوق يوما إبراهيم الموصلي إلى سرداب له، وكانت فيه بركة ماء تدخل من موضع إليه وتخرج إلى بستان، فقال: أشتهي أن أشرب يومي وأبيت ليلتي في هذا السرداب ففعل ذلك، فبينا هو نائم في نصف الليل فإذا سنورتان قد نزلتا من عرجة السرداب، بيضاء وسوداء، فقالت إحداهما: أتراه نائما? فقالت السوداء: هو نائم، فاندفعت السوداء فغتت بأحسن صوت:

عفا مزج إلى لـصـق                      إلى الهضبات من هكر

إلى قاع النقـير إلـى                      قرار حلال في حـدر قال: فمات إبراهيم فرحا وقال: يا ليتهما أعاداه فأعاداه مرارا حتى أخذه، ثم تحرك فقامت السنورتان، وسمع إحداهما تقول للأخرى: والله لا طرحه على أحد إلا جن، فطرحه من غد على جارية له فجنت. الغناء فيه لمالك ثقيل أول بالوسطى عن يحيى المكي وعمرو بن بانة.

أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: حدثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم عن أبيه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوما، فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك هب لي دراهم فإن الخليفة قد حبس يده، فقال: ويحك يا أبا إسحاق ما عندي مال أرضاه لك، ثم قال: هاه، إلا أن ها هنا خصلة أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا، فما فعلت ضياء جاريتك. قلت: عندي، جعلت فداك، قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه ثم انصرفت، فبكر علي رسول صاحب اليمن ومعه صديق لي، فقال: جاريتك فلانة عندك? فقلت: عندي، فقال: اعرضها علي، فأخرجتها، قال: بكم? قلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا، وقد أعطاني

 

صفحة : 541

 

بها الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال لي: أريدها له، فقلت له: أنت أعلم، إذا اشتريتها فصيرها لمن شئت، فقال لي: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة لك? قال: وكان شراء الجارية على أربعمائة دينار، فلما وقع في أذني ذكر ثلاثين ألفا أرتج علي ولحقني زمع، وأشار علي صديقي الذي معه البيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدث أو بي بالفضل بن يحيى، فسلمتها وأخذت المال، ثم بكرت على الفضل بن يحيى، فإذا هو جالس وحده ة فلما نظر إلي ضحك، ثم قال لي: يا ضيق الحوصلة حرمت نفسك عشرين ألف دينارة، فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فوالله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بي حادثة أو بالجارية أو بالمشتري أو بك، أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار، فقال: لا ضير، يا غلام جيء بالجارية، فجاء بجاريتي بعينها، فقال: خذها مباركا لك فيها، فإنما أردنا منفعتك ولم نرد الجارية، فلما نهضت، قال لي: مكانك، ونفذنا كتبه، وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار، إن صاحب إرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه فانصرفت بالجارية وبكر إلي رسول صاحب إرمينية ومعه صديق، لي آخر، فقاولني بالجارية، فقلت: لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فقال لي: معي على الباب عشرون ألف دينار تأخذها مسلمة، بارك الله لك فيها، فدخلني والله مثل الذي دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول، فسلمتها وأخذت المال، وبكرت على الفضل بن يحيى فإذا هو وحده ة فلما رآني ضحك وضرب برجله الأرض وقال: ويحك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، فقلت: أصلحك الله، خفت والله ما خفت في المرز الأولى ة قال: لا ضير، أخرج يا غلام جاريته ة فجاء بجاريتي بعينها، فقال: خذها، ما أردناها ولا أردنا إلا منفعتك، فلما ولت الجارية صحت بها: ارجعي فرجعت، فقلت: أشهدك، جعلت فداك، أنها حرة لوجه الله وأني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لي في يومين خمسين ألف دينار، فما جزاؤها إلا هذا، فقال: وفقت إن شاء الله.

أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق قال قال لي أبي: كنت في شبابي ألازم أصحاب قطربل وباري وبنى وما أشبه هذه المنازل، فأتخذ فيهم الخمار اللطيف، يحسبوني بالشراب الجيد ويخبؤه لي، فجئت إلى باري يوما فلقيني خماري، فقال لي: يا أبا إسحاق عندي شيء من بابتك، وقد كنت عملت لحني هذا:

اشرب الراح وكن في                      شربك الراح وقورا

فاشرب الراح رواحا                      وظلامـا وبـكـورا الشعر والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لمنصور زلزل الضارب خفيف رمل عن حبش- قال: فدخلت بيته وبزلت دنه وجعلت أرجع الصوت، فبهت ينظر إلي والنبيذ يجرى حتى امتلأ الإناء وفاض، فقلت له: ويحك شراب قد فاض، فقال: دعني من شرابي، بالله مات لك إنسان في هذه الأيام? فقلت: لا، قال: فما بال حلقك هذا حزينا أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن عمه طياب بن إبراهيم قال: دخلت على أبي يوما وعنده مخارق وأبي يلقي عليه هذا الصوت:

طربت وأنت معـنـي كـئيب                      وقد يشتاق ذو الحزن الغـريب

وشاقك بالموقـر أهـل خـاخ                      فلا أمم هـنـاك ولا قـريب

وكم لك دونها من عرض أرض                      كأن سرابها الجاري سـبـيب

لعمرك إننـي بـرقـيم قـيس                      وجارة أهلها لأنـا الـحـريب - الشعر للأحوص، والغناء لإبراهيم ماخوري بالبنصر عن عمرو- قال: فلما أخذه مخارق جعل أبي يبكي، ثم قال له: يا مخارق، نعم وسيلة إبليس أنت في الأرض، أنت والله بعدي صاحب اللواء في هذا الشأن.

أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق قال: لما صنع أبي لحنه في:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد                      وشفت أنفسنا مما تجد

 

صفحة : 542

 

خاصمته وعنته في صنعته، وقلت له: أما بإزائك من ينتقد أنفاسك ويعيب محاسنك وأنت لا تفكر، تجيء إلى صوت قد عمل فيه ابن سريج لحنا فتعارضه بلحن لا يقاربه والشعر أوسع من ذلك فدع ما قد اعتورته صناعة القدماء وخذ في غيره، فغضب، وكنت لا أزال أفاخره بصنعتي وأعيب ما يعاب من صنعته، فإن قبل مني فذلك، وإن غضب داريته وترضيته، فقال لي: ما يعلم الله أني أدعك أو تفاخرني بخير صوت صنعته في الثقيل الثاني في طريقة هذا الصوت، فلما رأيت الجد منه اخترت صنعتي في هذا اللحن:

قل لمن صد عاتبا                      ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد                      ت وإن كنت لاعبا وكان ما تجاريناه ونحن نتساير خارجين إلى الصحراء نقطع فضلة خمار بنا، فقال: من تحب أن يحكم بيني وبينك. فقلت: من ترى أن يحكم ها هنا. قال: أول من يطلع علينا، أغنيه لحني وتغنيه لحنك، فطمعت فيه وقلت نعم، فأقبل شيخ نبطي يحمل شوكا على حمار له، فأقبل عليه أبي فقال: إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء، قال: وأي شيء هو? فقلنا: زعم كل واحد منا أنه أحسن غناء من صاحبه، فتسمع مني ومنه وتحكم، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنى لحنه، وتبعته فغنيت لحني، فلما فرغت أقبل علي فقال لي: قد حكمت عليك عافاك الله ومضى، فلطمني أبي لطمة ما مر بي مثلها منه قط، وسكت فما أعدت عليه حرفا لا راجعته بعد ذلك في هذا المعنى حتى افترقنا.

 

ليت هندا أنجزتنا ما تـعـد                      وشفت أنفسنا ممـا تـجـد

واستـبـدت مـرة واحـدة                      إنما العاجز من لا يستـبـد

زعموها سألت جاراتـهـا                      ذات يوم وتعرت تبـتـرد

أكما ينعتني تبصـرنـنـي                      عمركن الله أم لا يقتـصـد

فتضاحكن وقد قلـن لـهـا                      حسن في كل عين من تود

حسدا حملنه من أجـلـهـا                      وقديما كان في الناس الحسد الشعر لعمر بن أبي ربيعة. ولحن إبراهيم فيه ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيل بالخنصر والبنصر عن يحيى المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد، وقال الهشامي: أدل شيء على أنه لمالك شبهه للحنه:

اسلمي يا دار من هند وفيه لمتيم ثقيل أول. وأما لحن إسحاق الذي فاخر به صنعة أبيه، فقد كتب شعره والصنعة فيه- وهما جميعا لإسحاق، ولحنه ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو- في أخبار إسحاق.

وذكر أحمد بن أبي طاهر أن حماد بن إسحاق حدثه عن أبيه قال: كان الرشيد قد وجد على منصور زنزل لشيء بلغه عنه، فحبسه عشر سنين أو نحوها، فقام الرشيد يوما لحاجته، فجعل إبراهيم يغني صوتا صنعه في شعر كان قاله في حبس زلزل، وهو:

هل دهرنا بك راجع يا زلـزل                      أيام يبغينا العدو الـمـبـطـل

أيام أنت من المـكـاره آمـن                      والخير متسع علينا مـقـبـل

يا بؤس من فقد الإمام وقربـه                      ماذا به من ذلة لـو يعـقـل

ما زلت بعدك في الهموم مرددا                      أبكي بأربعة كأني مـثـكـل - الشعر والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو- قال: ودخل الرشيد وهو في ذلك فجلسى في مجلسه، ثم قال: يا إبراهيم، أي شيء كنت تقول? فقال: خيرا يا سيدي، فقال: هاته فتلكأ، فغضب الرشيد وقال: هاته فلا مكروه عليك، فرد الغناء، فقال له: أتحب أن تراه? فقال: وهل ينشر أهل القبور. فقال: هاتوا زلزلا، فجاءوا به وقد ابيض رأسه ولحيته فسر به إبراهيم، وأمره فجلس، وأمر إبراهيم فغنى وضرب عليه فزلزلا الدنيا، وشرب الرشيد على ذلك رطلا وأمر بإطلاق زلزل وأسنى جائزتهما ورضي عنه وصرفه إلى منزله. قال: وزلزل أول من أحدث هذه العيدان الشبابيط، وكانت قديما على عمل عيدان الفرس، فجاءت عجبا من العجب. قال: وكانت أخت زلزل تحت إبراهيم، وقد ولدت منه.

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أول من تعلمت منه الغناء مجنون، كان إذا صيح به: يا مضر، يهيج ويرجم، فبلغني أنه يغني أصواتا فيجيدها، أخذها عن قدماء أهل الحجاز، فكنت أدخله إلي فأطعمه وأسقيه وأخدعه حتى آخذ عنه، وكان حاذقا، فأول صوت أخذته عنه:

 

صفحة : 543

 

 

أرسلي بالسلام يا سـلـم إنـي                      منذ علقتكـم غـنـي فـقـير

فالغنى إن ملكت أمرك والفـق                      ر بأنـي أزور مـن لا يزور

ويح نفسي تسلو النفوس ونفسي                      في هوى الريم ذكرها ما يحور

من لنفس تتوق أنـت هـواهـا                      وفـؤاد يكـاد فـيك يطــير ثم مكثت زمانا آخذ عنه، وكان إذا عاد إليه عقله من أحذق الناس وأقومهم على ما يؤديه، ثم غاب عني فما أعرف خبره.

وهذا الشعر للوليد بن يزيد. والغناء ليونس خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر غيره أنه لعمر الوادي، وفيه لوجه القرعة ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده قال: خرجت مع الرشيد إلى الشأم لما غزا، فدعاني يوما فدخلت إليه إلى مجلس لم أر أحسن منه مفروش بأنواع الرخام، فأكل وأمرني فأكلت معه، وجعلت أتولى خدمته إلى العصر، ثم دعا بالنبيذ فشرب وسقاني معه، ثم خلع علي خلعة وشى من ثيابه وأمر لي بألف دينار، ثم قال: انظر يا إبراهيم، كم من يد أوليتك إياها اليوم نادمتني مفردا، وآكلتني، وخلعت عليك ثيابي من بدني، ووصلتك، وأجلستك في إيوان مسلمة بن عبد الملك تشرب معي، فقلت: يا سيدي، ما ذهب علي شيء من تفضلك، وإن نعمك عندي لأكثر من أن تحصى، وقبلت رجله والأرض بين يديه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال قال دعبل بن علي: لما ولى الرشيد الخلافة وجلس للشرب بعد فراغه من إحكام الأمور ودخل عليه المغنون، كان أول من غناه إبراهيم الموصلي بشعره فيه، وهو:

إذا ظلم البلاد تجـلـلـتـنـا                      فهارون الإمام لـهـا ضـياء

بهارون استقام العـدل فـينـا                      وغاض الجور وانفسح الرجاء

رأيت الناس قد سكنوا إليه كما                      سكنت إلى الحرم الـظـبـاء

تبعت من الرسول سبيل حـق                      فشأنك في الأمور به اقتـداء فقال له الخادم من خلف الستارة: أحسنت يا إبراهيم في شعرك وغنائك، وأمر له بعشرين ألف درهم. لحن إبراهيم في هذا الصوت ثقيل أول بالسبابة والوسطى عن أحمد بن المكي.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني أبي قال: كنت أنا وأبو سعيد النهدي وهاشم بن سليمان المغني يوما مجتمعين في بستان لنا ونحن نشرب وهاشم يغنيناة فلما توسطنا أمرنا إذا نحن برجل فد دخل علينا البستان جميل الهيئة حسن الزي، فلما بصرنا به من بعيد، وثب هاشم يعدو حتى لقيه، فقبل يده وعانقه، ولم يعرفه أحد منا، فجاء وسلم سلام الصديق على صديقه، ثم قال: خذوا في شأنكم، فإني اجتزت بكم فسمعت غناء أبي القاسم فاستخفني وأطربني، فدخلت إليكم واثقا بأنه لا يعاشر إلا فتى ظريفا يستحسن هذا الفعل ويسره، ولي في هذا إمام وهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام، فإنه سمع غناء عند قوم فدخل بغير إذن ثم قال: إنما أدخلني عليكم مغنيكم لما غنى:

قل لكرام بـبـابـنـا يلـجـوا                      ما في التصابي على الفتى حرج وأنا أعلم أن نفوسكم متعلقة بمعرفتي، فمن عرفني فقد اكتفى، ومن جهلني فأنا إبراهيم الموصلي، فقمنا فقبلنا رأسه وسررنا به أتم سرور، وانعقدت بيننا وبينه يومئذ مودة، ثم غاب عنا غيبة طويلة، وإذا هاشم قد أنفذ إلينا منه رقعة فيها:

أهاشم هل لي من سبيل إلى التي                      تفرق هم النفس في كل مذهب

معتقة صرفا كأن شعـاعـهـا                      تضرم نار أو توقـد كـوكـب

ألا رب يوم قد لـهـوت ولـيلة                      بها والفتى النهدي وابن المهلب

ندير مداما بـينـنـا بـتـحـية                      وتفدية بالنـفـس والأم والأب أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان لي وأنا صبي عقعق قد ربيته وكان يتكلم بكل شيء سمعه، فسرق خاتم ياقوت كان لأبي قد وضعه على تكأته ودخل الخلاء ثم خرج ولم يجده، فطلبه وضرب غلامه الذي كان واقفا، فلم يقف له على خبر، فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا فأخرج الخاتم منه ولعب به طويلا، ثم رده فيه ودفنه، فأخذته وجئت به إلى أبي، فسر بذلك وقال يهجو العقعق:

 

صفحة : 544

 

 

إذا بارك الله فـي طـائر                      فلا بارك الله في العقعق

طويل الدنابى قصير الجناح                      متى ما يجد غفلة يسـرق

يقلب عينـين فـي رأسـه                      كأنهما قطـرتـا زئبـق أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن المكي، وذاكرت أبا أحمد بن جعفر جحظة بهذا الخبر فقال حدثني به محمد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل عن أبيه عن جده، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون بن إسماعيل فجمعت الروايات كلها: أن الرشيد قال يوما لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها فهلم أقاسمك إياها وأخايرك، فاقتسما المغنين، على أن جحلا، بإزاء كل رجل نظيره، وكان ابن جامع في حيز الرشيد وإبراهيم في حيز جعفر بن يحيى، وحضر الندماء لمحنة المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع فغنى صوتا أحسن فيه كل الإحسان وطرب الرشيد غاية الطرب، فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرفه، وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لإسماعيل بن جامع: إن يا إسماعيل، فغنى صوتا ثانيا أحسن من الأول وأرضى في كل حال، فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، قال: ولا أعرف هذا، فقال: هذان اثنان، غن يا إسماعيل، فغنى ثالثا يتقدم الصوتين الأولين ويفضلهما، فلما أتى على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، قال: ولا أعرف هذا أيضا، فقال له جعفر: أخريتنا أخزاك الله. قال: وأتم ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه بجوائز كثيرة وخلع عليه خلعا فاخرة، ولم يزل إبراهيم منخذلا منكسرا حتى انصرف. قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزف، وكان محمد من المغنين المحسنين، وكان أسرع من عرف في أيامه في أخذ صوت يريده أخذه، وكان الرشيد قد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله فألزمه بيته وتناساه، فقال إبراهيم للزف: إني اخترتك على من هو أحب إلي منك، لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون قال: أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله تعالى، فأدى إليه الخبر وقال: أريد أن تمضي الساعة إلى ابن جامع، فتعلمه أنك صرت إليه مهنئا بما تهيأ له علي، وتنقصني وثثلبني وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها منه، ولك ما تحبه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضا الخليفة إن شاء الله. قال: فمضى من عنده وآستأذن على ابن جامع فأذن له، فدخل وسلم عليه وقال: جئتك مهنئا بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي أخزى ابن الجرمقانية على يدك، وكشف الفضل في محلك من صناعتك، قال: وهل بلغك خبرنا? قال: هو أشهر من أن يخفى على مثلي، قال: ويحك، إنه يقصر عن العيان، قال: أيها الأستاذ، سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك، وأسقط بيني وبينك الأسانيدة قال: أقم عندي حتى أفعل، قال: السمع والطاعة، فدعا له ابن جامع بالطعام فأكلا ودعا بالشراب، ثم ابتدأ فحدثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزف: وما هو أيها الأستاذ? فغناه ابن جامع إياه، فجعل محمد يصفق وينعر ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه عنه. ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل فعله في الصوت الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث ة فلما أخذ الأصوات الثلاثة كلها وأحكمها قال له: يا أستاذ، قله بلغت ما أحب، فتأذن لي في الانصراف. قال: إذا شئت، فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال له: ما وراءك. قال: كل ما تحب، ادع لي بعود، فدعا له به، فضرب وغناه الأصوات، قال إبراهيم: وأبيك هي بصورها وأعيانها، رددها علي الآن، فلم يزل يرددها حتى صحت لإبراهيم، وانصرف الزف إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم، فلما بصر به قال له: أو قد حضرت أما كان ينبغي

 

صفحة : 545

 

لك أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين? جعلني الله فداءك والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول? قل، فقال: إنه ليس ينبغي لي ولا لغيري أن يراك نشيطا لشيء فيعارضك، ولا أن تكون متعصبا لحيز وجنبة فيغالبك، وإلا فما في الأرض صوت لا أعرفه، قال: دع ذا عنك، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا، فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما تقول فهاته اليوم، فليس هاهنا عصبية ولا تمييز، فاندفع فأمر الأصوات كلها، وابن جامع مصغ يسمع منه، حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنه ما عرفها قط ولا سمعها ولا هي إلا من صنعته، ولم تخرج إلى أحد غيره. فقال له: ويحك فما أحدثت بعدي. قال: ما أحدثت حدثا، فقال: يا إبراهيم بحياتي اصدقني فقال: وحياتك لأصدقنك، رميته بحجره، فبعثت له بمحمد الزف وضمنت له ضمانات، أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال لي عليه حتى أخذها عنه ونقلها إلي، وقد سقط الآن اللوم عني بإقراره، لأنه ليس علي أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه إلى الناس، وهذا باب من الغيب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئا من غناء الأوائل وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروى صنعته للزمه أن يروى صنعتي، ولزم كل واحد منا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك، فمن قصر عنه كان مذموما ساقطا، فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم، ونضحت عن نفسك، وقمت بحجتك، ثم أقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل، أتيت أتيت دهيت دهيت أبطل عليك الموصلي ما فعلته به أمس وانتصف اليوم منك، ثم دعا بالزف فرضي عنه.

قال علي بن محمد: سألت خالي أبا عبد الله بن حمدون وقد تجارينا هذا الخبر: هل تعرف أصوات ابن جامع هذه? فأخبرني أنه سمع إسحاق يحكى هذه القصة، وذكر أن الصوت الأول منها:

بكيت نعم بكيت وكل إلف                      إذا بانت قرينته بكاهـا

وما فارقت لبنى عن تقال                      ولكن شقوة بلغت مداها الشعر لقيس بن ذريح. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل آخر بالخنصر والبنصر من كتابه. وفيه لإبراهيم ثقيل أول عن الهشامي.

قال: والثاني منها.

 

عفت دار سلمى بمفضى الرغام                      رياح تعاقـبـهـا كـل عـام

خلاف الحلول بتلك الطـلـول                      وسحب الذيول بذاك المـقـام

وأنس الديار وقرب الـجـوار                      وطيب المزار ورد الـسـلام

ودهر غرير وعيش السـرور                      ونأى الغيور وحسن الـكـلام الشعر لحماد الراوية. والغناء لابن جامع ثقيل أول بالبنصر، ذكر ذلك الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو، قال ابن حمدون: وهذا الصوت عجيب الصنعة، كثير النغم، محكم العمل، من صدور أغاني ابن جامع ومتقدم صنعته، وكان المعتصم معجبا به، وكثيرا ما كان يسكت المغنين إذا غني بحضرته فلا يسمع سائر يومه غيره.

قال: والثالث منها:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر                      عينا لغيرك دمعهـا مـدرار

من ذا يعيرك عينه تبكي بـهـا                      أرأيت عينا للبـكـاء تـعـار الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لابن جامع ثقيل أول بالوسطى، وقال ابن حمدون: وعارضه إبراهيم بعد ذلك في هذا، الشعر، فصنع فيه لحنا من الرمل بالبنصر في مجراها، فلم يلحقه ولا قاربه. قال: وقد صنع أيضا في هذا الشعر لحن خفيف فاسد الصنعة محدث ليس ينبغي أن يذكر هاهنا.

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو عبد الله الحزنبل قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه قال: أنشد بشار قول العباس بن الأحنف:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر                      عينا لغيرك دمعهـا مـدرار فقال بشار: لحق والله هذا الفتى بالمحسنين، وما زال يدخل نفسه معنا ونحن نخرجه حتى قال هذا الشعر.

حدثني محمد بن يحيى قال حدثني ميمون بن هارون عن إسحاق قال: أنشد الرشيد قول العباس:

من ذا يعيرك عينه تبكي بها                      أرأيت عينا للبكاء تـعـاو فقال: يعيره من لا حاطه الله ولا حفظه.

ومما يغنى فيه من قصيدة العباس بن الأحنف الرائية التي هذا الصوت الأخير منها قوله:

الحب أول ما يكون لجاجة                      تأتي به وتسوقه الأقـدار

 

صفحة : 546

 

 

حتى إذا سلك الفتى لجج الهوى                      جاءت أمور لا تطاق كبـار غناه ابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر. وفيه لشاطره امرأة منصور زلزل ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وذكر ابن المكي المرتجل أن هذه الأصوات الثلاثة المسروقة من ابن جامع:

يا قبر بين بيوت آل محرق                      عفا طرف القرية فالكثيب وأسقط منها قوله:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر                      وبكيت نعم بكيت وكـل إلـف

يا قبر بين بيوت آل مـحـرق                      جادت عليك رواعد وبـروق

أما البكاء فقل عنـك كـثـيره                      ولئن بكيت فالبكـاء حـقـيق الشعر لرجل من بني أسد يرثي خالد بن نضلة ورجلا آخر من بني أسد كانا ندمين للمنذر بن ماء السماء، فقتلهما في سخطه عليهما، وخبر ذلك مشهور في أبخار ابن جامع. والغناء لابن جامع، وله فيه لحنان: ثقيل أول بالوسطى، ورمل بالبنصر، وقيل: إن الرمل لابن سريج. وذكر حبش أن لمحمد صاحب البرام فيه لحنا من الثقيل الثاني بالوسطى.

ومنها:

عفا رسم القرية فالكـثـيب                      إلى ملحاء ليس بها عـريب

تأبد رسمها وجرى علـيهـا                      سفي الريح والترب الغريب

فإنك واطراحك وصل سعدى                      لأخرى في مودتها نكـوب

كثاقبة لحلي مـسـتـعـار                      بأذنيها فشأنهما الـثـقـوب

فردت حلي جارتها إلـيهـا                      وقد بقيت بأذنـيهـا نـدوب الشعر لابن هرمة. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. عن إسحاق، وفيه للغريض ثاني ثقيل آخر بالبنصر عن عمرو. وقال عمرو: فيه لحن للهذلي، ولم يجنسه.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني عيسى بن أيوب القرشي قال حدثني غيث بن عبد الكريم عن فليح بن إسماعيل عن إسماعيل بن جعفر الفقيه مولى حرب عن أبيه قال: مررت بابن هرمة وهو جالس على دكان في بني زريق، فقلت له: يا أبا إسحاق، ما يجلسك ها هنا? قال: بيت كنت قلته ثم انقطع علي الروي فيه وتعذر علي ما أشتهيه، فأبغضته وتركته، قلت: ما هو? قال:

فإنك واطراحك وصل سعدى                      لأخرى في مودتها نكـوب قال: قلته ثم انقطع لي فيه، فمرت بي جويرية صفراء مليحة كنت أستحسنها أبدا وأكلمها إذا مرت بي، فمرت اليوم فرأيتها وقد ورم وجهها وتغير خلقها، أعما أعرف، فسألتها عن خبرها فقالت: كان في بني فلان عرس أردت حضوره، فاستعار لي أهلي حليا وثقبوا أذني لألبسه فورم وجهي وأذناي كما ترى، فردوه ولم أشهد العرس، قال ابن هرمة: فاطرد لي الشعر فقلت:

كثاقبة لحلي مستـعـار                      بأذنيها فشأنهما الثقوب

فردت حلي جارتها إليها                      وقد بقيت بأذنيها ندوب أخبرني الحسين بن القاسم قال حدثني العباس بن الفضل قال حدثني أبي قال: قال الرشيد لإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابن جامع وابن أبي الكنات: باكروني غدا، وليكن كل واحد قد قال شعرا إن كان يقدر أن يقوله، وغنى فيه لحنا، وإن لم يكن شاعرا غنى في شعر غيره. قال إبراهيم بن المهدي: فقمت في السحر وجهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني وقلت لهم: إني أريد أن أمضي إلى موضع ولا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا يبيتون على باب داري، فقمت فركبت وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، وإذا قام لحاجته في السحر اعتمد على خشبة له في المستراح، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:

إذا سكبت في الكأس قبل مزاجهـا                      ترى لونها في جلدة الكأس مذهبا

وإن مزجت راعت بلون تخـالـه                      إذا ضمنته الكأس في الكأس كوكبا

أبوها نجاء المزن والكرم أمـهـا                      فلم أر زوجا منه أشهى وطـيبـا

فجاءتك صفرا أشبهت غير جنسها                      وما أشبهت في اللون أما ولا أبـا

 

صفحة : 547

 

قال: فما زلت واقفا أستمع منه الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد، فلما جلسنا للشرب خرج الخادم إلي فقال: يقول لك أمير المؤمنين: يا بن أم غنني، فاندفعت فغنيت هذا الصوت والموصلي في الموت حتى فرغت منه، فشرب عليه وأمر لي بثلثمائة ألف درهم، فوثب إبراهيم الموصلي فحلف بالطلاق وحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة وغنى فيه، ما سبقه إليه أحد، فقال إبراهيم: يا سيدي، فمن أين هو لي أنا لولا كذبه وبهته وإبراهيم يضطرب ويضج، فلما قضيت أربا من العبث به قلت للرشيد: الحق أحق أن يتبع، وصدقته، فقال للموصلي: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضا مما جرى عليه، فلو بدأت أنت بالصوت لكان هذا حظك، فأمر له بها فحملت إليه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن مخارق قال: أتى إبراهيم الموصلي محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان، فسأله محمد أن يقيم عنده، فقال: ليس يمكنني لأن رسول أمير المؤمنين قد أتاني، قال: فتمر بنا إذا انصرفت ولك عندي كل ما يهدى إلي اليوم? فقال: نعم، وترك في المجلس صديقا له يحصي ما يبعث به، إليه، قال: فجاءت هدايا عجيبة من كل ضرب، قال: وأهدي إليه تمثال فيل من ذهب عيناه ياقوتتان، فقال محمد للرجل: لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة ففعل، وانصرف إبراهيم إليه فقال: أحضرني ما أهدي لك، فأحضره ذلك كله إلا التمثال، وقال: لا بد من صدقك، كان من الأمر كذا وكذاة فقال: لا إلا على الشريطة وكما ضمنت، فجيء بالتمثال، فقال إبراهيم: أليس الهدية لي فأعمل فيها ما أريد. قال: بلى، قال: فرد التمثال على الجارية، وجعل يفرق الهدايا على جلساء محمد شيئا شيئا وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم من جواريه حتى لم يبق منها شيء، ثم أخذ من المجلس تفاحتين لما أراد الانصراف وقال: هذا لي، وانصرف، فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله.

وقال أحمد بن المرزبان حدثني بعض كتاب السلطان: أن الرشيد هب ليلة من نومه، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض فركبه، وخرج في دراعة وشي متلثما بعمامة وشيء ملتحفا بإزار وشي، بين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفراشين، وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانه عنده، فلما خرج من باب القصر قال: أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة. قال: أردت منزل الموصلي. قال مسرور: فمضى ونحن معه وبين يديه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فخرج فتلقاه وقبل حافر حماره وقال له: يا أمير المؤمنين، أفي مثل هذه الساعة تظهر قال: نعم، شوق طرق لك بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيدي أتنشط لشيء تأكله? فقال: نعم، خاميز ظبي، فأتي به كأنما كان معدا له، فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال الموصلي: يا سيدي، أؤغنيك أم تغنيك إماؤك? فقال: بل الجواري، فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة? فقال: بل تضرب اثنتان اثنتان وتغني واحدة فواحدة، ففعلن ذلك حتى مر صدر الإيوان وأحد جانبيه والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشيته:

يا موري الزند قد أعيت قوادحـه                      اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس

ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم                      إذا نظرت فلم أبصرك في الناس قال: فطرب لغنائها واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صانعه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فاقيمت حتى وقفت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، فدعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرك ألا تكون خليفة، فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به وأدناه بعد ذلك. قال: وكان الذي خبرته به أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي، وكانت الجارية لها وجهت بها إلى إبراهيم يطارحها، فغار الرشيد. ولحن الصوت خفيف رمل.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان أبي يألف خمارة بالرقة يقال لها بشرة تنزل الهنىء والمريء، وكانت لها بنت من أحسن الناس وجها فكان أبي يتحلاها، ثم رحل الرشيد عن الرقة إلى بلاد الروم في بعض غزواته، فقال أبي فيها:

أيا بنت بشرة ما عاقنـي                      عن العهد بعدك من عائق

 

صفحة : 548

 

 

نفى النوم عني سنا بـارق                      وأشهقني في ذرى شاهق قال: وفيها يقول أيضا من أبيات له، وله فيها صنعة من الرمل الأول:

وزعمت أني ظالم فهجرتنـي                      ورميت في قلبي بسهم نافـذ

ونعم ظلمتك فاغفري وتجاوزي                      هذا مقام المستجـير الـعـائذ ذكر حماد في هذا الخبر أن لحن جده من الرمل. ووجدت في كتاب أحمد بن المكي أن له فيهما لحنين: أحدهما ثقيل أول والآخر ثاني ثقيل.

حدثني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: حبس الرشيد إبراهيم الموصلي عند أبي العباس يعني أباه عبد الله بن مالك فسمعناه ليلة وقد صنع هذا اللحن وهو يكرره حتى يستوي له:

يا أخلاء قد مللت مـكـانـي                      وتذكرت ما مضى من زماني

شربي الراح إذ تقوم علـينـا                      ذات دل كأنها غصـن بـان قال: وغنى في الحبس أيضا:

ألا طال ليلي أراعي النجوم                      أعالج في الساق كبلا ثقيلا حدثني عيسى قال حدثني عبد الله قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني علويه الأعسر قال: دخلت على إبراهيم الموصلي في علته التي توفى فيها وهو في الأبزن وبه القولنج الذي مات فيه، وهو يترنم بهذا الصوت:

تغير مني كل حـسـن وجـدة                      وعاد على ثغري فأصبح أثرما

ومحل أطرافي فزالت فصوصها                      وحتى عظامي عوجها والمقوما قال محمد: فحدثت بهذا الحديث إسحاق الموصلي، فقال: كذب ابن الزانية والله ما كان يجترىء أن يدخل إلى أبي إسحاق وهو جالس للناس إلا بعد جهد، فكيف يدخل إلى أبي إسحاق وهو جالس في الأبزن.

الشعر والغناء لإبراهيم، وله فيه لحنان ماخوري بالوسطى عن عمرو، وثاني ثقيل عن ابن المكي.

حدثني جحظة قال: كان المقتدر يدعونا في الأحايين، فكان يحضر من المغنين إبراهيم بن أبي العبيس وكنيز وإبراهيم بن قاسم وأنا ووصيف الزامر، وكان أكثر ما ندعى له أن جواريه كن يطالبنه بإحضارنا ليأخذن منا أصواتا قد عرفتها ويسمعننا. فنغني فيأخذن ما يستحسنه، فإذا انصرفنا أمر لكل واحد من إبراهيم وكنيز دبة وإبراهيم بثلاثمائة دينار، ولي بمائتي دينار، ولوصيف بمائتي دينار، ولسائر من لعله أن يحضر معنا بمائتين إلى المائة الدينار إلى الألف الدرهم، فيكون إذا حضرنا من وراء ستارة وهو جالس مع الجواري، فإذا أراد اقتراح شيء جاءنا الخدم فأمرونا أن نغنيه، وبين يدي كل واحد منا قنينة فيها خمسة أرطال نبيذ وقدح ومغسل وكوز ماء، فغنت يوما صلفة جارية زرياب بصنعة إبراهيم الموصلي:

تغير مني كل حـسـن وجـدة                      وعاد على ثغري فأصبح أثر ما فشربت عليه، فاستعاده المقتدر مرارا وأنا أشرب عليه، فأخذ إبراهيم بن أبي العبيس بكتفي وقال: يا مجنون إنما دعيت لتغني لا لتغني وتطرب وتشرب، فلعلك تسكر، حسبك، فأمسكت طمعا أن ترده بعد ذلك، فما فعلت ولا اجتمعنا بعدها، وما سمعت قبل ذلك ولا بعده أحدا غنى هذا الصوت أحسن مما غنته. قال: وكان المقتدر ابتاعها من زرياب.

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان بن علي قال: حدثني إسحاق الموصلي عن أبيه قال: بينا أنا بمكة أجول في سككها إذا أنا بسوداء قائمة ساهية باكية، فأنكرت حالها وأدمنت النظر إليها، فبكت وقالت:

أعمرو علام تجنبـتـنـي                      أخذت فؤادي وعذبتـنـي

فلو كنت يا عمرو وخبرتني                      أخذت حذاري فما نلتنـي فقلت لها: يا هذه، من عمرو? قالت: زوجي، قلت: وما شأنه? قالت: أخبرني أنه يهواني وما زال يطلبني حتى تزوجته، فلبث معي قليلا ثم مضى إلى جدة وتركني، فقلت لها: صفيه لي? قالت: أحسن من أنت رأئيه سمرة وأحلاهم حلاوة وقدا، فركبت رواحلي مع غلماني وصرت إلى جدة، فوقفت في موضع المرفأ أتبصر من يحمل من السفن، وأمرت من يصوت: يا عمرو يا عمرو، وإذا أنا به خارجا من سفينة على عنقه صن فيه طعام، فعرفته بصفتها ونعتها إياه، فقلت:

أعمرو غلام تجنبتنـي                      أخذت فؤادي وعذبتني

 

صفحة : 549

 

فقال: هيه أرأيتها وسمعت منها? فقلت: نعم، قأطرق هنيهة يبكي، ثم اندفع فغنى به أملح غناء سمعته، وردده علي حتى أخذته منه، وإذا هو أحسن الناس غناء، فقلت له: ألا ترجع إليها? فقال: طلب المعاش يمنعني? فقلت: كم يكفيك معها في كل سنة، فقال: ثلثمائة درهم - قال إسحاق: قال لي أبي: فوالله يا بني لو قال ثلثمائة دينار لطابت نفسي بها - فدعوت به فأعطيته ثلاثة الآف درهم، وقلت له: هذا لعشر سنين على أن تقيم معها، فلا تطلب المعاش إلا حيث هي مقيمة معك، ويكون ذلك فضلا، ورددته معي إليها.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثنا صالح بن علي يعني الأضخم عن إبراهيم الموصلي - قال: وكان صالح جاره - قال: بينا أنا عشية في منزلي إذ أتاني خادم من خدم الرشيد فاستحثني بالركوب إليه فخرجت شبيها بالراكض، فلما صرت إلى الدار عدل بي عن المدخل إلى طرق لا أعرفها، فانتهي بي إلى دار حديثة البناء، فدخلت صحنا واسعا، وكان الرشيد يشتهي الصحون الواسعة، فإذا هو جالس على كرسي في وسط ذلك الصحن، ليس عنده أحد إلا خادم يسقيه، وإذا هو في لبسته التي كان يلبسها في الصيف: غلالة رقيقة متوشح عليها بإزار رشيدي عريض العلم مضرج فلما رآني هش لي وسر، وقال: يا موصلي، إني اشتهيت أن أجلس في هذا الصحن فلم يتفق لي إلا اليوم، وأحببت ألا يكون معي ومعك أحد، ثم صاح بالخدام، فوافاه مائة وصيف، وإذا هم بالأزقة مستترون بالأساطين حتى لا يراهم، فلما ناداهم جاءوا جميعا، فقال: مقطعة لإبراهيم، وكان هو أول من قطع، المصليات، فأتيت بمقعد فألقي لي تجاه وجهه بالقرب منه، ودعا بعود فقال: بحياتي أطربني بما قدرت، قال: ففعلت واجتهدت في ذلك ونشطت ورجوت الجائزة في عشيتي، فبينا أنا كذلك إذ جاءه مسرور الكبير، فقام مقامه الذي كان إذا قامه علم الرشيد أنه يريد أن يساره بشيء، فأومأ إليه بالدنو، فدنا، فألقى في أذنه كلمة خفيفة ثم تنحى، فاستشاط غضبا واحمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ثم قال: حتام أصبر على آل بني أبي طالب والله لأقتلنهم ولأقتلن شيعتهم ولأفعلن ولأفعلن، فقلت: إنا لله ليس عند هذا أحد يخرج غضبه عليه، أحسبه والله سيوقع بي، فاندفعت أغني:

نعم عونا على الهموم ثـلاث                      مترعات من بعدهن ثـلاث

بعدها أربع تتـمة عـشـر                      لا بطاء لكنـهـن حـثـاث

فإذا ناولـتـكـهـن جـوار                      عطرات بيض الوجوه خناث

تم فيها لك الـسـرور ومـا                      طيب عيشا إلا الخناث الإناث قال: ويلك اسقني ثلاثا لا أمت هما، فشرب ثلاثا متتابعة، ثم قال: غن فغنيت، فلما قلت:

ثلاث مترعات من بعدهن ثلاث قال: هات ويلك ثلاثا، ثم قال لي: غن، فلما غنيته قال: حث علي بأربع تتمة العشر، ففعل، فوالله ما استوفى آخرهن حتى سكر، فنهض ليدخل، ثم قال: قم يا موصلي فانصرت، يا مسرور، أقسمت عليك بحياتي وبحقي إلا سبقته إلى منزله بمائة ألف درهم، لا أستأمر فيها ولا في شيء منها، فخرجت والله وقد أمنت خوفي وأدركت ما أملت، ووافيت منزلي وقد سبقتني المائة الألف الدرهم إليه. أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: خرج رسول، الرشيد ذات ليلة إلى المغنين فقال: غنوا:

يا خليلي قد مـلـلـت ثـوائي                      بالمصلى وقد سئمت البقيعـا

بلغاني ديار هنـد وسـعـدى                      وارجعاني فقد هويت الرجوعا قال: فغناه ابن جامع، فلما فرغ منه طرب الرشيد وشرب، فقال له إبراهيم الموصلي: يا سيدي، فاسمعه من نبيطيك فغناه، فجعل ابن جامع يزحف من أول البيت إلى آخره، وطرب هارون فقال: ارفعوا الستارة، فقال له ابن جامع: مني والله أخذه يا أمير المؤمنين، فأقبل على إبراهيم فقال: بحياتي صدق? قال: صدق وحياتك يا سيدي، قال: وكيف أخذته وهو أبخل الناس إذا سئل شيئا? قال: تركته يغنيه وكان إذا سكر يسترسل فيه فيغنيه مستويا ولا يتحرز مني، فأخذته على هذا منه حتى وفيت به.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

 

صفحة : 550

 

كان برصوما الزامر وزنزل الصارب من سواد أهل الكوفة من أهل الخشنة والبذاذة والدناءة، فقدم بهما أبي معه سنة حج، ووقفهما على الغناء العربي وأراهما وجوه النغم وثقفهما حتى بلغا المبلغ الذي بلغاه من خدمة الخليفة، وكان أطبع أهل دهرهما في صناعتهما، فحدثني أبي قال: كان لزلزل جارية قد رباها وعلمها الضرب وسألني مطارحتها فطارحتها، وكانت مطبوعة حاذقة، قال: فكان يصونها أن يسمعها أحد، فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه للبيع، فصرت إليها لأعترضها، فغنت:

أقفر من أوتـاره الـعـود                      فالعود للأوتار معـمـود

وأوحش المزمار من صوته                      فما له بـعـدك تـغـريد

من للمزامير وعـيدانـهـا                      وعامر اللذات مـفـقـود

الخمر تبكي في أباريقهـا                      والقينة الخمصانة الـرود قال: وهذا شعر رثاه به صديق له كان بالرقة، قال: فأبكت والله عيني وأوجعت قلبي. فدخلت على الرشيد فحدثته بحديثها، فأمر بإحضارها فحضرت، فقال لها: غني الصوت الذي حدثني إبراهيم عنك أنك غنيته، فغنته وهي تبكي، فرق الرشيد لها وتغرغرت عيناه، وقال لها: أتحبين أن أشتريك? فقالت: يا أمير المؤمنين، لقد عرضت علي ما يقصر عنه الأمل، ولكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد بعد سيدي فينتفع بي، فازداد رقة عليها، وقال: غني صوتا آخر، فغنت:

العين تظهر كتماني وتبـديه                      والقلب يكتم ما ضمنته فـيه

فكيف ينكتم المكتوم بينهمـا                      والعين تظهره والقلب يخفيه فأمر بأن تبتاع وتعتق، ولم يزل يجري عليها إلى أن ماتت.

أخبرنا محمد قال حدثنا حماد عن أبيه عن جده قال: قال لي الرشيد يوما: يا إبراهيم، بكر علي غدا حتى نصطبح، فقلت له: أنا والصبح كفرسي رهان، فبكرت فإذا أنا به خاليا، وبين يديه جارية كأنها خوط بان أو جدل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل، وفي يدها عود، فقال لها: غنى، فغنت في شعر أبي نواس وهو:

توهمه قلبي فـأصـبـح خـده                      وفيه مكان الوهم من نظري أثر

ومر بفكري خاطرا فجرحـتـه                      ولم أر جسما قط يجرحه الفكر

وصافحه قلبـي فـآلـم كـفـه                      فمن غمز قلبي في أنامله عقر قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي حتى كدت أن أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين? فقال: هذه التي يقول فيها الشاعر:

لها قلبي الغداة وقلبهـا لـي                      فنحن كذاك في جسدين روح ثم قال لها: غنى، فغنت:

تقول غداة البين إحدى نـسـائهـم                      لي الكبد الحري فسر ولك الصبـر

وقد خنقتها عبـرة فـدمـوعـهـا                      على خدها بيض وفي نحرها صفر - الشعر لأبي الشيص، والغناء لعمرو بن بانة، خفيف رمل بالوسطى من كتابه وفيه لمتيم ثاني ثقيل وخفيف رمل آخر- قال: فشرب وسقاني ثم سقاها، ثم قال: غن يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي غير متحفظ من شيء:

تشرب قلبي حبهـا ومـشـى بـه                      تمشي حميا الكأس في جسم شارب

ودب هواها في عظامي فشفـهـا                      كما دب في الملسوع سم العقارب قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، قال: فأمرني بالانصراف، ولم يدعني شهرا ولا حضرت مجلسه، فلما كان بعد شهر دس إلي خادما معه رقعة، فيها مكتوب:

قد تخوفت أن أموت من الوج                      د ولم يدر من هويت بما بي

يا كتابي فأقر السلام على من                      لا أسمي وقل له يا كتابـي

إن كفا إليك قد بعـثـتـنـي                      فى شقاء مواصل وعـذاب

 

صفحة : 551

 

فأتاني الخادم بالرقعة، فقلت له: ما هذا? قال: رقعة الجارية فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسست القصة فشتمت الخادم ووثبت عليه وضربته ضربا شفيت به نفسي وغيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته القصة وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقى، ثم قال: على عمد فعلت ذلك بك لأمتحن مذهبك، وطريقتك، ثم دعا بالخادم فلما خرج رآني فقال لي: قطع الله يديك ورجليك، ويحك قتلتني، فقلت: القتل والله كان بعض حقك لما وردت به علي، ولكن رحمتك فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي في عقوبتك بما تستحقه. فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله يعلم أني ما فعلت الذي فعلت عفافا ولكن خوفا.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني حماد بن إسحاق قال: أخبرني أبي أنه سمع الرشيد وقد سأل جدي إبراهيم كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان، فقال: يا أمير المؤمنين، أخرج الهم من فكري وأمثل الطرب بين عيني، فتسوغ لي مسالك الألحان التي أريد، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبا ظافرا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وإن حسن وصفك لمشاكل حسن صنعتك وغنائك.

أخبرني ابن المرزبان قال حدثني حماد عن أبيه عن جده قال: أدركت يونس الكاتب وهو شيخ كبير فعرضت عليه غنائي، فقال: إن عشت كنت مغني دهرك.

قال حماد قال لي محمد بن الحسن: كان لكل واحد من المغنين مذهب في الخفيف والثقيل، وكان معبد ينفرد بالثقيل، وابن سريج بالرمل، وحكم بالهزج، ولم يكن في المغنين أحد يتصرف في كل مذهب من الأغاني، إلا ابن سريج وإبراهيم جدك وأبوك إسحاق.

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثني أحمد بن ثابت العبدي عن أبي الهذيل العلاف رأس المعتزلة عن ثمامة بن أشرس قال: مررت بإبراهيم الموصلي ويزيد حوراء وهما مصطبحان، وقد أخذا بينهما صوتا يغنيانه: هذا بيتا وهذا بيتا، وهو:

أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلـيا                      سبيل الصبا يخلص إلي نسيمهـا

فإن الصبا ريح إذا ما تنسـمـت                      على نفسى مهموم تجلت همومها أخبرنا محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوما في الجمعة لا يبعث فيه إلي بوجه ولا بسبب، لأخلو فيه بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، وقال لي: هو يوم أستثقله، فاله فيه بما شئت، فأقمت يوم السبت بمنزلي وتقدمت في إصلاح طعامي وشرابي بما احتجت إليه، وأمرت بوابي فأغلق الأبواب وتقدمت إليه ألا يأذن علي لأحد، فبينا أنا في مجلس والخدم قد حفوا بي وجواري يترددن بين يدي، إذا أنا بشيخ في هيئة وجمال، عليه خفان قصيران وقميصان ناعمان، وعلى رأسه قلنسوة لاطئة، وبيده عكازة مقمعة بفضة، وروائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت والدار، فداخلني بدخوله علي مع ما تقدمت فيه غيظ ما تداخلني قط مثله، وهممت بطرد بوابي ومن حجبني لأجله، فسلم علي أحسن سلام فرددت عليه، وأمرته بالجلوس فجلس، ثم أخذ بي، في أحاديث الناس وأيام العرب وأحاديثها وأشعارها حتى سلى ما بي من الغضب، وظننت أن غلماني تحروا مسرتي بإدخالهم مثله علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام. فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: هل لك في الشراب. فقال: ذلك إليك، فشربت رطلا وسقيته مثله، فقال لي: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغني لنا شيئا من صنعتك وما قد نفقت به عند الخاص والعام. فغاظني قوله، ثم سهلت على نفسي أمره فأخذت العود فجسسته ثم ضربت فغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم، فازداد غيظي وقلت: ما رضي بما فعله من دخوله علي بغير إذن واقتراحه أن أغنيه حتى سماني ولم يكنني ولم يجمل مخاطبتي. ثم قال: هل لك أن تزيدنا. فتذممت فأخذت العود فغنيت، فقال: أجدت يا أبا إسحاق فأتم حتى نكافئك ونغنيك، فأخذت العود وتغنيت وتحفظت وقمت بما غنيته إياه قياما، تاما ما تحفظت مثله ولا قمت بغناء كما قمت به له بين يدي خليفة قط ولا غيره، لقوله لي: أكافئك، فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال: أتأذن لعبدك بالغناء. فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغنيني بحضرتي بعد ما سمعه مني، فأخذ العود وجسه وحبسه، فوالله لخلته ينطق بلسان عربي لحسن ما سمعته من صوته، ثم تغنى:

ولي كبد مقروحة من يبيعني                      بها كبد ليست بذات قروح

 

صفحة : 552

 

 

أباها علي الناس لا يشترونهـا                      ومن يشتري ذاعلة بصـحـيح

أئن من الشوق الذي في جوانبي                      أنين غصيص بالشراب جريح قال إبراهيم: فوالله لقد ظننت الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يجيبه ويغني معه من حسن غنائه، حتى خلت والله أني أسمع أعضائي وثيابي تجاوبه، وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الجواب ولا الحركة لما خالط قلبي، ثم غنى:

ألا يا حمامات اللوى عدن عودة                      فإني إلى أصواتكـن حـزين

فعدن فلما عدن كدن يمتنـنـي                      وكدت بأسراري لهـن أبـين

دعون بترداد الهدير كـأنـمـا                      سقين حميا أو بهـن جـنـون

لم ترعيني مثلهن حـمـائمـا                      بكين ولم تدمع لهـن عـيون لم أعرف في هذه الأبيات لحنا ينسب إلى إبراهيم، والذي عرفته لمحمد بن الحارث بن بسخنر خفيف رمل فكاد، والله أعلم، عقلي أن يذهب طربا وارتياحا لما سمعت، ثم غنى:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجـد                      لقد زادني مسراك وجدا على وجد

أأن هتفت ورقاء في رونق الضخى                      على فنن غض النبات من الرنـد

بكيت كما يبكي الحـزين صـبـابة                      وذبت من الحزن المبرح والجهـد

وقد زعموا أن المـحـب إذا دنـا                      يمل وأن النأى يشفي من الـوجـد

بكل تداوينا فلـم يشـف مـا بـنـا                      على أن قرب الدار خير من البعد ثم قال: يا إبراهيم، هذا الغناء الماخوري فخذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك، فقلت: أعده علي، فقال: لست تحتاج، قد أخذته وفرغت منه، ثم غاب من بين يدي، فارتعت وقمت إلى السيف فجردته، وعدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن عندي? فقلن: سمعنا أحسن غناء سمع قط، فخرجت متحيرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا، فسألت البواب عن الشيخ، فقال لي: أي شيخ هو? والله ما دخل إليك اليوم أحد، فرجعت لأتأمل أمري، فإذا هو لد هتف بي، من بعض جوانب البيت: لابأس عليك يا أبا إسحاق، أنا إبليس وأنا كنت جليسك ونديمك اليوم، فلا ترع. فركبت إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه أبدا بطرفة مثل هذه، فدخلت إليه فحدثته بالحديث، فقال: ويحك تأمل هذه الأصوات، هل أخذتها? فأخذت العود أمتحنها، فإذا هي راسخة في صدري كأنها لم تزل، فطرب الرشيد عليها وجلس يشرب ولم يكن عزم على الشراب، وأمر لي بصلة وحملان وقال: الشيخ كان أعلم بما قال لك من أنك أخذتها وفرغت منها، فليته أمتعنا بنفسه يوما واحمدا كما أمتعك.

أما الصوت الأول فالذي أعرفه فيه خفيف رمل لمحمد بن الحارث بن بسخنر، ولم يقع إلي فيه صنعة لإبراهيم. والصوت الثاني الذي أوله:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد فشعره ليزيد بن الطثرية، والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وعمرو. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لدحمان ولحنا لابنه الزبير، ولم يذكر في أي طيقة هما.

هكذا حدثنا أبن أبي الأزهر بهذا الخبر، وما أدري ما أقول فيه، ولعل إبراهيم صنع هذه الحكاية ليتنفق بها، أو صنعت وحكيت عنه. إلا أن للخبر أصلا الأشبه بالحق منه ما حدثني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق ين إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: صنعت لحنا فأعجبني، وجعلت أطلب شعرا فعسر ذلك علي، ورأيت في المنام كأن رجلا لقيني فقال: يا إبراهيم، أأعياك شعر لغنائك هذا الذي تعجب به. قلت نعم، قال: فأين أنت من قول في الرمة حيث قال:

ألا يا اسلمى يا دارمي عن البلى                      ولا زال منهلا بجرعائك القطر

وإن لم تكوني غير شام بقفـرة                      تجربها الأذيال صيفـية كـدر قال: فانتبهت وأنا فرح بالشعر، فدعوت من ضرب علي وغنيته فإذا هو أوفق ما خلق الله، فلما علمت ذلك، وعلمت، هذا الغناء في شعر في الرمة، تنبهت عليه وعلى شعره فصنعت فيه ألحانا ماخورية، منها:

أمنزلتي مي سـلام عـلـيكـمـا                      هل الأزمن اللائي مررن رواجع

وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى                      ثلاث الأثافي أو رسـوم بـلاقـع

 

صفحة : 553

 

صنعة إبراهيم في هذين الشعرين جميعا من الماخوري بالوسطى، وهو خفيف الثقيل الثاني. وأخباره كلها في هذا المعنى تأتي في أخبار ذي الرمة مشروحة.

حدثني محمد بن، مزيد قال حدثني حماد عن أبيه قال قال لي، أبي: قال لي، جعفر بن يحيى يوما وقد علم أن الرشيد أذن لي وللمغنين في الانصراف يومئذ: صر إلي حتى أهب لك شيئا حسنا فصرت إليه فقال لي: أيما أحب إليك: أهب لك الشيء الحسن الني وعدتك به، أم أرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم. فقلت: بل يرشدني الوزير - أعزه الله - إلى هذا الوجه فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا الحسن، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر في الرمة حفظ الصبا ويعجبه ويؤثره، فإذا سمع فيه غناء، أطربه أكثر مما يطربه غيره مما لا يحفظ شعره، فإذا غنيته فأطربته وأمر لك بجائزة، فقم على رجليك قائما وقبل الأرض بين يديه وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة ولا تضره ولا ترزؤه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك. فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليك لا قيمة لها ولا منفعة فيها لأحد، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة أغني فيه ما أختاره وتحظر على المغنين جميعا أن يداخلوني فيه، فإني أحب شعره وأستحسنه فلا أحب أن ينغصه علي أحد منهم، وتوثق منه وني ذلك، فقبلت ذلك القول منه، وما انصرفت من عنده بعد ذلك إلا بجائزة، وتوخيت وقت الكلام في هذا المعنى حتى وجدته، فقمت فسألت كما قال لي، وتبينت السرور في وجهه، وقال: ما سألت شططا، قد أقطعتك سؤلتك، فجعلوا يتضاحكون من قولي ويقولون: لقد استضخمت القطيعة وهو ساكت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في التوثق? قال: توثق كيف شئت، فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي إلا جعلتني على ثقة من ذلك بأنك تحلف لي أنك، لا تعطي أحدا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر في الرمة فإن ذلك وثيقتي، فحلف مجتهدا لهم لئن غناه أحد منهم في. شعر في الزقة لا أثابه بشيء ولا بره ولا سمع غناءه، فشكرت فعله وقبلت الأرض بين يديه وانصرفنا. فغنيت مائة صوت وزيادة في شعر في الرمة، فكان إذا سمع منها صوتا طرب وزاد طربه ووصلني فأجزل، ولم ينتفع به أحد منهم غيري، فأخذت منه والله بها ألف ألف درهم وألف ألف درهم.

أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: قال إبراهيم الموصلي: أرتج علي فلم أجد شعرا أصوغ فيه غناء أغني فيه الرشيد، فدخلت إلى بعض حجر في داري مغموما، فأسبلت الستور علي وغلبتني عيني، فتمثل لي في البيت شيخ أشوه الخلقة، فقال لي: يا موصلي، مالي أراك مغموما، قلت: لم أصب شعرا أغني فيه الرشيد الليلة، قال: فأين أنت عن قول في الرمة:

ألا يا اسلمي يا دارمي على الـبـلـى                      ولا زال منهلا بجرعائك الـقـطـر

وإن لم تكوني غـير شـام بـقـفـرة                      تجـربـهـا الأذيال صـيفـية كـدر

أقامت بها حتى ذوي العود في الثـرى                      وساق الثريا في ملاءتـه الـفـجـر

وحتى اعتلى البهمى من الصيف نافض                      كما نفضت خيل نواصـيهـا شـقـر قال: وغناني فيه بلحن وكرره حتى علقته فانتبهت وأنا أديره، فناديت جارية لي وأمرتها بإحضار عود، ومازلت أترنم بالصوت وهي تضرب حتى أستوى لي، ثم صرت إلى هارون فغنيته إياه، فأسكت المغنين، ثم قال: أعد فأعدت، فما زال ليلته يستعيدنيه، فلما أصبح أمر لي بثلاثين ألف درهم وبفرش البيت الذي كنا فيه، وقال: عليك بشعر ذي الرمة فغن فيه، فصنعت فيه غناء كثيرا، فكنت أغنيه به فيعجبه، ويجزل صلتي.

أخبرني عمي وابن المرزبان والحسن بن علي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله السلمي قال حدثنا أبو غانم مولى جبلة بن يزيد السلمي قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل وزمر برصوما وغنى إبراهيم:

صحا قلبي وراع إلي عقلـي                      وأقصر باطلي ونصيت جهلي

رأيت الغانيات وكـن صـورا                      إلي صرمنني وطعن حبلـي

 

صفحة : 554

 

فطرب هارون حتى وثب على رجليه وصاح: يا آدم، لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك ثم جلس وقال: أستغفر الله.

الشعر الذي غنى فيه إبراهيم لأبي العتاهية. والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر.

حدثني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان الرشيد يجد بماردة وجدا شديدا، فغضبت عليه وغضب عليها، وتمادى بينهما الهجر أياما، فأمر جعفر بن يحيى العباس بن الأحنف فقال:

راجع أحبتك الذين هجرتهم                      إن المتيم قلما يتـجـنـب

إن التجنب إن تطاول منكما                      دب السلو له فعز المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى فيه الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فعرفته، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما عنها، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.

أخبرني جعفر بن قدامة عن حماد عن أبيه قال: أول جائزة خرجت لشاعر من الرشيد لما ولي الخلافة جائزة لإبراهيم، فإنه قال يمدحه لما ولي:

ألم تر أن الشمس كانت مريضة                      فلما ولي هارون أشرق نورها

فألبست الدنيا جمالا بوجـهـه                      فهارون واليها ويحيى وزيرها وغنى فيه، فأمر له بمائة ألف درهم، وأمر له يحيى بخمسين ألف درهم.

أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق الموصلي: أن أباه لعب يوما مع الرشيد بالنرد في الخلعة التي كانت على الرشيد والخلعة التي كانت عليه هو، فتقامر للرشيد، فلما قمره قام إبراهيم فنزع ثيابه، ثم قال للرشيد: حكم النرد الوفاء به، وقد قمرت ووفيت لك، فألبس ما كان علي، فقال له الرشيد: ويلك أنا ألبس ثيابك فقال: إي والله إذا أنصفت، وإذا لم تنصف قدرت وأمكنك، قال: ويلك أو أفتلي منك? قال: نعم ة قال: وما الفداء. قال: قل أنت يا أمير المؤمنين فإنك أولى بالقول ة فقال: أعطيك كل ما علي، قال: فمر به يا أمير المؤمنين وأنا أستخير الله في ذلك، فدعا بغير ما عليه فلبسه ونزع ما كان عليه فدفعه إلى إبراهيم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني علي بن عبد الكريم قال: زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية فضربن جميعا طريقة واحدة وغنين، فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة شدي مثناك، فشدته فاستوى، فعجبت أولا من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وترا غير مستو، ثم ازداد عجبى من فطنة إبراهيم له بعينه.

أخبرني إسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر المهلبي، قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني أبي قال: كنا مع الرشيد بالرقة وكان هناك خمار أقصده أشتري منه شرابا حسنا طيبا، وربما شربت في حانته، فأتيته يوما فبزل لي دنا في باطية له، فرأيت لونه حسنا صافيا، فاندفعت أغني:

اسقني صهباء صرفا                      لم تدنس بـمـزاج

اسقني واللـيل داج                      قبل أصوات الدجاج

يا أبا وهب خليلـي                      كل هم لا نفـراج

حين توهت بقلبـي                      في أعاصير الفجاج - الغناء في هذه الأبيات لإبراهيم هزج بالوسطى عن عمرو. وفيها لسياط ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق- قال: فدهش الخمار يسمع صوتي، فقلت له: ويحك قد فاض النبيذ من الباطية، فقال: دعني من النبيذ يا أبا إسحاق، مالي أرى صوتك حزينا حريقا، مات لك بالله إنسان?، فلما جئت إلى الرشيد حدثته بذلك فجعل يضحك.

وذكر أحمد بن أبي طاهر أن المدائني حدث قال: قال، إبراهيم الموصلي قال لي الرشيد يوما: يا إبراهيم، إني قد جعلت غدا للحريم، وجعلت ليلته

 

صفحة : 555

 

للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر عليك من المغنين، فلا تشتغل غدا بشيء ولا تشرب نبيذا، وكن بحضرتي في وقت العشاء الآخرة، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لأضربن عنقك، أفهمت. فقلت: نعم، وخرجت فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه ولا قرأت رقعة لأحد، حتى إذا صليت المغرب ركبت قاصدا إليه، فلما قربت من فناء داره مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل كبير مستوثق منه بحبال وأربع عرى أدم وقد دلي من القصر، وجارية قائمة تنتظر إنسانا قد وعد ليجلس فيه، فنازعتني نفسي إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعله أن يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك، فلم أزل أنازع نفسي وتنازعني حتى غلبتني، فنزلت فجلست فيه، ومد الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت فنزلت، فإذا جوار كأنهن المها جلوس، فضحكن وطربن، وقلن: قد جاء والله من أردناه ة فلما رأينني من قريب تبادرن إلى الحجاب وقفن: يا عدو الله، ما أدخلك إلينا. فقلت: يا عدوات الله، ومن الذي أردتن إدخاله? ولم صار أولى بهذا مني? فلم يزل هذا دأبنا وهن يضحكن وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن: أما من أردناه فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلم نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إلي طعام ودعيت إلى أكله، فلم يكن في فضل إلا أني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذر، ثم جيء بالنبيذ فجعلنا نشرب، وأخرجن إلي ثلاث جوار لهن فغنين غناء مليحا، فغنت إحداهن صوتا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم، هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له، هذا لمعبد، فقالت: يا فاسق، وما يدريك الغناء ما هو، ثم غنت الأخرى صوتا للغريض، فقالت تلك: أحسن إبراهيم، هذا له أيضا، فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض، فقالت: اللهم أخزه، ويلك وما يدريك ثم غنت الجارية صوتا لي، فقالت تلك: أحسن ابن سريج، هذا له، فقلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه وغناءه إليهم، فقالت: ويحك وما يدريك، فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعا وطربن كلهن وظهرن كلهن لي وقلن: كتمتنا نفسك وقد سررتنا، فقلت: أنا الآن أستودعكن الله، فقلن: وما السبب. فأخبرتهن بقصتي مع الرشيدة فضحكن وقلن: الآن والله طاب حبسك، علينا وعلينا إن خرجت أسبوعا، فقلت: هو والله القتل، قلن: إلى لعنة الله. فأقمت والله عندهن أسبوعا لا أزول فلما كان بعد الأسبوع ودعنني وقلن: إن سلمك الله فأنت بعد ثلاث عندنا، قلت نعم، فأجلسنني في الزنبيل وسرحت، فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، وإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي وأن من أحضرني فقد سوغ ملكي وأقطع مالي، فاستأذنت فتبادر الخدم حتى أدخلوني على الرشيد، فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع إيه يا إبراهيم، تهاونت بأمري وتشاغلت بالعوام عما أمرتك به وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، وما أمرت به غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارا، فاسمعه، فإن كان عذرا فاقبله وإلا فأنت أعلم، قال: هاته فليس ينجيك، فحدثته، فوجم ساعة ثم قال: إن هذا لعجب، أفتخضرني معك هذا الموضع? قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحصل عندهن، وإن شئت فعلى موعد، قال: بل على موعد، قلت: أفعل، فقال: انظر، قلت: ذلك حاصل - إليك متى شئت، فعدل عن رأيه في وأجلسني وشرب وطرب، فلما أصبحت أمرني بالانصراف وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهن في وقت الوعد، فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه ومده الجواري فصعدت، فلما رأينني تباشرن وحمدن الله على سلامتي، وأقمت ليلتي، فلما أردت الانصراف قلت لهن: إن لي أخا هو عدل نفسي عندي، وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه فمرحبا به، فوعدتهن ليلة غد وانصرفت وأتيت الرشيد وأخبرته، فلما كان الوقت خرج معي متخفيا حتى أتينا الموضع، فصعدت وصعد بعدي ونزلنا جميعا، وقد كان الله وفقني لأن قلت لهن: إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه ولا يسمع لكن نطقة، وليكن ما تختزنه من غناء أو تقلنه من قول مراسلة فلم يتعدين ذلك وأقمن على أتم ستر وخفر، وشربنا شربا كثيرا، وقد كان أمرني ألا أخاطبه بأمير المؤمنين، فلما أخذ مني النبيذ قلت سهوا: يا أمير المؤمنين،

 

صفحة : 556

 

فتواثبن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم لقد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت إليك واحدةفتواثبن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم لقد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت إليك واحدة منهن لضربت عنقك، قم بنا، فانصرفنا، وإذا هن له، قد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجه من غد بخدم فردوهن إلى قصره، ووهب لي مائة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف تأتيني بعد ذلك منهن، أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبي قال: دخلت على الرشيد يوما فقال لي: أنا اليوم كسلان خاثر، فإن غنيتني صوتا يوقظ نشاطي أحسنت صلتك، فغنيته:

ولم ير في الدنيا محبـان مـثـلـنـا                      على ما نلاقي من ذوي الأعين الخزر

صفيان لا نرضى الوشـاة إذا وشـوا                      عفيفان لا نغشى من الأمر ما يزري فطرب، ودعا بالطعام فأكل وشرب، وأمر لي بخمسين ألف درهم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال قال لي أبي قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتا أعجبني وأعجبت أيضا هي به، فقلت لها: لا تعجبي به حتى أعرضه على أبيك أبي إسحاق، فقلت له: والله ما في معرفة الوزير - أعزه الله - به ولا بغيره من الصنائع مطعن، وإنه لأصح العالم تمييزا وأثقبه فطنة، وما أعجبه إلا وهو صحيح حسن، فقال: إن كنت كما تقول أيضا، فإن أهل كل صناعة يمارسونها أفهم بها ممن يعلمها عن عرض من غير ممارسة، ولو كنا في هذه الصناعة متساويين لكان الاستظهار برأيك أجود، لأن ميلي إلى صانعة الصوت ربما حسن عندي ما ليس بالحسن، وإنما يتم سروري به بعد سماعك إياه واستحسانك له على الحقيقة، فمضيت فوجدت ستارة منصوبة وأمرا قد تقدم فيه قبلي، فجلست فسلمت علي الجارية، وقلت لها: تغنيني الصوت الذي ذكره لي الوزير أعزه الله، فقالت: إن الوزير قال لي: إن استجاده فعرفيني ليتم سروري به، وإلا فاطو الخبر عني لئلا تزول رتبته عندي، فقلت: هاتيه حتى أسمعه، فغنت تقول:

نفسي أكنت عليك مدعيا أم حين أزمع بينهم خنت

إن كنت هائمة بذكرهم                      فعـلـى فـراقـهـــم ألا حـــمـــت قال: فأحسنت والله وما قصرت، فاستعدته لأطلب فيه موضعا لأصلحه فيكون لي فيه معنى فما وجدت، قلت: أحسنت والله يا بنية ما شئت، ثم عدت إلى يحيى فحلفت له بأيمان رضيها أن كثيرا من حذاق المغنين لا يحسنون أن يصنعوا مثله، ولقد استعدته لأرى فيه موضعا يكون لي فيه عمل فما وجدت، فقال: وصفك لها من أجله يقوم مقام تعليمك إياها، فقد والله سررتني وسأسرك، فلما انصرفت أتبعني بخمسين ألف درهم.

حدثني عمي وابن المرزبان قالا حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله السلمي قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق، ولم يقل عن أبيه، قال: والله إني لفي منزلي ذات يوم وأنا مفكر في الركوب مرة وفي القعود مرة، إذا غلامي قد دخل ومعه خادم الرشيد يأمرني بالحضور من وقتي، فركبت وصرت إليه ة فقال لي: اجلس يا إبراهيم حتى أريك عجبا، فجلست، فقالت: علي بالأعرابية وابنتها، فأخرجت إلي أعرابية ومعها بنية لها عشر أو أرجح، فقال: يا إبراهيم، إن هذه الصبية تقول الشعر، فقلت لأمها: ما يقول أمير المؤمنين? فقالت: هي هذه قدامك فسلها، فقلت: يا حبيبة، أتقولين الشعر. فقالت نعم، فقلت: أنشديني بعض ما قلت ة فأنشدتني:

تقول لأتراب لها وهـي تـمـتـري                      دموعا على الخدين من شدة الـوجـد

أكـل فـتـاة لا مـحـالة نـــازل                      بها مثل ما بي أم بلـيت بـه وحـدي

براني له حب تنشب في الـحـشـى                      فلم يبق من جسمي سوى العظم والجلد

وجدت الهـوى حـلـوا لـذيذا بـديئه                      وآخره مرة لـصـاحـبـه مـردي

 

صفحة : 557

 

قال الشبي في خبره: قال إسحاق: وكان أبي حاضرا، فقال: والله لا تبرح يا أمير المؤمنين أو نصنع في هذه الأبيات لحنا، فصغت فيها أنا وأبي وجميع من حضر. وقال الآخرون: قال إبراهيم: فما برحت حتى صنعت فيه لحنا وتغنيت به وهي حاضرة تسمع. قال ابن المرزبان في خبره، ولم يذكره عمي، فقالت: يا أمير المؤمنين، قد أحسن رواية ما قلت، أفتأذن لي أن أكافئه بمدح أقوله فيه. قال: افعلي، فقالت:

ما لإبراهيم في العل                      م بهذا الشأن ثانـي

إنما عمر أبـي إس                      حاق زين للزمـان

منه يجنى ثمر اللـه                      و وريحان الجنـان

جنة الدنيا أبـو إس                      حاق في كل مكان قال: فأمر لها الرشيد بجائزة، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فوهبت لها شطرها اللحن الذي صنعه إبراهيم في شعر الأعرابية ثقيل أول بالوسطى. وفيه لعلويه ثاني ثقيل. وأما الشعر الثاني فهو لابن سيابة لا يشك فيه. ولإبراهيم فيه لحن من خفيف الثقيل.

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كنت أخذت بالمدينة من مجنون بها هذا الصوت، وغنيته الرشيد وقلت:

هما فتاتان لما تعرفـا خـلـقـي                      وبالشباب علـى شـيبـي تـدلان

رأيت عرسي لما ضمني كبـرى                      وشخت أزمعتا صرمي وهجراني

كل الفعال الذي يفعلنـه حـسـن                      يصبي فؤادي ويبدي سر أشجاني

بل احذرا صولة من صول شيخكما                      مهلا على الشيخ مهلا يا فتاتـان فطرب وأمر لي بظبية كانت ملقاة بين يديه، فيها ألف دينار مسيفة، وكان ابن جامع حاضرا، فقال: اسمع يا أمير المؤمنين غناء العقلاء ودع غناء المجانين، وكان أشد خلق الله حسدا، فغناه:

ولقد قالت لأتراب لـهـا                      كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني                      ومضت سعيا إلى قبتهـا فطرب وشرب، وأمر له بألف وخمسمائة دينار. ثم تبعه محمد بن حمزة وجه القرعة فغنى،:

يمشون فيها بـكـل سـابـغة                      أحكم فيها القتير والـحـلـق

يعرف إنصافهم إذا شـهـدوا                      وصبرهم حين تشخص الحدق فاستحسنه وشرب عليه، وأمر له بخمسمائة دينار. ثم غنى علويه:

يجحدن ديني بالنهار وأقتضـي                      ديني إذا وقدا النعاس الرقـدا

وأرى الغواني لا يواصلن، امرا                      فقد الشباب وقد يصلن الأمردا فدعا به الرشيد وقال له: يا عاض بظر أمه أتغني في مدح المرد وذم الشيب وستارتي منصوبة وقد شبت وكأنك تعرض بي ثم دعا مسرورا فأمره أن يأخذ بيده فيضربه ثلاثين درة ويخرجه من مجلسه، ففعل، وما انتفعنا به بقية يومنا ولا أنتفع بنفسه، وجفا علويه شهرا، ثم سألناه فيه فأذن له.

قال أبو الفرج: لإبراهيم أخبار مع خنث المعروفة بذات الخال، وكان يهواها، جعلتها في موضع آخر من هذا الكتاب، لأنها منفردة بذاتها مستغنية عن إدخالها في غمار أخباره. وله في هذه الجارية شعر كثير فيه غناء له ولغيره، وقد شرطت أن الشيء من أخبار الشعراء و، المغنين إذا كانت هذه سبيله أفرده، لئلا يقطع بين القرائن والنظائر مما تضاف إليه وتدخل فيه.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة اشتد أمر القولنج على أبي ولزمه، وكان يعتاده أحيانا، فقعد عن خدمة الخليفة وعن نؤبته في داره، فقال في ذلك:

مل والله طـبـيبـي                      من مقاساة الذي بـي

سوف أنعى عن قريب                      لعـدو وحـبــيب وغنى فيه لحنا من الرمل، فكان آخر شعر قاله وآخر لحن صنعه.

أخبرني الصولي عن محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن الرشيد ركب حمارا ودخل إلى إبراهيم يعوده وهو في الأبزن جالس، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم? فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:

سقيم مل منه أقـربـوه                      وأسلمه المداوي والحميم فقال الرشيد: إنا لله وخرج، فلم يبعد حتى سمع الواعية عليه.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال:

 

صفحة : 558

 

مات إبراهيم الموصلي سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف الشاعر وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفوا بين يديه ة فقال: من هذا الأول? قيل: إبراهيم، فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليهم، فلما فرغ وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بالثقدمة على من حضر? قال: لقوله:

وسعى بها ناس فقالوا إنهـا                      لهي التي تشقى بها وتكابد

فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم                      إني ليعجبني المحب الجاحد ثم قال: أتحفظها? قلت نعم، فقال: أنشدني باقيها. فأنشدته:

لما رأيت الليل سد طريقـه                      عني وعذبني الظلام الراكد

والنجم في كبد السماء كأنـه                      أعمى تحير ما لـديه قـائد

ناديت من طرد الرقاد بصده                      عما أعالج وهو خلو هاجـد

يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره                      أنت البلاء طريفه والتـالـد

ألقيت بين جفون عيني حرقة                      فإلى متى أنا ساهر يا راقد فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة? فقلت: بلى والله يا سيدي.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال قال حدثني حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال: قال لي برصوما الزامر: أما في حقي وخدمتي وميلي إليكم وشكري لكم ما أستوجب به أن تهب لي يوما من عمرك تفعل فيه ما أريد ولا تخالفني في شيء. فقلت: بلى ووعدته بيوم، فأتاني فقال: مر لي بخلعة، ففعلت وجعلت فيها جبة وشى، فلبسها ظاهرة وقال: امض بنا إلى المجلس الذي كنت آتي أباك فيه، فمضينا جميعا إليه وقد خلقته وطيبته، فلما صار على باب المجلس رمى بنفسه إلى الأرض فتمرغ في التراب وبكى وأخرج نايه وجعل ينوح في زمره ويدور في المجلس ويقبل المواضع التي كان أبو إسحاق يجلس فيها ويبكي ويزمر حتى قضى من ذلك وطرا، ثم ضرب بيده إلى ثيابه فشقها، وجعلت أسكته وأبكي معه، فما سكن إلا بعد حين، ثم دعا بثيابه فلبسها وقال: إنما سألتك أن تخلع علي لئلا يقال: إن برصوما إنما خرق ثيابه ليخلع عليه ما هو خير منها، ثم قال: امض بنا إلى منزلك فقد اشتفيت مما أردت، فعدت إلى منزلي وأقام عندي يومه، وانصرف بخلعة مجدد أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني القاسم بن يزيد قال: لما مات إبراهيم الموصلي دخلت على إبراهيم بن المهدي وهو يشرب وجواريه يغنين، فذكرنا إبراهيم الموصلي وحذقه وتقدمه، فأفضنا في ذلك وإبراهيم مطرق، فلما طال كلامنا وقال كل واحد منا مثل ما قاله صاحبه، اندفع إبراهيم بن المهدي يغني في شعر لابن سيابة يرثي به، إبراهيم- ويقال: إن الأبيات لأبي الأسد -:

تولى الموصلي فقد تولـت                      بشاشات المزاهر والقـيان

وأي بشاشة بقيت فتبـقـى                      حياة الموصلي على الزمان

ستبكيه المزاهر والملاهـي                      وتسعدهن عاتقة الـدنـان

وتبكيه الغـوية إذ تـولـى                      ولا تبكيه تالـية الـقـرآن قال: فأبكى من حضر، وقلت أنا في نفسي: أفتراه هو إذا مات من يبكيه: ألمحراب أم المصحف? قال: وكان كالشامت بموته.

أخبرني يحيى بن علي قال قال أنشدني حماد قال: أنشدني أبي لنفسه يرثي أباه، وأنشدها غير يحيى وفيها زيادة على روايته:

أقول له لـمـا وقـفـت بـقـبـره                      عليك سلام الله يا صاحب الـقـبـر

أيا قبر إبـراهـيم حـييت حـفـرة                      ولا زلت تسقى الغيث من سبل القطر

لقد عزني وجدي عـلـيك فـلـم يدع                      لقلبي نصيبا من عـزاء ولا صـبـر

وقد كنت أبكي مـن فـراقـك لـيلة                      فكيف وقد صار الفراق إلى الحشـر أخبرني أحمد بن محمد بن إسماعيل أبن إبراهيم الموصلي الملقب بوسواسة قال: أنشدني حماد لأبيه إسحاق يرثي أباه إبراهيم الموصلي:

سلام على القبر الذي لايجيبـنـا                      ونحن نحيي تربه ونخـاطـبـه

ستبكيه أشراف الملـوك إذا رأوا                      محل التصابي قد خلا منه جانبة

ويبكيه أهل الطرف طرا كما بكى                      عليه أمير المؤمنين وحـاجـبـه

 

صفحة : 559

 

 

ولما بدا لي اليأس منه وأنـزفـت                      عيون بواكيه ومـلـت نـوادبـه

وصار شفاء النفس من بعض ما بها                      إفاضة دمع تستهـل سـواكـبـه

جعلت على عيني للصبح عـبـرة                      ولليل أخرى ما بدت لي كواكبـه قال: وأنشدني أيضا حماد لأبيه يرثي أباه:

عليك سلام الله من قبر فـاجـع                      وجادك من نوء السماكين وابـل

هل أنت محيي القبر أم أنت سائل                      وكيف تحـيا تـربة وجـنـادل

أظل كأني لم تصبنـي مـصـيبة                      وفي الصدر من وجد عليك بلابل

وهون عندي فقده أن شخـصـه                      على كل حال بين عيني مـاثـل أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني قال أنشدني إبراهيم بن علي بن هشام لرجل يرثي إبراهيم الموصلي:

أصبح اللهو تحت عفر التراب                      ثاويا في محـلة الأحـبـاب

إذ ثوى الموصلي فأنقرض الله                      و بخير الإخوان والأصحاب

بكت المسمعات حزنا عـلـيه                      وبكاه الهوى وصفو الشراب

وبكت آلة المجالـس حـتـى                      رحم العود دمعة المضـراب أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: دخلت إلى الرشيد بعقب وفاة أبي، وذلك بعد شهر من يوم وفاته، فلما جلست ورأيت موضعه الذي كان يجلس فيه خاليا دمعت عيني، فكففتها وتصبرت؛ ولمحني الرشيد فدعاني إليه وأدناني منه، فقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر، وكان رقيقا؛ فوثبت قائما ثم قلت:

في بقاء الخليفة المـيمـون                      خلف من مصيبة المحـزون

لا يضير المصاب رزء إذا ما                      كان ذا مفزع إلى هـارون فقال لي: كذاك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حيا إلا شخصه؛ وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي؛ فقلت: بل يأمر أمير المؤمنين به إلى ولده، ففي خدمتي إياه ما يغنيني؛ فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده وأضعفوا رزق إسحاق.

 

يا دار سعدى بالجوع من ملل                      حييت من دمنة ومن طلـل

إني إذا ما البخيل أمـنـهـا                      باتت ضموزا مني على وجل

لا أمتع العوذ بالفـصـال ولا                      أبـتـاع إلا قـريبة الأجـل العوذ: الإبل التي قد نتجت، واحدتها عائذ. يقول: أنحرها وأولادها للأضياف فلا أمتعها. والضموز: الممسكة عن أن تجتر. ضمز الجمل بجرته إذا أمسك عنها، ودسع بها إذا استعملها. يقول: فهذه الناقة من شدة خوفها على نفسها مما رأت من نحر نظائرها قد امتنعت من جرتها فهي ضامزة.

الشعر لابن هرمة. والغناء في اللحن المختار لمرزوق الصراف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

عن إسحاق، ويقال إنه ليحيى بن واصل. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لدحمان لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، وأن فيه لابن محرز لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر في الثالث ثم الثاني، ووافقه ابن المكي. قال: وفيه لدحمان خفيف رمل بالوسطى في الأول والثالث؛ وذكر الهشامي أن هذا اللحن بعينه ليونس وأن الثقيل الثاني لإبراهيم، وألط لمعبد فيه لحنا من الثقيل الأول بالوسطى، وأن فيه للهذلي خفيف ثقيل، وأن فيه رملا ينسب إلى ابن محرز أيضا.

 

شيء من ذكر اين هرمة ايضا

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري ونوفل بن ميمون عن يحيى بن عروة بن أذينة قال: خرجت في حاجة لي، فلما كنت بالسيالة وقفت على منزل إبراهيم بن علي بن هرمة، فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته: من هذا. فقلت: انظري، فخرجت إلي فقلت: أعلمي أبا إسحاق؛ فقالت: خرج والله آنفا قال: فقلت: هل من قرى? فإني مقو من الزاد؛ قالت: لا والله، ما صادفته حاضرا؛ قلت: فأين قول أبيك:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل قالت: بذاك والله أفناها - أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية بمثل هذا الخبر سواء، وزاد فيه: - قال: فأخبرت إبراهيم بن هرمة بقولها، فضمها إليه وقال: بأبي أنت وأمي أنت والله ابنتي حقا، الدار والمزرعة لك.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني نوفل بن ميمون قال حدثني مرقع قال:

 

صفحة : 560

 

كنت مع ابن هرمة في سقيفة أم أذينة، فجاءه راع بقطعة من غنم يشاوره فيما يبيع منها، وكان قد أمره ببيع بعضها؛ قال مرقع: فقلت: يا أبا إسحاق، أين عزب عنك قولك:

لا غنمي مد في الحياة لها                      إلا لدرك القرى ولا إبلي وقولك فيها أيضا:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      ولا أبتاع إلا قريبة الأجل فقال لي: مالك أخزاك الله من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبناها حتى وقف الراعي وما معه منها شيء. وحدثنا بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن ابن هرمة كان اشترى غنما للربح، فلقيه رجل فقال له: ألست القائل:

لا غنمي مد في الحياة لها                      إلا لدرك القرى ولا إبلي قال: نعم؛ قال: فو الله إني لأحسبك تدفع عن هذه الغنم المكروه بنفسك، وإنك لكاذب؛ فأحفظه ذلك فصاح: من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبها الناس جميعا وكان ابن هرمة أحد البخلاء.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني نوفل بن ميمون قال حدثني زفر بن محمد الفهري: أن هذه القصيدة أول شعر قاله وابن هرمة.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي: حدثنا عبد الله بن الوليد الأزدي قال حدثني جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين قال: سمع مزبد قول ابن هرمة:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال: صدق ابن الخبيثة، إنما كان يشتري الشاة للأضحى فيذبحها من ساعته.

أخبرنا وكيع قال حدثنا حماد عن أبيه عن عبد الله بن الوليد عن جعفر بن محمد بن زيد عن أبيه، قال: اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرمة فنعبث به، فتزودنا زادا كثيرا ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج إلينا فقال: ما جاء بكم? فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت:

إن امرأ جعل الطريق لبيته                      طنبا وأنكر حقه لـلـئيم وسمعناك تقول:

وإذا تنور طارق مستنبح                      نبحت فدلته علي كلابي

وعوين يستعجلنه فلقينـه                      يضربنه بشراشر الأذناب وسمعناك تقول:

كم ناقة قد وجأت منحرها                      بمستهل الشؤبوب أو جمل

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال: فنظر إلينا طويلا ثم قال: ما على وجه الأرض عصابة أضعف عقولا ولا أسخف دينا منكم؛ فقلنا له: يا عدو الله يا دعي، أتيناك زائرين وتسمعنا هذا الكلام؛ فقال: أما سمعتم الله تعالى يقول للشعراء:  وأنهم يقولون ما لا يفعلون  أفيخبركم الله أني أقول ما لا أفعل وتريدون مني أن أفعل ما أقول؛ قال فضحكنا منه وأخرجناه معنا، فأقام عندنا في نزهتنا يشركنا في زادنا حتى انصرفنا إلى المدينة.

أخبرنا عمي قال حدثني محمد بن سعيد الكراني عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: الحكم الخضري، وابن ميادة، ورؤبة، وابن هرمة، وطفيل الكناني، ومكين العذري، كانوا على ساقة الشعراء، وتقدمهم ابن هرمة بقوله:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال عبد الرحمن: وكان عمي معجبا بهذا البيت مستحسنا له، وكان كثيرا ما يقول: أما ترون كيف قال والله لو قال هذا حاتم لما زاد ولكان كثيرا؛ ثم يقول: ما يؤخره عن الفحول إلا قرب عهده. انتهى.

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى ووكيع عن حماد عن أبيه قال: قلت لمروان بن أبي حفصة: من أشعر المحدثين من طبقتكم عندك? لا أعنيك، قال: الذي يقول:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن أبي حذافة قال: لما قال ابن هرمة:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا                      أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال ابن الكوسج مولى آل حنين يجيبه:

ما يشرب البارد القـراح ولا                      يذبح من جفرة ولا حـمـل

كأنـه قـردة يلاعـبـهـا                      قرد بأعلى الهضاب من ملل

 

صفحة : 561

 

قال: فقال ابن هرمة: لئن لم أوت به مربوطا لأفعلن بآل حنين ولأفعلن؛ فوهبوا لابن الكوسج مائة درهم وربطوه وآتوا به ابن هرمة فأطلقه؛ فقال ابن الكوسج: والله لئن عاد لمثلها لأعودن.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا ومعنا ابن جامع، فغناه ابن جامع ونحن يومئذ بالرقة:

هاج شوقا فراقك الأحبـابـا                      فتناسيت أو نسيت الـربـاب

حين صاح الغراب بالبين منهم                      فتصاممت إذ سمعت الغرابا

لو علمنا أن الفـراق وشـيك                      ما انتهينا حتى نزور القبابـا

أو علمنا حين استقلت نواهـم                      ما أقمنا حتى نزم الركـابـا الغناء لابن جامع رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكرت دنانير عن فليح أن فيه لابن سريج وابن محرز لحنين. قال: فاستحسنه الرشيد وأعجب به واستعاده مرارا وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع غيره ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار؛ فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك؛ فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني الغلام بموافاته، فتلقيته في دهليزي، فدخل وجلس وأجلسني بين يديه ثم قال لي: يا مخارق، أنت فسيلة مني وحسني لك وقبيحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا على طريقة صوته الذي غناه أحسن صنعة منه وأجود وأشجى، وإنما يغلبني عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك، وإذا أطربته وغلبته عليه بما تأخذه مني قام ذلك لي مقام الظفر؛ وسيصبح أمير المؤمنين غدا فيدخل الحمام ونحضر ثم يخرج فيدعو بالطعام ويدعو بنا ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه ويشرب عليه رطلا ويأمر له بجائزة، فإذا فعل فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلمك إياه الساعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي ألا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك؛ فقلت: السمع والطاعة؛ فألقى علي لحنه:

يا دار سعدى بالجزع من ملل وردده حتى أخذته و انصرف، ثم بكر علي فاستعاد الصوت فرددته حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صرنا إلى دار الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، ولما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغى إليه وهو باهت حتى استوفيته؛ فشرب وقال: أحسنت والله لمن هذا الصوت? فقلت: لإبراهيم. فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت فأعيده ويشرب عليه، رطلا، فأمر لإبراهيم بجائزة سنية وأمر لي بمثلها؛ وجعل ابن جامع يشغب ويقول: يجيء بالغناء فيدسه في أستاه الصبيان إن كان محسنا فليغنه هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، فقد والله استقاد منك وزاد عليك.

 

تولى شبـابـك إلا قـلـيلا                      وحل المشيب فصبرا جميلا

كفى حزنا بفراق الصـبـا                      وإن أصبح الشيب منه بديلا الشعر والغناء لإسحاق. ولحنه المختار ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق بن عمرو.

 

أخبار إسحاق بن إبراهيم

قد مضى نسبه مشروحا في نسب أبيه، ويكنى أبا محمد، وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان، وهذه كنية أوقعها عليه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب مزحا.

 

 

صفحة : 562

 

وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن، أشهر من أن يدل عليه فيها بوصف؛ وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه؛ فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء ولم يكن له في هذا نظير؛ فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، ولحب للناس جميعا طريقه فأوضحها، وسهل عليهم سبيله وأنارها؛ فهو إمام أهل صناعته جميعا، ورأسهم ومعلمهم؛ يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد به الموافق والمفارق، على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضا لأن يدعى إليه أو يسمى به. وكان يقول: لوددت أن أضرب، كلما أراد مريد مني أن أغنني وكلما قال قائل إسحاق الموصلي المغني، عشر مقارع، لا أطيق أكثر من ذلك، وأعفى من الغناء ولا ينسبني من يذكرني إليه. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة.

وقد روى الحديث ولقي أهله: مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وإبراهيم بن سعد، وأبي معاوية الضرير، وروح بن عبادة، وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته الغناء أضن خلق الله وأشدهم بخلا به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه متعصبا له فضلا عن غيرهم.

وهو الذي صحح أجناس الغناء وطرائقه وميزه تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميزا على هذا الجنس، إنما كان يقال الثقيل، وثقيل الثقيل، والخفيف، وخفيف الخفيف. وهذا عمرو بن بانة، وهو من تلاميذه، يقول في كتابه: الرمل الأول، والرمل الثاني؛ ثم لا يزيد في ذكر الأصابع على الوسطى والبنصر، ولا يعرف المجاري التي ذكرها إسحاق في كتابه، مثل ما ميز الأجناس? فجعل الثقيل الأول أصنافا، فبدأ فيه بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ثم تلاه بما كان منه بالبنصر في مجراها، ثم بما كان بالسبابة في مجرى البنصر، ثم فعل هذا بما كان منه بالوسطى على هذه المرتبة؛ ثم جعل الثقيل الأول صنفين، الصنف الأول منهما هذا الذي ذكرناه، والصنف الثاني القدر الأوسط من الثقيل الأول، وأجراه المجرى الذي تقدم من تمييز الأصابع والمجاري، وألحق جميع الطرائق والأجناس بذلك وأجراها على هذا الترتيب. ثم لم يتعلق بفهم ذلك أحد بعده فضلا عن أن يصنفه في كتابه؛ فقد ألف جماعة من المغنين كتبا، منهم يحيى المكي وكان شيخ الجماعة وأستاذهم، وكلهم كان يفتقر إليه ويأخذ عنه غناء الحجاز، وله صنعة كثيرة حسنة متقدمة، وقد كان إبراهيم الموصلي وابن جامع يضطران إلى الأخذ عنه ألف كتابا جمع فيه الغناء القديم، وألحق فيه أبنه الغناء المحدث إلى آخر أيامه، فأتيا فيه في أمر الأصابع بتخليط عظيم، حتى جعلا أكثر ما جنساه من ذلك مختلطا فاسدا، وجعلا بعضه، فيما زعما، تشترك الأصابع كلها فيه؛ وهذا محال؛ ولو اشتركت الأصابع لما احتيج إلى تمييز الأغاني وتصييرها مقسومة على صنفين: الوسطى والبنصر. والكلام في هذا طويل ليس موضعه ها هنا؛ وقد ذكرته في رسالة عملتها لبعض إخواني ممن سألني شرح هذا، فأثبته واستقصيته استقصاء يستغنى به عن غيره. وهذا كله فعله إسحاق واستخرجه بتمييزه، حتى أتى على كل ما رسمته الأوائل مثل إقليدس ومن قبله ومن بعده من أهل العلم بالموسيقى، ووافقهم بطبعه وذهنه فيما قد أفنوا فيه الدهور، من غير أن يقرأ لهم كتابا أو يعرفه.

فأخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال:

 

صفحة : 563

 

كنت عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فسأل إسحاق الموصلي - أو سأله محمد بن الحسن بن مصعب - بحضرتي، فقال له: يا أبا محمد، أرأيت لو أن الناس جعلوا للعود وترا خامسا للنغمة الحادة التي هي العاشرة على مذهبك، أين كنت تخرج منه? فبقي إسحاق ساعة طويلة مفكرا، واحمرت أذناه وكانتا عظيمتين، وكان إذا ورد عليه مثل هذا احمرتا وكثر ولوعه بهما؛ فقال لمحمد بن الحسن: الجواب في هذا لا يكون كلاما إنما يكون بالضرب، فإن كنت تضرب أريتك أين تخرج، فخجل وسكت عنه مغضبا، لأنه كان أميرا وقابله من الجواب بما لا يحسن، فحلم عنه. قال علي بن يحيى: فصار إلي به وقال لي: يا أبا الحسن، إن هذا الرجل سألني عما سمعت، ولم يبلغ علمه أن يستنبط مثله بقريحته، وإنما هو شيء قرأه من كتب الأوائل، وقد بلغني أن التراجمة عندهم يترجمون لهم كتب الموسيقى، فإذا خرج إليك منها شيء فأعطنيه؛ فوعدته بذلك، ومات قبل أن يخرج إليه شيء منها. وإنما ذكرت هذا بتمام أخباره كلها ومحاسنه وفضائله، لأنه من أعجب شيء يؤثر عنه: أنه استخرج بطبعه علما رسمته الأوائل لا يوصل إلى معرفته إلا بعد علم كتاب إقليدس الأول في الهندسة ثم ما بعده من الكتب الموضوعة في الموسيقى، ثم تعلم ذلك وتوصل إليه وأستنبطه بقريحته، فوافق ما رسمه أولئك، ولم يشذ عنه شيء يحتاج إليه منه، وهو لم يقرأه ولا له مدخل إليه ولا عرفه، ثم تبين بعد هذا، بما أذكره من أخباره ومعجزاته في صناعته، فضله على أهلها كلهم وتميزه عنهم، وكونه سماء هم أرضها، وبحرا هم جداوله.

وأم إسحاق امرأة من أهل الري يقال لها شاهك؛ وذكر قوم أنها دوشار التي كانت تغنى بالدف، فهويها إبراهيم وتزوجها. وهذا خطأ، تلك لم تلد من إبراهيم إلا بنتا، وإسحاق وسائر ولد إبراهيم من شاهك هذه.

أخبرني يحيى بن علي المنجم قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: بقيت دهرا من دهري أغلس في كل يوم إلى هشيم فأسمع منه، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءا من القرآن، ثم آتي منصور زلزل فيضار بني طرقين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما فأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد.

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أخذ مني منصور زلزل إلى أن تعلمت مثل ضربه بالعود أكثر من مائة ألف درهم.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فرحب به وقال: ها هنا يا أبا محمد إلى جنبي، فلئن بعدت بيننا الأنساب، لقد قربت بيننا الآداب.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا ابن شبيب من جلساء المأمون عنه: أنه قال يوما وإسحاق غائب عن مجلسه: لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء، فما أعرف مثله ثقة وصدقا وعفة وفقها. هذا مع تحصيل المأمون وعقله ومعرفته.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا الفضل بن العباس الوراق قال حدثنا المخرمى عن أبيه قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: صرت إلى سفيان بن عيينة لأسمع منه، فتعذر ذلك علي وصعب مرامه، فرأيته عند الفضل بن الربيع، فسألته أن يعرفه موضعي من عنايته ومكاني من الأدب والطلب وأن يتقدم إليه بحديثي؛ ففعل وأوصاه بي فقال: إن أبا محمد من أهل العلم وحملته. قال: فقلت: تفرض لي عليه ما يحدثني به؛ فسأله في ذلك، ففرض لي خمسة عشر حديثا في كل مجلس؛ فصرت إليه فحدثني بما فرض لي؛ فقلت له: أعزك الله، صحيح كما حدثتني به? قال: نعم، وعقد بيده شيئا، قلت: أفأرويه عنك? قال: نعم، وعقد بيده شيئا آخر، ثم قال: هذه خمسة وأربعون حديثا، وضحك إلي وقال: قد سرني ما رأيت من تقصيك في الحديث وتشددك فيه على نفسك، فصر إلي متى شئت حتى أحدثك بما شئت.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الجمان وعون بن محمد الكندى قالا: سمعنا إسحاق الموصلي يقول:

 

صفحة : 564

 

جئت يوما إلى أبي معاوية الضرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه يومئذ رجلا ضريرا؛ فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاني اليوم حجبته لينفعني؛ فقلت: معي مائة حديث وقد جعلت لك مائة درهم إذا قرأتها؛ فدخل واستأذن لي فدخلت؛ فلما عرفني أبو معاوية دعاه فقال له: أخطأت، وإنما جعلت لك مثل هذا من ضعفاء أصحاب الحديث فأما أبو محمد وأمثاله فلا؛ ثم أقبل علي يرغبني في الإحسان إليه ويذكر ضعفه وعنايته به؛ فقلت له: احتكم في أمره، فقال: مائة دينار؛ فأمرت بإحضارها الغلام، وقرأت عليه ما أردت وانصرفت.

كان يجري على ابن الأعرابي ثلثمائة دينار في كل سنة وإكبار ابن الأعرابي له: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني علي بن محمد الأسدي قال حدثني أحمد بن يحيى الشيباني ثعلب قال: وقف أبو عبد الله بن الأعرابي على المدائني، فقال له: إلى أين يا أبا عبد الله. فقال: أمضي إلى رجل هو كما قال الشاعر:

نحمل أشباحنا إلى ملك                      نأخذ من ماله ومن أدبه فقال له: ومن ذلك يا أبا عبد الله? قال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال أبو بكر: والبيت لأبي تمام الطائي.

وقد أخبرني بهذا الخبر عن ثعلب محمد بن القاسم الأنباري فقال فيه: كان إسحاق يجري على ابن الأعرابي في كل سنة ثلثمائة دينار، وأهدى له ابن الأعرابي شيئا من كتاب النوادر كتبه له بخطه؛ فمر ابن الأعرابي يوما على باب دار الموصلي ومعه صديق له؛ فقال له صديقه: هذه دار صديقك أبي محمد إسحاق؛ فقال: هذه دار الذي نأخذ من ماله ومن أدبه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: رأيت في منامي كأن جريرا جالس ينشد شعره وأنا أسمع منه، فلما فرغ أخذ بيده كبة شعر فألقاها في فمي فابتلعتها؛ فأول ذلك بعض من ذكرته له أنه ورثني الشعر. قال يزيد بن محمد: وكذلك كان، لقد مات إسحاق وهو أشعر أهل زمانه.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال لي أبي: أعطيت منصورا زلزلا من مالي خاصة حتى تعلمت ضربه بالعود نحوا من مائة ألف درهم سوى ما أخذته له من الخلفاء ومن أبي. قال: وكانت في زلزل قبل أن يعرف الصوت ويفهمه بلادة أول ما يسمعه، حتى لو ضرب هو وغلامه على صوت لم يعرفاه قبل لكان غلامه أقوى منه؛ فإذا تفهمه جاء فيه من الضرب بما لا يتعلق به أحد البتة.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرني به الأخفش عن الفضل عن إسحاق، وأخبرني به يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: قال لي أبو زياد الكلابي: أولم جار لي يكنى أبا سفيان وليمة ودعاني لها، فانتظرت رسوله حتى تصرم يومي فلم يأت، فقلت لامرأتي:

إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم                      فقومي فهاتي فلقة من حوارك قال إسحاق: فقلت له: أليس غير هذا? فقال: لا، إنما أرسلته يتيما، فقلت: أفلا أجيزه? قال: شأنك؛ ققلت له:

فبيتك خير من بيوت كـثـيرة                      وقدرك خير من وليمة جارك قال: فضحك ثم قال: أحسنت بأبي أنت وأمي، جئت والله به قبلا ما انتظرت به القرب، وما ألوم الخليفة أن يجعلك في سماره ويتملح بك، وإنك لمن طراز ما رأيت بالعراق مثله، ولو كان الشباب يشترى لا ابتعته لك بإحدى عيني ويمنى يدي، وعلى أن فيك بحمد الله ومنه بقية تسر الودود، وترغم الحسود. هذا لفظ يزيد المهلبي والأخفش. وأخبرني بهذا الخبر محمد بن عبد الله بن عمار فقال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال قال لي إما شداد بن عقبة وإما أبو مجيب: قالت امرأة القتال الكلابي له: هل لك في فلقة من حوار نطبخها لك? فقال: لا والله، نحن على وليمة أبي سفيان ودعوته، وكان أبو سفيان رجلا من الحي زفت إليه امرأته تلك الليلة؛ فجعل ينظر دخانا فلا يراه، فقال:

إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم                      فقومي فهاتي فلقة من حوارك ثم ذكر باقي الخبر على ما تقدم من الذي قبله.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أعرابيا فهما شعرا لي، فقال: أقفرت والله يا أبا محمد؛ قلت: وما أقفرت? قال: رعيت قفرة لم ترع قبلك. يريد: أ بدعت.

 

 

صفحة : 565

 

أخبرني علي بن سليمان الأخفش وعمي قالا حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني بعض أصحاب السلطان بمدينة السلام قال سمعت إسحاق الموصلي يقول: دخلت على المأمون يوما وعقيد يغنيه ارتجالا وغيره يضرب عليه؛ فقال: يا إسحاق، كيف تسمع مغنينا هذا? فقلت: هل سأل أمير المؤمنين عن هذا غيري. قال: نعم، سألت عمي إبراهيم فوصفه وقرظه واستحسنه؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين - أدام الله سرورك، وأطاب عيشك - إن الناس قد أكثروا في أمري حتى نسبتني فرقة إلى التزيد في علمي؛ فقال لي: فلا يمنعك ذلك من قول الحق إذا لزمك؛ فقلت لعقيد: اردد هذا الصوت الذي غنيته آنفا، وتحفظ فيه وضرب ضاربه عليه؛ فقلت لإبراهيم بن المهدي: كيف رأيته? فقال: ما رأيت شيئا يكره ولا سمعته؛ فأقبلت على عقيد فقلت له حين استوفاه: في أي طريقة هذا الصوت الذي غنيته? قال: في الرمل؛ فقلت للضارب: في أي طريقة ضربت أنت? قال: في الهزج الثقيل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسيت أن أقول في صوت يغني مغنيه رملا ويضرب ضاربه هزجا، وليس هو صحيحا في إيقاعه الذي ضرب عليه. قال: وتفهمه إبراهيم بن المهدي بعدي، فقال: صدق يا أمير المؤمنين، الأمر فيه الآن بين؛ فغاظني، فقلت له: بأي شيء بان الآن ما لم يكن بينا قبل? أتوهم أنك استنبطت معرفة هذا وإنما قلته لما علمته من جهتي كما يقوله الغلمان العجم وسائر من حضر اتباعا لي واقتداء بقولي. فقال له المأمون: صدق، فأمسك؛ وجعل يتعجب من ذهاب ذلك على كل من حضر، وكناني في ذلك اليوم مرتين.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال حدثني أبي: أن الأصمعي أنشد قول إسحاق يذكر ولاءه لخزيمة بن خازم:

إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي                      ودافع ضيمي خازم وابن خـازم

عطست بأنف شامخ وتنـاولـت                      يداي الثريا قاعـدا غـير قـائم قال: فجعل الأصمعي يعجب منهما ويستحسنهما، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضلهما.

قال ابن حمدون: وكان السبب في تولي إسحاق خازم بن خزيمة بن خازم، أن مناظرة جرت بينه وبين ابن جامع بحضرة الرشيد فتغالظا، فقال له ابن جامع: يا من إذا قلت له يابن زانية لم أخف أن يكذبني أحد؛ فمضى إلى خازم بن خزيمة، فتولاه وانتمى إليه، فقبل ذلك منه، وقال هذين البيتين.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال: قال إسحاق: كانت عندي صناجة كنت بها معجبا؛ واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون؛ فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا ببابي يدق دقا شديدا، فقلت: انظروا من هذا؛ قالوا: رسول أمير المؤمنين؛ فقلت: ذهبت صناجتي، تجده ذكرها له ذاكر فبعث إلي فيها؛ فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مثخن، فدخلت فسلمت، فرد السلام، ونظر إلى تغير وجهي فقال: اسكن فسكنت؛ وسألني عق صوت وقال: أتدري لمن هو? فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك؛ فأمر جارية من وراء الستارة فغنته وضربت، فإذا هي قد شبهته بالقديم؛ فقلت: زدني معها عودا آخر فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك? فقلت: لما سمعته وسمعت لينه عرفت أنه من صنعة النساء؛ ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك? فقلت: لأنها قد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر ليكون أثبت لي فلم أشكك؛ فقال: صدقت، الغناء لعريب.

نسخت من كتاب ابن أبي سعيد: حدثني إسحاق بن إبراهيم الطاهري قال: حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتا مليح اللحن؛ فقال لي مولاي:

 

صفحة : 566

 

يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر من أصواتك العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك؛ وصار إليه إسحاق فاحتبسه مولاي، فأقام وبعث إلي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك؛ فغنيته إياه في درج أصوات مرت قبله، فأصغى إليه إسحاق، وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه ومقاطعه ويوقع عليه بيده، ثم أقبل على مولاي فقال: هذا صوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك? فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أحسن من استخراجه لحنا روميا لا يعرفه ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي وامتزجت نغمه حتى عرفه ولم يخف عليه.

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثنى عبد الله بن عمرو عن محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني علويه الأعسر، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن علي بن محمد بن نصر الشامي عن جده حمدون بن إسماعيل قال: تناظر المغنون يوما عند الواثق، فذكروا الضراب وحذقهم، فقدم إسحاق زلزلا على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرياسة على جميعهم؛ فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك؛ فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما؛ فأمر بهما فأحضرا؛ فقال له إسحاق؛ إن للضراب أصواتا معروفة، أفأمتحنهما بشيء منها? قال: أجل، افعل؛ فسمى ثلاثة أصوات كان أولها:

علق قلبي ظبية السيب فضربا عليه، فتقدم زلزل وقصر عنه ملاحظ؛ فعجب الواثق من كشفه عما ادعاه في مجلس واحد. فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس ولم لا يضرب هو فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فتفلت مني؛ وعلى أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة؛ ثم قال: يا ملاحظ، شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار تخليط متعنت فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواقعه، ثم قال: يا ملاحظ، غن أي صوت شئت، فغنى ملاحظ صوتا، وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين؛ فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك ولا سمعت به اطرح هذا على الجواري؛ فقال: هيهات يا أمير المؤمنين، هذا لا تعرفه الجواري ولا يصلح لهن، إنما بلغني أن الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى فأحسن، فحسده رجل من حذاق أهل صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد إلى أن فرغ، ثم قام على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف مما فيه، ثم قال:  زه وزه وزهان زه  ، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه هذه المخاطبة؛ فلما تواطأت الرواية بهذا أخذت نفسي ورضتها عليه وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأرض موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منه فيها، من أعاليها إلى أسافلها، وكل شيء منها يجانس شيئا غيره، كما أعرف ذلك في مواضع الدساتين؛ وهذا شيء لا تفي به الجواري. قال له الواثق: صدقت، ولئن مت لتموتن هذه الصناعة معك؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم.

 

علق قلبي ظبية السـيب                      جهلا فقد أعري بتعذيبي

نمت عليها حين مرت بنا                      مجاسد ينفحن بالطـيب

تصدها عنا عجوز لهـا                      منكرة ذات أعـاجـيب

فكلما همت بإتـيانـهـا                      قالت: توقي عدوة الذيب الشعر والغناء لإبراهيم، هزج ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر.

 

 

صفحة : 567

 

حدثني علي بن هارون قال حدثني محمد بن موسى اليزيدي قال حدثتني دمن جارية إسحاق الموصلي، وكانت من كبار جواريه وأحظى من عنده، ولقيتها فقلت لها: أي شيء أخذت عن مولاك من الغناء? فقالت: لا والله ما أخذت أنا عنه ولا واحدة من جواريه صوتا قط كان أبخل بذلك، وما أخذت منه قط إلا صوتا واحدا، وذلك أنه انصرف من دار الخليفة وهو مثخن سكرا، فدخل إلى بيت كان ينام فيه، فرأى عودا معلقا فأخذه بيده، وقال لخادمه: يا غلام، صح لي بدمن؛ فجاءني الغلام فخرجت، فلما بلغت الباب إذا هو مستلق على فراشه والعود في يده وهو يصنع هذا الصوت ويردده، وقد اسحنفر في نغمه وتنوق فيها حتى استقام له، وهو:

ألا لـيلـك لا يذهـب                      ونيط الطرف بالكوكب

وهذا الصبـح لا يأتـي                      ولا يدنـو ولا يقـرب فلما سمعته علمت أني إن دخلت إليك أمسك، فوقفت أستمعه حتى فرغ منه وأخذته عنه؛ فلما فرغ منه وضع العود من يده، وذكر أنه قد طلبني فقال: يا غلام، أين دمن? فقلت: هأنذي؛ فقال: مذ كم أنت واقفة? فقلت: منذ ابتدأت بالصوت وقد أخذته؛ فنظر إلي نظر مغضب أسف، ثم قال: غنيه، فغنيته حتى استوفيته؛ فقال لي وقد فتر وخجل: قد بقيت عليك فيه بقية أنا أصلحها لك؛ فقلت: لست أحتاج إلى إصلاحك إياه، وقد والله أخذته على رغمك؛ فضحك. لحن هذا الصوت من الهزج بالبنصر، والشعر والغناء لإسحاق.

أخبرنا يحيى بن علي قال قال لي إسحاق: كنت عند المعتصم وعنده إبراهيم بن المهدي، فغنى إبراهيم صوتا لابن جامع أخل ببعضه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ترك ابن جامع الناس يحجلون خلفه ولا يلحقونه. وفي هذا الصوت خاصة؛ فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما صدق، وما هذا الصوت بتام الأجزاء؛ فقال: كذب والله يا أمير المؤمنين؛ فقلت: يا سيدي، أنا أوقفه على نقصانه، فمره فليعد يا أمير المؤمنين؛ فأعاد البيت الأول فأقامه وطمع في الإصابة؛ فقلت: آفته في البيت الثاني، فليردده؛ فرده فنقص من أجزائه وفسمته، فعرفته فأقر به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة آبائي وإبراهيم يكلمني فيها، وأنا أسأله عن ثلاثين مسألة من باب واحد في طريق الغناء لا يعرف منها مسألة واحدة؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه? فأعفاه.

وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق؛ فذكر نحوا مما ذكره يحيى، وذكر أن القصة كانت بين يدي المعتصم؛ وزاد فيها فقال: أنا أسأله عن ثلاثين مسألة وأوقفه على خطئه فيها، فإن لم يقر بذلك أقر به مخارق وعلويه؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه فإنه يعدل عندي البختج؛ قلت: يا أمير المؤمنين، وما يفعل البختج? قال: يسلح؛ قلت: قد والله فعل ذلك كلامي به، ومنه هرب؛ فضحك وغطى فاه وقام؛ فظن إسحاق بن إبراهيم المصعبي أني قد أغضبته، فضرب بيده إلى السيف؛ فقلت له: لا تحسب أني أغضبته؛ فما كنت لأكلم عمه بين يديه بهزء من غير إذنه، فأمسك؛ وكان لا يقدم أحد أن يكلم الخليفة بحضرته بما فيه الوهن إلا بادر إلى سيفه تعظيما للأمير وإجلالا له.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أحمد بن القاسم الهاشمي عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

 

صفحة : 568

 

دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره ومعهن العيدان يضربن بها؛ فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته؛ فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ? فقلت: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ? فقال: لا؛ فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر؛ فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت يا أمير المؤمنين: مر الجواري اللواتي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ? فتسمع ثم قال: ما ها هنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثامنة. فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ؛ فقال عند ذلك لإبراهيم: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإن رجلا فهم الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألا تماريه. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين. وقال الحسين بن يحيى في خبره: وكان في الأوتار كلها مثنى فاسد التسوية. وقال فيه: فطرب أمير المؤمنين المأمون، وقال: لله درك يا أبا محمد؛ فكناني يومئذ.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أحمد بن حمدون قال: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا، فيتقدمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته يتقدمه ينقص؛ وإن إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ بمثلها؛ ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لأشتريتهن له بشطر ملكي.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراده للغناء غناه؛ فأجابه إلى ذلك؛ ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء؛ فأذن له. قال: فحدثني محمد بن الحارث بن بسخنر أنه كان هو ومخارق وعلويه جلوسا في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده، إذ دخل يحيى بن أكثم وعليه سواده وطويلته، ويده في يد إسحاق يماشيه، حتى جلس معه بين يدي المأمون، فكاد علويه أن يجن، وقال: يا قوم، أسمعتم بأعجب من هذا يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة. ثم مضت على ذلك مدة، فسأل إسحاق المأمون أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة؛ قال: فضحك المأمون وقال: ولا كل ذا يا إسحاق وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم؛ وأمر له بها.

حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال: كان المغنون جميعا يحضرون مجلس الواثق وعيدانهم معهم إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة؛ فإن أمره الخليفة أن يغني أحضر له عودا، فإذا غنى وفرغ سل من بين يديه إلى أن يطلبه. وكان الواثق كثيرا ما يكنيه، رفعا له من أن يدعوه باسمه؛ وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه قطع الغناء ولم يعد منه حرفا إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه في خبر ذكر إسحاق فيه، فقال: وعارض معبدا وابن سريج فانتصف منهما، وكان إبراهيم بن. المهدي يناظره ويجادله في الغناء وينازعه في صناعته، ولم يبلغه؛ وما رأيت بعد إسحاق مثله.

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال قال لي محمد بن راشد الخناق:

 

صفحة : 569

 

سمعت علويه يقول لإسحاق بن إبراهيم الموصلي: إن إبراهيم بن المهدي يعيبك بتركك تحريك الغناء؛ فقال له إسحاق: ليتنا نفي بما علمناه، فإنا لا نحتاج إلى الزيادة فيه. أثم قال له: فإنه يزعم أن حلاوة الغناء تحريكه، وتحريكه عنده أن يكون كثير النغم، وليس يفعل ذلك، إنما يسقط بعض عمله لعجزه عنه، فإذا فعل ذلك فهو بالإضافة إلى حاله الأولى بمنزلة الأسكدار للكتاب، وهو حينئذ بأن يسمى المحذوف أشبه منه بأن يسمى المحرك؛ فضحك علويه ثم قال: فإن إبراهيم يسمي غناءكم هذا الممسك المنادي؛ قال إسحاق: هذا من لغات الحاكة؛ لأنهم يسمون الثوب الجافى الكثير العرض والطول المدالي؛ وعلى هذا القياس فينبغي لنا أن نسمي غناءه المحرك الضرابي، وهو الخفيف السخيف من الثياب في لغة الحاكة، حتى ندخل الغناء في جملة الحياكة ونخرجه عن جملة الملاهي؛ ثم قال لعلويه؛ بحياتي عليك إلا ما أعدت عليه ما جرى؛ فقال له: لا وحياتك لا فعلت؛ فإنه يعلما ميلي إليكم، ولكن عليك بأبي جعفر محمد بن راشد الخناق؛ فكلمه إسحاق وأقسم عليه أن يؤيده، ففعل وسار إلى إبراهيم فأخبره، فجعل كلما أخبره شيئا تغيظ وشتم إسحاق بأقبح شتم؛ ثم جاءه ابن راشد فأخبره؛ فجعل كلما أخبره بشيء من ذلك ضحك وصفق سرورا لغيظ إبراهيم من قوله.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال أخبرني محمد بن راشد الخناق قال: إني لفي منزلي يوما مع الظهر إذ دخل علي إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسررت بمكانه؛ فقال: قد جاءت بي إليك حاجة؛ قال قلت: قل ما شاء الله؛ قال: دعني في بيتك، ودع غلاميك عندي: بديحا وسليمان - وكانا خادمين مغنيين - ومرهما أن يغنياني، وأتني بفلان ليغنيني أيضا، بحياتي عليك، وانطلق إلى إبراهيم ابن المهدي، فإنه سيسر بمكانك، فاشرب معه أقداحا، ثم قل له: يا سيدي، أسألك عن شيء، فإذا قال: سل، فقل له: أخبرني عن قولك:

ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني أي شيء كان معنى صنعتك فيه? وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته فيه إلا أن تقول:  ذهبتو  بالواو، فإن قلت:  ذهبت  ولم تمدها انقطع اللحن والشعر، وإن مددتها قبح الكلام وصار على كلام النبط؛ فقلت له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا? فقال: هو حاجتي إليك وقد كلفتك إياها، فإن استحسنت أن تردني فأنت أعلم؛ قال: أفعل ذلك لموضعك على ما فيه علي؛ ثم أتيت إبراهيم، وجلست عنده مليا، وتجارينا الحديث إلى أن خرجنا إلى ذكر الغناء، فخاطبته بما قال لي إسحاق، فتغير لونه وانكسر، ثم قال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني ابن الزانية؛ قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنعه للهو واللعب والعبث. قال: فخرجت إلى إسحاق فحدثته بذلك فقال: الجرمقاني والله منا أشبهنا بالجرامقة لغة وهو. الذي يقول:  ذهبتو  وأقام عندي يومه فرحا بما بلغته إبراهيم عنه من توقيفه على خطئه.

قال علي بن محمد قال لي أبي: كان محمد بن راشد صديقا لإسحاق ثم فسد ما بينهما؛ فإنه طابق إبراهيم بن المهدي عليه، وبلغه عنه من توقيعه أنه يذكره. وكان في محمد بن راشد رداءة ونقل للأحاديث؛ فقال فيه إسحاق:

وندمان صدق لا تخـاف أذاتـه                      ولا يلفظ الأخبار لفظ ابن راشد

دعاني إلى ما يشتهي فأجبـتـه                      إجابة محمود الخلائق مـاجـد

فلا خير في اللذات إلا بأهلهـا                      ولا عيش إلا بالخليل المساعـد قال: فجمع ابن راشد عدة من الشعراء وأمرهم بهجاء إسحاق؛ فهجوه بأشعار لم تبلغ مراده، فلم يظهرها. وبلغ ذلك إسحاق فقال فيه:

وأبيات شعـر رائعـات كـأنـهـا                      إذا انشدت في القوم من حسنها سحر

تحفز واقلـولـى لـرد جـوابـهـا                      أبو جعفر يغلي كما غلت الـقـدر

فلم يستطعها غـير أن قـد أعـانـه                      عليها أناس كي يكـون لـه ذكـر

فيا ضيعة الأشعار إذ يقرضونـهـا                      وأضيع منها من يرى أنها شـعـر قال: فعاذ محمد بن راشد بإسحاق واستكفه وصالحه، فرجع إليه.

أخبرني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر الشامي قال حدثني منصور بن محمد بن واضح: أن إبراهيم بن المهدي طرح في منزل أبيه:

 

صفحة : 570

 

 

أمـن آل لـيلـى عـزفـت الـطـلـــولا                      بذي حـرض مـاثـــلات مـــثـــولا

بلين وتحسب آياتهن عن فرط حولين رقا محيلا - الشعر لكعب بن زهير. والغناء لإسحاق، وله فيه لحنان: ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وما خوري بالوسطى. وفيه للزبير بن دحمان خفيف ثقيل - قال: فجاءنا إسحاق يوما، وأقام عند أبي، وأخرجنا إليه جوارينا، ومر الصوت الذي طرحه إبراهيم بن المهدي من غنائه؛ فقال إسحاق: من أين لك هذا? قال: طرحه أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي أعزه الله تعالى، فقال إسحاق: وما لأبي إسحاق أعزه الله ولهذا الصوت هذا أنا صنعته، وليس هو كما طرحه. قال: فسأله أبي أن يغنيه، فغناه وردده حتى صح لمن عنده؛ فقال لي أبي: اكتب إلى أبي إسحاق أن أبا محمد أعزه الله صار إلي فاحتبسته، وأنه غنى بحضرتي الصوت الذي ألقيته في منزلك الذي أسكنه، فزعم أنه صنعه، وأنه ليس على ما أخذه الجواري عنك، فأحببت أن أعلم ما عندك، جعلني الله فداك. قال: فكتبت الرقعة وأنفذتها إلى إبراهيم. فكتب: نعم، جعلت فداك، صدق أبو محمد أعزه الله، الصوت له، وهو على ما ذكره، لكني لعبت في وسطه لعبا أعجبني. قال: فقرأ إسحاق الرقعة فغضب غضبا شديدا، ثم قال لي: اكتب إليه:  إذا أردت يا هذا أن تلعب فالعب في غناء نفسك لا في غناء الناس، وما حاجتك إلى هذا الشعر أكثر من ذلك، فاصنع أنت إن كنت تحسن، والعب في صنعتك كما تشتهي مبتدئا باللهو واللعب غير مشارك في جد الناس بلعبك ومفسد له بما لا تعلمه. يا أبا إسحاق، أيدك الله، ليس هذا الصوت مما يتهيأ لك أن تمخرق فيه وتقول: جندرته  . قال: وكان إبراهيم يقول: إنه يجندر صنعة القدماء ويحسنها.

قال علي بن محمد حدثني جدي حمدون: أن إسحاق قال لإبراهيم بن المهدي بحضرة المعتصم: ما تقول فيمن يزعم أن ابن سريج وابن محرز ومعبدا ومالكا وابن عائشة لم يكونوا يحسنون تمام الصنعة ولا استيفاء الغناء، ويعجزون عما به يكمل ويتم ويحسن، وأنه أقدر على الصنعة منهم? قال: أقول: إنه جاهل أحمق، قال: فأنت تزعم أنه قد كانت بقيت عليهم أشياء لم يهتدوا لها ولم يحسنوها، فتنبهت عليها أنت وتممتها وحسنتها بجندرتك؛ قال: فضحك المعتصم وبقي إبراهيم واجما مطرقا، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه؛ وما سمعته أنا ولا غيري بعد ذلك اليوم يتبجح بغناء يصلحه من غناء المتقدمين، حتى يطنب في صنعته ويشتهى استماعه منه، كما كان يدعي قديما. قال: وكان حمدون يقول: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلا، حتى يحضر إسحاق، فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته؛ وكان إسحاق آفته، كما أن لكل شيء آفة.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرجت يوما من داري وأنا مخمور أتنسم الهواء، فمررت برجل ينشد رجلا معه لذي الرمة:

ألم تعلمي يا مي أني وبـينـنـا                      مهاو لطرف العين فيهن مطرح

ذكرتك أن مرت بنـا أم شـادن                      أمام المطايا تشرئب وتـسـنـح

من المؤلفات الرمل أدماء حـرة                      شعاع الضحى في متنها يتوضح

هي الشبه أعطافا وجيدا ومقـلة                      ومية منها بعد أبهـى وأمـلـح

كأن البرى والعاج عيجت متونه                      على عشر نهى به السيل أبطح

لئن كانت الدنيا علي كـمـا أرى                      تباريح من مي فللمـوت أروح فأعجبني، فصنعت فيه لحنا غنيت به المأمون، فأخذت به منه مائة ألف درهم. لحن إسحاق في هذه الأبيات أول مطلق في مجرى البنصر.

حدثني يحيى بن محمد الطاهري قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال:

 

صفحة : 571

 

اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد، واشترى رفيقي محموما، فدفعنا إلى وكيل له أعجمي خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي؛ ودفع إليه مائة ألف درهم، وشهريا بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج من فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت من بز خراساني، وعشرة أسفاط من بز مصر، وخمسة تخوت وشي كوفي، وخمسة تخوت سوسي، وثلاثين ألف درهم للنفقة؛ وقال للرسول: عرف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه أهل خراسان، وجه بهما إليه ليتفضل ويعلمهما أصواتا اختارها، وكتبها له في درج، وقال له: كلما علمهما صوتا ادفع إليه ألف درهم، حتى يتعلما بها مائة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المائة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه بكل صوت درجا من الأدراج، ثم لكل صوت بعد ذلك تختا أو سفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك؛ ففعل، وانحدرنا إلى بغداد، فأتينا إسحاق، وغنينا بحضرته، وبلغه الوكيل الرسالة؛ فلم يزل يلقى علينا الأصوات حتى أخذناها كل أمرنا سيدنا. ثم سرنا إلى سر من رأى، فدخلنا إليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسره ذلك. وقدم إسحاق سر من رأى، ولقيه مولانا، فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا تسلما عليه ولا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية ومضينا معه؛ فلما دخلنا على الواثق قال له: يا سيدي، هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية؛ فقال: غنيا، فضربنا ضربا فارسيا وغنينا غناء فهليذيا؛ فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنيان بالعربية? قلنا: نعم، واندفعنا نغني ما أخذناه عن إسحاق وهو ينظر إلينا ونحن نتغافل عنه، حتى غنينا أصواتا من غنائه؛ فقام إسحاق ثم قال للواثق: وحياتك يا سيدي وبيعتك، وإلا كل ملك لي صدقة وكل مملوك لي حر إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي ومن قصتهما كيت وكيت، فقال له أبو أحمد: ما أدري ما تقول هذان اشتريتهما من رجل، نخاس خراساني؛ فقال له: بلغ ولعك إلي ونخاس خراساني من أين يحسن أن يختار مثل تلك الأغاني؛ فضحك أبو أحمد ثم قال: صدق، أنا احتلت عليه، ولو رمت أن يعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بعشرة أضعاف ما أعطيته لما فعل؛ فقال له إسحاق: قد تمت علي حيلته. وقال أبو أحمد للواثق: إن أردتهما فخذهما؛ فقال: لا أفجعك بهما يا عم، ولكن لا تمنعني حضورهما؛ فقال له: قد بذلت لك الملك فلم تؤثره، أفتراني أمنعك الخدمة فكنا نخدمه بنوبة.

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال حدثني ابن فيلا الطنبوري وكان قد دخل على الواثق وغناه، قال: قال الواثق في بعض العشايا: لا يبرح أحد من المغنين الليلة، فقد عزمت على الصبوح في غد؛ فأمسكوا جميعا عن معارضته إلا إسحاق فإنه قال له: لا وحياتك ما أبيت؛ قال: فلا والله ما كان له عند الواثق معارضة أكثر من أن قال له: فبحياتي إلا بكرت يا أبا محمد. قال: فرأيت مخارقا وعلويه قد تقطعا غيظا؛ وبتنا في بعض الحجر، فقالا لي: اجلس على باب الحجرة، فإذا جاء إسحاق فعرفنا حتى ندخل بدخوله؛ فلم نلبث أن جاء إسحاق مع أحمد بن أبي دواد يماشيه في زيه وسواده وطريلته مثل طويلته، فدخلت فأعلمتهما؛ فقامت على علويه القيامة وقال: يا هؤلاء، خيناكر يدخل إلى الخليفة مع قاضي القضاة أسمعتم بأعجب من هذا البخت قط؛ فقال له مخارق: دع هذا عنك، فقد والله بلغ ما أراد. ولم نلبث أن خرج ابن أبي دواد ودعي بنا فدخلنا، فإذا إسحاق جالس في صف الندماء لا يخرج منه، فإذا أمره الواثق أن يغني خرج عن صفهم قليلا وأتي بعود فغنى الصوت الذي يأمره به؛ فإذا فرغ من القدح قطع الصوت الذي يأمره به حيث بلغ ولم يتمه، ورجع إلى صف الجلساء.

أخبرني محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي الملفب بوسواسة قال حدثني حماد قال: قال لي أبي: كنت عند الرشيد يوما، وعنده ندماؤه وخاصته وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال لي الرشيد: يا إسحاق تغن:

شربت مدامة وسقيت أخرى                      وراح المنتشون وما انتشيت

 

صفحة : 572

 

فغنيته؛ فأقبل علي إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت؛ فقلت: ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، إن شئت فغنه، فإن لم أجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال. ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي، وهي التي قربتنا منك واستخدمتنا لك وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم لم نجد بدا من الإيضاح والذب؛ فقال: لا غرو ولا لوم عليك؛ فقام الرشيد ليبول؛ فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال: ويلك يا إسحاق أتجترىء علي وتقول ما قلت يابن الفاعلة لا يكني؛ فداخلني ما لم أملك نفسي معه؛ فقلت له: أنت تشتمني، وأنا لا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لكنت أقول لك: يابن الزانية؛ أو ترى أني كنت لا أحسن أن أقول لك: يابن الزانية؛ ولكن قولي في ذمك ينصرف جميعه إلى خالك الأعلم، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق: وكان بيطارأ - قال: ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم يشكوني وأن الرشيد سوف يسأل من حضر مما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك، ثم قلت: أنت تظن أن الخلافة تصير إليك فلا تزال تهددني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر فأنت تضعف عنه وعنهم وتستخص بأوليائهم تشفيا؛ وأرجو ألا يخرجها الله عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها؛ فإن صارت إليك- وبالله العياذ - فحرام علي العيش يومئذ، والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. قال: فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمي واستخف بي؛ فغضب وقال: ما تقول. ويلك قلت: لا أعلم، فسل من حضر؛ فأقبل على مسرور وحسين؛ فسألهما عن القصة؛ فجعلا يخبرانه ووجهه يتربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسري عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: ماله ذنب، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس، أمر بألا أبرح، وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري؛ فساء ظني وأهمتني نفسي؛ فأقبل علي وقال: ويلك يا إسحاق أتراني لم أفهم قولك ومرادك قد والله زنيته ثلاث مرات، أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت ويلك لا تعد؛ حدثني عنك، لو ضربك إبراهيم، كنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل? أتراك لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك? فقلت: يا أمير المؤمنين، قد والله قتلتني بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشك في أنه قد بلغه الآن؛ فصاح بمسرور الخادم وقال: علي بإبراهيم الساعة فأحضر، وقال: قم فانصرف? وقلت لجماعة من الخدم، وكلهم كان لي محبا وإلي مائلا ولي مطيعا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل وبخه وجهله وقال له: أتستخف بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن نديمي وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي، وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي? هاه هاه. أتقدم على هذا وأمثاله وأنت مالك وللغناء، وما يدريك ما هو ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه وهو صناعته ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه أليس هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى الجهل المفرط ألا تعلم - ويلك - أن هذا سوء أدب وقلة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب والرد القبيح. ثم قال: والله العظيم وحق رسوله، وإلا فأنا نفي من المهدي، لئن أصابه أحد بسوء، أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من على دابته، أو سقط عليه سقفه، أو مات فجأة، لأقتلنك به؛ والله والله والله فلا تعرض له وأنت أعلم، قم الآن فاخرج؛ فخرج وقد كاد أن يموت. فلما كان بعد ذلك

 

صفحة : 573

 

دخلت إليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عن إبراهيم؛ وجعل ينظر إليه مرة وإلي مرة ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك في إسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، اعرف حقه وبره وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالفك فيما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق؛ ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبل رأسه؛ فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا.

 

أعاذل قد نهيت فما انتـهـيت                      وقد طال العتاب فما ارعويت

أعاذل ما كبرت وفي ملهـى                      ولو أدركت غايتك انتـهـيت

شربت مدامة وسقيت أخـرى                      وراح المنتشون وما انتشـيت

أبيت معذبا قـلـقـا كـئيبـا                      لما ألقاه مـن ألـم وفـوت الغناء لابن محرز ثقيل عن ابن المكي. وفيه رمل بالوسطى.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أرسل إلي الرشيد ذات ليلة، فدخلت إليه فإذا هو جالس وبين يديه جارية عليها قميص مورد وسراويل موردة وقناع مورد كأنها ياقوتة على وردة؛ فلما رآني قال لي: اجلس، فجلست، فقال لي: غن، فغنيت:

تشكى الكميت الجري لما جهدته                      وبين لو يستطيع أن يتكلـمـا فقال: لمن هذا اللحن? فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فقال: هات لحن ابن سريج، فغنيته إياه؛ فطرب وشرب رطلا وسقي الجارية رطلا وسقاني رطلا؛ ثم قال: غن، فغنيته:

هاج شوقي بعد ما شيب أصداغي بروق

موهنا والبرق مما                      ذا الـهـوى قــدمـــا يشـــوق فقال: لمن هذا الصوت? فقلت: لي؛ فقال: قد كنت سمعت فيه لحنا آخر؛ فقلت: نعم، لحن ابن محرز؛ قال: هاته، فغنيته فطرب وشرب رطلا، ثم سقى الجارية رطلا وسقاني رطلا؛ ثم قال: غن، فغنيته:

أفاطم مهلا بعـض هـذا الـتـدلـل                      وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي فقال لي: ليس هذا اللحن أريد، غن رمل ابن سريج؛ فغنيته وشرب رطلا وسقي الجارية رطلا، ثم قال: حدثني، فجعلت أحدثه بأحاديث القيان والمغنين طورا، وأحاديث العرب وأيامها وأخبارها تارة، وأنشده أشعار القدماء والمحدثين في خلال ذلك، إذ دخل الفضل بن الربيع، فحدثه حديث ثلاث جوار ملكهن ووصفهن بالحسن والإحسان والظرف والأدب؛ فقال له: يا عباسي، هل تسخو نفسك بهن? وهل لك من سلوة عنهن? فقاد له: والله يا أمير المؤمنين، إني لأسخو بهن وبنفسي، فبها فداك الله؛ ثم قام فوجه بهن إليه، فغلبن على قلبه، وهن سحر وضياء وخنث ذات الخال؛ وفيهن يقول:

إن سحرا وضياء وخنث                      هن سحر وضياء وخنث

أخذت سحر ولا ذنب لها                      ثلثي قلبي وترباها الثلث حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون عن إسحاق قال: أتيت عبيد الله بن محمد بن عائشة بالبصرة، فلما دخلت إليه حصرت؛ فقال لي: إن الحصر رائد الحياء، والحياء عقيد الإيمان، فانبسط وأزل الوحشة، فلئن باعدت بيننا الأحساب، لقد قربت بيننا الآداب؛ فقلت له: والله لقد سررتني بخطابك، وزدتني ببرك عجزا عن جوابك؛ والله در القطامي حيث يقول:

أما قريش فلن تلقـاهـم أبـدا                      إلا وهم خير من يحفى وينتعل أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان قال: وجه أحمد بن هشام إلى إسحاق الموصلي بزعفران رطب وكتب إليه:

اشرب على الزعفران الرطب متكئا                      وانعم نعمت بطول اللهو والطرب

فحرمة الكأس بين النـاس واجـبة                      كحرمة الـود والأرحـام والأدب قال: فكتب إليه إسحاق:

أذكر أبا جعفر حقـا أمـت بـه                      أني وإياك مشغوفـان بـالأدب

وأننا قد رضعنا الكأس درتـهـا                      والكأس حرمتها أولى من النسب حدثنا الصولي قال حدثني محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: لما أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان ودعته، ثم أنشدته بعد التوديع:

فراقك مثل فراق الحـياة                      وفقدك مثل فتقاد الـديم

عليك السلام فكم من وفاء                      أفارق فيك وكم من كرم

 

صفحة : 574

 

قال: فضمني إليه، وأمر لي بألف دينار، وقال لي: يا أبا محمد، لو حليت هذين البيتين بصنعة وأودعتهما من يصلح من الخارجين معنا، لأهديت بذلك إلي أنسا وأذكرتني بنفسك؛ ففعلت ذلك وطرحته على بعض المغنين؛ فكان كتابه لا يزال يرد علي ومعه ألف دينار يصلني بذلك كلما غنى بهذا الصوت. قال الصولي: وهو من طريقة الرمل.

أخبرني عمي قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال: قال لي الأصمعي: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة قال لي: هل حملت معك شيئا من كتبك? فقلت: نعم، حملت منها ما خف حمله؛ فقال: كم? فقلت: ثمانية عشر صندوقا؛ فقال: هذا لما خففت، فلو ثقلت كم كنت تحمل? فقلت: أضعافها؛ فجعل يعجب.

أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: لما ولي المعتصم دخلت إليه في جملة الجلساء والشعراء؛ فهنأه القوم نظما ونثرا وهو ينظر إلي مستنطقا؛ فأنشدئه:

لاح بالمفرق منك القـتـير                      وذوى غصن الشباب النضير

هزئت أسماء منى وقـالـت                      أنت يابن الموصلي كـبـير

ورأت شيبا برأسي فصـدت                      وابن ستين بـشـيب جـدير

لا يروعنك شيبـي فـإنـي                      مع هذا الشيب حلو مـزير

قد يفل السيف وهو جـراز                      ويصول الليث وهو عقـير

يا بني العباسى أنتم شـفـاء                      وضياء للـقـلـوب ونـور

أنتم أهل الـخـلافة فـينـا                      ولكم منبرهـا والـسـرير

لا يزال الملك فيكم مدى الده                      ر مقيما مـا أقـام ثـبـير

وأبو إسـحـاق خـير إمـام                      ماله في العالمين نـظـير

ماله فـيمـا يريش ويبـري                      غير توفيق العالمين نظـير

واضح الغرة للـخـير فـيه                      حين يبدو شاهـد وبـشـير

زانه هدي تـقـى وجـلال                      وعفـاف ووقـار وخـير

لو تباري جوده الريح يومـا                      نزعت وهي طليح حسـير قال: فأمر لي بجائزة فضلني بها على الجماعة. ثم دخلت إليه يوم مقدمه من غزاته، فأنشدته قولي فيه:

لأسماء رسم عـفـا بـالـلـوى                      أقام رهينا لـطـول الـبـلـى

تعاوره الدهـر فـي صـرفـه                      بكر الجـديدين حـتـى عـفـا

إذ البين لم تـخـش روعـاتـه                      ولم يصرف الحي صرف الردي

وإذ ميعة اللهو تـجـري بـنـا                      وحبل الوصال متـين الـقـوى

فذلك دهر مـضـى فـابـكـه                      ومن ضاق ذرعا بأمر بـكـى

وهـل يشـفـينـك مـن غـلة                      بكاؤك في إثر ما قد مـضـى

إلى ابن الرشيد إمـام الـهـدى                      بعثنا المطي تـجـوب الـفـلا

إلى ملـك حـل مـن هـاشـم                      ذؤابة مجـد مـنـيف الـذرى

إذا قـيل أي فـتـى هـاشــم                      وسيدهـا كـان ذاك الـفـتـى

به نـعـش الـلـه آمـالـنــا                      كما نعش الأرض صوب الحـيا

إذا ما نـوى فـعـل أكـرومة                      تجاوز مـن جـوده مـا نـوى

كسـاه الإلـه رداء الـجـمـال                      ونور الجلال وهدى الـتـقـى قال: فأمر لي بجائزة، وقال: لست أحسب هذا لك إلا بعد أن تقرن صناعتك فيه بالأخرى يعني أن أغني فيه وفي:  هزئت أسماء منى  ؛ فصنعت في:

هزئت أسماء منى...... لحنا، وفي:

لأسماء رسم عفا باللوى لحنا آخر وغنيته بهما، فأمر لي بألفي دينار.

 

هزئت أسماء منى وقالت                      أنت يا بن الموصلي كبير لحن إسحاق في أربعة أبيات متوالية من الشعر ثقيل أول بالوسطى. والآخر:

لأسماء رسم عفا باللوى                      أقام رهينا لطول البلى الغناء لإسحاق ثاني ثقيل بالوسطى.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني أحمد بن عبيد الله بن أبي العلاء قال: غنيت يوما بين يدي الواثق لحن إسحاق في:

هزئت أسماء منى وقالت                      أنت يا بن الموصلي كبير

 

صفحة : 575

 

قال: فنظر إلي مخارق نظرا شزرا وعض شفته علي؛ فلما خرجنا من بين يدي الواثق قلت: يا أستاذ، لم نظرت إلي ذلك النظر? أ أنكرت علي شيئا أم أخطأت في غنائي? فقال لي: ويحك أتدري أي صوت غنيت إن إسحاق جعل صيحة هذا الصوت بمنزلة طريق ضيق وعر صعب المرتقى، أحد جانبي ذلك الطريق حرف الجبل، وعن جانبه الآخر الوادي؛ فإن مال مرتقيه عن محجته إلى جانب الوادي هوى، وإن مال إلى الجانب الآخر نطحه حرف الجبل فتكسر؛ صر إلي غدا حتى أصححه لك.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثت من غير وجه: أن إسحاق بات ليلة عند المعتصم وهو أمير، فسمع لحنا لعبد الوهاب المؤذن أذن به على باب المعتصم، فأصغى إليه فأعجبه، فأعاد المبيت ليلة أخرى عنده حتى استقام له اللحن؛ فبنى عليه لحنه:

هزئت أسماء منى وقالت أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي: أن إبراهيم بن المهدي فصد يوما، فكتب إليه إسحاق يتعرف خبره ويدعو له بالسلامة وحسن العقبى، وكتب إليه: إني سأهدي إليك هدية للفصد حسنة؛ فوجه إليه بديحا غلامه، فغناه لحنه في:

هزئت أسماء منى وقالت فاستحسنه إبراهيم وقال له: قد قبلنا الهدية، فإن كان أن لك في طرحه على الجواري فافعل؛ فقال له: بذلك أمرني، وقال لي: إنك ستقول لي هذا القول، فقال: إن قاله لك فقل له: لو لم آمرك بطرحه لم يكن هدية؛ فضحك إبراهيم، وألقاه بديح على جواريه. وقد ذكر علي بن محمد بن نصر هذا الخبر، فذكر أنه كتب إلى أبيه بهذه الهدية؛ وهذا خطأ، لأن الشعر في تهنئة المعتصم بالخلافة، وإبراهيم الموصلي مات في حياة الرشيد، فكيف يهدى إليه هذا الصوت.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني أحمد بن أبي العلاء قال: اندفع محمد بن الحارث بن بسخنر يوما يغني هذا الصوت؛ فالتفت إلينا مخارق فقال: خرج ابن الزانية.

حدثني عمي قال حدثني أبو جعفر محمد بن الدهقانة النديم قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: دعاني الفضل بن الربيع ودعا علويه ومخارقا، وذلك في أيام المأمون بعد رجوعه ورضاه عنه إلا أن حاله كانت ناقصة متضعضعة؛ فلما اجتمعنا عنده كتب إلى إسحاق الموصلي يسأله أن يصير إليه ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده؛ فكتب إليهم: لا تنتظروني بالأكل فقد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة؛ فأكلنا وجلسنا نشرب حتى قرب العصر، ثم وافى إسحاق فجلس، وجاء غلامه بقطرميز نبيذ فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علويه يغني الفضل بن الربيع في لحن لسياط اقترحه الفضل عليه وأعجبه، وهو:

فإن تعجبي أو تبصري الدهر طمني                      بأحداثه طم المقصص بالـجـلـم

فقد أترك الأصياف تندى رحالهـم                      وأكرمهم بالمحض والتامك السنـم

 

صفحة : 576

 

ولحنه من الثقيل الثاني - فقال له إسحاق: أخطأت يا أبا الحسن في أداء هذا الصوت، وأنا أصلحه لك؛ فجن علويه واغتاظ وقامت قيامته؛ ثم أقبل على علويه فقال له: يا حبيبي، ما أردت الوضع منك بما قلته لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك، لأنك منسوب الصواب والخطأ إلى أبي وإلي، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك: أحسنت وأجملت؛ فقال له علويه: والله ما هذا أردت، ولا أردت إلا ما لا تتركه أبدا من سوء عشرتك أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير وعرفك أنه قد نشط للاصطباح: ما حملك على الترفع عن مباكرته وخدمته مع صنائعه عندك، وما كان ينبغي أن يشغلك عنه شيء إلا الخليفة ثم تجيئه ومعك قطرميز نبيل ترفعا عن شرابه كما ترفعت عن طعامه ومجالسته إلا كما تشتهي وحين تنشط، كما تفعل الأكفاء، بل تزيد على فعل الأكفاء؛ ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه منهم أحد فتعيبه ليتم تنغيصك إياه لذته؛ أما والله لو الفضل بن يحيى أو أخوه جعفر دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، بل بعض أتباعهم، لبادرن وباكرت وما تأخرت ولا اعتذرت؛ قال: فأمسك الفضل عن الجواب إعجابا بما خاطب به علويه إسحاق؛ فقال له إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري عنه إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع، إن وثق بذلك مني وإلا ذكرت له الحجة سرا من حيث لا يكون لك ولا لغيرك فيه مدخل. وأما ترفعي عنه، فكيف أترفع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه وأستمنحه وأعيش من فضله مذ كنت، وهذا تضريب لا أبالي به منك. وأما حملي النبيذ معي، فإن لي في النبيذ شرطا من طعمه وريحه، وإن لم أجده لم أقدر على الشرب وتنغص علي يومئذ، وإنما حملته ليتم نشاطي وينتفع بي. وأما طعني على ما اختاره، فإني لم أطعن على اختياره، وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعا لك بعد هذا اليوم ولا مقوما شيئا من خطئك؛ وأنا أغني له - أعزه الله - هذا الصوت فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك أخطأت فيه وقصرت. وأما البرامكة وملازمتي لهم فاشهر من أن أجحده، وإني لحقيق فيه بالمعذرة، وأحرى أن أشكرهم على صنيعهم وبأن أذيعه وأنشره، وذلك والله أقل ما يستحقونه مني.

ثم أقبل على الفضل- وقد غاظه مدحه لهم - فقال: اسمع مني شيئا أخبرك به مما فعلوه ليس هو بكبير في صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي، فإن وجدت لي عذرا وإلا فلم: كنت في ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه وجواري وجواريه الخصومة، كما تجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبين الضجر والتنكر في وجهه؛ فاستأجرت دارا بقربه و انتقلت إليها أنا وغلماني وجواري، وكانت دارا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلة لها ولا لمن يدخل إلي من إخواني أن يروا مثله عندي؛ ففكرت في ذلك وكيف أصنع، وزاد فكري حتى خطر بقلبي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن علي صاحب داري، وعندي من أحتشمه ولا يعلم حالي، فيقال صاحب دارك، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أحتشمه؛ فضاق بذلك صدري ضيقا شديدا حتى جاوز الحد؛ فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل على قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل؛ فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا

 

صفحة : 577

 

أميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن خالد؛ فتواثب غلمانه إلي؛ وقالوا: أين هذا الطريق? فقلت: إلى الوزير؛ فدخلوا فاستأذنوا لي؛ وخرج الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلا، قد وقعت في أمرين فاضحين: إن دخلت إليه برداء ونعل وأعلمته أني قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له: كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا كان قبيحا؛ ثم عزمت فدخلت؛ فلما رآني تبسم وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد احتبسنا لك بالبر والقصد والتفقد ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا؛ فقلت: لا والله يا سيدي، ولكني أصدقك؛ قال: هات؛ فأخبرته القصة من أولها إلى آخرها؛ فقال: هذا حق مستو، أفهذا شغل قلبك? قلت: إي والله وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام، ردوا حماره وهاتوا له خلعة؛ فجاءوني بخلعة تامة من ثيابه فلبستها، ودعا بالطعام فأكلت ووضع النبيذ فشربت وشرب فغنيته، ودعا في وسط ذلك بدواة ورقعة وكتب أربع رقاع ظننت بعضها توقيعا لي بجائزة، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فدفع إليه الرقاع وساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة؛ ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر شيئا فلا أراه إلى العتمة؛ ثم اتكأ يحيى فنام، فقمت وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم لي حماري؛ فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي: إلى أين تمضي? قلت: إلى البيت؛ قال: قد والله بيعت دارك، وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله ووزن ثمنه، والمشتري جالس على بابك ينتظرك ليعرفك، وأظنه اشترى ذلك للسلطان، لأني رأيت الأمر في استعجاله واستحثاثه أمرا سلطانيا، فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسابي، وجئت وأنا لا أدري ما أعمل؛ فلما نزلت على باب داري إذا أنا بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إلي فقال لي: ادخل - أيدك الله - دارك حتى أدخل إلى مخاطبتك في أمر أحتاج إليك فيه؛ فطابت نفسي بذلك، ودخلت ودخل إلي فأقرأني توقيع يحيى:  يطلق لأبي محمد إسحاق مائة ألف درهم يبتاع له بها داره وجميع ما يجاورها ويلاصقها  . والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل:  قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها داره، فأطلق إليه مثلها لينفقها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها على ما يشتهي  . والتوقيع الثالث إلى جعفر:  قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بدفع مائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرمتها على ما يريد، فأطلق له أنت مائة ألف درهم يبتاع بها فرشا لمنزله  . والتوقيع الرابع إلى محمد:  قد أمرت لأبي محمد إسحاق أنا وأخواك بثلثمائة ألف درهم لمنزل يبتاعه ونفقة ينفقها عليه وفرش يبتذله، فمر له أنت بمائة ألف درهم يصرفها في سائر نفقته  . وقال الوكيل: قد حملت المال واشتريت كل شيء جاورك بسبعين ألف درهم، وهذه كتب الابتياعات باسمي والإقرار لك، وهذا المال بورك لك فيه فاقبضه؛ فقبضته وأصبحت أحسن حالا من أبي في منزلي وفرشي وآلتي، ولا والله ما هذا بأكبر شيء فعلوه لي، أفألام على شكر هؤلاء فبكى الفضل بن الربيع وكل من حضر، وقالوا: لا والله لا تلام على شكر هؤلاء. ثم فال الفضل: بحياتي غن الصوت ولا تبخل على أبي الحسن بأن تقومه له؛ فقال: أفعل؛ وغناه، فتبين علويه أنه كما قال، فقام فقبل رأسه وقال: أنت أستاذنا وابن أستاذنا وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد؛ ورده إسحاق مرات حتى استوى لعلويه.

ولقد روي في هذا الخبر بعينه أن هذه القصة كانت عند علي بن هشام، وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون وأبو عبد الله الهاشمي قالا: دعا علي بن هشام إسحاق الموصلي وسأله أن يصطبح عنده ويبكر فأجابه؛ فلما كان الغد وافاه ظهرا وعنده مخارق وعلويه؛ فقال له علي بن هشام: أين كنت الساعة يا أبا محمد? قال: عاقني أمر لم أجد من القيام به بدا؛ فدعا له بطعام فأصاب منه، ثم قعدوا على نبيذهم، وتغنى علويه صوتا، الشعر فيه لابن ياسين، وهو:

إلهي منحت الود مني بـخـيلة                      وأنت على تغـيير ذاك قـدير

شفاء الهوى بث الهوى واشتكاؤه                      وإن امرأ أخفى الهوى لصبور الغناء لسليمان أخي أحيحة، خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو - فقال له إسحاق: أخطأت ويلك فوضع علويه العود وشرب رطلا وشرب علي بن هشام؛ ثم تناول العود وغنى:

 

صفحة : 578

 

 

ولقد أسمو إلى غـرف                      في طريق موحش جدده

حوله الأحراس تحرسـه                      ولديه جاثـمـا أسـده الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن عمرو - فقال له إسحاق: أخطأت ويلك فوضع العود من يده ثم أقبل على إسحاق فقال له: دعاك الأمير- أعزه الله - لتبكر إليه، فجئته ظهرا، وغنيت صوتين يشتهيهما الأمير- أعزه الله - علي فخطأتني فيهما، وزعمت أنك لا تغني بين يدي الأمير- أعزه الله - ولا تغني إلا بين يدي خليفة أو ولي عهد، ولو دعاك بعض البرامكة لكنت تسرع إليه ثم تغنى منذ غدوة إلى الليل؛ فقال إسحاق: إني والله ما أردت انتقاصا منك، ولا أقول مثله لغيرك ولا أريد ازدراء من أحد، ولكني أردت بك خاصة التقويم والتأديب؛ فإن ساءك ذلك تركتك في خطئك. ثم أقبل على علي بن هشام، فقال له: أعزك الله، إني أحدثك عن البرامكة بما يقيم عذري فيما ذكره: دخلت على يحيى بن خالد يوما، ولم أكن أردت الدخول عليه، وإنما ركبت متبذلا لهم أهمني، وكنت نازلا مع أبي في داره، فضقت صدرا بذلك وأحببت النقلة عنه، ونظرت فإذا يدي تقصر عما يصلحني؛ ثم ذكر الخبر نحوا مما قلته. وزاد فيه: أنه دخل إلى يحيى بن خالد وهو مصطبح، فلما رآه نعر وصفق، وأنه وقع له بمائتي ألف درهم، ووقع له كل من جعفر والفضل بمائة وخمسين ألفا، وكل واحد من موسى ومحمد بمائة ألف مائة ألف. وقال فيه: فبكى علي بن هشام ومن حضر، وقالوا: لا يرى والله مثل هؤلاء أبدا؛ وأخذ إسحاق العود فغنى الصوتين فأتى فيهما بالعجائب؛ فقام علويه فقبل رأسه وقال له: أنت أستاذنا وابن أستاذنا، وما بنا عن تقويمك غنى؛ ثم غنى بعد ذلك لحنه:  تشكى الكميت الجري  ، ولم يزل يغني بقية يومه كلما شرب علي بن هشام؛ ثم انصرف فأتبعه علي بن هشام بجائزة سنية.

حدثني الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال: أحضرني إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلست واطمأننت، أخرج إلي خادمه رقعة، فقال: اقرأ ما فيها واعمل بما رسمه الأمير أعزه الله؛ فقرأتها فإذا فيها قوله:

يرتاح للدجن قلبي وهو مقتـسـم                      بين الهموم ارتياح الأرض للمطر

إني جعلت لهذا الدجن نحـلـتـه                      ألا يزول ولي في اللهو من وطر وتحث هذين البيتين:  تقدم- جعلت فداك - إلى من بحضرتك من المغنين بأن يغنوا في هذين البيتين، وألق جميع ما يصنعونه على فلانة؛ فإذا أخذته فأنفذها إلي مع رسولي  ؛ فقلت: السمع والطاعة لأمر الأمير أعزه الله، فهل صنع فيهما أحد قبلي? فقال: نعم، إسحاق الموصلي؛ فقلت: والله لو كلف إبليس أن يصنع فيهما صنعة يفضل إسحاق فيها بل يساويه بل يقاربه، ما قدر على ذلك ولا بلغ مبلغه، فضحك حتى استلقى، وقال: صدقت والله وهكذا يقول من يعمل لا كما يقول هؤلاء الحمقى، ولكن اصنع فيهما على كل حال كما أمر؛ فقلت: أفعل وقد برئت من العهدة؛ فانصرفت فصنعت فيهما صنعة كانت والله عند صنعة إسحاق بمنزلة غناء القرادين.

حدثني جحظة فال حدثني ميمون قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم أو قال لي الواثق: لقد ضحك الشيب في عارضيك؛ فقلت: نعم يا سيدي، وبكيت؛ ثم قلت أبياتا في الوقت وغنيت فيها:

تولى شـبـابـك إلا قـلـيلا                      وحل المشيسب فصبرا جميلا

كفى حزنا بفراق الـصـبـا                      وإن أصبح الشيب منه بـديلا

ولما رأى الغانيات المـشـي                      ب أغضين دونك طرفا كليلا

سأندب عهدا مضى للصـبـا                      وأبكي الشباب بكاء طـويلا فبكى الواثق وحزن وقال: والله لو قدرت على رد شبابك لفعلت بشطر ملكي؛ فلم يكن لكلامه عندي جواب إلا تقبيل البساط بين يديه.

أخبرني محمد بن مزيد فال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني حمدون بن إسماعيل قال: لما صنع أبوك لحنه في:

قف بالديار التي عفا القدم                      وغيرتها الأرواح والديم رأيتهم  يعني المغنين  يأخذونه عنه ويجهدون فيه؛ فتوفي والله وما أخذوا منه إلا رسمه.

 

قف بالديار التي عفا القـدم                      وغيرتهـا الأرواح والـديم

لما وففنا بها نـسـائلـهـا                      فاضت من القوم أعين سجم

ذكرا لعيش مضى إذا ذكروا                      ما فات منه فإنـه سـقـم

 

صفحة : 579

 

 

وكل عيش دامت غضارته                      منقطع مرة ومنـصـرم الشعر والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالوسطى من جميع أغانيه.

حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني هارون اليتيم قال حدثني عجيف بن عنبسة قال: كنت عند أمير المؤمنين المعتصم وعنده إسحاق الموصلي، فغناه:

قل لمن صد عاتبا                      ونأى عنك جانبا فأمره بإعادته، فأعاده ثلاثا، وشرب عليه ثلاثا، فقال له إبراهيم بن المهدي: قد استحسنت هذا الصوت يا أمير المؤمنين، أفنأخذه? قال: نعم، خذوه فقد أعجبني؛ فاجتمع جماعة المغنين: مخارق وعلويه وعمرو بن بانة وغيرهم، فأمره المعتصم أن يلقيه عليهم حتى يأخذوه؛ فقال عجيف: فعددت خمسين مرة قد أعاده فيها عليهم وهم يظنون أنهم قد أخذوه ولم يكونوا أخذوه. قال هارون: فنحن في هذا الحديث إذ دخل علينا محمد بن الحارث بن بسخنر، فقال له عجيف: يا أبا جعفر، كنت أحدث أبا موسى بحديثنا البارحة مع إسحاق في الصوت وأني عددت خمسين مرة؛ فقال محمد: إي والله- أصلحك الله - ولقد عددت أنا أكثر من سبعين مرة وما في القوم أحد إلا وهو يظن أنه قد أخذه، والله ما أخذه أحد منهم وأنا أولهم ما قدرت - علم الله - على أخذه على الصحة وأنا أسرعهم أخذا، فلا أدري: ألكثرة زوائده فيه أم لشدة صعوبته؛ ومن يقدر أن يأخذ من ذلك الشيطان شيئا. أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني عجيف بن عنبسة بهذا الخبر فذكر مثله سواء.

قال أبو أيوب وحدثني حماد عن أبيه قال: كنت يوما عند المعتصم، فمر شعر على هذا الوزن فقال: وددت أنه على غير ما هو؛ فقلت له: أنا لك به على هذا الوزن في أحسن من هذا الشعر:

قل لمن صد عاتبا                      ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد                      ت وإن كنت لاعبا فأعجبه، وقال لي: قد والله أحسنت وأمر لي بألفي دينار، ووالله ما كانت قيمتهما عندي دانقين الشعر والغناء في هذين البيتين لإسحاق، ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني ابن المكي عن إسحاق قال: غضب علي المخلوع فأقصاني وجفاني، فاشتد ذلك علي - قال: وجفاني وهو يومئذ بالأنبار- فحملت عليه بالفضل بن الربيع، فطلب إليه فشفعه المخلوع ودعاني وهو مصطبح، فلم أزل متوقفا وقد لبست قباء وخفا أحمر واعتصبت بعصابة صفراء وشددت وسطي بشقة حمراء من حرير، فلما أخذوا في الأهزاج دخلت وفي يدي صفاقتان وأنا أتغنى:

اسمع لصوت طريب                      من صنعة الأنباري

صوت مليح خفـيف                      يطير في الأوتـار الشعر والغناء لإسحاق، هزج بالبنصر- فسر بذلك محمد، وكان صوتهم في يومهم ذلك، وأمر لي بثلثمائة ألف درهم. وأخبرني جحظة بهذا الخبر عن محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال حدثني أبي أن إسحاق حدثه بهذا الخبر، وذكر مثل ما ذكره يحيى؛ وزاد فيه قال: وكان سبب تسمية محمد لي ب  الأنباري  أني دخلت عليه يوما وقد لثت عمامتي على رأسي لوثا غير مستحسن، فقال لي: يا إسحاق، كأن عمامتك من عمائم أهل الأنبار.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي: قال إسحاق: قلت في ليلة من الليالي:

هل إلى نظرة إليك سبـيل                      يرو الصدى ويشفى الغليل

إن ما قل منك يكثر عندي                      وكثير ممن تحب القلـيل قال: فلما أصبحت أنشدتهما الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا? فقلت له: إنه ابن ليلته؛ فتبينت الحسد في وجهه، وقال: أفسدته أفسدته أما إن التوليد فيه لبين. في هذين البيتين لإسحاق خفيف ثقيل بالبنصر.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال حدثني إسحاق بهذا الخبر، فذكر مثل ما ذكره من قدمت الرواية عنه، وزاد فيه: فقال لي علي بن يحيى بعقب هذا الخبر: كان إسحاق يعجب بهذا المعنى ويكرره في شعره، ويرى أنه ما سبق إليه ة فمن ذلك قوله:

أيها الظبي الغرير                      هل لنا منك مجير

إن ما نولتني مـن                      ك وإن قل كثـير

 

صفحة : 580

 

لحن إسحاق خفيف ثقيل بالوسطى - فقلت: إنك فد سبقت إلى هذا المعنى، فقال: ما علمت أن أحدا سبقني إليه؛ فأنشدته لأعرابي من بني عقيل:

قفي ودعينا يا مليح بنـظـرة                      فقد حان منا يا مليح رحـيل

أليس قليلا نظرة إن نظرتهـا                      إليك وكلا ليس منك قـلـيل

عقيلية أمـا مـلاث إزارهـا                      فوعث وأما خصرها فضئيل

أيا جنة الدنيا ويا غاية المنـى                      ويا سؤل نفسي هل إليك سبيل

أراجعة نفسي إلي فأغـتـدي                      مع الركب لم يقتل عليك قتيل

فما كل يوم لي بأرضك حاجة                      ولا كل يوم لي إليك رسـول قال: فحلف أنه ما سمع بذلك قط. قال علي بن يحيى: وصدق، ما سمع بها. الغناء في الأبيات الأخيرة من أبيات العقيلى.

حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري بمكة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال: عاتبني إبراهيم بن المهدي في ترك المجيء إليه، فقال لي: من جمع لك مع المودة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة؛ فقلت له: جعلني الله فداك، إذا ثبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني بالثناء عليك ناثر؛ وما يظهر الود المستقيم، إلا من القلب السليم؛ قال: فأبرىء ساحتك عندي بكثرة مجيئك إلي؛ فقلت: أجعل مجيئي إليك في الليل والنهار نوبا أتيقظ لها كتيقظي للصلوات الخمس، وأكون بعد ذلك مقصرا؛ فضحك وقال: من يقدر على جواب المغنين؛ فقلت: من اتخذ الغناء لنفسه ولم يتخذه لغيره؛ فضحك أيضا، وأمر لي بخلع ودنانير وبرذون وخادم. وبلغ الخبر المعتصم، فضاعف لإبراهيم ما أعطاني، فرحت وقد ربحت وأربحت.

حدثنا الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثني إسحاق قال: عتب علي الفضل بن الربيع في شيء بلغه عني؛ فكتبت إليه:  إن لكل ذنب عفوا وعقوبة؛ فذنوب الخاصة عندك مستورة مغفورة، فأما مثلي من العامة فذنبه لا يغفر، وكسره لا يجبر؛ فإن كنت لا بد معاقبي فإعراض لا يؤدي إلى مقت  .

حدثني الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثني إسحاق قال: كان يختلف إلي رجل من الأعراب، وكان الفضل بن الربيع يقر به ويستظرف كلامه، وكان عندي يوما وجاء رسول الفضل يطلبه فمضى إليه؛ فقال له الفضل: فيم كنتم? قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يحور.

حدثنا الحرمي قال حدثنا الحسين بن طالب قال: كان إسحاق يقول الشعر على ألسن الأعراب، وينشده للأعراب، وكان يعايي بذلك أصحابه ويغرب عليهم به؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لأعرابي:

لفظ الخدور عليك حورا عينـا                      أنسين ما جمع الكناس قطينـا

فإذا بسمن فعن كمثل غـمـامة                      أو أقحوان الرمل بات معينـا

وأصح من رأت العيون محاجرا                      ولهن أمرض ما رأيت عيونـا

وكأنما تلـك الـوجـوه أهـلة                      أقمرن بين العشر والعشرينـا

وكأنهن إذا نهضـن لـحـاجة                      ينهضن بالعقدات من يبـرينـا قال: وأنشدني أيضا مما كان ينسبه إلى الأعراب وهو له:

ومكحولة العينين من غير ما كحـل                      مهفهفة الكشحين ذات شوى خـدل

منغمة الأطراف مفعـمة الـبـرى                      روادفها تحكي الدهاس من الرمل

صيود لألباب الرجال، متـى رنـت                      إلى ذي نهى جلد القوى وافر العقل

تخلى النهى عنه وحالفه الـصـبـا                      وأسلمه الرأي الأصيل إلى الجهـل

شبيبة كثبان يروقـك تـحـتـهـا                      عنا قيد كرم جادها غدق الـوبـل

رمتني فحلت نائطي ولم تـصـب                      لها نائطي قلب ولا مقتلا نبـلـي حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يوما على الرشيد فرأيناه لقس النفس؛ فأنشده إسحاق يقول:

وآمرة بالبخل قلت لها آقصـري                      فذلك شيء مـا إلـيه سـبـيل

أرى الناس خلان الكرام ولا أرى                      بخيلا له حتى الممات خـلـيل

وإني رأيت البخل يزري بأهلـه                      فأكرمت نفسي أن يقال بخـيل

 

صفحة : 581

 

 

ومن خير حالات الفتى لو علمته                      إذا نال خـيرا أن يكـون ينـيل

فعالى فعال المكثرين تـجـمـلا                      وما لي كما قد تعلمـين قـلـيل

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى                      ورأي أمير المؤمنـين جـمـيل قال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله؛ ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها؛ ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها وأمر له بخمسين ألف درهم؛ فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم. قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني. وأخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة عن حماد عن أبيه، وأخبرنا به يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق فذكر معنى الخبر قريبا مما ذكره الأصمعي والألفاظ تختلف.

أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق، وأخبرني به جعفر بن قدامة ووكيع عن حماد عن أبيه قال: كنت عند الفضل بن الربيع يوما، فدخل إليه ابن ابنه عبد الله بن العباس بن الفضل وهو طفل، وكان يرق عليه لأن أباه مات في حياته، فأجلسه في حجره وضمه إليه ودمعت عليناه؛ فأنشأت أقول:

مد لك الله الحـياة مـدا                      حتى يكون ابنك هذا جدا

مؤزرا بمجـده مـردى                      ثم يفدى مثل ما تفـدى

أشبه منك سـنة وخـدا                      وشيما مرضتة ومجـدا

كأنه أنـت إذا تـبـدى                      شمائلا محمـودة وقـدا قال: فتبسم الفضل وقال: أمتعني الله بك يا أبا محمد، فقد عوضت من الحزن سرورا وتسليت بقولك، وكذلك يكون إن شاء الله. قال جعفر بن قدامة: وحدثني بهذا الحديث علي بن يحيى، فذكر أن إسحاق قال هذه الأبيات للفضل بن يحيى وقد دخل عليه وفي حجره ابن له.

غنى في هذه الأبيات أبو عيسى بن المتوكل لحنا من الرمل، يقال: إنه صنعه وقد ولد للمعتمد ولد ثم غنى به. وأخبرني ذكاء وجه الرزة عن بدعة الكبيرة: أن الرمل لعريب، وأن لحن أبي عيسى خفيف رمل.

حدثني عمي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق قال: أتيت الفضل بن الربيع يوما عائدا وجاءه بنو هاشم يعودونه؛ فقلت في مجلسي ذلك:

إذا ما أبو العباس عيد ولم يعـد                      رأيت معودا أكرم الناس عائدا

وجاء بنو العباس يبـتـدرونـه                      مراضا لما يشكوه مثنى وواحدا

يفدونه عند السـلام وكـلـهـم                      مجل له يدعوه عمـا ووالـدا قال: وكان الفضل مضطجعا، فأمر خادما له فأجلسه، ثم قال لي: أعد يا أبا محمد فأعدت، فأمرني فكتبتها، وسر بها وجعل يرددها حتى حفظها.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أبي قال قال إسحاق، وأخبرني الحسن بن على الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق قال: جاءني الزبير بن دحمان يوما مسلما فاحتبسته؛ فقال لي: أمرني الفضل بن الربيع بالمسير إليه؛ فقلت له:

أقم يا أبا العوام ويحـك نـشـرب                      ونله مع اللاهين يوما ونطـرب

إذا ما رأيت اليوم قد جـاء خـيره                      فخذه بشكر واترك الفضل يغضب فأقام عندي وسررنا يومنا؛ ثم صار إلى الفضل؛ فسأله عن سبب تأخره عنه؛ فحدثه الحديث وأنشده البيتين؛ فغضب وحول وجهه عني، وأمر عونا حاجبه بألا يدخلني إليه ولا يستأذن لي عليه ولا يوصل لي رقعة؛ فقلت:

حرام علي الكأس ما دمت غضبانا                      وما لم يعد عني رضاك كما كانا

فأحسن فإني قد أسأت ولم تـزل                      تعودني عند الإساءة إحـسـانـا قال: وأنشدته إياهما، فضحك ورضي عني وعاد إلى ما كان عليه. وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، فذكر مثله وزاد فيه: فقلت في عون حاجبه:

عون يا عون ليس مثلك عـون                      أنت لي عدة إذا كـان كـون

لك عندي والله إن رضى الفض                      ل غلام يرضـيك أو بـرذون قال: فأتى عون الفضل بالشعرين جميعا؛ فقرأهما وضحك وقال: ويحك إنما عرض لك بقوله:  غلام يرضيك  بالسوءة؛ قال: قد وعدني ما سمعت، فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم؛ فأمره أن يرسل إلي؛ فأتاني رسوله فصرت إليه فرضي عني.

 

 

صفحة : 582

 

أخبرني جحظة قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل قال حدثني أبي قال حدثني الزبير بن دحمان قال: دخلت يوما على الفضل بن الربيع مسلما؛ فقال لي: قد عزمت غدا على الصبوح، فصر إلي بكرة؛ فكنت أنا والصبح كفرسي رهان؛ فلما أصبحت في غد جعلت طريقي على إسحاق بن إبراهيم فدخلت إليه، فلما جلست قال لي: أقم اليوم عندي؛ فعرفته خبري؛ فقال:

أقم يا أبا العوام ويحـك نـشـرب                      ونله مع اللاهين يوما ونطـرب

إذا ما رأيت اليوم قد جـاء خـيره                      فخذه بشكر واترك الفضل يغضب فقلت: إني لا آمن غضبه، وأنا بين يديك؛ فقال لي: أنت تعلم أن صبوح الفضل أبدا في وفت غبوق الناس، فأقم وارفق بنفسك ثم امض إليه؛ فأجبته إلى ذلك؛ فلما شربنا طاب لي الموضع، فأقمت حتى سكرت. وذكر باقي الخبر نحوا مما ذكر إسحاق. انتهى.

حدثني جحظة قال حدثني محمد بن المكي المرتجل قال: قلت لزرزور الكبير: كيف كان إسحاق ينفق على الخلفاء معكم وأنت وإبراهيم بن المهدي ومخارق أطيب أصواتا وأحسن نغمة? قال: كنا والله يا بني نحضر معه فنجتهد في الغناء ونقيم الوهج فيه ويقبل علينا الخلفاء، حتى نطمع فيه ونظن أنا قد غلبناه، فإذا غنى عمل في غنائه أشياء من مداراته وحذقه ولطفه حتى يسقطنا كلنا ويقبل عليه الخليفة دوننا ويجيزه دوننا ويصغى إليه، ونرى أنفسنا اضطرارا دونه.

حدثنا جحظة قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثني أبي قال: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتا منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون فيه؛ فلا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم ويبذهم جميعا ويفضلهم ويتقدمهم. قال: وهو أول من أحدث التخنيث ليوافق صوته ويشاكله، فجاء معه عجبا من العجب؛ وكان في حلقه نبو عن الوتر. أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا أبو العبيس بن حمدون: أن إسحاق أول من جاء بالتخنيث في الغناء ولم يكن يعرف، وإنما احتال بحذقه لمنافرة حلقه الوتر، حتى صار يجيبه ببعض التخنيث فيكون أحسن له في السمع.

أخبرنا جحظة قال حدثني الهشامي عن أبيه قال: كان المغنون إذا حضروا وليس إسحاق معهم غنوا هوينى وهم غير مفكرين؛ فإذا حضر إسحاق لم يكن إلا الجد.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي أبي وقد انصرف من دار الرشيد: رأيت الأمير جعفر بن يحيى يستبطئك ويقول: لست أراه ولا يغشاني؛ فقلت: إني لآتيه كثيرا فأحجب عنه ويصرفني نافذ حاجبه ويقول: هو على شغل؛ قال: فبلغه أبي ذلك؛ فقال له: قل له: أنكه أمه إذا فعل؛ فأقمت أياما ثم كتبت إليه:

جعلت فداءك من كل سوء                      إلى حسن رأيك أشكو اناسا

يحولون بيني وبين السـلام                      فلست أسلم إلا اختـلاسـا

وأنفذت أمرك في نـافـذ                      فما زاده ذاك إلا شماسـا وقد أخبرني الخبر محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه، فذكر مثله وقال: كان خادم يحجبه يقال له: نافذ، فقال: إذا حجبك فنكه؛ فلما كتبت إليه بهذه الأبيات بعث فأحضرني؛ فلما دخلت إليه أحضر نافذا وقرأ الأبيات عليه، وقال لي: أفعلتها يا عدو الله فغضب نافذ حتى كاد يبكي، وجعل جعفر يضحك ويصفق؛ ثم ما عاد بعد ذلك يتعرض لي.

حدثني الحسين بن أبي طالب قال حدثني عبيد الله بن المأمون، وأخبرنا اليزيدي عن عمه عبيد الله عن أبيه قال: غضب المأمون على إسحاق بن إبراهيم، ثم كلم فيه فرضي عنه ودعا به؛ فلما وقف بين يديه اعتذر وقبل الأرض بين يديه واستقاله؛ فأجابه المأمون جوابا جميلا، ثم قال له في أثناء كلامه:

فلا أنت أعتبـت مـن زلة                      ولا أنت بالغت في المعفرة

ولا أنت وليتنـي أمـرهـا                      فأغفر ذنبك عن مـقـدره هكذا في الخبر؛ وأظنه إسحاق بن إبراهيم الطاهري لا الموصلي.

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن أبي طالب قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أبا الأشعث الأعرابي شعرا لي، فقال: والذي أصوم له مخافته ورجاءه، إنك لمن طراز ما رأيت بالعراق شيئا منه، ولو كان شباب يشترى لاشتريته لك ولو بإحدى يدي، وإن في كبرك لما زان الجليس وسره.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثنا إسحاق قال:

 

صفحة : 583

 

قالت لي زهراء الكلابية: ما فعل عبد الله بن خزداذبه? فقلت: مات؛ فقالت: غير ذميم ولا لئيم، غفر الله لصداه، لقد كان يحبك ويعجبه ما سرك. قال: فقلت لزهراء: حدثيني عن قول الشاعر:

أحبك أن أخبرت أنك فارك                      لزوجك إني مولع بالفوارك ما أعجبه من بغضها لزوجها? فقالت: عزفته أن في نفسها فضلة من جمال وشمخا بأنفها وأبهة، فأعجبته.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثت عن غير واحد: أن إسحاق الموصلي دخل على المعتصم يوما من الأيام فرآه لقس النفس، فقال له: أما ترى يا أمير المؤمنين طيب هذا اليوم وحسنه؛ فقال المعتصم: ما يدعوني حسنه إلى شيء مما تريد ولا أنشط له؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يوم أكل وشرب؛ فاشرب حتى انشطك؛ قال: أو تفعل? قال: نعم ة قال: يا غلمان، قدموا الطعام والشراب ومدوا الستارة، وأحضروا الندماء والمغنين؛ فأتي بالطعام فأكل وبالشراب فشرب وحضر الندماء والمغنون؛ فغناه إسحاق:

سقيت الغيث يا قصر السلام                      فنغم محلة الملك الهـمـام

لقد نشر الإله عليك نـورا                      وخصك بالسلامة والسلام الشعر والغناء لإبراهيم الموصلي رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أن فيه للزبير بن دحمان لحنا من الرمل بالوسطى - قال: فطرب المعتصم وشرب شربا كثيرا، ولم يبق أحد بحضرته إلا وصله وخلع عليه وحمله؛ وفضل إسحاق في ذلك أجمع.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن إسحاق قال: أول جائزة أخذتها من الرشيد ألف دينار في أول يوم دخلت إليه فغنيته:

علق القلب بزوعا فاستحسنه واستعاده ثلاث مرات وشرب عليه ثلاثة أرطال وأمر لي بألف دينار؛ فكان أول جائزة أجازنيها.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال: كان أبي ذات يوم عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلسوا للشراب جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاء غلام قبيح الوجه إلى أبي بقدح نبيذ فلم يأخذه؛ ورآه إسحاق فقال له: لم لا تشرب? فكتب إليه أبي:

اصبح نديمك أقداحا يسلسلـهـا                      من الشمول وأتبعها بـأقـداح

من كف ريم مليح الدل ريقتـه                      بعد الهجوع كمسك أوكتـفـاح

لا أشرب الراح إلا من يدي رشأ                      تقبيل راحته أشهى من الـراح فضحك وقال: صدقت والله، ثم دعا بوصيفة كأنها صورة، تامة الحسن لطيفة الخصر في زي غلام عليها أقبية ومنطقة، فقال لها: تولى سقي أبي محمد؛ فما زالت تسقيه حتى سكر؛ ثم أمر بتوجيهها وكل مالها في داره إليه، فحملت معه.

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح قال: كانت امرأة من بني كلاب يقال لها زهراء تحدث إسحاق وتناشده، وكانت تميل إليه، وتكني عنه في عشيرتها إذا ذكرته بجمل؛ فال: فحدثني إسحاق أنها كتبت إليه وقد غابت عنه تقول:

وجدي بجمل على أني أحمجـمـه                      وجد السقيم ببرء بـعـد إدنـاف

أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها                      أو وجد مغترب مـن بـين آلاف قال: فأجبتها:

أقر السلام على الزهراء إذ شحطت                      وقل لها قد أذقت القلب ما خـافـا

أما رثيت لمن خلفت مـكـتـئبـا                      يذري مدامعه سحـا وتـوكـافـا

فما وجدت علـى إلـف أفـارقـه                      وجدي عليك وقد فـارقـت ألافـا أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال أنشدني إسحاق لنفسه:

سقى الله يوم الماوشان ومجـلـسـا                      به كان أحلى عندنا من جنى النحل

غداة اجتنينا اللهو غضا ولـم نـبـل                      حجاب أبي نصر ولا غضبة الفضل

غدونا صحاحا ثم رحنـا كـأنـنـا                      أطاف بنا شر شديد من الـخـبـل فسألته أن يكتبها ففعل؛ فقلت له: ما حديث الماوشان? فضحك وقال: لو لم أكتبك الأبيات لما سألت عما لا يعنيك؛ ولم يخبرني.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن الحارث وأبو مسلم عن ابن الأعرابي: أنه كان يصف إسحاق الموصلي ويقرظه ويثني عليه ويذكر أدبه وحفظه وعلمه وصدقه، ويستحسن قوله:

 

صفحة : 584

 

 

هل إلى أن تنام عيني سبـيل                      إن عهدي بالنوم عهد طـويل

غاب عني من لا أسمي فعيني                      كل يوم وجدا عليه تـسـيل الشعر والغناء لإسحاق رمل بالوسطى- قال: وكان إسحاق إذا غناه تفيض دموعه على لحيته ويبكي أحر بكاء. وأخبرنا به يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق. وحديث موسى عن حماد أتم، واللفظ له.

أخبرني الصولي والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق قال: أول صوت صنعه أبي:

إني لأكني بأجبال عن اجبلها                      وباسم أودية عن اسم واديها وآخر صوت صنعة مختارا:

قف نحي المغانيا                      والطلول البواليا ثم قطع الصنعة حتى أمره الواثق بأن يعارض صنعته في:

لقد بخلت حتى لو أني سألتها قال حماد وحدثني أبي قال: كان المغنون يحسدونني مذ كنت غلاما، فلما مات أبي صنعت هذا الصوت، فهو أول صوت صنعته بعد وفاته، و هو:

أمن آل ليلى عرفت الطلولا                      بذي حرض ماثلات مئولا فقالوا للرشيد: هذا من صنعة أبيه فقد انتحله؛ فقال لي الرشيد في ذلك، فقلت: هذا ومائة بعده خير منه لهم؛ فقال: اصنع في شعر الأخطل:

أعاذلتي اليوم ويحكمـا مـهـلا                      وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا فصنعت فيه كما أمرني؛ فلما سمعوا بذلك وما جاء بعده أذعنوا، وزال عن قلب الرشيد ما كان ظنه بي. وقد ذكر غير حماد أن اللحن الذي اختبره به الرشيد قوله:

كنت صبا وقلبي الـيوم سـال                      عن حبيب يسيء في كل حال وذكر أن الفضل بن الربيع قال الشعر في ذلك الوقت ودفعه إليه وأمره الرشيد أن يصنع فيه ففعل. وأخبرني بذلك محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال: أول ما سمعه الرشيد من غناء أبي:

ألم تسأل فتخبرك المغانـي                      وكيف وهن مذ حجج ثماني

برئت من المنازل غير شوق                      إلى الدار التي بلوي أبـان

ديار للتي لجلجـت فـيهـا                      ولو أغربت لج بها لسانـي

فكاد يظل للعينـين غـرب                      بربعي دمنة لا ينطـقـان قال: فحدثني أبي أن المغنين قالوا للرشيد: هذا من صنعة أبيه انتحله بعد وفاته؛ فقلت له: أنا أدع لهم هذا ومائة صوت بعده؛ ثم نظروا إلى ما جاء بعد ذلك فأذعنوا.

 

قف نحي المغانـيا                      والطلول البوالـيا

وعلى أهلها فنـح                      وابك إن كنت باكيا الشعر لابن ياسين. والغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى.

 

أمـن آل لـيلـى عـرفـت الـطـلـــولا                      بذي حـرض مـاثـــلات مـــثـــولا

بلين وتحسب آياتهن عن فرط حولين رقا محيلا الشعر لكعب بن زهير. والغناء لإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر.

 

أعاذلتي اليوم ويحكمـا مـهـلا                      وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا

دعاني تجد كفي بمالي فإنـنـي                      سأصبح لا أسطيع جودا ولا بخلا

إذا وضعوا فوق الصفيح جنـادلا                      علي وخلفت المطية والرحـلا

فلا أنا مجتاز إذا مـا نـزلـتـه                      ولا أنا لاق ما ثويت بـه أهـلا الشعر للأخطل، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالوسطى.

 

إني لأكني بأجبال عن اجبلـهـا                      وباسم أودية عن اسـم واديهـا

عمدا ليحسبها الواشون غـانـية                      أخرى وتحسب أني لا أباليهـا

ولا يغير ودي أن أهاجـرهـا                      ولا فراق نوى في الدار أنويها

وللقلوص ولي منها إذا بعـدت                      بوارح الشوق تنضيني وأنضيها الشعر لأعرابي، والغناء لإسحاق هزج بالبنصر.

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال: قال إسحاق للواثق يوما: الأهزاج من أملح الغناء؛ فقال الواثق: أما إذا كانت مثل صوتك:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها                      وباسم أودية عن اسم واديها فهي كذلك.

قال أحمد بن أبي طاهر حدثني أحمد بن يحيى الرازي عن محمد بن المثنى عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم قال:

 

صفحة : 585

 

قال إسحاق: بعث إلي طلحة بن طاهر وقد انصرف من وقعة للشراة وقد أصابته ضربة في وجهه؛ فقال لي الغلام: أجب؛ فقلت: وما يعمل? قال: يشرب؛ فمضيت إليه فإذا هو جالس قد عصب ضربته وتقلنس بقلنسوة؛ فقلت له: سبحان الله أيها الأمير ما حملك على لبس هذا? قال: التبرم بغيره، ثم قال: غن:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها قال: فغنيته إياه، فقال: أحسنت والله أعد فأعدت وهو يشرب حتى صلى العتمة وأنا. أغنيه؛ فأقبل على خادم له بالحضرة وقال له: كم عندك? قال: مقدار سبعين ألف درهم؛ قال: تحمل معه. فلما خرجت من عنده تبعني جماعة من الغلمان يسألوني، فوزعت المال بينهم؛ فرفع الخبر إليه فأغضبه ولم يوجه إلي ثلاثا؛ فجلست ليلا وتناولت الدواة والقرطاس فقلت:

علمني جودك السماح فـمـا                      أبقيت شيئا لدي من صلـتـك

لم أبق شيئا إلا سمحـت بـه                      كأن لي قدرة كمـقـدرتـك

تتلف في اليوم بالهبات وفـي                      الساعة ما تجتنيه في سنتـك

فلست أثري من أين تنفق لـو                      لا أن ربي يجزى على صلتك فلما كان في اليوم الرابع بعث إلي، فصرت إليه ودخلت عليه فسلمت، فرفع بصره إلي وقال: اسقوه رطلا فسقيته، وأمر لي بآخر وآخر فشربت لاثا، م قال لي: غن:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها فغنيته م أتبعته بالأبيات التي قلتها، وقد كنت غنيت فيها لحنا في طريقة الصوت، فقال: ادن فدنوت، وقال: اجلس فجلست، فاستعاد الصوت الذي صنعته فأعدته. فلما فهمه وعرف معنى الشعر قال لخادم له: أحضرني فلانا فأحضره، فقال: كم قبلك من مال الضياع? قال: مانمائة ألف درهم، فقال: احضر بها الساعة، فجيء بثمانين بدرة، فقال للخادم: جئني بثمانين غلاما مملوكا، فأحضروا، فقال: احملوا هذا المال، م قال: يا أبا محمد، خذ المال والمماليك حتى لا تحتاج أن تعطي لأحد منهم شيئا.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي كثير الغشيان لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب والحضور لسمره، وكان إسحاق بن إبراهيم يرى ذلك له ويسني جوائزه ويواتر صلاته ويشاوره في بعض أموره ويسمع منه، فأصيب، إسحاق ببصره قبل موته بسنتين، فترك زيارة إسحاق وغيره ممن كان يغشاهم ولزم بيته. وخرج إسحاق يوما إلى بستان له بباب قطربل وخرج معه ندماؤه وفيهم موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة ومحمد بن راشد الخناق والحراني، فجرى ذكر إسحاق الموصلي، فتوجع له إسحاق وذكر أنسه به وتمنى حضوره، وذكره، القوم فأطنبوا في نشر محاسنه وشيعوا ما ذكره به إسحاق بما حسن موقعه لهم عنده وذكره محمد بن راشد ذكرا لم يحمده أصحابه عليه، وزجره إسحاق، فأمسك عنه، فلما انصرفوا من مجلسهم نمي إلى إسحاق الموصلي ما كان فيه القوم في يومهم وما جرى من ذكره، فكتب إلى موسى بن صالح:

ألا قل لموسى الخير موسى بن صالح                      ومن هو دون الخلق إلفي وخلصاني

ومن لوسألت الناس عنه لأجمـعـوا                      على أنه أفتى معـد وقـحـطـان

لعمري لئن كان الأمير تـمـنـانـي                      بمجلس لـذات ونـزهة بـسـتـان

لقد زادني ما كان مـنـه صـبـابة                      وجدد لي شوقا إلـيه وأبـكـانـي

وما زال ممتنا علـي يخـصـنـي                      بما لست أحصي من أياد وإحسـان

هو السيد القرم الـذي مـا يرى لـه                      من الناس إن حصلتـه أبـدا انـي

نمته روابي مصعـب وبـنـى لـه                      كريم المساعي في أرومته بـانـي

يعز علي أن تـفـوزوا بـقـربـه                      ولست إليه بالقـريب ولا الـدانـي

فيا ليت شعري هل أروحـن مـرة                      إليه فيلقاني كمـا كـان يلـقـانـي

وهل أرين يوما غضـارة مـلـكـه                      وسلطانه لازال في عز سلـطـان

وهل أسمعن ذاك المزاح الـذي بـه                      إذا جئته سليت همـي وأحـزانـي

إذا قال لي  يا مرد مي خر  وكرهـا                      علي وكناني مزاحـا بـصـفـوان هذا كلام بالفارسية تفسيره: يا رجل اشرب النبيذ:

فيا لك من ملهى أنيق ومجلس                      كريم ومن مزح كثير بألوان

 

صفحة : 586

 

 

وهل يغمزن بي ذو الهنات ابن راشد                      وذاك الكريم الجد مـن آل حـران

وهل أرين موسى الكريم ابن صالح                      ينازعني صوتا إذا هو غـنـانـي )يريد الغناء في:

فلم أر كالتجمير منظر ناظـر                      ولا كليالي النفر أفتن ذا هوى

إذا صاح بالتجمـير م أعـاده                      بتحقيق إعراب صحيح وتبيان

أولئك إخواني الذين أحبـهـم                      وأوثرهم بالود من بين إخواني

وما منهم إلا كـريم مـهـذب                      حبيب إلى إخوانه غير خوان فأجابه محمد بن راشد:

بعثت بشعـر فـيه أن رسـالة                      أتتك لموسى عن جماعة إخوان

بشوق وذكر للجميل ولـم يكـن                      لموسى لعمري في سلامته اني

ولكن نطقنا بالذي أنت أهـلـه                      وما تستحق من صديق وندمان

وموسى كريم لم يحط بك خبره                      كخبر ندامى قد بلوك وإخـوان

ولو قد بلاك قال فيك كقول من                      فسدت عليه من خليل وخلصان

ولم يعره شوق إليك ولـم يجـد                      لفقدك مسا عند نزهة بسـتـان

حمدت الندامى كلهم غير إنسان                      ألا إنما يجني على نفسه الجاني

فلا تعتب الإخوان من بعدها فما                      تنقض إخوان المودة من شاني قال: فأجابه إسحاق:

عجبت لمخذول تعـرض جـانـيا                      لليث أبي شبلين من أسد خـفـان

أتانا بشعر قاله مـثـل وجـهـه                      تزخرف فيه واستعان بـأعـوان

فجاء بألفاظ ضـعـاف سـخـيفة                      ومضغها تمضيغ أهوج سكـران

دعوا الشعر للشيخ الذي تعرفونـه                      وإلا وسمتم أو رميتم بشـهـبـان

فإنكم والشـعـر إذ تـدعـونـه                      كمعتسف في ظلمة الليل حـيران

صه لا تعودوا للجواب فـإنـمـا                      ترومون صعبا من شماريخ هلان

أنا الأسد الـورد الـذي لا يفـلـه                      تظاهر أعداء عـلـيه وأقـران

ومن قد أردتم جاهدين سقـاطـه                      فأعياكم في كـل سـر وإعـلان

لعمري لئن قلتم بما أنـا أهـلـه                      ليستنفدن القول تعظيمكم شـانـي

وجحدكم إياي ما تـعـلـمـونـه                      وإقراركم عندي بـذلـك سـيان

ألا يزجر الجهال عنـا أمـيرنـا                      وموسى وذاك الشيخ من آل حران

ولا سيما من بان للـنـاس شـره                      فما يتمارى في مذاهبـه اثـنـان حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قرقارة قال: قال لي محمد بن عمر الجرجاني وقد تذاكرنا إسحاق يوما بحضرته: ما تذكرون من إسحاق شيئا تقاربون به وصفه. كان والله إسحاق غرة في زمانه، وواحدا في دهره علما وفقها وأدبا ووقارا ووفاء وجودة رأي وصحة مودة. كان والله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع إذا تحدث، لا يمل جليسه مجلسه، ولا تمج الاذان حديثه، ولا تنبو النفوس عن مطاولته. إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك. وما كنت ترى خصلة من الأدب ولا جنسا من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته ومباراته.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: أمر المأمون يوما بالفرش الصيفي أن يخرج فأخرج فيما أخرج منه بساط طبري أو أصبهبذاني، مكتوب في حواشيه:

لج بالعـين واكـف                      من هوى لايساعف

كلما جف دمـعـه                      هيجته المعـازف

إنما الموت أن تفـا                      رق من أنت آلف

لك حبان في الفـؤا                      د تلـيد وطـارف قال: فاستحسن المأمون هذه الأبيات، وبعث إلى إسحاق فأحضره وأمره أن يصنع فيها لحنا ويعجل به، فصنع فيها الهزج الذي يغنى به اليوم. قال أحمد: وسمعها أبي منه فقال: لو كان هذا الهزج لحكم الوادي لكان قد أحسن. يريد أن حكما كان صاحب الأهزاج.

أخبرني الحسن قال حدثني يزيد بن محمد قال حدثني ابن المكي قال: تذاكرنا يوما عند أبي صنعة إسحاق، وقد كنا بالأمس عند المأمون فغناه إسحاق لحنا صنعه في شعر، بن ياسين:

 

صفحة : 587

 

 

الطلول الدوارس                      فارقتها الأوانس

أوحشت بعد أهلها                      فهي قفربسابس الغناء لإسحاق خفيف قيل بالبنصر قال: فقال أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفى،  الطلول الدوارس  كلمتان، و  فارقتها الأوانس كلمتان، وقد غنى فيهما استهلالا وبسيطا وصاح وسجح ورجع النغمة واستوفى ذلك كله في أربع كلمات وأتي بالباقي مثله فمن شاء فليفعل مثل هذا أو ليقاربه. م قال: إسحاق والله في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد، ولو عاشوا حتى يروه لعرفوا فضله واعترفوا له به. وأخبرني عمي عن يزيد بن محمد المهلبي: أنه كان عند الواثق فغنته شجا هذا الصوت، فقال الواثق مثل هذا القول. والمذكور أن ابن المكي قاله فلا أدري أهذا وهم من يزيد، أواتفق أن قال فيه الواثق كما قال يحيى، أو اتفقت عليه قريحتاهما.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق قال: أرسل إلي الفضل بن الربيع يوما وإلى الزبير بن دحمان، فوافق مجيئنا شغلا كان له، فصرنا إلى بعمض حجره، فنعست فنمت فإذا زبير يحركني فانتبهت فإذا خباز في مطبخ الفضل يضرب بالشوبق يغني:

بدير القائم الأقصى                      غزال شفني أحوى

برى حبي له جسمي                      ومايدي بما ألقـى

وأخفي حبه جهـدي                      ولا والله ما يخفـى الشعر والغناء لإسحاق خفيف قيل بالبنصر قال: فقال لي الزبير: تضن بهذا وانظر من يبتذله فقلت: لا أضن بغناء بعد هذا.

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر قال قال لي صالح بن الرشيد: كنا أمس عند أمير المؤمنين المأمون وعنده جماعة من المغنين، فيهم إسحاق وعلويه ومخارق وعمرو بن بانة فغنى مخارق في الثقيل الأول:

أعـاذل لا آلـوك إلا خـلـيقـتـي                      فلا تجعلي فوقي لسانـك مـبـردا

ذريني أكن للـمـال ربـا ولايكـن                      لي المال ربا تحمدي غـبـه غـدا

ذريني يكن مالي لعـرضـي وقـاية                      يقي المال عرضي قبل أن يتـبـددا

ألم تعلمي أني إذا الضيف نـابـنـي                      وعز القرى أقري السديف المسرهدا فقال له المأمون: لمن هذا اللحن. قال: لهذا الهزبر الجالس يعني إسحاق، فقال المأمون لمخارق: قم فاقعد بين يدي وأعد الصوت، فقام فجلس بين يديه وأعاده فأجاده، وشرب المأمون عليه رطلا م التفت إلى إسحاق فقال له: غن هذا الصوت فغناه فلم يستحسنه كما استحسنه من مخارق م دار الدور إلى عفويه، فقال له: غن فغنى في الثقيل الأول أيضا:

أريت اليوم نارك لم أغمض                      بواقصة ومشربنـا بـرود

فلم أر مثل موقدها ولكـن                      لأية نظرة زهر الوقـود

فبت بلـيلة لانـوم فـيهـا                      أكابدها وأصحابي رقـود

كأن نجومها ربطت بصخر                      وأمراس تدور وتسـتـزيد فقال له المأمون: لمن هذا الصوت? فقال: لهذا الجالس- وأشار إلى إسحاق- فقال لعلويه: أعده فأعاده، فشرب عليه رطلا، م قال لإسحاق. غنه فغناه، فلم يطرب له طربه لعلويه. فالتفت إلى إسحاق م قال لي: أيها الأمير، لولا أنه مجلس سرور وليس مجلس لجاج وجدال لأعلمته أنه طرب على خطأ، وأن الذي استحسنه إنما هو تزايد منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته، وأن الصوت ما غنيته لا ما زادا. م أقبل عليهما فقال: يا مخنثان، قد علمت أنكما لم تريدا بما فعلتماه مدحي ولا رفعتي، وأنا على مكافأتكما قادر فضحك المأمون وقال له: ما كان مارأيته من طربي لهما إلا استحسانا لأصواتهما لا تقديما لهما ولا جهلا بفضلك.

حدثني عمي قال حدثني عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك الخزاعي قال حدثني إسحاق قال: دخلت يوما على المعتصم وقد رجع من الصيد وبين يديه ظباء مذبحة وطير ماء وغير ذلك من الصيد وهو يشرب فأمرني بالجلوس والغناء، فجلست وغنيته:

اشتهينا فـي ربـيع مـرة                      زهم الوحش على لحم الإبل

فغدونا بـطـوال هـيكـل                      كعسيب النخل مياد خضـل الشعر يقال: إنه لأعشى همدان، والغناء لأحمد النضبي خفيف قيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق فتبسم وقال: وأين رأيت لحم الإبل فغنيته:

 

صفحة : 588

 

 

ليس الفتى فيهـم إذا                      شرب الشراب مؤنبا

لكن يروح مرنحـا                      حسن الثياب مطيبـا

يسقونه صرفاعلـى                      لحم الظباء مضهبـا فقال: هذا أشبه، وشرب. م غنيته بشعر وضاح اليمن قال: والغناء لابن محرز قيل أول:

أبى القلب اليماني                      الذي تحمد أخلاقة

ويرفض له اللحن                      فما تفتق أرتاقـه

غزال أدعج العين                      ربيب خدلج ساقه

رماني فسبى قلبي                      وأرميه فأشتاقـه فطرب وقال: هذا والله أحسن صيد وألده، وشرب عليه بقية يومه وخلع علي وأمر لي بجائزة. هكذا ذكر في هذا الخبر أن الثقيل الأول لابن محرز وقد قيل ذلك. وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول بالبنصر لابن طنبورة، وأن لحن ابن محرز خفيف قيل.

حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي قال: قال لي إسحاق يوما في عرض حديثه: دخلت على المعتصم ذات يوم وعليه قميص دبيقي كأنما قد من، جرم الزهرة، فضحكت، فقال: ما أضحكك? فقلت: من مبالغتك في الوصف، فتبسم. قال الفضل: وما سمعت محدثا قط ولا واصفا أبلغ منه ولا أحسن لفظا وتشبيها.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك قال: قال لي إسحاق: وددت أن كل يوم قيل لي: غن أو قيل لي عند ذكري: المغني، ضرب رأسي خمسة عشر سوطا، لا أقوى على أكثر منها، ولم يقل لي ذلك.

أخبرنا يحيى قال حدثنا حماد قال: صنع أبي لحنه في:  تشكى الكميت الجري  على لحن أذان سمعه.

أخبرنا يحيى قال حدثنا حماد قال: تذاكرنا يوما الهزج عند المأمون، فقال عمرو بن بانة: ما أقله في الغناء القديم، فقال إسحاق: ما أكثره فيه م غناهم لاثين هزجا في إصبع واحدة ومجرى واحد، ما عرفوا جميعا منها إلا نحو سبعة أصوات.

حدثني يحيى قال حدثني أخي قال حدثني عافية بن شبيب قال: قلت لزززور: ما لكم تذلون لإسحاق هذا الذل، وما فيكم أحد إلا وهو أطيب صوتا منه، وما في صنائعكم وصمة فقال لي: لا تقل ذلك، فوالله لو رأيتنا معه لرحمتنا ورأيتنا نذوب كما يذوب الرصاص في النار.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: لاعبت الفضل بن الربيع بالنرد، فوقع بيننا خلاف، فحلف وحلفت، فغضب علي وهجرني، فكتبت إليه:

يقول أناس شامـتـون وقـد رأوا                      مقامي وإغبابي الرواح إلى الفضل

لقد كان هذا خص بالفضـل مـرة                      فأصبح منه اليوم منصرم الحـبـل

ولوكان لي في ذاك ذنب علمـتـه                      لقطعت نفسي بالملامة والـعـذل وعرضت الأبيات عليه فلمفا قرأها ضحك وقال: أشد من ذنبك أنك لا ترى لنفسك بذلك الفعل ذنبا والله لولا أني أدبتك أدب الرجل ولده، وأن حسنك وقبيحك مضافان إلي لأنكرتني. فأصلح الآن قلب عون وكان يحجبه فخاطبته في ذلك فكلمني بما كرهت فقلت أتدخل بيني وبين الأمير أعزه الله وكان عون يرمى بالأبنة فقلت فيه:

وذاكر أمر ضاق ذرعا بذكره                      وناس لداء منه متسع الخرق قال: ثم علمت أنه لا يتم لي رضا الفضل إلا بعد أن يرضى عون، فقلت فيه:

عون ياعون ليس مثلك عـون                      أنت لي عدة إذا كان كـون

لك عندي والله إن رضي الف                      ضل غلام يرضيك أو برذون فدخل إلى الفضل فترضاه لي فرضي، ثم قال له: ويلك يا عون إنه والله إنما هجاك وأنت ترى أنه قد مدحك، ألا ترى إلى قوله:  غلام يرضيك   هذا تعريض بك، قال: فكيف أصنع به مع محله عند الأمير.

أخبرني الصولي قال حدثني عون عن إسحاق، وأخبرني بعض الخبر إسماعيل بن يونس عن عمربن شبة عن إسحاق، ولفظ الخبر وسياقته للصولي، قال:

 

صفحة : 589

 

استدناني المأمون يوما وهو مستلق على فراش حتى صارت ركبتي على الفراش، ثم قال لي: يا إسحاق، أشكو إليك أصحابي: فعلت بفلان كذا ففعل كذا، وفعلت بفلان كذا ففعل كذا، حتى عدد جماعة من خواصه، فقلت له: أنت يا سيدي بتفضلك علي وحسن رأيك في ظننت أني ممن يشاور في مثل هذا، فجاوزت بي حدي، وهذا رأي يجل عني ولا يبلغه قدري، فقال: ولم وأنت عندي عالم عاقل ناصح. فقلت: هذه المنزلة عند سيدي علمتني ألا أقول إلا ما أعرف ولا أطلب إلا ما أنال، فضحك وقال: قد بلغني أنك في هذه الأيام صنعت لحنا في شعر الراعي ولم أسمعه منك، فقلت: يا سيدي، ماسمعه أحد إلا جواري، ولا حضرت عندك للشرب منذ صنعته، فقال: غنه، فقلت: الهيبة والصحو يمنعاني أن أؤديه كما تريد، فلو آنس أمير المؤمنين عبده بشيء يطربه ويقوي به طبعه كان أجود، قال: صدقت، ثم أمر بالغداء فتغدينا، ومدت الستارة فغني من ورائها وشربنا أقداحا فقال: يا إسحاق، أما جاء أوان ذلك الصوت? فقلت: بلى يا سيدي، وغنيته لحني في شعر الراعي:

ألم تسأل بـعـارمة الـديارا                      عن الحي المفارق أين صارا

بلى ساءلتها فـأبـت جـواب                      وكيف تسائل الدمن القفـارا لحن إسحاق في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى قال: فاستحسنه وما زال يشرب عليه سائر يومه، وقال لي: يا إسحاق، لا طلب بعد وجود البغية، ما أشرب بقية يومي هذا إلا على هذا الصوت ثم وصلني وخلع علي خلعة من ثيابه.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: كانت أعرابية تقدم علي من البادية فأفضل عليها، وكانت فصيحة، فقالت لي ذات يوم: والذي يعلم مغزى كل ناطق لكأنك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا. ولقد أريتني نجدا بفصاحتك، وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا أطرد لي قول إلا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلا ذكرتك.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: كان أبو المجيب الربعي فصيحا عالما، فقال لي: يا أبا محمد، قد عزمت على التزوج فأعني وقوني قال: فأعطيته دنانير وثيابا. فغاب عني أياما ثم عاد، فقلت: يا أبا مجيب، هاهنا أبيات فاسمعها، فقال: هاتها، فقلت:

ياليت شعري عن أبي مجيب                      إذ بات في مجاسد وطـيب

معانقا للـرشـأ الـربـيب                      أأحمد المحفار في القلـيب

أم كان رخوا ذابل القضيب قال: فقال لي: الأخير والله يا أبا محمد.

عاتب الخليل بن هشام بشعر وكان بينهما تهاجر فعاد إلى ما كانا عليه: حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: كانت بيني وبين الخليل بن هشام صداقة ثم استوحشنا، فمررت ببابه يوما، فتذممت أن أجوزه ولا أدخل إليه، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت إليه:

رجعنابالصفاء إلى الخلـيل                      فليس إلى التهاجر من سبيل

عتاب في مراجعة وصفـح                      أحق بنا وأشبه بالجـمـيل قال: ووجهت بالرفعة وقصدت بابه، فخرج إلي حتى تلقاني، ورجعنا إلى ما كنا عليه.

حدثني الصولي قال حدثني عبدالله بن المعتز عن الهشامي قال: كان أهلنا يعتبرون على إسحاق ما يقوله في نسبة الغناء وأخباره، بأن يجلسوا كاتبتين فهمتين خلف الستارة، فتكتبان ما يقوله وتضبطانه، م يتركونه مدة حتى ينسى ما جرى، ثم يعيدون تلك المسألة عليه، فلا يزيد فيها ولا ينقص منها حرفا كأنه يقرؤها من دفتر فعلموا حينئذ أنه لا يقول في شيء يسأل عنه إلا الحق.

حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن مزيد المهلبي قال حدثني أبي عن إسحاق قال: كنا عند المأمون، فغناه علويه:

لعبدة دار ما تكلمـنـا الـدار                      تلوح مغانيها كما لاح أسطار

أسائل أحجارا ونؤيا مهـدمـا                      وكيف يرد القول نؤي وأحجار الشعر لبشار، والغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق - قال: فقال المأمون: لمن هذا اللحن. فقلت: لعبد أمير المؤمنين أبي، وقد أخطأ فيه علويه، قال: فغنه أنت فغنيته، فاستعادنيه مرارأ وشرب عليه أقداحا، ثم تمثل قول جرير:

وابن اللبون إذا ما لز في قـرن                      لم يستطع صولة البزل القناعيس

 

صفحة : 590

 

ثم أمر لي بخمسين ألف درهم. ووجدت هذا الخبر بخط أبي العباس ثوابة، فقال فيه: حدثني أحمد بن إسماعيل أبو حاتم قال حدثني عبدالله بن العباس الربيعي قال: اجتمعنا بين يدي المعتصم، فغنى علويه:

لعبدة دار ما تكلمنا الدار فقال له إسحاق: أخطأت فيه، ليس هو هكذا، فقال علويه أم من أخفناه عنه هكذا زانية، فقال إسحاق: شتمنا قبحه الله، وسكت وبان ذلك فيه، وكان علويه أخذه من إبراهيم.

حدثني جحظة قال حدثني أبو العبيس بن حمدون عن أبيه عن جده قال: كان إسحاق بعد وفاة المأمون لا يغني إلا الخليفة أو ولي عهده أو رجلا من الطاهرية مثل إسحاق بن إبراهيم وطبقته، فاجتمعنا عند الواثق وهو ولي عهد المعتصم، فاشتهى الواثق أن يضرب بين مخارق وعلويه وإسحاق، ففعل حتى تهاتروا، ثم قال لإسحاق: كيف هما الآن عندك? فقال: أما مخارق فمناد طيب الصوت وأما علويه فهو خير حماري العبالي، وهو على كل حال شييء يريد تصغيره، فوثب علويه مغضبا، ثم قال للواثق: جواريه حرائر ونساؤه طوالق، لئن لم تستحلفه بحياتك وحق أبيك، أن يصدق عما أسأله عنه، لأتوبن عن الغناء ما عشت، فقال له الواثق: لا تعربد يا علي، نحن نفعل ما سألت، ثم حلف إسحاق أن يصدق فحلف، فقال له: من أحسن الناس اليوم صنعة بعدك. قال: أنت. قال: فمن أضرب الناس بعد ثقيف. قال: أنت. قال فمن أطيب الناس صوتا بعد مخارق. قال: أنت. قال علويه لإسحاق: أهذا قولك في وأنت تعلم أني مصفي كل - سابق فاضل، وأني ثالث ثلاثة أنت أحدهم لم يكن في الدنيا مثلهم ولا يكون، فما أنت وغناؤك الذي لا يسمع انخفاضا، فغضب إسحاق، وانتهر الواثق علويه. بم أخذ إسحاق عودا فنقل مثناه إلى موضع البم، وزيره إلى موضع المثلث، وجعل البم والمثلث مكان الزير والمثنى، وضرب وقال: ليغن من شاء منكم، فغنى مخارق عليه:

تقطع من ظلامة الوصل أجمع                      أخيراعلى أن لم يكن يتقطـع وضرب عليه إسحاق فلم يبن في الأوتار خلاف ولا فقد من الإيقاع شيء ولا بان فيه اختلال، فعظم عجب الواثق من فعله، وقام إسحاق فرقص طربا، فكان والله أحسن رقصا من كبيش وعبد السلام - وكانا من أرقص الناس - فقال الواثق: لا يكمل أحد أبدا في صناعته كمثل كمال إسحاق.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: دخلت على عبدالله بن طاهر وهو يلاعب إبراهيم بن وهب بالشطرنج، فغلبه عبدالله، وأومأ إلي بأن أكايده فقلت:

قد ذهبت منك أبا إسحاق                      مثل ذهاب الشهربالمحاق فقال لي عبدالله: إن فضائلك يا أبا محمد لتتكاثر عندنا، كما قال الشاعر في إبله:

إذا أتاها طالب يستامهـا                      تكاثرت في عينه كرامها أخبرني محمد بن خلف بن المززبان قال ذكر علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن إسحاق قال: أنشدتني أم محمد الأعرابية لنفسها هذين البيتين وأنا حاج، فاستحسنتهما، وصنعت فيهما لحنا غنيته الواثق، فاستعاده حتى أخذه، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، وهما:

عسى الله ياظمياء أن يعكس الهوى                      فتلقين ما قد كنت منـك لـقـيت

ثراء فتحتاجي إلي فتـعـلـمـي                      بأن به أجـزيك حـين غـنـيت حدثني عمي قال حدثني عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن مروان قال قال لي يحيى بن معاذ:

 

صفحة : 591

 

كان إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي إذا خلوا فهما أخوان، وإذا التقيا عند خليفة تكاشحا أقبح تكاشح فاجتمعا يوما عند المعتصم، فقال لإسحاق: يا إسحاق، أن إبراهيم يثلبك ويغض منك ويقول: إنك تقول: إن مخارقا لا يحسن شيئا ويتضاحك منك، فقال إسحاق: لم أقل يا أمير المؤمنين: إن مخارقا لا يحسن شيئا، وكيف أقول ذلك وهو تلميذ أبي وتخريجه وتخريجي، ولكن قلت: إن مخارقا يملك من صوته ما لا يملكه أحد، فيتزايد فيه تزايدا لا يبقي عليه ويتغير في كل حال، فهو أحلى الناس مسموعا وأقله نفعا لمن يأخذ عنه، لقلة ثباته على شيء واحد. ولكني أفعل الساعة فعلا إن زعم إبراهيم أنه يحسنه فلست أحسن شيئا، وإلا فلا ينبغي له أن يدعي ما ليس يحسنه. ثم أخذ عودا فشوش أوتاره، ثم قال لإبراهيم: غن على هذا أو يغني غيرك وتضرب عليه، فقال المعتصم: يا إبراهيم، قد سمعت، فما عندك. قال: ليفعله هو إن كان صادقا، فقال له إسحاق: غن حتى أضرب عليك فأبى، فقال لزرزور: غن فغنى وإسحاق يضرب عليه حتى فرغ من الصوت ما علم أحد أن العود مشوش. ثم قال: هاتوا عودا آخر فشوشه وجعل كل وتر منه في الشدة واللين على مقدار العود المشوش الأول حتى استوفى، ثم قال لزرزور: خذ أحدهما فأخذه، ثم قال: انظر إلى يدي واعمل كما أعمل واضرب ففعل، وجعل إسحاق يغني ويضرب وزرزور ينظر إليه ويفعل كما يفعل، فما ظن أحد أن في العودين، شيئا من الفساد لصحة نغمهما جميعا إلى أن فرغ من الصوت. ثم قال لإبراهيم: خذ الآن أحد العودين، فاضرب به مبدأ أو عمود طريقة أو كيف شئت إن كنت تحسن شيئا، فلم يفعل وانكسر انكسارا شديدا، فقال له المعتصم: أرأيت مثل هذا قط? فال: لا، والله ما رأيت ولا ظننت أن مثله يكون.

حدثني أبو عبدالله محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال: دعاني إسحاق يوما، فمضيت إليه وعنده الزبير بن دحمان وعلويه وحسين بن الضحاك، فمر لنا أحسن يوم، فالتفت إلى إسحاق ثم قال: يومنا هذا والله يا أبا العباس كما قال الشاعر:

أنت والله من الأي                      ام لدن الطرفـين

كلما قلبـت عـي                      ني ففي قرة عين أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوما على الواثق فقال لي: يا إسحاق، إني أصبحت اليوم قرما إلى غنائك فغنني، فغنيته:

من الظباء ظباء همها الـسـخـب                      ترعى القلوب وفي قلبي لها عشب

لايغـتـربـن ولايسـكـن بـادية                      وليس يدرين ماضرع ولاحـلـب

إذا يد سرقت فالقطع يلـزمـهـا                      والقطع في سرق بالعين لايجـب قال: فشرب عليه بقية يومه وبعض ليلته، وخلع علي خلعة من يابه.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرجت مع الواثق إلى الصالحية وهو يريد النزهة، فذكرت بغداد وعيالي وأهلي وولدي بها فبكيت، فقال لي: بحياتي أذكرت بغداد فبكيت شوقا إليها. فقلت: نعم، وغنيته:

وما زلت أبكي في الديار وإنـمـا                      بكائي على الأحباب ليس على الدار قال: فأمر لي بمائة ألف درهم وصرفني.

وأخبرني محمد بن مزيد بهذا الخبر عن حماد بن إسحاق عن أبيه، وحدثني به علي بن هارون عن عمه عن حماد عن أبيه وخبره أتم، قال: ما وصلني أحد من الخلفاء قط بمثل ما وصلني به الواثق. ولقد انحدرت معه إلى النجف، فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد قلت في النجف قصيدة، فقال: هاتها، فأنشدته:

ياراكب العيس لاتعجل بنا وقف                      نحي دارا لسعدى ثم ننصرف حتى أتيت على قولي:

لم ينزل الناس في سهل ولا جبـل                      أصفى هواء ولا أعذى من النجف

حفت ببر وبحرمن جـوانـبـهـا                      فالبر في طرف والبحر في طرف

وما يزال نـسـيم مـن يمـانـية                      يأتيك منهـا بـريا روضة أنـف فقال: صدقت يا إسحاق، هي كذلك. ثم أنشدته حتى أتيت على قولي في مدحه:

لا يحسب الجود يفني مـالـه أبـدا                      ولا يرى بذل ما يحوي من السرف ومضيت فيها حتى أتممتها، فطرب وقال: أحسنت والله يا أبا محمد، وكناني يومئذ، وأمر لي بمائة ألف لدرهم وانحدر إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس: بالصالحية من كناف كلواذ.

فذكرت الصبيان وبغداد فقلت:

 

صفحة : 592

 

 

أتبكي على بغـداد وهـي قـريبة                      فكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا

لعمرك مافارقت بغداد عن قـلـى                      لو أنا وجدناعن فراق لـهـا بـدا

إذا ذكرت بغداد نفسي تقطـعـت                      من الشوق أوكادت تموت بها وجدا

كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها                      وداعا ولم أحدث بساكنها عـهـدا قال: فقال لي: يا موصلي، أشتقت إلى بغداد. فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن من أجل الصبيان، وقد حضرني بيتان، فقال: هاتهما، فأنشدته:

حننت إلى الأصيبية الصغار                      وشاقك منهم قرب المزار

وأبرح ما يكون الشوق يوما                      إذا دنت الديار من الـديار فقال لي: يا إسحاق، صر إلى بغداد فأقم مع عيالك شهرا ثم صر إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم.

أخبرنا يحيى بن علي قال أخبرني أبي قال: لما صنع الواثق لحنه في:

أيا منشر الموتى أقذني من الـتـي                      بها نهلت نفسي سقامـا وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا                      قذى العين من سافي التراب لضنت أعجب به إعجابا شديدا، فوجه بالشعر إلى إسحاق الموصلي وأمره أن يغني فيه، فصنع فيه لحنه الثقيل الأول، وهو من أحسن صنعة إسحاق، فلما سمعه الواثق عجب منه وصغر لحنه في عينه، وقال: ما كان أغنانا أن نأمر إسحاق بالصنعة في هذا الشعر، لأنه قد أفسد علينا لحننا. قال علي بن يحيى قال إسحاق: ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بهذا الشأن.

 

أيا متشر الموتى أقدني من الـتـي                      بها نهلت نفسي سقامـا وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا                      قذى العين من سافي التراب لضنت الشعر لأعرابي، والغناء للواثق ثاني ثقيل في مجرى البنصر. وفيه لمخارق رمل، ولعريب رمل. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى كثير، وهو خطأ من قائله.

أنشدني هذه الأبيات عمي قال: أنشدني هارون بن علي بن يحيى، وأنشدنيها علي بن هارون عن أبيه عن جده عن إسحاق أنه أنشده لأعرابي فقال:

ألا قاتل اللـه الـحـمـامة غـدوة                      على الغصن ماذا هيجت حين غنت

تغنت بصوت أعجمي فـهـيجـت                      من الشوق ما كانت ضلوعي أجنت غنى في هذين البيتين عمرو بن بانة ثاني ثقيل بالوسطى.

 

فلو قطرت عين امرىء من صبـابة                      دما قطرت عيني دمـا فـألـمـت

فما سكتت حتى أويت لـصـوتـهـا                      وقلت ترى هذي الحمـامة جـنـت

ولي زفرات لو يدمن قـتـلـنـنـي                      بشوق إلى نأي التـي قـد تـولـت

إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت                      فمن لي بأخرى في غد قد أظـلـت

فيا محيي الموتى أقدني من الـتـي                      بها نهلت نفسي سقـامـا وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا                      قذى العين من سافي التراب لضنت

فقلت ارحلا يا صاحبي فـلـيتـنـي                      أرى كل نفسى أعطيت ما تمـنـت

حلفت لهـا بـالـلـه مـا أم واحـد                      إذا ذكرتـه آخـرالـلـيل حـنـت

وما وجد أعرابـية قـذفـت بـهـا                      صروف النوى من حيث لم تك ظنت

إذا ذكرت ماء العـضـاه وطـيبـه                      وبرد الحمى من بطن خبت أرنـت

بأكثر منـي لـوعة غـير أنـنـي                      أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت وأما لحن إسحاق فإنه غنى في:

لقد بخلت حتى لو أني سألتها وأضاف إليه شيئا آخر وليس من ذلك الشعر، وهو:

فإن بخلت فالبخل منها سجـية                      وإن بذلت أعطت قليلا وأكدت قال: ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.

أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي، وحدثني به عمي عن أبي جعفر بن دهقانة النديم عن أبيه قال:

 

صفحة : 593

 

كان الواثق إذا صنع صوتا قال لإسحاق: هذا وقع إلينا البارحة فاسمعه، فكان ربما أصلح فيه الشيء بعد الشيء. فكاده مخارق عنده وقال له: إنما يستجيد صنعتك إذا حضر ليقاربك ويستخرج ما عندك، فإذا فارق حضرتك قال في صنعتك غير ما تسمع، قال الواثق: فأنا أحب أن أقف على ذلك، فقال له مخارق: فأنا أغنيه، أيا منشر الموتى، فإنه لم يعلم أنه لك ولا سمعه من أحد، قال: فافعل. فلما دخل إسحاق غناه مخارق وتعمد لأن يفسده بجهده، وفعل ذلك في مواضع خفية لم يعلمها الواثق من قسمته، فلما غناه قال له الواثق: كيف ترى هذا الصوت. قال له: فاسد غير مرضي، فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، وأمر بنفيه إلى بغداد. ثم جرى ذكره يوما. فقالت له فريدة: يا أمير المؤمنين، إنما كاده مخارق فأفسد عليه الصوت من حيث أوهمك أنه زاد فيه بحذقه نغما وجودة، وإسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سره، ويفهم من غامض علل الصنعة ما لا يفهمه غيره، فليحضره أمير المؤمنين ويحلفه بغليظ الأيمان أن يصدقه عما يسمع، وأغنيه إياه حتى يقف على حقيقة الصوت، فإن كان فاسدا فصدق عنه لم يكن عليه عتب، ووافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن نتركه فاسدا إذا كان فيه فساد، وإن كان صحيحا قال فيه ما عنده، فأمر بالكتاب بحمله فحمل وأحضر، فأظهر الرضا عنه ولزمه أياما، ثم أحلفه ليصدقن عما يمر في مجلسه فحلف له. ثم غنى الواثق أصواتا يسأله عنها أجمع فيخبر فيها بما عنده، ثم غنته فريدة هذا الصوت وسأله الواثق عنه، فرضيه واستجاده، وقال له: ليس على هذا سمعته في المرة الأولى، وأبان عن المواضع الفاسدة وأخبر بإفساد مخارق إياها، فسكن غضبه ووصل إسحاق وتنكر لمخارق مدة.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق الموصلي: أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وقد كان تكلم له في حاجة فقضيت، فقال له: أعطاك الله أيها الأمير ما لم تحط به أمنية ولا تبلغه رغبة. قال: فاشتهى هذا الكلام واستعاده مني فأعدته. ثم مكثنا ما شاء الله، وأرسل الواثق إلى محمد بن إبراهيم يأمره بإخراجي إليه في الصوت الذي أمرني به بأن أغني فيه، وهو:

لقد بخلت حتى لوأني سألتها فغنيته إياه، فأمر لي بمائة ألف درهم. فخرجت وأقمت ما شاء الله ليس أحد من مغنيهم يقدر أن يأخذ هذا الغناء مني. فلما طال مقامي قلت له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد من هؤلاء المغنين يقدر أن يأخذ هذا الصوت مني، فقال لي: ولم. ويحك. فقلت: لأني لا أصححه ولا تسخو نفسي به لهم، فما فعلت الجارية التي أخذتها مني. يعني شجا، وهي التي كان أهداها إلى الواثق وعمل مجرد أغانيها وجنسه ونسبه إلى شعرائه ومغنيه، وهو الذي قي أيدي الناس إلى اليوم، فقال: وكيف. قال: لأنها تأخذه مني ويأخذونه هم منها، فأمر بها فأخرجت وأخذته على المكان، فأمر لي بمائة ألف درهم وأذن لي في الانصراف، وكان إسحاق بن إبراهيم الطاهري حاضرا، فقلت للواثق عند وداعي له: أعطاك الله يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة، فالتفت إلي إسحاق بن إبراهيم فقال لي: أي إسحاق أتعيد الدعاء، فقلت: إي والله أعيده قاض أنا أو مغن. وقدمت بغداد، فلما وافى إسحاق جئته مسلما عليه، فقال لي: ويحك يا إسحاق أتدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده. قلت: لا أيها الأميرة قال قال لي: ويحك. كنا أغنىالناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا حتى أفسده علينا. قال علي بن يحيى: فحدثني إسحاق قال: استأذنت الواثق عدة دفعات في الانحدار إلى بغداد فلم يأذن لي، فصنعت لحنا في:

خليلي عوجا من صدور الرواحل ثم غنيته الواثق فاستحسنه وعجب من صحة قسمته ومكث صوته أياما، ثم قال لي: يا إسحاق، قد صنعت لحنا في صوتك في إيقاعه وطريقته، وأمر من وراء الستارة فغنوه فقلت: قد والله يا أمير المؤمنين بغضت إلي لحني وسمجته عندي، وقد كنت استأذنته في الانحدار إلى بغداد فلم يأذن لي، فلما صنع هذا اللحن وقلت له ما: قلت، أتبعته بأن قلت له: قد والله يا أمير المؤمنين افتصضت مني في القد بخلت وزدت فأذن لي بعد ذلك.

 

خليلي عوجا من صدور الرواحل                      بجرعاء حزوى فابكيا في المنازل

 

صفحة : 594

 

 

لعل انحدار الدمع يعقـب راحة                      من الوجد أو يشفي نجي البلابل الشعر لذي الرمة، والغناء لإسحاق رمل بالوسطى في البيتين. وللواثق في البيت الثاني وحلى رمل بالبنصر.

أخبرني أحمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني كثير بن أبي جعفر الحزامي الكوفي عن أحمد بن جواس الحنفي عن أبي بكر بن عياش قال: كنت إذا أصابتني المصيبة تصبرت وأمسكت عن البكاء، فأجد ذلك يشتد علي، حتى مررت ذات يوم بالكناسة، فإذا أنا بأعرابي واقف على ناقة له وهو ينشد:

خليلي عوجا من صدور الرواحل                      بجزعاء حزوى فابكيا في المنازل

لعل انحدارالدمع يعـقـب راحة                      من الوجد أو يشفي نجي البلابـل فسألت عنه فقيل لي: هذا ذو الرفة فكنت بعد إذا أصابتني مصيبة بكيت فأجد لذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعراب، ما كان أعلمه وأفصح لهجته.

أخبرنا يحيى بن علي عن أبيه قال: قلت لإسحاق: أيما أجود، لحنك في خيلي عوجا، أم لحن الواثق. فقال: لحني أجود قسمة وأكثر عملا، ولحنه أطرب، لأنه جعل ردته من نفس قسمته، وليس يقدر على أدائه إلا متمكن من نفسمه. قال على بن يحيى: فتأملت اللحنين بعد ذلك فوجدتهما كما ذكر إسحاق. قال وقال لي إسحاق: ما كان بحضرة الواثق أعلم منه بالغناء.

أخبرني علي بن هارون قال: كان عبدالله بن المعتز يحلف أن الواثق ظلم نفسه في تقديمه لحن إسحاق في، لقد بخلت. قال: ومن الدليل على ذلك أنه قلما غني في صوت واحد بلحنين فسقط أجودهما وشهر الدون، ولا يشهر من اللحنين إلا أجودهما، ولحن الواثق أشهرهما، وما يروي لحن إسحاق إلا العجائز ومن كثرت روايته.

حدثني جحظة عن ابن المكي المرتجل عن أبيه أحمد بن يحيى قال: كان الواثق يعرض صنعته على إسحاق فيصلح فيها الشيء بعد الشيء.

أخبرنا حسين بن يحيى عن حماد: أن آخر صوت صنعه أبوه: لقد بخلت، ثم ما صنع شيئا حتى مات.

أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: دخل أعرابي من بني سليم سر من رأى - وكان يكنى أبا القنافذ - فحضر باب المعتصم مع الشعراء فأذن له، فلفم مثل بين يديه أنشده:

مراض العيون خماص البطون                      طوال المتون قصار الخطـا

عتاق النحور قاق الـثـغـور                      لطاف الخصور خدال الشوى

عطابيل مـن كـل رقـراقة                      تلوث الإزار بدعص النـقـا

إذا هـن مـنـينـنـا نـائلا                      أبى البخل منهن ذاك المنـى

إلى النفرالبيض أهل البطـاح                      وأهل السماح طلبنا الـنـدى

لهم سـطـوات إذا هـيجـوا                      وحلم إذا الجهل حل الحـبـا

يبين لك الـخـيرفـي أوجـه                      لهم كالمصابيح تجلوالـدجـى

سعى الناس كي يدركوا فضلهم                      فقصرعن سعيهم من سعـى

سعى للخلافة فـاقـتـادهـا                      وبرزفي السبق لمـا جـرى قال: فاستحسنها المعتصم وأمرني فغنيت فيها، وأمر للأعرابي بعشرين ألف درهم ولي بثلاثين ألف درهم، وما خرج الناس يومئذ إلا بهذه الأبيات.

حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي عن إسحاق قال: كتبت إلى علي بن هشام أطلب منه نبيذا، فبعث إلي جمان بما التمست، وكتب إلي: قد بعثت إليك بشراب أصلب من الصخر، وأعتق من الدهر، وأصفى من القطر.

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبدالله الهشامي عن أحمد المكي قال: لما صنع إسحاق لحنه في الرمل:

أماوي إن الـمـال غـاد ورائح                      ويبقى من المال الأحاديث والذكر

وقدعلم الأقوام لـوأن حـاتـمـا                      يريد ثراء المال كان لـه وفـر وهو رمل نادر، ابتداؤه صياح، ثم لا يزال ينزل على تدريج حتى يقطعه على سجحة، وكان كثير الملازمة لعبدالله بن طاهر، ثم تخلف عنه مدة وذلك في أيام المأمون، فقال عبدالله للميس جاريته: خذي لحن إسحاق في:

أماوي إن المال غاد ورائح فاخلعيه علي:

وهبت شمال آخر الليل قرة                      ولا ثوب إلا بردها وردائيا

 

صفحة : 595

 

وألقيه على كل جارية تعلمينها واشهريه وألقيه على من يجيده من جواري زبيدة، وقولي: أخذته من بعض عجائز المدينة، ففعلت، وشاع أمره حتى غني به بين يدي المأمون، فقال المأمون للجارية: ممن أخذت هذا. فقالت: من دار عبدالله بن طاهر من لميس جاريته، وأخبرتني أنها أخذته من بعض عجائز المدينة. فقال المأمون لإسحاق: ويلك، قد صرت تسرف الغناء وتدعيه، اسمع هذا الصوت، فسمعه فقال: هذا وحياتك لحني، وقد وقع علي فيه نقب من لص حاذق، وأنا أغوص عليه حتى أعرفه، ثم بكر إلى عبدالله بن طاهر فقال: أهذا حقي وحرمتي وخدمتي، تأخذ لميس لحنتي في:

أماوي إن المال غاد ورائح فتغنيه في: وهبت شمال، وليس بي ذلك، ولكن بي أنها فضحتني عند الخليفة وادعت أنها أخذته من بعض عجائز المدينة، فضحك عبدالله وقال: لو كنت تكثر عندنا كما كنت تفعل لم تقدم عليك لميس ولا غيرها، فاعتذر فقبل عذره، وقال له: أي شيء تريد. قال: أريد أن تكذب نفسها عند من ألقته عليها حتى يعلم الخليفة بذلك، قال: أفعل، ومضى اسحاق إلى المأمون وأخبره القصة، فاستكشفها من لميس حتى وقف عليها، وجعل يعبث بإسحاق بذلك مدة.

حدثني جحظة قال حدثني عبيد الله بن عبدالله بن طاهر قال حدثتني شهوات الصناجة التي كان إسحاق، أهداها إلى الواثق: أن محمدا الأمين لما غناه إسحاق لحنه الذي صنعه في شعره وهو الثميل الأول:

يأيها القائم الأمـين فـدت                      نفسك نفسي بالمال والولد

بسطت للناس إذ وليتهـم                      يدا من الجود فوق كل يد فأمر له بألف ألف درهم، فرأيتها قد وصلت إلى داره يحملها مائة فراش.

حدثني جحظة ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنيت الواثق:

عفا طرف القرية فالكـثـيب                      إلى ملحاء ليس بهـاعـريب

تأبد رسمها وجرى عـلـيهـا                      سوافي الريح والترب الغريب - ولحنه ثقيل ثان - قال: فقال لي: يا إسحاق، قد أحسن ابن هرمة في البيتين، فأي شيء هو أحسن صفيهما من جميعهما. قال قلت: قوله: الترب الغريب، يريد أن الريح جاءت إلى الأرض بتراب ليس منها فهو غريب جاءت به من موضع بعيدة فقال: صدقت وأحسنت، وأمر لي بخمسين ألف درهم.

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: كنا يوما عند أحمد بن المدبر، فغناه مغن كان عنده لحن إسحاق:

فأصبحت كالحومان ينظر حسـرة                      إلى الماء عطشانا وقد منع الوردا وقال ابن المدبر: زد فيه:

وأمسيت كالمسلوب مهجة نـفـسـه                      يرى الموت في صد الحبيب إذا صدا لحن إسحاق في هذا البيت من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

حدثني الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد الأزدي قال حدثني شيخ من ولد المهلب قال: دخل مروان بن أبي حفصة يوما على إبراهيم الموصلي، فجعلا يتحدثان إلى أن أنشد إسحاق بن إبراهيم مروان بن أبي حقصة لنفسه:

إذا مضر الحمراء كانت أرومتي                      وقام بنصري خازم وابن خازم

عطست بأنف شامخ وتنـاولـت                      يداي الثريا قاعـدا غـير قـائم قال: وجعل إبراهيم يحدث مروان وهو عنه ساه مشغول، فقال له: مالك لا تجيبني? قال: إنك والله لا تدري ما أفرغ ابنك هذا في أذني.

حدثني أحمد بن جعفر جخظة قال حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني موسى بن هارون عن يعقوب بن بشرقال: كنت مع إسحاق الموصلي في نزهة، فمر بنا أعرابي، فوجه إسحاق خلفه بغلامه زياد الذي يقول فيه:

وقولا لساقينـا زياد يرقـهـا                      فقد هد بعض القوم سقي زياد قال: فوافانا الأعرابي، فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال:

بكرت تحن وما بها وجدي                      وأحن من وجد إلى نجـد

فدموعها تحيا الرياض بهـا                      ودموع عيني أقرحت خدي

وبساكني نجد كلفـت ومـا                      يغني لهم كلفي ولاوجـدي

لو قيس وجد العاشقين إلى                      وجدي لزادعليه ماعنـدي قال: فما انصرف إسحاق إلى بيته إلا محمولا سكرا، وما شرب إلا على هذه الأبيات.

والغناء فيها لإسحاق هزج بالبنصر.

 

 

صفحة : 596

 

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني به الحسن بن علي عن عبدالله بن أبي سعد عن محمد بن عبدالله عن إسحاق قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو على بساط سوسنجردي ستيني مذهب يلمع عليه مكتوب: مما أمر بصنعته حماد عجرد، فقال لي: أتدري من حفاد عجرد. قلت: لا قال: حماد عجرد، كان والي تلك الناحية، أفرأيت مثله قط. قلت: لا، فسكت ثم قلت: أهكذا يفعل الناس. قال: أفي شيء يفعلونه. قلت: تهبه لي، قال: لا أفعل، قلت: إذا أغضب قال: ما شئت افعل، فخرجت متغاضبا، فلما وافيت منزلي إذا برسوله قد لحقني بالبساط، فكتبت إليه بيتين لحمزة بن مضر:

ولقد عددت فلست أحصي كل ما                      قد نلت منك من المتاع المونق

بخديعتي فأراك منخدعـا لـهـا                      وفكاهتي وتغضبي وتملـقـي - قال ابن أبي سعد في خبره:- فلما دخلت عليه ضحك وقال لي: البيتان خير من البساط، فالفضل الآن لك.

أخبرني يحيى بن علي وأحمد بن جعفر جخظة عن أبي العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال: رأيت إبراهيم بن المهدي يناظر إسحاق في الغناء، فتكلما بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فمانحن منه في قليل ولاكثير.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق قال: قدمت على الواثق في بعض قدماتي، فقال لي: أما اشتقت إلي. فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وأنشدته:

أشكو إلى الله بعدي عن خليفـتـه                      وما أعالج من سقم ومـن كـبـر

لا أستطيع رحيلا إن هممـت بـه                      يوما إليه ولا أقوى على السـفـر

أنوي الرحيل إليه ثم يمـنـعـنـي                      ما أحدث الدهر والأيام في بصري قال: و قال وقد أشخصه إليه قصيدته الدالية:

ضنت سعاد غداة البين بالـزاد                      وأخلفتك فما توفي بمـيعـاد

ما أنس لا أنس منها إذ تودعنا                      والحزن منها وإن لم تبده بادي لإسحاق في هذين البيتين رمل بالوسطى، يقول فيهما:

لما أمرت بإشخاصي إلـيك هـفـا                      قلبي حنينا إلـى أهـلـي وأولادي

ثم اعتنرمت ولم أحـفـل بـينـهـم                      وطابت النفس عن فضل وحـمـاد

كم نعمة لأبيك الـخـير أفـردنـي                      بها وعم بـأخـرى بـعـد إفـراد

فلوشكرت أياديكـم وأنـعـمـكـم                      لما أحاط بها وصفـي وتـعـدادي

لأشكرنك مانـاح الـحـمـام ومـا                      حداعلى الصبح في إثر الدجى حادي قال علي بن يحيى: قال لي أحمد بن إبراهيم: يا أبا الحسن، لو قال الخليفة لإسحاق: أححضرني فضلا وحمادا أليس كان قد افتضح من دمامة خلقهما وتخلف شاهدهما.

حدثني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: كتب أبي إلى إسحاق في شيء خالله فيه من التجزئة والقسمة: لا إلى من أحاكمك والناس بيننا حمير.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا سليمان بن أيوب قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك الخزاعي قال حدثنا إسحاق قال: كنت مع الرشيد حين خرج إلى الرقة، فدخل يوما إلى النساء، وخرجث فمضيت إلى تل عزاز، فنزلت عند خمارة. هناك فسقتني شرابا لم أر مثله حسنا وطيبا وطيب رائحة في بيت مرشوش وريحان غض، وبرزت بنت لها كأنها خوط بان أو جدل عنان، لم أر أحسن منها قدا، ولا أسيل خدا، ولا أعتق وجها، ولا أبرع ظرفا، ولا أفتن طرفأ، ولا أحسن كلاما، ولا أتم تماما، فأقمت عندها ثلاثا والرشيد يطلبني فلا يقدر علي، ثم انصرفت فذهبت بي رسله، فدخلت عليه وهو غضبان، فلما رأيته خطرت في مشيتي ورقصت، وكانت في فضلة من السكر، وغنيت:

إن قلبى بـالـتـل تـل عـزاز                      عند ظبي من الظباء الجـوازي

شادن يسـكـن الـشـآم وفـيه                      مع دل العراق ظرف الحجـاز

يالقومي لبنت قـس أصـابـت                      منك صفو الهوى وليست تجازي

حلفت بالمسيح أن تنجـز الـوع                      د وليست تجـود بـالإنـجـاز

 

صفحة : 597

 

الغناء لإسحاق خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة - قال إسحاق: فسكن غضبه، ثم قال لي: أين كنمت? فأخبرته، فضحك وقال: إن مثل هذا إذا اتفق لطيب، أعد غناءك، فأعدته، فأعجب به، وأمرني أن أعيده ليلة من أولها إلى آخرها، وأخذها المغنون منى جميعا وشربنا إلى طلوع الفجر، ثم انصرفنا فصليت الصبح ونمت، فما استقررنا حتى أتى إلي رسول الرشيد فأمرني بالحضور، فركبت ومضيت، فلما دخلت وجدت ابن جامع قد طرح نفسه يتمرغ على دكان في الدار لغلبة السكر عليه، ثم قال: أتدري لم دعينا. فقلت: لا والله، قال: لكني أدري، دعينا بسبب نصرانيتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله، فضحكت. فلما دخلت على الرشيد أخبرته بالقصة، فضحك وقال: صدق، عودوا فيه فإني اشتقت إلى ما كنا فيه لما فارقتموني، فعدنا فيه يومنا كله حتى انصرفنا.

أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: كان إسحاق قد أظهر التوبة وغير زيه واحتجر من حضور دار السلطان. فبلغه أن المأمون وجد عليه من ذلك وتنكر، فكتب إسحاق إليه وغنى فيه بعد ذلك:

يابن عم النبي سمعا وطاعـه                      قد خلعنا الرداء والدراعـه

ورجعنا إلى الصناعة لما كان                      سخط الإمام ترك الصناعـه الغناء لإسحاق رمل بالبنصر عن عمرو - وقد ذكر الغلابي أن هذا الشعر لأبي العتاهية، قاله لما حبسه الرشيد وأمره بأن يقول الشعر - وذكر حبش أن هذا اللحن لإبراهيم.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال: لي محمد بن الحسن بن مصعب، وكان بصيرا بالغناء والنغم: لحن إسحاق في لاتشكى الكميت الجري، أحسن من لحن ابن سريج، ولحنه في لم يوم تبدى لنا قتيلة، أحسن من لحن معبد، وذلك من أجود صنعة معبد. قال: فأخبرت إسحاق بقوله، فقال: قد والله أخذت بزمامي راحلتيهما وزعزعتهما وأنخت بهما فما بلغتهما. فأخبرت بذلك محمد بن الحسن، فقال: هو والله يعلم أنه برز عليهما، ولكنه لا يدع تعصبه للقدماء.

وأخبرني - جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق: أن رجلا سال أباه فقال له: إن الناس قد كثروا في صوتيك: تشكى الكميت الجري، و يوم تبدى لنا قتيلة، وقالوا: إنهما أجود من لحني ابن سريج ومعبدة قال أبي: ويحك، رميت في هذين الصوتين بمعبد وابن سريج وهما هما، فقربت ووقع القياس بيني وبينهما، وعلى ذلك فقد والله أخذت بزمامي راحلتيهما وانتصفت منهما.

قرأت في بعض الكتب أن محمد بن الحسن - أظنه ابن مصعب - ذكر إسحاق الموصلي فقال: كانت صنعته محكمة الأصول، ونغمته عجيبة الترتيب، وفسمته معدلة الأوزان، وكان يتصرف في جميع بسط الإيقاعات، فأي بساط منها أراد أن يتغنى فيه صوتا قصد أقوى صوت. جاء في ذلك البساط لحذاق القدماء فعارضه: وقد كان يذهب مذهب الأوائل، ويسلك سبيلهم، ويقتحم طرقهم، فيبني على الرسم فيصنعه، ويحتذى على المثال فيحكيه، فتأتي صنعته قوية وثيقة يجمع فيها حالتين: القوة في الطبع وسهولة المسلك، وخنثا بين كثرة النغم وترتيبها في الصياح والإسجاح، فهي بصنعة الأوائل أشبه منها بصنعة المتوسطين من الطبقات، فأما المتأخرون فأحسن أحوالهم أن يزووها فيردوها. وكان حسن الطبع في صياحه، حسن التلطف، لتنزيله من الصياح إلى الإسجاح على ترتيب بنغم يشاكله، حتى تعتدل وتتزن أعجاز الشعر في القسمة بصدوره. وكذلك أصواته كلها، وأكثرها يبتدىء الصوت فيصيح فيه وذلك مذهبه في جل غنائه، حتى كان كثير من المغنين يلقبونه الملسوع، لأنه يبدأ بالصياح في أحسن نغمة فتح بها أحد فاه، ثم يرد نغمته فيرجحها ترجيحا وينزلها تنزيلا حتى يحطها من تلك الشدة إلى ما يوازيها من اللين، ثم يعود فيفعل مثل ذلك، فيخرج من شدة إلى لين ومن لين إلى شدة، وهذا أشد ما يأتي في الغناء وأعز ما يعرف من الصنعة. قال يحيى بن علي بن يحيى وقد ذكر إسحاق في صدر كتابه الذي ألف في أخباره أوزاد في بعض ما صنعه: وكان إسحاق أعلم أهل زمانه بالغناء، وأنفذهم في جميع فنونه، وأضربهم بالعود وبأكثر آلات الغناء، وأجودهم صنعة، وقد تشبه بالقديم وزاد في بعض ما صنعه عليه، وعارض ابن سريج ومعبدا فانتصف منهما، وكان إبراهيم بن المهدي ينازعه في هذه الصناعة ولم يبلغه فيها، ولم يكن بعد إسحاق مثله.

 

 

صفحة : 598

 

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني إبراهيم بن علي بن هشام: قال إسحاق وذكر صوته:

كان افتتاح بلائي النظر                      فالحين سبب ذاك والقدر

قد كان باب الصبرمفتتحا                      فاليوم أغلق بابه النظر الشعر والغناء لإسحاق قيل أول مطلق في مجرى البنصر. وفيه لأحمد بن المكي خفيف قيل، ولعريب ثاني قيل، جميعا عن الهشامي - قال إسحاق: ما شبهت صوتي هذا إلا بإنسان أخذ الكرة على الطبطابة وأهل الميدان جميعا خفله، فلما بلغ أقصى ضربها أحجزها.

خبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن يزيد المهلبي قال حدثني إسحاق، وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن ابن المكي عن إسحاق قال: صنعت هذا الصوت في آخر أيام الرشيد وكان إذ ذاك يحيى بن معاذ يشرب النبيذة، فلما كان في أيام محمد غنيته، فاشتهاه واشتهر به، وبعث إلى يحيى بن معاذ وأنا أغنيه:

اسقني وابن نهـيك                      وابن يحيى بن معاذ فلما حضر يحيى غنيت:

فاسقني واسق نهيكـا                      واسق يحيى بن معاذ فبعث إليه محمد فأحضره فقال: لتشربن أو لأعاقبنك، فلم يبرح حتى شرب قدحا، وغلفه وأمر له بمال، وسر بذلك محمد ووهب لي عليه مالا، وانصرفت إلىالبيت، فجاءني رسول يحيى بن معاذ فصرت إليه، فلم يزل يستحلفني ألا أعود في هذا الصوت قدام محمد أبدا، وأمر لي من المال بشيء فلم أقبله، ولم أعد فيه.

شعر علي بن هشام الذي غنى فيه:

يومـنــا يوم رذاذ                      واصطباح والتـذاذ

فاسقنى وابن نهـيك                      وابن يحيى بن معاذ

من كميت عتقت للش                      يخ كسرى بن قبـاذ

ليس للمرء من الـه                      م سواها من مـلاذ الشعر لعلي بن هشام، والغناء لإسحاق قيل أول بالبنصر عن عمرو.

أخبرني بقوله علي بن هشام والحسن بن علي قالا حدثنا عبدالله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن القاسم الهاشمي قال حدثني أبو عبدالله الهلالي قال: كنت عند علي بن هشام يوما إذ رشت السماء رشا وطشت، فأنشأ علي يقول:

يومـنـا يوم رذاذ                      واصطباح والتذاذ - وذكر الأبيات الأربعة - ثم قال لغلامه: اذهب إلى أحمد بن يحيى بن معاذ وقل له: يقول لك أخوك: هذا يوم طيب، فتعال أنت وغلاماك بنان وعثعث، فجاء إلى بابه الرسول وعليه غرماء له، فمنعوه الدخول عليه، فقال لهم: كم لكم عليه? قالوا: مائتا ألف درهم، فرجع الغلام إلى علي بن هشام فأخبره بالخبر ومبلغ مالهم عليه من الدين? فتمال له: احمل إليه مائتي ألف الدرهم وجيء به وبغلاميه الساعة فحملها، فجاء أحمد بن يحيى ومعه غلاماه، فقال لعلي بن هشام: لم تحملت هذا لي، أنا والله منتظر ما لا يجيء فأعطيهم، فقال له: مالي ومالك واحد. فتغديت معهما حتى جاءت الحلواء فقال: أكثر من الحلواء فلست تدخل معنا في ديواننا يعني الشرب، فأكلت وغسلت يدي، فقال لغلامه سراج: احمل مع أبي عبدالله الهلالي لاثين ألف درهم، فانصرفت وهي معي.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا سليمان المدائني عن ابن المكي عن أبيه قال حدثني إسحاق قال: تعشقت جارية فقلت فيها:

هل إلى أن تنام عيني سبـيل                      إن عهدي بالنوم عهد طـويل

غاب عني من لا أسمي فعيني                      كل يوم عليه حزنا تـسـيل - الشعر والغناء لإسحاق رمل بالبنصر عن عمرو. وفيه لعريب خفيف رمل آخر. وفيه لمحمد بن حمزة وجه القرعة خفيف قيل، وقيل: إنه لابن المكي. وفيه رمل بالوسطى ينسب إلى علويه وإلى حسين بن محرز - قال إسحاق: ثم ملكتها، فكنت مشغوفا بها، حتى كبرت واعتلت علي عيناي، فذكرت هذا الصوت وأيامه المتقدمة، فما زلت أبكي وأذكر دهري الذي تولى. وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن يزيد المهلبي عن إسحاق، وليس هذا على التمام.

أخبرني جحظة عن محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال: دعا المأمون بإسحاق فأحضره، فأمره أن يغني في هذا الصوت فغنى:

هل إلى أن تنام عيني سبيل

 

صفحة : 599

 

فغناه، وكنت حاضرا فقلت: أحسن والله يا أمير المؤمنين، وما عدا بلحنه معنى شعره، فقال المأمون: فإنا نرد الحكم إلى من هو أعلم بذلك منك، فبعث إلى أبي يعني يحيى المكي فجيء به، فخبره بما قلت وما قال، وأمر إسحاق برد الصوت فرده، فقال يحيى: أحسن إسحاق في غنائه وأحسن ابني في استحسانه، إلا أن هذا اللحن يحتاج أن يسمع من غير حلق إسحاق، فضحك المأمون، وأمر لإسحاق بمال وأمر لأبي بمثله ولي بمثله. قال: ولم يكن في إسحاق شيء يعاب إلا حلقه، وكان يغلب الناس جميعا بطبعه وحذقه.

قال: وأما السبب في علة عين إسحاق وضعف بصره، فأخبرني به محمد بن خلف وكيع قال حدثني به أبو أيوب المديني قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك الخزاعي: أن إبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف نازع إسحاق في شيء بين يدي الرشيد من الغناء، فرد عليه، فشتمه، فرد عليه إسحاق وأربى في الرد، فقال له إبراهيم: أترد علي وأنا مولى أمير المؤمنين، فقال له: اسكت فإنك من موالي العيدين، فقال له الرشيد: وأي شيء موالي العيدين? فال: يا أمير المؤمنين، يشترى للخلفاء كل صانع وكل ضرب في العبيد للعتق، فيكون فيهم الحجام والحائك والسائس، فهو أحد هؤلاء الذين ذكرت. قال: وخرج إبراهيم فوقف له على طريقه، فلما جاز عليه منصرفا ضرب رأسه بمقرعة فيها معول، فكان ذلك سبب ضعف بصر إسحاق. وبلغ الرشيد الخبر، فأمر بأن يحجب عنه إبراهيم، وحلف ألا يدخل عليه، فدس إلى الرشيد من غناه:

من لعبد أذلـه مـولاه                      ماله شافع إليه سواه

يشتكي مابه إليه ويخشا                      ويرجوه مثل مايخشاه - الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف خفيف رمل. وفيه لعريب قيل أول. وقيل: إن لابن جامع فيه خفيف رمل آخر- فلما غني الرشيد بهذه الأبيات، سأل عن صاحب لحنها فعرفه، فحلف ألا يرضى عنه حتى يرضى إسحاق، فقام إسحاق فقال: قد رضيت عنه يا سيدي رضاء حسنا، وقبل الأرض بين يديه شكرا لما كان من قوله، فرضي عنه وأحضر وأمره بترضي إسحاق ففعل.

وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: جاء إبراهيم ابن أخي سلمة إلى الرشيد فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أحب أن تشرفني بأن تكون نوبتي ونوبة اسحاق الموصلي في مكان، وأن يكون دخولي إليك ودخوله في مكان، فان رأيت أن تجعل ذلك كما سألت فعلت، قال: قد فعلت، ولم أكن حاضرا لمسألته. فلما كان يوم دخولي عليه جاءني إبراهيم فدق بابي دقا عنيفا وعرفني الغلام خبره، فقلت له: يدخل فأبى وقال له: قل له اخرج أنت، فساء ظني، اغتممت، فخرجت إليه فقلت له: ما الخبر. قال: إن أمير المؤمنين يأمرك بالحضور ويأمرك ألا تدخل الدار إلا معي بعد أن أوجه إليك فتركب إلي وتمضي معي، فمضيت معه على رغمي وأنا منكسر، وكنت بقية يومي على تلك الحال. ثم ركبت إلى الفضل بن الربيع فشكوت ذلك إليه، فقال: ما أرى أمير المؤمنين يحلك هذا المحل، قم بنا إليه، فقمت معه، فدخل إلى الرشيد فقال له: يا أمير المؤمنين، إسحاق وخدمته وحقوق أبيه عليك وعلى أمير المؤمنين المهدي تضع مقداره أن تجعله مضموما إلى إبراهيم ابن أخي سلمة، قال: لا والله ما فعلت هذا قال: إنه قد جاءني يبكي ويحلف إن جرى عليه هذا تاب من الغناء وتركه جملة، ثم لو قتل لم يعد إليه، فقال: ويحك، والله ما جرى من هذا شيء، إلا أن إبراهيم ابن أخي سلمة جاء فقال: تشرفني أن تجعل نوبتي مع نوبة إسحاق ووصولي مع وصوله ففعلت، فقل له: يجيء متى لاشاء وينفرد عنه ولا يجيء معه ولا كرامة، فأخبرني فرجعت. فلما كانت نوبتي جاء إبراهيم إلي ففعل مثل فعله، فقلت لغلامي: أخرج إليه فقل له: ولا كرامة لك يا زاني يابن الزانية، لا أجيء معك ولا أدعك تجيء معي أيضا، وشتمه أقبح شتم فخرج الغلام فأدى إليه الرسالة، فعلم أن هذا لم يتجرأ عليه إلا بعد توثق فخجل، فقال له: قل له: ومن أكرهك على هذا، إنما أحببت أن نصطحب ونتأنس في طريقنا، فإن كرهت هذا فلا تفعله، وانصرف ولم يعاودني بعدها.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن ابن المكي عن أبيه قال: كان إسحاق إذا غنى هذا الصوت يأخذ بلحيته ويبكي:

إذا المرء قاسى الدهر وابيض رأسه                      وثلم تثـلـيم الإنـاء جـوانـبـه

 

صفحة : 600

 

 

فللموت خيرمن حياة خسيسة                      تباعده طورا وطورا تقاربه الشعر لزبان بن سيار الفزاري، حدثني بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه. والغناء لإسحاق رمل بالوسطى.

أخبرنا محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنا يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق قال: أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا لا يسمع حرفا من الأغاني، فكان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى بن الرشيد، ثم واظب على السماع متسترا متشبها في أول أمره بالرشيد، فأقام كذلك أربع حجج، ثم ظهر إلى الندماء والمغنين. وكان حين أحب السماع سأل عني، فجرحت بحضرته، وقال الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة، قال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا إلا استعمله. فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني، لسوء رأيه الذي ظهر في، فأضر ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك? فإنا قد دعينا اليوم، فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك: لمن هذا، فإذا سألك انفتح لك ما تريد، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، فقال: هات، فألقيت عليه لحني في شعري:

يا سرحة الماء قد سدت موارده                      أما إليك طريق غير مسـدود

لحائم حام حتـى لاحـيام لـه                      محلأ عن طريق الماء مطرود - الغناء لإسحاق رمل بالوسطى عنه وعن عمرو - قال: فمضى علويه، فلما استقر به المجلس، غناه بالشعر الذي أمرته، فما عدا المأمون أن يسمع الغناء حتى قال: ويحك يا علويه، لمن هذا? قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته من غير جرم، فقال: أإسحاق تعني. قال: نعم، قال: يحضر الساعة، فجاءني رسوله فصرت إليه. فلما دخلت عليه قال: ادن فدنوت، فرفع يديه مادهما، فانكببت عليه، واحتضنني بيديه، وأظهر من بري وإكرامي ما لو أظهره صديق مؤانس لصديقه لبره.

أخبرني محمد بن إبراهيم الجرجاني قريض قال: قال لي أحمد بن أبي العلاء: غنيت المعتضد يوما وهو أمير صوت إسحاق:

يا سرحة الماء قد سدت موارده                      أما إليك طريق غير مسـدود فطرب واستعاده مرارا، وقال: هذا والله الغناء الذي يخالط الروح ويمازج اللحم والدم.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو العبيس بن حفدون قال أخبرني أبي قال: لما غنى إسحاق في شعره هذا:

لأسماء رسم عفا باللوى أقام                      رهينا لطـول الـبـلـى

تعاوره الدهرفي صرفـه                      بكر الجديدين حتى عـفـا - الشعر لإسحاق من قصيدة مدح بها الرشيد، والغناء له ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لسليم قيل أول من رواية الهشامي، وذكر حبش أنه لإبراهيم بن المهدي- قال: فكان الناص يتهادونه كما يتهادون الطرفة والباكورة. وقال أبو العبيس حدثني ابن مخارق: أن الواثق بعث إلى أبيه مخارق لما صنع إسحاق هذا الصوت ليلقيه عليه، فصادفه عليلا - ولم يكن أحد يلقن عن إسحاق طرح الغناء كما يلقنه مخارق- فأعاد إليه الرسول ومعه محفة، وقال: لا بد أن يجيء على كل حال، فتحامل وصار إليه حتى أخذ الصوت عن إسحاق ورجع.

وذكر محمد بن الحسين الكاتب عن أبي حارثة الباهلي عن أخيه أبى معاوية: أن إسحاق كان يتحلى بالشجاعة والفروسية ويحب أن ينسب إليهما، ويركب الخيل ويتعلم بها آفة من الآفات المعترضة على العقول. وكان قد شهد بعض مشاهد الحروب فأصابه سهم فنكص على عقبيه، فقال أخوه طياب فيه:

وأنت تكلفت ما لا تـطـيق                      وقلت أنا الفارس الموصلي

فلما أصـابـتـك نـشـابة                      رجعت إلى سـنـك الأول أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق قال: قال حمزة الزيات القارىء، يا موصلي، إن لي فيك رأيا، أفترضى مع فهمك وأدبك ورأيك أن يكون عوضك من الآخرة فضل مطعم على مطعم.

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني أبو سعيد السكري قال أنشدني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي لعمه يقول لإسحاق:

أئن تغنيت للشـرب الـكـرام ألا                      رد الخليط جمال الحي فانفرقـوا

وقيل أحسنت فاستدعاك ذاك إلـى                      ما قلت ويحك لايذهب بك الخرق

وقيل أنت حسان الناس كـلـهـم                      وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

آيات التوبة بمشتفاتها اللغوية في المصحف كله

  كلمات ذات صلة بمرادفات التوبة كلمات ذات صلة فَتَابَ التَّوَّابُ فَتُوبُوا وَتُبْ تَابُوا أَتُوبُ التَّوَّابِينَ تُبْتُمْ...